الإصلاح الميزانياتي بين التجارب المقارنة والتجربة المغربية - الصدق محمد أنور


الإصلاح الميزانياتي بين التجارب المقارنة والتجربة المغربية

Budgetary reform between comparative and Moroccan experiences

الصدق محمد أنور / باحث في سلك الدكتوراه تخصص المالية العمومية – جامعة محمد الأول وجدة.

Alsdeq mohamad anwar




المقدمة

  تعتبر المالية العمومية هي المرآة العاكسة لحالة الاقتصاد والحالة السياسية في  دولة من الدول، وفي فترة زمنية معينة، ويكفي للتدليل على ذلك، أن نقف على الدور الذي تلعبه كل من الموارد العمومية والنفقات العمومية ،باعتبارهما أهم عناصر المالية العمومية ، في الكشف عن الظروف الاقتصادية والسياسية لدولة معينة[1].

وتجسد المالية العمومية اختيارات الدولة وتوجهاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتهتم بدراسة العلاقات القانونية التي تنشأ عندما تقوم الدولة بالنشاط المالي، الذي يهدف إلى إشباع الحاجات العامة[2].

في الماضي، كان ينظر لعلم المالية العمومية، بأنه ذلك العلم الذي يدرس النفقات العامة والإيرادات العامة الكافية لتغطيتها، إلا أن هذا التعريف لم يعد ملائما في ضوء التطور الذي لحق هذا العلم، إذ لم يعد غرض المالية العامة هو مجردٍ الحصول على الموارد العمومية الكافية لتغطية النفقات العمومية، بل أصبح غرضها أكثر اتساعا وشمولا، وأضحت تهدف إلى تحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي[3].

ونتيجة لمجموعة من التحولات التي عرفها العالم  من بينها  تأثيرات العولمة على مستوى المالي والاقتصادي وضغوطات المؤسسات المالية الدولية ،بات من المفروض مراجعة المنهجية التقليدية على مستوى تدبير المالية العمومية ،والتي كانت تنطوي على تعقد الآليات المالية وجمود  المساطر التدبيرية ،بكيفية أدت إلى ضعف مردودية تدبير الميزانية ،وتعدد مظاهر الاختلالات التي يعرفها هذا التدبير ، فضلا عن عدم القدرة على مسايرة التحولات المتسارعة وطنيا ودوليا ،وبالتالي العجز عن الاستجابة لآليات ومتطلبات التنمية[4] .

بناء على ذلك، لقد انخرطت مجموعة من الدول في مسلسل من الإصلاحات الشاملة لماليتها العامة   ، وذلك خلال بداية التسعينيات من القرن الماضي ، وقد أخذت جل هذه الإصلاحات وجهة متقاربا يبتغي تحديث سياساتها العمومية بتجاوز الصيغة التقليدية للتدبير المرتكز على الوسائل وتبني تدبيرا جديدا يرتكز على النتائج[5].

و لقد سار المغرب في نفس الإتجاه  ،حيث تم  إعلان مجموعة من الإصلاحات من بينها التحول إلى التدبير الميزانياتي المبني على النتائج ووضع السبل الممكنة لتجويد تدبير المالية العمومية،  كخيار فرضته مجموعة من المتغيرات ،في مقدمتها الإقناع الجماعي بضرورة حماية المال العام والقطيعة مع الممارسات السابقة التي اتسمت بالفوضى وسوء التدبير والتملص من المسؤولية[6] . وبعد صدور دستور  2011 [7]جاء بمجموعة من الاحكام و المرتكزات المرتبطة بالمالية العمومية، التي تم تكريسها كمبادئ ملزمة لباقي قواعد التدبير المالي، ومن بين هذه المبادئ الدستورية نجد المساواة والتضامن في تحمل التكاليف العمومية؛ شرعية التكاليف العمومية؛ التوازن المالي[8]... ومن أجل تنزيل أحكام وقواعد دستور 2011المتعلقة بالمالية العمومية ، تم إصدار القانون التنظيمي لقانون المالية رقم130.13[9] ،الذي جاء بمجموعة من المستجدات من بينها  تحديد القواعد الأساسية للإصلاح الميزانياتي الجديد المبني على النتائج .

إن الموضوع الذي بين أيدينا يثير العديد من التساؤلات :

ماهي أسس الإصلاح الميزانياتي في فرنسا و نيوزلندا وتونس؟

ماهي الاستراتيجية المتبعة في المغرب للانتقال من التدبير المالي المبني على الوسائل الى التدبير المالي المبني على النتائج ؟

ماهي أسس الإصلاح الميزانياتي في التجربة المغربية ؟

الى أي حد نجح المغرب في التحول التدبير المبني على الوسائل الى التدبير المبنى على النتائج ؟

إن الإجابة عن هذه التساؤلات تدفعنا إلى تبني التقسيم التالي :

المطلب الأول: أسس الإصلاح الميزانياتي في التجارب المقارنة 

المطلب الثاني :  الإصلاح الميزانياتي في التجربة المغربية

المطلب الأول  : أسس الإصلاح الميزانياتي في التجارب المقارنة

انسجاما مع مجموعة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعرفها العالم، وتلبية لاحتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أصبح من الضروري على مختلف دول العالم العمل على تحديث تدبيرها المالي من أجل مواجهة التحديات والتعامل مع ضغوطات البيئة الدولية   التي تتسم بالأسواق المفتوحة وبتسارع عملية عولمة التجارة والمنافسة الاقتصادية[10].

وفي هذا إطار ، اتجهت جل دول العالم إلى تبني إصلاحات لقوانينها المنظمة لشأن المالي،  وذلك من أجل تكريس الشفافية والجودة على مستوى عملية إعداد وتدبير الميزانية العامة للدولة. وقد إختلفت الدول فيما يخص طرق الإصلاح الميزانياتي و استراتيجية تنزيله على أرض الواقع .

إن الحديث عن موضوع الإصلاح الميزانياتي يدفعنا إلى التطرق إلى تجارب بعض الدول في هذا المجال على سبيل المثال  : كالتجربة الفرنسية (الفقرة الأولى)  ، التجربة النيوزيلندية (الفقرة الثانية )  والتجربة التونسية  ( الفقرة الثالثة ) .

الفقرة الأولى: أسس  الإصلاح الميزانياتي في فرنسا

تعتبر التجربة الفرنسية رائدة في مجال الإصلاح المالي، حيث نتيجة لمجموعة من الثغرات التي كانت تعتري  القانون التنظيمي لقانون المالية المعمول به منذ سنة 1959  [11]والذي يمكن تحديدها في مايلي :

·       تجاوز مقتضيات الدستور فيما يتعلق الرسوم الشبه الضريبية، ففي الوقت الذي ينص فيه الفصل  34 من الدستور[12] على أن القانون يحدد الاحكام المتعلقة بتحديد الوعاء والسعر وطرق تحصيل الموارد كيفما كان نوعها  ،يتم إخراج الرسوم شبه الضريبية من نطاق تطبيق الفصل 34 من الدستور الفرنسي، بموجب الفصل   4من القانون التنظيمي لقانون المالية لسنة 1958،وهذا ما يتعارض مع الدستور ؛

·       تكريس العمل بمحاسبة الصندوق فقط وهو مايؤدي إلى الغموض بين العمليات المالية و عمليات الخزينة  وأمام الفراغ القانوني ،يترتب عن هذا الغموض كل سنة جدل حول عمليات  نهاية  التسيير خاصة فيما يتعلق بتدقيق مسألة العجز؛

·       عدم التطرق إلى دور الدولة في دعم الجماعات المحلية وهو دعم يتم عمليا عن طريق مساهمات أو اقتطاعات من الموارد العمومية  ،وأمام الفراغ القانوني يقدم الدعم وفق  شروط يثار حولها الكثير من الغموض وعدم الانسجام ؛

·       تكريس مبدأ تخصيص النفقات أدى  على مستوى الممارسة ،إلى تعدد الاستثناءات الواردة عليه بكيفية أتاحت للحكومة   عدة إمكانيات لعدم الإلتزام به  ،وبالفعل فإن التقيد بهذا المبدأ، لا يتلاءم مع  التسيير المالي الفعال ،لكونه يؤدي إلى تعقد المساطر ولا يساهم  في تحمل المسؤوليات ؛

·       عدم التمكن من مسايرة التحولات المترتبة عن بناء الإتحاد الأوروبي ،وما نتج عنه من انعكاسات خاصة بالنسبة للتدبير المالي لأعضاء هذا الاتحاد[13] .

وعلى الرغم من تعدد الثغرات  التي كانت تعتري القانون التنظيمي للمالية لسنة 1958   ،فإنه تميز باستقرار مقتضياته  وإستمر تطبيقه في فرنسا لمدة 45سنة ، ولم تفلح المحاولات البرلمانية في إدخال تعديلات على مقتضياته إلا بعد إقدام الجمعية العمومية في فرنسا في أكتوبر 1988على إحداث فريق للعمل  حول  موضوع "فعالية النفقة العامة والمراقبة البرلمانية "وقد تمكن هذا الفريق من تقديم تقريره في 27يناير 1999،  ومن بين الاستنتاجات التي قدمها التقرير :

·       ضعف مساهمة البرلمان في الرفع من فعالية النفقة العامة ؛

·       غياب شفافية المساطر المالية ؛

·       غياب إرادة حقيقية لمراقبة النفقات العامة فضلا عن غياب وسائل تقييم الأداء[14] .

وبذلك طالب فريق العمل المشكل الى ضرورة القيام بإدخال مجموعة من الإصلاحات على القانون التنظيمي للمالية لسنة 1958 ومن بين هذه الإصلاحات هناك :

·        وضع مهام المراقبة والتقييم في صلب الصلاحيات المالية للبرلمان ؛

·       تقوية المراقبة البرلمانية خلال مختلف المساطر المالية ؛

·       القيام بكيفية منتظمة بتقييم أداء النفقات العامة[15] .

بناء على ذلك،   أقدمت السلطات الحكومية في فرنسا  على إصلاح منظومتها المالية، من خلال إلغاء القانون التنظيمي لقانون المالية المعمول به منذ سنة 1959 وتعويضه بآخر جديد. حيث تم إدخال بعض التعديلات العميقة على الإجراءات المالية المورثة، مقدما بذلك الإطار الحديث والمرن للتدبير المالي العمومي، معيدا في نفس الوقت للسلطة التشريعية اعتبارها وهيبتها في مجال الرقابة المالية[16] .

وبذلك نجد ان  القانون التنظيمي لقانون المالية الفرنسي الجديد[17]  ، تضمن مجموعة من المقتضيات الجديدة،  التي تطمح لإدخال إصلاحات على القانون التنظيمي لسنة 1959 ومساطره المالية التقليدية. حيث إن إصلاح هذه المساطر أحدث ثورة   ليس فقط على المبادئ التي بنيت عليها وإنما غير السلوكيات المتجذرة في الممارسة الإدارية والمالية وحتى السياسية، بفعل تقادم هذه المساطر وترسخها في النظام المالي الفرنسي، هذا القانون حاول التأسيس لثقافة جديدة، تهدف تحديث التدبير العمومي ومأسسة ميزانية النتائج والارتقاء بميزانية الدولة إلى آلية فعالة لتأطير السياسات العمومية، بعيدا عن التعقيد والجمود[18].



[1]-سوزي عدلي ناشد  :المالية العامة -النفقات العامة، الإيرادات العامة ،الميزانية العامة -، منشورات الحلبي الحقوقية ،بيروت ،لبنان ، الطبعة الأولى، 2006،ص .5:

[2]-عبد النبي اضريف: المالية العامة- أسس وقواعد تدبير الميزانية العامة ومراقبتها- ،منشورات دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، الطبعة الثالثة، 2012، ص: 7.

[3]-أعاد حمود القيسي :المالية العامة والتشريع الضريبي، منشورات دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط الأولى، 2008 ص: 28 .

[4] -فريزة اشهبار  :اليات تدبير القانون المالي ومتطلبات التنمية ، أطروحة لنيل دبلوم الدكتوراه في القانون العام ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ،اكدال ، جامعة محمد الخامس ، الرباط ، السنة الجامعية : 2010- 2011 ،ص :211 .

[5]-محمد الصدوقي : إصلاح القانون التنظيمي للمالية مدخل لإصلاح السياسة العامة ،اعمال الندوة الوطنية "القانون التنظيمي للمالية 130.13   لقانون المالية  و رهانات دستور2011 "المنظمة من طرف مركز الأبحاث و الدراسات حول  الحكامة الترابية بشراكة مع كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية  سلا، جامعة محمد الخامس الرباط، دفاتر الحكامة ،العدد 2،دجنبر 2015،ص .32:

[6] -الحسن بوطوال، أثر التدبير التعاقدي للميزانية على القطاع الصحي بالمغرب )2003- 2010) ،رسالة لنيل الماستر في القانون العام، ، كلية العلوم القانونية، الاقتصادية والاجتماعية، أكدال ،  جامعة محمد الخامس ، الرباط، السنة الجامعية : 2010-2011،ص .1:

[7] -دستور  المغربي 2011، الصادر الأمر بتنفيذه ظ.ش 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432(29يوليوز2011) ، ج. ر.عدد 5964 مكرر بتاريخ 28 شعبان 1432(30يوليو2011)، ص .3600.

[8]-عبد القادر لشقر، فهد فيلالي: حكامة الأداء المالي للدولة ورهان تفعيل المقتضيات الدستورية، مجلة الباحث للدراسات الإكاديمية، العدد 12:، يناير 2018، ص:.15

-[9]القانون التنظيمي المتعلق بالمالية 130.13  الصادر الامر بتنفيذه ظ. ش 1.15.62صادر في 14 من شعبان 2)1436يونيو2015) ، ج. ر عدد 6370 بتاريخ فاتح رمضان1436 (18 يونيو 2015) ، ص. 5810.

[10]-Fathallah OUALALOU :La Reforme Budgétaire Et La Gouvernance Financière Dans Les Pays  Du Maghreb , Colloque International , 2007 ,Rabat .

[11]-Ordonnance N : 59.2 Du 2janvier 1959 Portant Loi Organique Relative Aux Lois De Finances,Journal Officiel De La République Française ,N :53,Du   Vendredi2 Et Samedi  3 Janvier 1959,P.180.

[12]- Constitution du 4 octobre 1958, Journal Officiel De La République Française ,N :234,Du   Dimanche 5 octobre 1958,P.9151.

[13]-محمد حنين : تدبير المالية العمومية " الرهانات والاكراهات"، مطبعة دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، ط :1  ، 2005،ص: 69.

[14]-فريزة اشهبار  :اليات تدبير القانون المالي ومتطلبات التنمية ، م.س،ص :211 .

-[15] نفس المرجع السابق ،نفس الصفحة .

[16]-William GILLES :Les Reformes Des Finances Publiques En France"Evolutions Et Enjeux" ,Canadian Public Administration,2011,P :422.

[17]-Loi Organique N : 2001-692 Du 1 Aout2001 Relative Aux Lois  De Finances ,Journal Officiel De La République Française ,N :177,Du  Jeudi  2 Aout 2001,P .12480 .

[18]-William Gilles, :Les Reformes Des Finances Publiques En France"Evolutions Et Enjeux" ,op.cit ,P:422.



من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله على الصورة


قانونك


من أجل تحميل هذا العدد الثالث عشر - إضغط هنا أو أسفاه على الصورة

مجلة قانونك - العدد الثالث

إرسال تعليق

0 تعليقات