الصعوبات التقنية والإدارية في مجال التصريح



الصعوبات التقنية والإدارية في مجال التصريح

9anonak
Difficultés techniques et administratives dans le domaine de au permis




كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية وجدة 

ماستر قوانين التجارة والأعمال

السداسي الأول
وحدة: تضريب المقاولات والتنمية





مادة: تضريب المقاولات

مــقــدمـــة:


        تعتبر الضريبة من الوسائل الهامة التي تملكها الدولة للتدخل في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وذلك من خلال الموارد الهامة التي توفرها لخزينة الدولة، ورغم اختلاف الأهداف المتوخاة منها عبر التاريخ فهي تؤدي في زمن اليوم دورا أساسيا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتقليص الفوارق الاجتماعية، وهي أداة ناجعة للمحافظة على السلم والاستقرار الاجتماعيين ومحاربة ظاهرتي التضخم والانكماش الاقتصاديين[1].
        وتتميز الضريبة بكونها أداء إجباري ملزم لكل شخص تتوفر فيه الشروط اللازمة للقول بخضوعه للإلزام الضريبي. فحاجة الدولة إلى تغطية نفقاتها التي ما فتأت تتزايد بتقدم الزمن، تقتضي أن يساهم المواطن في تحمل الأعباء العامة بقدر استطاعته تماشيا مع مبدأ التضامن الاجتماعي الذي أملته الطبيعة الاجتماعية للإنسان[2].
        ويستمد هذا الإلزام الضريبي مصدره من مضمون الدستور كقانون أسمى حيث نص الدستور المغربي لسنة 2011 في الفصل 39: "على الجميع أن يتحمل كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها وفق الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور ".
ويقوم النظام الضريبي بالمغرب على الثلاثية الجبائية المعروفة لدى أغلب الدول في إطار عولمة الأنظمة الضريبية المتمثلة في الضريبة على القيمة المضافة، والضريبة على الشركات، والضريبة العامة على الدخل. وقد عهد المشرع لإدارة الضرائب أمر فرض الضريبة وتحصيلها وزودها من السلطات والامتيازات العامة بما يكفي بأداء وظيفتها تلك، وفي المقابل سن ضمانات واسعة للخاضعين للضريبة لحمايتهم من كل تعسف أو شطط قد يرتكب في حقهم من طرف الإدارة ضد حقوقهم المالية[3].
        ويعتبر الدين الضريبي واجب الأداء في مقر إدارة التحصيل وفروعها من غير حاجة إلى مطالبة في مقر المدين الملزم الضريبي متى حل أجل استحقاقه بمعنى أنه يجب على الملزم بالضريبة أن يسعى من تلقاء نفسه ومن دون انتظار مطالبة للوفاء، لكون الدين الضريبي محمول لا مطلوب.  حيث يتعين على المقاولات الخاضعة للضريبة التصريح بنتائجها وأداء مبالغها عند نهاية فترة التضريب عند الخازن العمومي أو الجهوي الذي تخضع لنفوذه المقاولة، فحساب الضريبة، التصريح بها وأداؤها يتم من طرف المقاولة الخاضعة للضريبة نفسها[4].
        ومن هنا نتساءل عن مفهوم التصريح الضريبي، وماهي أنواع التصريحات التي على الملزم الإدلاء بها للإدارة الضريبية؟ وما هي الصعوبات التقنية والإدارية في مجال التصريح؟
        هذا ما سنحاول الإجابة عليه من خلال تقسيم الموضوع إلى مطلبين :
        المطلب الأول: مفهوم التصريح الضريبي وأنواعه.
        المطلب الثاني: الصعوبات التقنية والإدارية في مجال التصريح الضريبي.



المـطـلـب الأول : مـفـهـوم الـتـصـريــح الـضـريـبــي وأنـــواعه

                الـفـقــرة الأولــى : مـفـهــوم الـتـصـريـــح

        تنص المادة 148 [5]من مدونة الضرائب كتاب المساطر الجبائية على أنه: "يجب على الخاضعين للضريبة سواء كانت مفروضة عليهم الضريبة على الشركات أو الضريبة على الدخل...أو كانوا معفين أن يوجهوا تصريحا...".
        فالتصريح إذن أو الإقرار هو وسيلة عملية وحضرية لإشراك الملزم في عملية ربط الضريبة وذلك تماشيا مع التوجهات الضريبية الحديثة التي تنادي بضرورة نهج مقاربة تشاركية عبر استمالة الملزم وكسب ثقته من أجل أن يساهم في تأسيس الإلزام الضريبي في إطار ما يقتضيه مبدأ المواطنة، ثم بهدف الرغبة في التخفيف من الأعباء على الإدارة الضريبية التي ينبغي أن ينصرف نشاطها إلى ما هو أهم من مسطرة المراقبة والتصريح، فبعدما كانت الإدارة تعاني الأمرين في استكشاف الوضعية الجبائية للملزم عن طريق جمع المعلومات والأرقام حول نشاطاته وذلك بنهج  عدة طرق كانتقال المأمور إلى عين المكان والقيام بجرد ممتلكات الخاضع للضريبة أصبح الملزم الآن هو الذي يقوم بهذه المهمة، مهمة كان من ثمارها أن الإدارة الضريبية أصبحت تتوفر على وسيلة مهمة تتعرف بها على الدخول الحقيقية للملزمين وعلى أرباحهم ورقم معاملاتهم. إضافة إلى كون الملزم أدرى بمعرفة أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية أكثر من أي طرف أو جهة أخرى، وبالتالي فهو الوحيد الذي توجد لديه المادة الخاضعة للضريبة. وهو تبعا لذلك يقع عليه عبء التصريح بها، ونتيجة لذلك أصبح مبدأ تقديم الإقرار أو التصريح من طرف الملزم قاعدة عامة بالرغم من وجود بعض الاستثناءات، ليصبح الملزم إذن في التشريع الجبائي ملزما بتقديم التصريحات بأنواعها تحت طائلة التعرض إما لأداء الدعيرة والغرامات زائد الكلفة الضريبية، أو أن تفرض عليه الضريبة بصورة تلقائية مع بقاء عبء الإثبات على عاتقه إذا ما نازع في الأساس الذي حددته الإدارة بسبب عدم الإدلاء بالتصريح[6].
        وتتعدد أنواع التصريحات التي على الملزم الإدلاء بها للإدارة فهناك تصاريح يقدمها الملزم مرة واحدة دون إعادة تكرارها. وهناك تصاريح أخرى على الملزم أن يقوم بتجديد إيداعها كلما توفر سبب لذلك، ويوجد ضمن الصنف الأول كل من التصريح ببداية النشاط الذي يراد منه تمكين الإدارة من التعرف على الملزم وعلى نشاطه الخاضع للضريبة وتقيده في جدول الضرائب وإمداده برقم يحدد هويته الضريبية.
        ثم هناك أيضا التصريح بانتهاء النشاط الخاضع للضريبة والذي على الملزم أن يقدمه إذا ما وضع حدا لممارسة نشاطه الخاضع للضريبة لأي سبب كان، كما أن الملزم قد يلجأ إلى تصريحات يمكن القول بأنها تخضع مبدئيا للتكرار أو داخل أجل محدد كالتصريح باختيار نظام من أنظمة التضريب أو الإخطار بتغييره لمقر المؤسسة أو التصريح بضياع الوثائق.
        إلا أن أهم هذه التصريحات التي على الملزم الإدلاء بها نجد تلك التي تتخذ طابع التكرار، إذ ينبغي أن يدلي بها كل سنة محاسبيه، كالتصريح بالحصيلة الخاضعة للضريبة بالنسبة للضريبة العامة على الدخل، والضريبة على الشركات ثم التصريح برقم الأعمال بالنسبة للضريبة على القيمة المضافة.
        وعلى العموم يمكن القول أنه لا يخفى على أحد ذلك العبء الثقيل الذي يلقى على الملزم، إذ أن تقديم التصريح بشكل دوري يجعل الملزم يحس في قرارة نفسه بأن الاقتطاع الضريبي المفروض عليه سببه هو هذا التصريح. كما أصبح هذا الواجب يسبب إزعاجا نفسيا مهما إلى حد أنهم يتمنون عدم وصول موعد تقديمه[7]. بالإضافة إلى العبء الذي يلقيه هذا الواجب على مالية الملزم، والناتج عن ضرورة خلق وظائف جديدة والاستعانة بالخبراء لإنجاز هذا التصريح، خصوصا في بلد كالمغرب الذي ضربت فيه الأمية بجدورها.

                الـفـقــرة الـثـانـيــة : أنـواع الـتـصـريـحــات الـضـريـبـيـة

        أولا : التصريح بالحصيلة المفروضة عليها الضريبة


        يجب على الشركات سواء أكانت خاضعة للضريبة على الشركات أو معفاة منها، باستثناء الشركات الغير المقيمة المشار إليها، أن توجه إلى مفتش الضرائب التابع له مقر الشركة الاجتماعي أو مؤسساتها الرئيسية بالمغرب، إقرارا بحصيلتها الخاضعة للضريبة محررا على أو وفق مطبوع نموذجي تعده الإدارة وذلك من خلال الثلاثة أشهر الموالية لتاريخ اختتام كل سنة محاسبية.
        يتضمن هذا الإقرار المراجع  المتعلقة بالأداءات المنجزة ويجب أن يكون مرفقا بالأوراق الملحقة المحددة قائمتها بنص تنظيمي.
        وعلاوة على ذلك، يجب على الشركات التي يغلب عليها الطابع العقاري أن ترفق بإقرارها المتعلق بالحصيلة المفروضة عليها الضريبة القائمة المتضمنة أسماء جميع حائزي أسهمها أو حصص المشاركة فيها عند اختتام كل سنة محاسبية.
        يلزم أن تحرر القائمة المذكورة أو وفق مطبوع نموذجي تعده الإدارة وأن تتضمن البيانات التالية:
-       اسم مالك السندات العائلي والشخصي وتسميته أو عنوانه التجاري.
-       العنوان الشخصي أو المقر الاجتماعي أو المؤسسة الرئيسية أو الموطن المعلن.
-       عدد السندات المملوكة من رأس المال.
-       القيمة الاسمية للسندات[8]

ثــانــيــا : التصريح برقم الأعمال وبالحصيلة المفروضة عليها الضريبة بالنسبة للشركات الغير المقيمة


        يجب على الشركات المفروضة عليها الضريبة جزافيا أن تدلي قبل فاتح أبريل من كل سنة، بإقرار يتعلق برقم أعمالها، يحرر على أو وفق مطبوع نموذجي تعده الإدارة ويتضمن بالإضافة إلى عنوانها التجاري، طبيعة نشاطها والمكان الذي توجد فيه مؤسساتها الرئيسية بالمغرب، البيانات التالية:
-       الاسم والعنوان التجاري لزبنائها بالمغرب ومهنهم أو طبيعة نشاطهم وعناوينهم.
-       مبلغ كل صفقة من الصفقات الجاري تنفيذها.
-       مجموع المبالغ المقبوضة فيما يتعلق بكل صفقة خلال السنة الميلادية السابقة مع التمييز بين التسبيقات المالية والمبالغ المقبوضة المطابقة لأشغال سبق أن كانت محل بيانات حسابية نهائية.
-       مجموع المبالغ المحصل في شأنها على إذن بالتحويل من مكتب الصرف مع بيان المراجع المتعلقة بهذا الإذن.
-       المراجع المتعلقة بدفع الضريبة المستحقة.
        كما يجب على الشركات الغير المقيمة التي لا تتوفر على مقر بالمغرب، أن تدلي بإقرار الحصيلة المفروضة عليها الضريبة برسم زائد القيمة الناتج عن تفويتات القيم المنقولة المحققة بالمغرب، يحرر وفق مطبوع نموذجي تعده الإدارة.
        يجب أن يودع هذا الإقرار خلال الثلاثين يوما الموالية للشهر الذي تمت فيه التفويتات المذكورة[9].

        الـمـطـلـب الـثـانــي : الصعوبات التقنية والإدارية في مجال التصريـــح


        بما أن الضريبة هي إحدى أهم الوسائل التي تسعى الدولة من خلالها إلى الرفع من موارد خزينة الدولة، ف‘نها تسعى دائما إلى القيام بجميع الإجراءات التي من شأنها تحصيل الضريبة والتي من بينها التصريح، غير أن هذا الأخير تعتريه بعض الصعوبات، كصعوبات التقنية (الفقرة الأولى)، وكذا صعوبات وتعقيدات الإدارة (الفقرة الثانية).

                الـفـقـرة الأولـى : الـصـعـوبـات الـتـقـنـيـة فـي مـجـال الـتـصـريـح

        أولا : تعقيد النظام الضريبي


        يتميز النظام الضريبي المغربي بحكم طبيعته التقنية بالتعقيد، فعدم الاستقرار الذي يعرفه النظام الضريبي المغربي والتعديلات المتكررة التي تتضمنها قوانين المالية لكل سنة، تجعل النصوص الجبائية يصعب فهمها واستيعابها والإلمام بفحواها، بل يصعب حتى على رجل الضرائب كمختص في التحصيل الاطلاع عليها وتتبع التعديلات التي تلحق بها، وهذا ما يشكل عائقا أمام المقاولات المغربية في التصريح الدقيق والشامل لكافة العمليات الضريبية التي تقوم بها مما يفتح الباب أمامها على مصراعيه للتهرب من دفع الضرائب المستحقة.
        كما أن عدم التشدد في فرض الجزاء على التهرب لا يردع الملزم الذي يوازن بين الجزاء الذي يتعرض إليه وبين قيمة الضريبة في حالة رجحان الضريبة المستحقة على الجزاء.
        حيث أن الواقع العملي بين عجز عن القيام بتدابير حقيقية لزجر نصف التصريحات المتعلقة بالضريبة على القيمة المضافة و60% من الشركات الخاضعة للضريبة على الشركات التي تصرح بكونها في عجز مستمر حتى لا تؤدي سوى المساهمة الدنيا التي يجب ألا تقل عن 1500 درهم، وذلك لكون المساهمة الدنيا تؤديها الشركة للإدارة الضريبية في الحالتين :
-     الـحـالــة الأولــى: وهي حالة العجز، أي أن الشركة لم تحصل على أرباح في تلك السنة، بمعنى أن قيمة المستخرجات أو الاستغلالات تفوق قيمة المدخولات أو الحاصلات .
-     الـحـالـة الـثـانـيـة: وهي الحالة التي تكون فيها قيمة الضريبة المستحقة تقل عن قيمة المساهمة الدنيا حيث تلزم الشركة في هذه الحالة بأداء الحد الأدنى للمساهمة الدنيا المحددة في 1500 درهم. وتعتبر هذه المساهمة الدنيا بمثابة دين للمقاولة على الدولة يسمح لها بخصمها في السنة المقبلة[10].
        ولا يخفى على أحد أن جل الشركات المغربية لها محاسبة خاصة تحتفظ بها لنفسها وتتعامل بها داخليا فيما بين الشركاء والمساهمين وكذا مع الأغيار المتعاملين معها أحيانا، وأحيانا تتحفظ التعامل بها درءا للحفاظ على سرية المعلومات، وفي مقابل هذا لها محاسبة تقدمها للمصالح الضريبية، كما أن الموقع الاقتصادي للملزم يساهم في تحديد موقفه من الضريبة بالتصريح بها أو عدم التصريح، إذ كلما زاد سعر الضريبة كلما ازدادت محاولة الغش، فضعف مدخول الملزم وكثرة مصاريفه تدفعانه إلى التملص الضريبي.
        كما أن كثرة الوثائق المتعلقة بالإقرارات التي يتعين ملؤها تجعل الملزمين يشعرون بنفور وتعب في ملئها، فكل ضريبة إلا وتجدها تحتوي على بيانات كثيرة ومعقدة، وتكون نتيجة ذلك تشجيع الملزمين على التهرب من ملئها نتيجة كثرة التعقيدات، أضف إلى ذلك ارتباط هذه المسألة مع شريحة واسعة من الملزمين بالضريبة الذين يعانون من الأمية بحيث لا يعرفون محتوى هذه الإقرارات، بل حتى إذا ما تم ملؤها نجدها في بعض الأحيان خاطئة مما ينتج عنه إعادة ملء المطبوع عدة مرات، فأحيانا قد يتم ملء هذه الاقرارات بحسن نية، إلا أن هذه الشكليات المعقدة تجعله في حالة نفور، وأحيانا قد يتم أخذ هذه الإقرارات إلى شخص آخر لملئها، مثلا الخبراء المحاسبين والمحاميين وذوي الخبرة[11].
        وبذلك يجب على الإدارة الجبائية أن تقوم بتبسيط الإجراءات الخاصة بملء المطبوعات والإقرارات الضريبية حتى تمكن من توفير الوقت للملزمين وتجنيبهم النفور في ملء الإقرارات الضريبية الذي يؤدي في بعض الحالات إلى ممارسة التهرب الضريبي نتيجة لتعقيد المساطر والإجراءات.

        ثــانــيـــا : الانتشار الواسع للقطاع غير المهيكل


        يعتبر الاقتصاد غير المهيكل وتزايده بجبر المؤسسات المنظمة أو التي تمارس أنشطة بطرق قانونية إلى ممارسة الغش الضريبي وذلك لأن منتجات أو خدمات المؤسسات الغير المنظمة لها أثمنة القطاع المنظم، وهذا طبيعي لأنها لا تتحمل تكاليف كالضرائب، وهذا قد يجعل المؤسسات المنظمة تقدم محاسبة زائفة تمارس الغش الضريبي ويجعل الدولة تفقد مداخيل ضريبية هائلة حيث أن القطاع الغير المهيكل هو وسيلة لاسترداد الضريبة. ويمكن اعتباره كاحتجاج على عدم تضريب القطاعات الموازية للاقتصاد الغير المنظم، وأن انتشار هذا القطاع نتيجة ارتفاع الضغط الضريبي على فئات معينة الذي أدى إلى عدم التصريح لدى الإدارة الجبائية، ويعتبر الضغط الضريبي من بين العوامل التي تدفع بالمواطنين إلى التهرب من دفع الضرائب.
        إلى جانب إحساس الملزم بالضعف اتجاه الدولة ماسكة وسائل الإكراه وشعوره بأنه لا يحصل على أي شيء مقابل ما يؤديه كضريبة، كما أن ضعف المستوى الخلقي وعدم انتشار الوعي الضريبي، فسرقة الإدارة الجبائية بالنسبة لبعض المواطنين لا تعتبر سرقة، بل أكثر من ذلك ينظر البعض للمتهرب من أداء الضريبة على أنه سارق شريف لأنه لا يسرق سوى الدولة وهي شخصية اعتبارية، ويستغل الفرصة للحفاظ على أمواله.
        أضف إلى ذلك، انعدام الثقة بسياسة الإنفاق العام، فلا شك أن لطريقة إنفاق حصيلة الضرائب تأثير على نفسية ممولي التكاليف العامة، حيث إذا كانت الأموال تصرف في وجوه يستفيد منها الملزم فإنه يشعر بالراحة والاطمئنان فيدفع الضريبة عن طيب خاطر،  وادا كان العكس فان الملزم يتهرب من ادائها,وهذا ما يدفعه إلى إبرام صفقات بدون توثيق وكذا بيع مواد وتقديم خدمات بدون فواتير، إضافة إلى عدم مسك محاسبة منتظمة، وهذا ما يؤدي إلى ضياع مداخيل هامة على خزينة الدولة[12].

                الـفقـرة الـثانـية : الـصـعوبـات الإداريـة فـي مـجــال الـتـصريـح


        تعاني الإدارة الضريبية المغربية من مجموعة من المشاكل مما يجعلها تنعكس سلبا على مجال التصريح، ومن ضمن هاته المشاكل انعدام التنسيق بين الإدارة الضريبية وبين المصالح الإدارية الأخرى. حيث أنه من شأن التنسيق بين هذه المصالح أن يعمل على تحقيق اندماجها وتكاملها على مستوى المهام التي تشكل وظائفها الأساسية من وعاء وتحريات ومنازعات، لأن هذا التنسيق يوفر عدة مزايا ولاسيما التعدد المعرفي لموظفيها، وهذا التعدد من شأنه أن يحقق عدة أهداف من بينها توحيد إجراءات البحث في المنازعات الجبائية، وتسهيل انسياب المعلومات التي يمكن بواسطتها التعرف على الملزمين اللذين ينازعون باستمرار في الضرائب المفروضة عليهم، وهدفهم في ذلك التماطل في الأداء والتخلص كلا أو جزءا عن طريق التحايل على القانون. وإذا كان التنسيق يحقق التكامل والانسجام والتعاون فإنه يصبح من أولويات الإدارة الجبائية التنسيق مع جميع الإدارات التي لها رابطة من قريب أو من بعيد للفعل الجبائي، وذلك بما فيها الجماعات المحلية ، المراكز الجهوية للاستثمار، الأبناك، المؤسسات العمومية وإلى غير ذلك...
        كما أن الإصلاحات التي عرفتها الإدارة الجبائية لم تتضمن الاهتمام بالموارد البشرية والمادية بالصورة الكافية، مما انعكس سلبا على الأدوار التي تقوم بها الإدارة، خاصة في ظل ضعف تكوين أغلب موظفي إدارة الضرائب في مجال المعلوميات، فهكذا يجد مفتش الضريبة نفسه أمام ملفات ضخمة يكون عليه دراستها ومتابعة الإجراءات الخاصة بفرض الضرائب على أصحابها أو تصحيح الأخطاء المادية المرتكبة في هذا المجال[13].
        هذا زيادة على كثرة الشواهد الإدارية التي ينبغي له تحريرها وتسليمها إلى أصحابها كما هو الشأن في قسم الوعاء الجبائي بحيث هناك رزمة من الشواهد كشهاده عدم الملكية، شهادة الدخل، رقم المعاملات واللائحة طويلة. هذا إلى جانب تلقي التصريحات الجبائية ووضع إحصاء لارقام المعاملات ومداخيل الأرباح، وأحيانا قد يطلب منهم التحقيق في بعض الملفات التي تعد من اختصاص مصلحة التحقيقات، وأمام هذا الزخم من المهام، لا يمكن إلا أن نكون أمام ضعف المراقبة والكفاءة والنزاهة لدى أجهزة التحقيق والتحصيل مما يسهل عمليات التهرب الضريبي خاصة إذا علمنا أن معرفة الدخول الحـقـيـقـية  - دخول الملزمين- بشكل دقيق ضروري لضمان السير العادي للضريبة وإعادة بناء عدالة ضريبية يتطلب ليس فقط أن يكون التصريح بالدخول يعكس الواقع بل وجود مراقبة ضريبية فعالة للمحاسبة لتحقيق هذه الغاية.
        وذلك في ظل العدد الضئيل للمحققين الذي تعرفه خلايا التحقيق Les brigades de vérifications، إذ تضم حوالي 400 محقق على الصعيد الوطني.
        كما أن وجود أجهزة متخصصة في الإدارة الضريبية لا يكفي لحسن تنفيذ السياسة الضريبية، بل يجب بموازاة ذلك تدعيمها بمجموعة من الوسائل المادية لتحقيق المردودية المتوخاة، إذ أن إدارة الضرائب لا تتوفر على الوسائل المادية اللازمة للقيام بعملية الإحصاء التي تناط بها على رأس كل سنة بحيث أن أغلب الموظفين يقومون بالمهام المنوطة بهم بإمكانياتهم الخاصة دون مساعدة من جانب الدولة[14].
إضافة إلى هذا الجانب، فإن غياب التواصل مع الملزمين الضريبيين يزيد من الصعوبات في التصريح حيث أن الهدف الأساسي من سياسة التواصل هو إقامة نوع من الثقة بين الملزم والإدارة الضريبة، فهذه الأخيرة لا تتوفر على أية بنية للاستقبال أو الإعلام مما يجعلها غير مهتمة بحاجيات المتعاملين معها والعمل على إيجاد حلول لمشاكلهم[15].
        إن اعتماد الإدارة سياسة التواصل مع الملزمين بالضريبة من شأنه أن يجعل الملزم ينظر إلى الإدارة بنوع من الاحترام وهذا ما سيحقق للإدارة أمرين:

        أولهما : تحسين المردودية الضريبية في تسيير مؤسسات الدولة، وكذا إمكانية توضيح أصول القانون الضريبي وما ينص عليه من إعفاءات وامتيازات للملزم. وهذا ما سيجعل هذا الأخير يندفع إلى التصريح بكافة الأنشطة والخدمات التي يقوم بها، وبالتالي الزيادة في مداخيل الادارة  الضريبية.

        ثانيهما : تجاوز المشاكل الكثيرة التي تطرح بين الملزم والإدارة الضريبية. فمثلا عندما يصرح الملزم بقيمة عملية بيع وترفض الإدارة هذه القيمة باعتبار أن عملية البيع هذه يمكن إبرامها بثمن أكبر من الثمن المصرح به من طرف الملزم، وهذا ما سيجعلها تفرض عليه أداء ضريبة أكبر من الضريبة التي كان يتوقعها الملزم، وهذا من شأنه أن يجعل الملزم يتعنت لقرار الإدارة الضريبية وبالتالي يرفض أداء الضريبة المستحقة، لتفرض عليه الإدارة الضريبية غرامة نتيجة هذا التعنت أو التأخير في الأداء ما يجعله يقابل هذا القرار بإغلاق مقاولته وهذا من شأنه أن يرتب آثار وخيمة من الناحية الاجتماعية، علما أنه من شأن عملية التواصل بين الإدارة والملزم أن تتجاوز هذا المشكل.

Ü                         غياب نظام معلوماتي يساهم في تحقيق رقابة فعالة في مواجهة الملزمين بالتصريح، وهذا من شأنه أن يكلف ميزانية الدولة تكاليف مالية هامة من أجل مراقبة الملزمين بالتصريح عن طريق الوسائل التقليدية للمراقبة المتمثلة في فحص أوراق وسجلات الملزم من طرف مفتشي إدارة الضرائب[16].

خـــــاتــمــــة


        يتضح من خلال ما سبق، أن المقاولة المغربية لا زالت تعاني من عدة مشاكل وصعوبات أهمها ارتفاع الضغط الضريبي، والإلزام الجبائي في ظل النقص المتزايد في المداخيل والأرباح المحققة من قبلها نتيجة لتزايد الأسعار وارتفاع تكاليف الإنتاج، هذا زيادة على المنافسة الشرسة من القطاع الغير المهيكل، إضافة إلى انتشار الرداءة والروتين وعدم مساواة الملزمين بالضريبة، وكذا تفشي ظاهرة الرشوة في الإدارة الضريبية كغيرها من الإدارات المغربية. كل هذا أدى بالمقاولات إلى البحث عن طرق ووسائل للتملص من الواجب الجبائي الذي تعتبره شبحا يطاردها باستمرار، خاصة في مسألة التصريح باعتباره الأساس الذي يتم بناء عليه تحديد قيمة الضريبة الواجب أداءه، مستغلة في ذلك وضعية الادارة الضريبية التي تعاني هي الأخرى من التعقيدات القانونية المترتبة عن التجديد السنوي للنظام الضريبي من خلال قوانين المالية السنوية. هذا إلى جانب محدودية مواردها البشرية، وكذا الموارد المادية التي تؤهلها للقيام بالدور المنوط بها، مما يجعل أطرها في ضغط مستمر خاصة مع كثرة الملزمين وكثرة التصريحات الكاذبة أو الخاطئة.
        هذا مع العلم بأن الإدارة الضريبية تعد إحدى العوامل الأساسية لإنجاح أي نظام ضريبي، لأنها هي التي تعمل على مراقبة الأوعية الجبائية من خلال جهازها الإداري، ووسائلها البشرية والمادية والتقنية التي تمكنها من ممارسة حقوقها وواجباتها القانونية، وذلك وفق مسطرة دقيقة تروم تحقيق التوازن بين الحفاظ على حقوق الإدارة من جهة وعدم المساس بحقوق الملزمين من جهة أخرى[17].


لائحة المصادر والمراجع

الــمــصـــادر:
1-   الإدارة الضريبية بتاوريرت.
2-   قسم المحاسبة بالمديرية العامة للضرائب بوجدة.
3-   شركة أوزماج للاستشارة القانونية وتحصيل جميع أنواع الديون بأحداف أزرو.
4-   شركة COM-FI-GEST المختصة في مجال المحاسبة بقيسارية بني درار بوجدة.
الــرســائــل:
1-   البشير وعدي، مديرية الضرائب بين الإصلاح الجبائي والإصلاح الإداري، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، جامعة محمد الخامس كلية الحقوق، 1991.
2-   فؤاد البملاسي، المراقبة الضريبية بين القانون والواقع، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، شعبة المنازعات، جامعة المولى إسماعيل كلية الحقوق مكناس، 2008- 2009.
3-   نجيب البقالي، منازعات الوعاء الضريبي أمام القضاء الضريبي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، وحدة القانون الإداري والتدبير العمومي، جامعة الحسن الثاني كلية الحقوق، الدار البيضاء، 2007- 2008
الــكــتـــب:
1-   عبد الفتاح بلغال، "الضرائب في المغرب"، الجزء الأول، مطبعة دار أبي رقراق 2009.
2-   عبد الغاني خالد، المسطرة في القانون الضريبي المغربي، مطبعة دار النشر المغربية، الدار البيضاء، طبعة 2002.
3-   لحرش فريد، التحصيل الجبري للديون العمومية وبعض معيقات عمليات التحصيل، بحث التدريب المهني، الخزينة العامة للمملكة، المديرية الجهوية بالرباط، 2228- 2009.
4-   لقرقوري محمد، "وعاء ومنازعات الضرائب"، مطبعة الأمنية، الرباط، 2002.

v                       المدونة العامة للضرائب 2012، المحدثة بموجب المادة 5 من قانون المالية رقم43.06 للسنة المالية 2007 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.06.232 بتاريخ 10 ذي الـحـجة 1427 (31 دسمبر 2006).





[1] - فؤاد البملاسي، المراقبة الضريبية بين القانون والواقع، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، شعبة المنازعات، جامعة المولى إسماعيل كلية الحقوق مكناس، 2008- 2009، ص: 5.
[2] - نجيب البقالي، منازعات الوعاء الضريبي أمام القضاء الاداري، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، وحدة القانون الإداري والتدبير العمومي، جامعة الحسن الثاني كلية الحقوق، الدار البيضاء، 2007- 2008، ص: 4.
[3] - نجيب البقالي، مرجع سابق، ص: 4.
[4] - لحرش فريد، التحصيل الجبري للديون العمومية وبعض معيقات عمليات التحصيل، بحث التدريب المهني، الخزينة العامة للمملكة، المديرية الجهوية بالرباط، 2008- 2009، ص: 3.
[5] - المدونة العامة للضرائب 2012، المحدثة بموجب المادة 5 من قانون المالية رقم43.06 للسنة المالية 2007 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.06.232 بتاريخ 10 ذي الحجة 1427 (31 دسمبر 2006).
[6] - عبد الغاني خالد، المسطرة في القانون الضريبي المغربي، مطبعة دار النشر المغربية، الدار البيضاء، طبعة 2002، ص: 25-26.

[7] - البشير وعدي، مديرية الضرائب بين الإصلاح الجبائي والإصلاح الإداري، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، جامعة محمد الخامس كلية الحقوق، 1991، ص: 209.
[8] - القرقوري محمد، "وعاء ومنازعات الضرائب"، مطبعة الأمنية، الرباط، 2002، ص: 117-118.
[9] - عبد الفتاح بلغال، "الضرائب في المغرب"، الجزء الأول، مطبعة دار أبي رقراق 2009، ص:  97-98.
[10] - نور الدين جبور، مفتش بالإدارة الضريبية بتاوريرت، يوم 28/01/2013 على الساعة 10:00 .
[11] - هذه المعلومات صرحت لنا بها السيدة حنان بوجدعة إطار بشركة COM-FI-GEST المختصة في مجال المحاسبة، المتواجدة بقيسارية بني درار بوجدة يوم 05/02/2013 على الساعة 16:00، وكذلك يوم 15/02/2013 على الساعة 15:00.
[12] - هذا ما استقيناه من خلال لقاء بالسيد فؤاد أغانيم مدير شركة أوزماج للاستشارة القانونية وتحصيل جميع أنواع الديون، الكائن مقرها الاجتماعي بأحداف أزرو، يوم 29/01/2013 على الساعة 14:30 .
[13] - نور الدين جبور، مرجع سابق.
[14] - هذا ما استنتجناه من مقابلة مع السيد مطاع عزيز المدير الخاص بقسم المحاسبة بالمديرية العامة للضرائب بوجدة، يوم 15/01/2013 على الساعة 09:45.
[15] - هذا ما صرح به لنا السيد لهبيل شكيب المسؤول عن قسم القيمة المضافة بالمديرية العامة للضرائب بوجدة، يوم 17/01/2013 على الساعة 10:00.
[16] - مصطفى أكداي، إطار بالمديرية الجهوية للضرائب بمكناس، يوم 28/01/2013 على الساعة 9:30.
[17] - فؤاد البملاسي، مرجع سابق، ص: 11.


9anonak


 9anonak