مكانة القانون الدولي الاتفاقي داخل النظام القانوني المغربي والمقارن - الشليحي محسن

 



مكانة القانون الدولي الاتفاقي داخل النظام القانوني المغربي والمقارن

الشليحي محسن

دكتور في القانون العام

 

The rank of contractual international law whithin Moroccan and comparative domestic legal’s systems

Moohssin ALCHALIHI

 

الملخص: إن مقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية في علاقتها بالمعايير المشكلة للهرم القانوني الداخلي، تثير العديد من الإشكالات القانونية، وذلك على مستويات عدة، تهم السلطات الثلاث داخل الدولة. ونظرا للأهمية التي أصبحت تحضى بها مقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية كمصدر من مصادر القانون الدولي العام من جهة، واعتبارها كذلك بالنسبة للقانون الداخلي من جهة أخرى. ونظرا لاختلاف التجارب الدستورية المقارنة فيما بينها حول المكانة التي تخولها لمقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية داخل الهرم القانوني الداخلي، وهو الإشكال الذي لم تسلم منه بدورها التجارب الدستورية المغربية، سواء السابقة واللاحقة. وعليه، فإن هذه الورقة البحثية ستحاول أن تجيب على الإشكال الجوهري التالي، ألا وهو، أية مكانة لمقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية في النظم القانونية المقارنة من جهة، والنظام القانوني المغربي من جهة أخرى، وذلك انطلاقا من زاويا مختلفة سواء فقهية، أو معيارية، ولما لا قضائية.

الكلمات المفتاح: المعاهدات والاتفاقيات الدولية، الدساتير الوطنية، نظرية وحدة القانون، نظرية ثنائية القانون.

 

Abstract: the question dealt in this article is the rank of the international treaties in the hierarchy of norms within domestic legal systems. Do international treaties have an authority inferior or superior to law? And how the constitutions of different countries resolve the conflict arises between an international treaty and national law? Firstly we look to the main question from theoretical perspective, we mean monistic and dualistic theories, and later from a comparative perspective. We will focus on the Moroccan new constitution whish bring something new about the Moroccan approach for setting up the relationship between treaties and Moroccan’s legal system. 

Key words: international treaties- constitution- monistic theory - dualistic theory-hierarchy of norms.   

 

مقدمة

إن مقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية، كمعايير مشكلة للهرم القانوني الداخلي، وذات المصدر الخارجي، تثير العديد من الإشكالات تهم السلطات الثلاث داخل الدولة، نوجزها على النحو التالي: 

على مستوى السلطتان التنفيذية والتشريعية، يثير موضوع إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية إشكالية الاختصاص، بحيث أن هذا الأخير تتنازعه في أغلب الأنظمة القانونية المقارنة كل من السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. وعليه، فإذا كان من البديهيات أن السلطة المخولة بالتشريع على المستوى الداخلي هي السلطة التشريعية، فإن الممارسة على المستوى الدولي تجعل إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية هو منوط بالسلطة التنفيذية. مما يجعلها بمثابة مشرع استثنائي، خاصة، في الأنظمة القانونية المقيدة لسلطات البرلمان في إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وفي تلك التي تجعل لهذا الأخير دورا محدودا في ذاك المجال.

 دائما، وفي إطار إشكالية تنازع الاختصاص والتي تثيرها المعاهدات والاتفاقيات الدولية على مستوى السلطتين التنفيذية والتشريعية. وتدعيما لفكرة كون السلطة التنفيذية بإمكانها أن تصبح بمثابة مشرع استثنائي، وذلك عبر ابرامها للمعاهدات والاتفاقيات الدولية، نجد أن هناك شبه إجماع لجل الأنظمة القانونية المقارنة، على جعل حق المبادرة في إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية هو بيد السلطة التنفيذية، ولا إكراه عليها في ذلك. بل إن الأنظمة القانونية المقارنة جعلت من مسألة المبادرة في ابرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية عملا من أعمال السيادة Un Acte de haute administration، وبالتالي، فهو يبقى مبدئيا في منأى عن إمكانية الطعن فيه أمام القضاء الإداري.

 أما على مستوى السلطة القضائية، فمقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية تثير إشكالات على مستوى هذه السلطة، ويبقى أهمها إشكالية حق المطالبة بمقتضياتها أمام القاضي الوطني، ثم إشكالية الرقابة القضائية المفروضة عليها.

فالإشكالية الأولى، تتعلق بمدى جواز المطالبة بمقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية أمام القاضي الوطني، لا سيما وأن مقتضيات الأخيرة تصبح جزء من الترسانة المعيارية الداخلية، وبالتالي، فالقضاء الداخلي أو الوطني هو ملزم بتنفيذها وتطبيقها. ويزداد هذا الإشكال حدة أمام القاضي الوطني، خاصة، في الأنظمة القانونية والتي لا زالت تترد في أخذ موقف حازم بخصوص نظرتها للقانون الدولي بشكل عام، والقانون الدولي الاتفاقي بشكل خاص، وذلك في علاقته بالقانون الوطني. فنكون أمام أنظمة قانونية تسمى تارة بالصامتة أو المبهمة، وربما حتى بالرمادية عند ترسيمها للحدود بين قواعد القانون الدولي من جهة والقانون الوطني من جهة أخرى.

 أما الإشكالية الثانية والتي تثيرها المعاهدات والاتفاقيات الدولية على مستوى السلطة القضائية، فيتعلق الأمر بإشكالية الرقابة القضائية على مقتضياتها.  بحيث أن إضافة قواعد معيارية جديدة إلى الهرم القانوني الداخلي، والمقصود هنا القواعد المعيارية الاتفاقية أو التعاهدية، ومنحها مكانة أسمى من القانون الوطني، أدى إلى ظهور صنف جديد من الرقابة القضائية المفروضة على القواعد المعيارية، ويتعلق الأمر بالرقابة على مدى احترام التشريعات الداخلية للالتزامات الدولية للدولة الطرف Le contrôle de conventionalité. مما نتج عنه خلط هذا الصنف من الرقابة القضائية، مع نظيرتها الأخرى، ونقصد طبعا الرقابة على مدى دستورية القواعد المعيارية   Le contrôle de constitutionalité.

 وهو ما أثار بدوره مسألة الاختصاص القضائي في تفعيل الرقابة الأولى، وهل هو منوط بالقضاء الدستوري أم بالقضاء العادي. هذا دون الحديث عن الاشكالات التي تثيرها الرقابة القضائية عموما على مدى دستورية الالتزامات الدولية للدولة الطرف، والتي أصبحت تتبناها العديد من الأنظمة القانونية المقارنة، فيما أنظمة قانونية أخرى حظرتها بالمرة، كالنظام القانوني التركي على سبيل المثال.

 مما تقدم، ونظرا للأهمية التي أصبحت تحضى بها المعاهدات والاتفاقيات الدولية في وقتنا الحالي، لاسيما وأنها تعتبر من المصادر الأساسية للقانون الدولي، وكألية لا يستغنى عنها لتحقيق التعاون والسلام الدوليين. نتساءل عن المكانة التي خصت بها النظم القانونية المقارنة من جهة، والنظام القانوني المغربي من جهة أخرى، مقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وذلك بالنظر إلى القواعد المعيارية الوطنية، والمشكلة للهرم القانوني الداخلي.

المبحث الأول : مكانة مقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية في الأنظمة القانونية المقارنة.

إن الإجابة على إشكالية طبيعة العلاقة القائمة بين القانون الدولي الاتفاقي من جهة، والقانون الداخلي من جهة ثانية، داخل أي نظام قانوني، يجب أن تنطلق مبدئيا من الدستور. على اعتبار أن الأخير هو الموكول إليه الافصاح عن المذهب الذي تبناه المشرع الدستوري عند ترسيم العلاقة ما بين كل من القانون الداخلي والقانون الدولي بما فيه القانون الدولي الاتفاقي.  وعليه، ففي البلدان مثل المملكة المتحدة وكندا وأستراليا، حيث يتبنى النظام القانوني الداخلي لهاته البلدان نظرية ثنائية القانون Le Dualisme، فإشكالية مكانة الاتفاقيات الدولية في الهرم القانون الداخلي في الأنظمة القانونية للدول السالفة الذكر، غير مثارة على الإطلاق، نظرا لأن ثنائية القانون تستلزم بالضرورة تبني اليات داخلية للإدماج، لجعل المقتضيات المضمنة في المعاهدات والاتفاقيات الدولية جزء من الترسانة القانونية الداخلية. مما يعني، أن المحاكم الوطنية في البلدان المتبنية لمذهب ثنائية القانون، والتي أخذناها سلفا على سبيل المثال، وكذلك في البلدان التي تحدوا حدوها، تطبق القانون الوطني ومن خلاله تطبق القانون الدولي، ولكن بطريقة غير مباشرة. بينما نجد أن اشكالية مكانة القانون الدولي خاصة الاتفاقي داخل الهرم القانوني الداخلي، تزداد حدة في الدول التي تتبنى مذهب وحدة القانون Le Monisme.

 وهو ما عليه الحال في الدول الأوربية ودول أمريكيا الجنوبية. وتقوم هذه النظرية (خاصة في شقها المسمى وحدة القانون مع سمو القانون الدولي على القانون الوطني)[1] على أساس أن القانون الدولي والقانون الوطني يشكلان معا نظاما قانونيا واحدا. وبالتالي، فإن الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من جانب الدولة الطرف، تبقى ملزمة لها على المستويان الدولي والوطني. وبمعنى اخر، فالمقتضيات المضمنة في الاتفاقيات الدولية، تظل موجودة إلى جانب المقتضيات التي تشكل الترسانة القانونية الوطنية، وذلك دون الحاجة إلى أن تتحول الأولى إلى صورة مطابقة للثانية. كما أن الاتفاقيات المصادق عليها هي واجبة التطبيق من طرف المحاكم الوطنية كجزء لا يتجزأ من القانون الوطني. وعليه، فأي نزاع بين مقتضيات الاتفاقية الدولية من جهة، ومقتضيات القانون الوطني من جهة أخرى، والذي يعرض على أنظار المحاكم الوطنية، يؤدي لا محالة إلى إثارة السؤال التالي: أي القانونين أولى بالتطبيق؟ ليكون الجواب على هذا السؤال، سؤال أخر تكون المحاكم الوطنية مدعوة أن تجيب عليه، ألا وهو، أي مكانة للقانون الدولي الاتفاقي داخل الهرم القانوني الوطني؟

- المطلب الأول: الاتفاقيات الدولية التي بمكانة المراسيم وتلك التي بمكانة القانون.

مبدئيا، تقوم نظرية فصل السلط على أساس كون السلطات الثلاث داخل الدولة، التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، تؤدي وظائفها وذلك باستقلال كل سلطة عن الأخرى. مع إقرار اليات للرقابة والتعاون البيني بين السلطات الثلاث.

أما نظرية تراتبية القواعد القانونية والتي هي بالمناسبة تتفرع عن نظرية فصل السلط، فتقوم على أساس كون القاعدة المعيارية ما هي إلا تعبير عن الإرادة، والإرادة تحتاج إلى سلطة لإخراجها إلى حيز الوجود. وعليه، فإن تراتبية القواعد المعيارية ينشأ عنه في الان نفسه تراتبية في السلط المصدرة لتلك القواعد. وهكذا فالسلطة منشأ القواعد المعيارية التشريعية هي أعلى من السلطة منشأ المعايير التنظيمية، وبمعنى اخر فالسلطة التنفيذية[2] لا يمكن لها أن تغير القانون، لأن ذلك من اختصاص السلطة التشريعية. وهذه الأخيرة، لا يمكن لها أن تغير الدستور كما تفعل في تغير القانون، لأن تغير الدستور يبقى من اختصاص السلطة التأسيسية، أو البرلمان، وبأغلبية موصوفة. وللإشارة فنظرية تراتبية القواعد القانونية بالنظر إلى السلطة منشأ القاعدة المعيارية لا تسري على مقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية إلا بشكل جزئي. وعليه، فتحديد مقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية والتي مقتضياتها هي بمثابة المراسيم، وتلك التي مقتضياتها بمثابة القانون، يتم بناء على السلطة التي تولت كل من الإبرام ثم المصادقة على تلك المعاهدات والاتفاقيات الدولية من جهة، ثم بناء على الإجراءات الشكلية المتبعة في ابرام الأخيرة من جهة أخرى. وعليه، فانطلاقا من نظريتي فصل السلط من جهة، وتراتبية القواعد المعيارية من جهة أخرى، يمكن تصور المكانة التي تحتلها مقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية داخل نظام قانوني ما، وذلك على النحو التالي:

- الفرع الأول: الاتفاقيات الدولية التي بمكانة المراسيم.

إن هذا الصنف من الاتفاقيات الإدارية أو البسيطة أوالتنفيذية،[3] )ولا نقصد بالأخيرة الاتفاقيات التنفيذية في النظام القانوني الأمريكي وهو ما سنعود إليه لاحقا) نجده حاضرا في أغلب النظم القانونية المقارنة، حتى وإن صمتت الدساتير الوطنية عن التنصيص أو الإشارة إليه، إلا أننا نجد له حضورا من خلال الممارسة الاتفاقية المضطردة للدول. فهذا الصنف من الاتفاقيات ذو الطابع التقني والفني، تلجأ إليه الحكومات لتعزيز التعاون البيني، ولتطوير قطاع معين، سواء كان اقتصاديا، أو اجتماعيا، أو صناعيا ...الخ.

  كما أن هذا الصنف من الاتفاقيات يعتبر من الوسائل القانونية المكفولة للسلطة التنفيذية لتنزيل سياساتها الداخلية وذلك بالتعاون مع الدول الصديقة والشقيقة. وتمتاز هذه الاتفاقيات ببساطة وسرعة إجراءات ابرامها، بحيث يتولى في الغالب الوزراء المعنين بموضوع الاتفاقية التوقيع عليها، وهي لا تحتاج إلى المصادقة عليها من طرف رئيس الدولة، بل يكفي تبادل نسخ الاتفاقية الموقعة من طرف الجانبين، وعادة ما يتم هذا التبادل خلال حفل التوقيع، فتدخل الاتفاقية بعده حيز النفاد، وذلك في أقرب الآجال.

 أضف إلى ذلك، كون هذا الصنف من الاتفاقيات، يمكن السلطة التنفيذية من تصريف أعمالها مع الاقتصاد في عامل الزمن، مقارنة بالمعاهدات المبرمة بالأصالة، والتي تحتاج إلى المرور بمسلسل طويل من الإجراءات قد يصل في بعض التجارب المقارنة إلى عشرات السنين. ويشترط في هذا الصنف من الاتفاقيات ألا يدخل موضوعها في مجال من مجالات التشريع، أو يحتاج تنزيلها إلى اتخاد تدابير تشريعية. كما يحضر أن تتناول هذه الاتفاقيات المجالات التي الزم المشرع الدستوري المصادقة عليها بعد تدخل السلطة التشريعية.[4]

 كما أن الاتفاقيات الإدارية أو التنفيذية أو البسيطة، لا يجب عليها أن تخرق التشريع الداخلي، وإلا صارت تستدعي التدخل البرلماني مما ينفي عليها صفة كونها اتفاقيات تنفيذية. بل في الغالب نجد أن هذا الصنف من الاتفاقيات يأتي تنقيدا لقانون سابق، مثل اتفاقيات التمويل الخارجي، والتي تبرم بناء وبالاستناد الى قوانين المالية، وهو ما عليه الحال في التجارب القانونية المقارنة، بما فيها التجربة المغربية. وتحتل مقتضيات هذا الصنف من الاتفاقيات مكانة أدني من الدستور وكذلك من التشريع، خاصة السابق.

- الفرع الثاني: الاتفاقيات الدولية التي بمكانة القانون.

مقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية المصادق عليها بقانون، وبأغلبية عادية تماثل الأغلبية المطلوبة للتصويت على القوانين العادية، تحوز نفس القيمة القانونية التي لهذه الأخيرة، وتحتل مكانة القانون في الهرم القانوني الداخلي. وبالتالي، ففي حالة التنازع بين مقتضيات هذا الصنف من المعاهدات والاتفاقيات الدولية من جهة، ومقتضيات التشريعات الداخلية من جهة أخرى، تطبق القاعدة الفقهية "القانون اللاحق يلغي السابق". وفيما يلي عينة من الدساتير المقارنة، والتي تطرقت لهكذا صنف من المعاهدات والاتفاقيات الدولية:          

 • الدستور الألماني.

الفصل 59 من القانون الأساسي الألماني [5]لسنة 1949 في فقرته الثانية ينص على أن " المعاهدات التي تنظم العلاقات السياسية للفدرالية، والتي تتعلق بموضوعات يلزم معالجتها بواسطة التشريعات الاتحادية (الفدرالية)، تستلزم موافقة ومشاركة الهيئات المختصة بالتشريعات الاتحادية، كل حسب اختصاصها، وذلك في صورة قانون اتحادي[6] (فدرالي).

وتطبق الأحكام الخاصة بالإدارة الاتحادية أيضا بالنسبة للاتفاقيات التنفيذية." إذن ومن خلال هذا الفصل، يتبين أن النظام القانوني الألماني يعرف المعاهدات والاتفاقيات الدولية والتي يلزم تنفيذها اصدار قوانين فدرالية، مما يجعل مقتضيات الأولى والثانية على قدم المساواة داخل الهرم القانوني الداخلي الألماني. وعليه، ففي حالة التنازع ما بين مقتضيات هذا الصنف من المعاهدات والاتفاقيات الدولية من جهة، ومقتضيات القوانين الفدرالية الألمانية من جهة أخرى، تطبق القاعدة الفقهية "القانون اللاحق يلغي السابق."

 وهذا ما أكده الاجتهاد القضائي الألماني. ففي 12 فبراير 2016، حيث أصدرت المحكمة الدستورية الألمانية قرارا أكدت من خلاله أن المشرع الألماني غير محظور عليه تبني قوانين مخالفة لمقتضيات المعاهدات الدولية. وكان ذلك بمناسبة بث المحكمة الدستورية في قضية محالة عليها من محكمة الأموال العامة الفيدرالية، والتي التمست تفسيرا وتوضيحا، بخصوص إمكانية أن يتم إصدار قانون جديد يخرق الحقوق المكفولة لدافعي الضرائب، والسارية عليهم القوانين المنظمة للازدواج الضريبي، وذلك بموجب الاتفاقية المبرمة بين تركيا وألمانيا.

 وللإشارة فالقانون الفدرالي اللاحق على الاتفاقية السالفة الدكر، ينص على أن الاعفاءات الضريبية هي مقررة بشروط وباستقلالية، ودون الأخذ بالاعتبار ما تقره اتفاقية الازدواج الضريبي الألمانية التركية. ولقد صرحت المحكمة الدستورية الألمانية بمشروعية تجاوز القانون اللاحق لمقتضيات الاتفاقية الدولية السابقة. معللة حكمها بكون المشرع غير ممنوع من اصدار قوانين ولو كانت هذه الأخيرة في تعارض مع مقتضيات معاهدات دولية سابقة.

وأضافت المحكمة، بكون تراتبية القواعد المعيارية في القانون الألماني تجعل مكانة مقتضيات الاتفاقيات الدولية هي بمكانة القوانين الفيدرالية، وشددت على أن مبادئ الديموقراطية تستوجب مما تستوجب أحقية المشرع اللاحق في إلغاء تشريعات المشرع السابق.[7]                                                

• الدستور التركي. 

الفقرة الأخيرة من الفصل 90 من الدستور التركي[8] تنص على أن «للاتفاقيات الدولية التي أبرمت على نحو سليم قوة القانون...». وعليه، فالدستور التركي يقر صراحة بكون مقتضيات الاتفاقيات الدولية والقانون الوطني هما متساويان من حيت قوة الالزام، ويحتلان نفس المكانة داخل الهرم القانوني التركي، لأن مقتضيات الاتفاقيات الدولية هي صنيعة المشرع التركي بطريقة غير مباشرة، وذلك عن طريق تبني قانون المصادقة. هذا الأخير الذي يصوت عليه بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين بالجمعية الوطنية الكبرى. وهو ما ينصرف إلى التشريع العادي حسب النظام القانوني التركي. 

• الدستور الأمريكي.

النظام القانوني في الولايات المتحدة الأمريكية ينظر إليه على أنه نظام قانوني مختلط، أو بالأحرى هو نظام قانوني هجين. أي أنه يتبنى مذهب وحدة القانون ثم مذهب ثنائية القانون في الان نفسه، وذلك عند معالجته لعلاقة القانون الدولي بما فيه القانون الدولي الاتفاقي من جهة، والقانون الداخلي الأمريكي من جهة أخرى. [9]وهو ما يمكن استجلاؤه من خلال الدستور الأمريكي نفسه، حسب فصله السادس، في سطره الثاني، والذي ينص على أن «الدستور الأمريكي وقوانين الولايات المتحدة الأمريكية الصادرة على ضوئه، وكذلك المعاهدات المبرمة أو التي ستبرم لاحقا تحت سلطة الولايات المتحدة الأمريكية، تشكل القانون الأسمى للدولة. والقضاة في كل ولاية، ملزمون بترجيح هذا القانون الأسمى، ولو تعارض مع ما جاء في كل من دساتير وقوانين الولايات المشكلة للاتحاد الأمريكي.»[10]

وبالتالي، فمبدئيا من خلال هذا الفصل، يظهر أن المشرع الدستوري في الولايات المتحدة الأمريكية تبنى مذهب وحدة القانون، عند رسم العلاقة بين القانون الدولي الاتفاقي من جهة والقانون الداخلي الأمريكي من جهة أخرى. بينما وبالعودة إلى الاجتهاد القضائي الأمريكي، نجد الأخير وبخصوص بعض أصناف المعاهدات والاتفاقيات الدولية للولايات المتحدة الأمريكية يكرس مذهب ثنائية القانون. وهنا يظهر الدور الأساسي والمحوري للقضاء الأمريكي، في عملية تصنيف المعاهدات والاتفاقيات الدولية في الولايات المتحدة الأمريكية.  بحيث يصنفها إلى معاهدات و اتفاقيات ذاتية التنفيذ Self executing treaty and agreement، و معاهدات واتفاقيات دولية ليست بذاتية التنفيذNot self executing treaty and agreement . و نفس التصنيف الثنائي تخضع له الاتفاقيات التنفيذية، بحيث تصنف إلى معاهدات تنفيذية ذاتية التنقيد Self- executing executive agreements  ، و أخرى ليست بذاتية التنفيذ Not self- executive agreements . فما هي المكانة التي تحتلها مقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية بمختلف أصنافها داخل النظام القانوني الأمريكي؟

-          مقتضيات المعاهدات الدولية ذاتية التنفيذ، هي تحتل مكانة أدني من مقتضيات الدستور الأمريكي، وتساوي مقتضيات القوانين الفدرالية في المكانة، وتسمو على قوانين الولايات.

-          مقتضيات الاتفاقيات التنفيذية ذاتية التنفيذ هي تحتل مكانة أدني من مقتضيات الدستور الأمريكي، والمحكمة العليا أنزلتها من منزلة القوانين الفدرالية.

-          مقتضيات بعض الاتفاقيات التنفيذية، والناتجة عن الإرادة المنفردة لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية، هي تحتل مكانة أدني من مكانة مقتضيات الدستور الأمريكي، وكدلك هي تحتل مكانة أدنى من مكانة القانون الفدرالي، خاصة، إذا تعارضت مقتضيات الأولى مع مقتضيات الأخير، وكذلك إذا كان موضوع الاتفاقية التنفيذية التي نحن بصددها، يمس مجالا من المجالات التي حصر الدستور الأمريكي التشريع فيها صراحة على الكنغرس الأمريكي.

-          إذا تعارضت مقتضيات معاهدة أو اتفاقية تنفيذية من جهة، و مقتضيات قانون فدرالي من جهة أخرى، فالمحكمة الأمريكية العليا تحل هذا الاشكال، و ذلك بتطبيق مبدأ الأخير زمانه  The last in time ، بمعني اللاحق يلغي السابق. وللقضاء الأمريكي سوابق عديدة عمل من خلالها على السمو بالقانون الفدرالي اللاحق على مقتضيات المعاهدة الدولية السابقة. ولو أنه يشترط في بعض الحلالات، كون رغبة المشرع الفدرالي الأمريكي في تجاوز مقتضيات المعاهدة السابقة، يجب أن تكون لا لبس فيها.[11]

-          إذا لم تتعارض مقتضيات القانون الفدرالي الأمريكي من جهة، ومقتضيات معاهدة أو اتفاقية تنفيذية من جهة أخرى، يميل القضاء الأمريكي إلى التوفيق بين القانون الداخلي والقانون الدولي الاتفاقي، وذلك بتطبيق كلا القانونين.

بقيت الإشارة إلى أن تطبيق قاعدة الأخير زمانه في النظام القانوني الأمريكي، وذلك لأجل حل التنازع بين كل من القانون الداخلي الأمريكي من جهة، والقانون الاتفاقي للولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، وإن كان يعطل سريان الأخير داخليا، لكنه يبقى ملزما للولايات المتحدة الأمريكية خارجيا. وعليه، يبقى النظام القانوني الأمريكي مثال على الأنظمة القانونية التي تعترف بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية والتي مقتضياتها هي من مكانة القانون الفدرالي.

- المطلب الثاني: الاتفاقيات الدولية التي تسمو على القانون وتساوي الدستور.

إن سمو مقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية على القوانين الوطنية، ومن خلال التجارب الدستورية المقارنة، هو في الغالب يعزى إلى سببين: الأول، يرجع إلى طبيعة تلك المعاهدات والاتفاقيات الدولية، ويبقى مثال المعاهدات والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية خير مثال على ذلك. أما السبب الثاني وراء سمو المشرع الدستوري المقارن بمقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية على القانون الوطني، فيعزى إلى التعارض والتضاد المعياري الحاصل بين مقتضيات القانون الوطني من جهة، والقانون الدولي الاتفاقي من جهة أخرى.

 وبالتالي، فالمشرع الدستوري المقارن ارتأى حل هذا التضاد المعياري، وذلك بإعطاء الأولوية في التطبيق لمقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية، على اعتبار أن النظام القانوني لا يمكن أن يضم معايير متضاربة والعكس صحيح. أما بخصوص تساوي كل من المقتضيات الدستورية، ومقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية، فهو وإن كان مقررا دستوريا، وبشكل صريح، كما أنه يمكن استنباط حدوثه ضمنيا، إلا أنه يبقى نادر الحدوث شأنه شأن سمو مقتضيات المعاهدات والاتفاقيات على مقتضيات الدستور. فما هي التجارب الدستورية المقارنة، والتي خولت مقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية مكانة تسمو على القانون وتساوي الدستور؟



[1] تقوم  نظرية وحدة القانون  Le Monismeعلى كون كل من القانون الدولي و القانون الوطني يشكلان معا نظاما قانونيا واحدا و عليه فالقانون الدولي سواء المكتوب و غير المكتوب و القانون الداخلي يحضيان بالتطبيق الفوري و أي  تعارض حاصل بين مقتضيات النظمان القانونيان السالفي الدكر تنشطر نظرية وحدة القانون حياله إلى نظرتين فرعيتين ألا و هما نظرية وحدة القانون مع سمو القانون الدولي على القانون الوطني ثم نظرية وحدة القانون مع سمو القانون الوطني على القانون الدولي بينما تقوم نظرية ثنائية القانون Le Dualismeعلى فكرة أن كلا النظامان القانونيان الدولي و الداخلي هما نظامان مستقلان عن بعضهما البعض و يسيران في منحيان متوازيان و بالتالي فاحتمال تقاطعهما مستبعد و بالتالي فمقتضيات القانون الدولي لا يمكن أن يكون لها أثر داخل النظام القانوني الداخلي إلا بعد تبنيها بواسطة قاعدة معيارية تشريعية أو تنظيمية أو بناء على سوابق قضائية متواترة لمحكمة عليا Claude Emmanuelli l'application des traités internationaux et des règles dérives dans les pays de droit civil et de Common law revue générale de droit volume 37 numéro 2.2007.edition Willson&Lafleur.inc page 269-299.traduction non officielle.

[2] Kemal GÖZLER the question of the rank of international treaties in national hierarchy of norms a theoretical and comparative study article based on the Titel III of the Chapter 38 of the book general theory of international law (Bursa Ekin.2011.vol.2.P.668-693. http://www.anayasa.gen.tr/rank-of-treaties.Traduction non officielle. 

[3] الاتفاقيات المبسطة Executive agreements  فهي لا يشترط لإبرامها المرور بجميع مراحل ابرام المعاهدات و تنعقد بمرحلتين فقط هما المفاوضات ثم التوقيع و لا تحتاج إلى التصديق عليها من طرف رئيس الدولة لتكون نافدة بمجرد التوقيع عليها ........و نظرا لمزايا الاتفاقيات المبسطة فالدول تلجا إليها و أصبحت شائعة الاستعمال كالاتفاقيات ذات الطابع الإداري و الفني و الاتفاقيات الجمركية و البريدية و الجوية راجع محمد نصر محمد الوافي في شرح المعاهدات الدولية في ظل أحكام اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 مكتبة القانون و الاقتصاد فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية الطبعة الأولى 2012 الصفحات 22-23.

[4] من خلال الدستور المغربي على سبيل المثال نجد الفصل 55 منه والذي ينص على أصناف المعاهدات والتي لا يصادق عليها الملك إلا بعد موافقة البرلمان عليها وهي معاهدات السلم أو الاتحاد وتلك التي تهم رسم الحدود ومعاهدات التجارة والمعاهدات والتي يترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة والتي يستلزم تطبيقها اتخاد تدابير تشريعية أو تتعلق بحقوق وحريات المواطنات والمواطنين العامة أو الخاصة. 

[5] l’Article 59 de la loi fondamentale de la république fédérale d’Allemagne« Les traités réglant les relations politiques de la fédération ou relatifs à des matières qui relèvent de la compétence législative fédérale requièrent l'approbation ou le concours des organes respectivement en matière de législation fédérale sous la forme d'une loi fédérale les dispositions régissant l'administration fédérale s'applique par analogie aux accords administratifs» la loi de la république fédérale d'Allemagne www.contituteproject.org.

[6] يؤدي القانون الفدرالي في هذه الحالة دوران أساسيان أولهما أنه يعتبر كألية للمصادقة على المعاهدة أو الاتفاقية الدولية، أما ثانيهما فهو أنه يفتح الطريق لمقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية حتى تحضي بالتطبيق والتنفيذ على التراب الألماني فالقانون الفدرالي المعني يخول مقتضيات المعاهدات والاتفاقيات الدولية مكانة مساوية للقانون الفدرالي وأقل من الدستور الألماني. 

[7] Cathrina Valenzuela-Bock(German constitutional court rules the treaty overrides by national statutory law are permissible under the constitution February 12.2016.Americain society of international law.www.asil.com.March 2016.cite visité le 27/03/2020.Traduction non- officielle.

[8] ʺ الاتفاقيات الدولية التي أنفدت على نحو سليم قوة القانون ولا يجوز الطعن فيها أمام المحكمة الدستورية بدعوى عدم الدستورية وفي حال التعارض بين مقتضيات الاتفاقات الدولية التي أبرمت على نحو سليم من جهة والقوانين (التركية) من جهة أخرى بخصوص حقوق الإنسان وحرياته الأساسية تكون الغلبة لأحكام الاتفاقيات الدولية لحسم هدا التعارضʺ. الدستور التركي لسنة 1982 مع تعديلاته الى حدود 2017.

[9] Andrew M.winston ratification of international treaties a comparative law perspective a study have been done on the request of the comparative law library unit directorate-general for parliamentary research service generale secretariat of the European Parliament the study is available on the site web of European Parliment.www.europarl.europa.eu/thinktank.

[10] الفصل السادس السطر الثاني من الدستور الأمريكي الصادر في 1789 مع تعديلاته الى حدود 1992.

[11] Andrew M.winston reference précitée.




من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله على الصورة

قانونك



من أجل تحميل هذا العدد التاسع عشر - إضغط هنا أو أسفاه على الصورة

مجلة قانونك - العدد الثالث