قراءة في بعض الإشكالات المتعلقة بالبحث التمهيدي - يونس نفيد


مجلة قانونك
قراءة في بعض الإشكالات المتعلقة بالبحث التمهيدي
قراءة في بعض الإشكالات المتعلقة بالبحث التمهيدي

من إعداد: يونس نفيد
باحث في القانون الجنائي
 رئيس المصالح المالية و المادية الجديدة


 

مقدمة
يعد البحث التمهيدي، مرحلة إجرائية تمهد لمرحلتي التحقيـــق الإعدادي و للمحاكمة، و هـــو من حيث الغاية المنتظــــرة منه، يســـتهدف كشف الجـــرائم، و اقتضاء أثر المشتبــه فيهـــم، وتحصيل أدلة الإثبات. و البحث التمهيدي و هـــذا المعنى الواســـع، هو الذي قصده المشـــرع وعبر عنه بإجراءات البحث (المواد من 56 إلى 82 من قانون المسطرة الجنائية 22.01). وسنقتصر في هذه الدراسة على جرد بعض الإشكالات التي تطرح أثناء القيام بالبحث التمهيدي حسب التصميم التالي:
الفقرة الأولى: نطاق السر المهني و جزاء الإخلال بواجب إخبار النيابة العامة بالتنقل
الفقرة الثانية: صفة مرتكب الجريمة و نطاق إثبات جريمة الخيانة الزوجية عن طريق المشاهدة



الفقرة الأولى: نطاق السر المهني و جزاء الإخلال بواجب إخبار النيابة العامة بالتنقل
أولا : نطاق السر المهني
 يثار التساؤل حول التعارض القائم بين واجب الإخبار من طرف الملزمين به قانونا، وبين واجبهم في الحفاظ على أسرار المهنة، و نذكر من الأمثلة على ذلك، ما ورد في الفصل 446 من القانون الجنائي ، الذي ألزم الأطباء و الصيادلة و المولدات بحكم مهنتهم أو وضعيتهم ، بعدم إفشاء سر أودع لديهم.
و يرجح بعض الفقه[1]، تغليب الالتزام بالحفاظ على أسرار المهنة، باعتباره استثناء من القاعدة التي توجب الإخبار، على اعتبار أن إفشاء السر مقرون بجزاء جنائي، في حين أن الالتزام بالإخبار غير مقرون بمثال هذا الجزاء.
 إلا أن المشروع يلزم في بعض الأحيان، أصحاب السر المهني، بوجوب الإخـبار، و ذلك بصـفة استثنائيـــة، و من الأمثلة على ذلـك: الإخبار عن الإجهاض الفصل 446 من القانون الجنائي[2].
إن الجواب الذي يبدو مطابق للمنطق هو الذي يأخذ بعين الاعتبار التوفيق بين الواجبين معا، بحيث إذا كان الشخص من المؤمنين عن الأسرار فلا يجوز له خرق الفصل 446 من القانون الجنائي و إخبار النيابة العامة بالجريمة، طبقا لمقتضيات المادة 42 من قانون المسطرة الجنائية، إلا إذا كان مسموحا له بذلك بنص القانون نفسه، كالطبيب الذي هو ملزم بكتمان السر المهني عملا بالفصل 446 من القانون الجنائي، إلا أنه استثناء من هذا المنع فإن الفقرة الثانية من ذات النص تسمح له بالتبليغ عن إجهاض علم به بسبب مهنته أو وظيفته إذا هو أراد ذلك[3].
و نحن نؤيد هذا الرأي الأخير، على اعتبار أن المبدأ هو الالتزام بكتمان السر المهني بالنسبة للأمناء على الأسرار بمقتضى القانون ، لكن يجب التنازل على هذا المبدأ حين ينص القانون صراحة على ضرورة التبليغ عن الجرائم حتى لو تطلب الأمر الإفشاء بسر مهني، و ذلك لحفظ النظام العام و إعطاءه الأولية على المصلحة الفردية.
ثانيا: جزاء الإخلال بواجب إخبار النيابة العامة بالتنقل من طرف الضابطة القضائية
لم يحدد المشرع أي جزاء عن الإخلال بواجب إخبار النيابة بالتنقل، هذا الواجب الذي يلزم ضابط الشرطة القضائية، بمجرد علمه بوجود حالة تلبس بجناية أو جنحة، أن يعلم النيابة العامة قبل أن ينتقل إلى عين المكان.
و باللجوء إلى الاجتهاد القضائي، نجد أن محكمة النقض( المجلس الأعلى سابقا ) في قرارها عدد 341 [4]، نصت على أن عدم إخبار النيابة العامة، من طرف ضابط الشرطة القضائية، لا يؤدي إلى بطلان محضر الشرطة ، و يعتبر هذا الموقف محل نظر، ذلك أنه يطرح التساؤل حول ما مدى الفائدة من إقرار هذا الإجراء إذا لم يكن مقرونا بجزاء[5].
الفقرة الثانية: صفة مرتكب الجريمة-البرلماني مثالا - و نطاق إثبات جريمة الخيانة الزوجية عن طريق المشاهدة
أولا : تأثير صفة مرتكب الجريمة على إنجاز البحث التمهيدي
يلاحظ من خلال المادتين الثانية و الثالثة من القانون رقم 17.01 المتعلق بالحصانة البرلمانية، على أنه كلما تعلق الأمر بجنحة أو جناية يرتكبها أحد أعضاء البرلمان (من نواب و مستشارين)، فإنه لا يجوز مباشرة إجراء البحث التمهيدي تلقائيا قبل تلقي الأمر من وكيل الملك أو الوكيل العام المختص (بحسب ما إذا تعلق الأمر بجنحة أو جناية) ،إضافة إلى ذلك فإن القائم بالبحث إن كان ضابطا عاديا للشرطة القضائية لا يجوز له أن يتلقى تصريحات البرلماني (أن يستمع إليه)، و إنما الذي يعود له ذلك فهو الوكيل العام للملك شخصيا أو نائبه، كما أن تفتيش منزل البرلماني الذي يفرضه إنجاز البحث التمهيدي لا يكون إلا بإذن و حضور الوكيل العام للملك أو أحد نوابه مع مراعاة مقتضيات المادة 79 من قانون المسطرة الجنائية.
وهكذا كل ما تعلق الأمر ببرلماني مشبوه فيه ، فإن ضابط الشرطة العادي بل و السامي أحيانا كوكيل الملك أو قاضي التحقيق لا يمكنه أن يبادر تلقائيا إلى إنجاز إجراءات البحث التمهيدي معه ما لم يتلق أمرا من وكيل الملك أو الوكيل العام للملك بذلك، كما أنه ليس له كل الصلاحيات التي تخولها مؤسسة البحث التمهيدي للضابطة القضائية في الحالات العادية ( كالاستماع إلى المشبوه فيه و تفتيش منزله بدون تدخل من الوكيل للملك أو نائبه) حيث لابد من إذنه و حضور الوكيل العام للملك للعملية[6].
ثانيا:نطاق إثبات التلبس بجريمة الخيانة الزوجية عن طريق المشاهدة فقط
حســــب الفصل 52 من قانون المسطـــرة الجنائية، على أن وجــود الشخـــص على إثر ارتكاب الجــــريمة في مسرح الجـــريمة ، يعد حالة تلبس و لا تتحقق هذه الحالة، إلا إذا شوهد الجاني وهو يحاول تنفيذ جريمة ، أو يباشر هذا التنفيذ ، أو بمجرد الانتهاء من تحقيق الغاية الإجرامية.
و لهذا فإن المشاهدة يجب أن تحصل بعد زمن يسير من تنفيذ الجريمة أو محاولة تنفيذها، و يعود لقاضي الموضوع، تقدير الوقت الذي مضى عليه ارتكاب الجريمة أو محاولتها ، و اعتباره عنصرا للتحقق من وجود حالة التلبس، وذلك لأن هذه المسألة أمر موضوعي، يختلف باختلاف ظروف و ملابسات كل قضية على حدى ، و لذلك لم يتدخل المشرع من أجل تحديدها.
و بناء عليه، يثار التساؤل حول هل تعتبر حالة تواجد امرأة مختفية بغرفة النوم، داخل منزل رجل لا تربطها به علاقة زوجية مع كون أحدهما متزوج، حالة تلبس تثبت جريمة خيانة الزوجية ! والجواب هو لا.
و هذا ما أكدته محكمة النقض( المجلس الأعلى سابقا )، بشأن تقرير حالة التلبس في قرارها عدد 11174[7]، حيث جاء فيه:
 " لا تثبت جريمة الخيانة الزوجية أو المشاركة فيها إلا بمقتضى محضر رسمي يحرره ضابط الشرطة القضائية قي حالة التلبس، أو بناء على اعتراف تضمنته مكاتيب أو أوراق صادرة عن المتهم، أو اعتراف قضائي، و أن المحكمة لما أدانت الطاعن من أجل المشاركة في الخيانة الزوجية، بناء على أنه ضبط في حالة تلبس بالجريمة، و الحال أنه لم يضبط في هذه الحالة، و إنما وجد يتناول الطعام، بينما وجدت المرأة مختفية بغرفة النوم".
و جاء في قرار آخر لمحكمة النقض(المجلس الأعلى سابقا ) [8]:
" تكون المحكمة قد عللت قضائها فيما يتعلق بعدم ضبط المتهمين في حالة تلبس، حيث قالت بأن المتهم(...) قد أنكر في جميع المراحل الاتصال الجنسي، و هو الأمر الذي أكدته المتهمة(...)، وأن اللحظة التي دخلت عليه فيها الفندق، كانا مرتديين لباسهما، و متباعدين".
و بهذا نستنتج على أنه، لا يكفي ضبط الفاعل ومشاهدته في حالة اختلاء مع امرأة لاتهامه بحالة تلبس بجريمة الخيانة الزوجية، إلا إذا توفرت الشروط أعلاه المتعلقة بتقدير حالة التلبس في جريمة الخيانة الزوجية، و من أهم هذه الشروط وجود أو ضبط الفاعل في حالة اتصال جنسي.


[1] محمد عياط ، دراسة في قانون المسطرة الجنائية ، بابل للطباعة و النشر ، طبعة أولى ، الجزء الثاني ، الرباط ، 1991 ، ص: 179.
[2] الحبيب بيهي، شرح قانون المسطرة الجنائية الجديد (منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية )، الطبعة الأولى ، مطبعة المعارف الجديدة ، الرباط 2004 ، الجزء الأول ، ص: 128.
[3] عبد الواحد العلمي ، شرح في القانون الجديد المتعلق بالمسطرة الجنائية، الطبعة الأولى ، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء 2006،الجزء الأول ،ص:  370.
[4] الغرفة الجنائية في  26يناير  1978، قضاء المجلس الأعلى،عدد 130 ، ص: 140.
[5] الحبيب بيهي ، شرح قانون المسطرة الجنائية الجديد ، مرجع سابق ، ص: 144.
[6] عبد الواحد العلمي ، شرح في القانون الجديد المتعلق بالمسطرة الجنائية، مرجع سابق، ص:  373.
[7] ملف جنحي 23464، بتاريخ 19 دجنبر 1985 ، قضاء المجلس الأعلى ، عدد 39، ص: 138.
[8] -ملف جنحي 85/14222 بتاريخ 8أكتوبر  1987، قضاء المجلس الأعلى، عدد 44 ، ص.138.

من أجل تحميل هذا المقال -  إضغط هناك - أو أسفله

قانونك


من أجل تحميل العدد الثالث - إضغط هنا أو أسفله على الصورة
مجلة قانونك - العدد الثالث