وضعية المقابلة ما قبل التوقف عن الدفع - محمد أمين ناجي

 




وضعية المقابلة ما قبل التوقف عن الدفع

محمد أمين ناجي

دكتور في القانون الخاص بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة

 

Pre-stop payment interview mode

Mohammed Amine NAJJI

 

فمما لا شك فيه أن وقاية المقاولة من التوقف عن الدفع خير من توقفها عن استغلال نشاطها، فمن البديهي وتفاديا لكل ذلك يتعين أن يقوم كل رئيس مقاولة بوقاية مقاولته من الصعوبات التي من شأنها أن تعرقل استغلالها أو استمرار نشاطها. ومن هذا المنطلق يتعين أن تتولى المقاولة وقاية نفسها من الصعوبات والإختلالات التي قد تعترض استمرارية نشاطها خلال فترة استغلالها، وبالتالي تفادي توقفها عن أداء ديونها[1]، وذلك من خلال العمل على تحريك المساطر التي نص عليها قانون صعوبات المقاولة في الكتاب الخامس المعدل بالقانون رقم 73.17، وسلوك إجراءات وقائية على مستوى مساطر الوقاية الداخلية (المبحث الأول).

ومتى فشل رئيسها أو تقاعس رغم إبلاغه من قبل أجهزة المقاولة أو عجزت المقاولة عن تصحيح تلك الاختلالات، وبالتالي عدم القدرة على مواجهة الصعوبات التي قد تعترض المقاولة،يتم الاستعانة والاستغاثة بجهات خارجية لمساعدتها على التخفيف من حدتها وبالتالي التصدي لتلك الصعوبات بمساعدة رئيس المحكمة لأجل العمل على الوفاء بديونها من خلال إبرام اتفاق للمصالحة (المبحث الثاني).

المبحث الأول: وقاية المقاولة نفسها من الصعوبات المؤدية إلى التوقف عن الدفع

تنص المادة 545 من المدونة على أنه: "يتعين على المقاولة أن تقوم بنفسها عن طريق تطبيق مساطر الوقاية الداخلية من الصعوبات بتصحيح ما من شأنه أن يخل باستمرارية استغلالها وإلا تم ذلك عن طريق الوقاية الخارجية، بتدخل من رئيس المحكمة".        

يقصد بوقاية المقاولة[2]نفسها كل عملية يتولاها المكلفون بالتسيير وإدارة المقاولة التي تعرف وضعيتها بعض الإختلالات التي من شأنها أن ترتب صعوبات تؤدي إلى التوقف عن الدفع، وهو ما يستدعي ضرورة وقاية المقاولة من الصعوبات المتمثلة في وقائع قد تعترض استمرارية نشاطها[3]،ولأجل تحقيق تلك الوقاية سن المشرع المغربي القانون رقم 73.17 الذي تولى تنظيم مسطرة الوقاية الداخلية (المطلب الأول)، حيث خص لهذه الأخيرة المشرع المادتين547 و548 وتناول من خلالهما الجهات المعنية بعملية تحريك إجراءات الوقاية من قبل ذوي العلاقة بالمقاولة مباشرة، خصوصا القائمين على إدارتها و مراقبتها وعلى رأسهم رئيس المقاولة ومراقب أو مراقبي الحسابات، أو أحد الشركاء لأجل وقاية المقاولة من الصعوبات التي قد تعترض مسيرتها، وحدد من خلالهما المقاولات التي تستفيد من عملية الوقاية الداخلية(المطلب الثاني).

 

 

المطلب الأول: مسطرة الوقاية الداخلية من الصعوبات المؤدية إلى التوقف عن الدفع

إن تذليل الصعوبات المتمثلة في وجود وقائع من شأنها الإخلال باستمرارية استغلال المقاولة تقتضي اتباع مساطر الوقاية من الصعوبات طبقا للأحكام المنصوص عليها في المادتين 548و547 من مدونة التجارة، باعتبار أن المقاولة يفترض في هذه الحالة أنها لم تصل بعد إلى مرحلة التوقف عن دفع ديونها أو إلى المرحلة التي تصبح خلالها وضعيتها مختلة بشكل لا رجعة فيه وهو ما يسمح بالتالي بتطبيق مسطرة الوقاية الداخلية[4].

فالصعوبات التي يمكن أن تعترض المقاولة خلال فترة استغلالها، قد تختلف من حيث طبيعتها ومن حيث درجة حدتها ومدى تأثيرها على استمرارية هذا الاستغلال، فهذه الصعوبات يمكن أن تكون ذات طبيعة قانونية أو ذات طبيعة اقتصادية، مما يؤثر على الوضعية المالية للمقاولة المعنية بالأمر بصورة تختلف من حالة إلى أخرى وبدرجات متفاوتة في الخطورة (الفقرة الأولى)، والتصدي لتلك الصعوبات على مستوى مسطرة الوقاية الداخلية يكون من قبل رئيس المقاولة تلقائيا أو عن طريق تبليغه من قبل مراقب الحسابات أو الشريك بضرورة القيام بهذه الوقاية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الصعوبات والوقائع التي من شأنها أن تؤدي إلى التوقف عن الدفع

تعتبر الصعوبات المتمثلة في وجود وقائع من شأنها الإخلال باستمرارية المقاولة من ضمن المستجدات التي أدخلها المشرع المغربي على نظام المساطر الجماعية[5]، بمقتضى القسم الأول من الكتاب الخامس من مدونة التجارة لسنة 1996، التي تم تعديلها بمقتضى القانون رقم [6]73.17.

وبناء على ذلك، فإنه ينبغي تحديد مفهوم الوقائع التي من شأن وجودها الإخلال باستمرارية استغلال المقاولة وتحديد مجال تطبيق مسطرة الوقاية (أولا)، ثم رصد الوسائل المقررة بمقتضى القانون لأجل التصدي للوقائع المذكورة (ثانيا).

أولا: مفهوم الصعوبات ومجال الوقاية منها

من أجل وقاية المقاولة من الصعوبات التي قد تتعرض لها أثناء مزاولة نشاطها يتعين قبل كل شيء التعرف على نوعية الصعوبات قصد إيجاد طرق لتذييلها (1)، ومعرفة النطاق الذي تصل إليه هذه الحماية على ضوء مسطرة الوقاية الداخلية (2).

1: مفهوم الصعوبات التي من شأنها الإخلال باستمرارية استغلال المقاولة

بالرغم من أن المشرع نص في المواد من 546 إلى 548[7] من القانون رقم 73.17 من مدونة التجارة، نجدها تشير إلى الوقائع التي من شأن وجودها أن تخل باستمرارية استغلال المقاولة دون تحديد معنى للصعوبات ما عدا بعض الإشارات حول هذا المعنى الذي أورده المشرع في مواد أخرى من هذه المدونة، ومن ذلك مثلا ما جاء في المادة 550 من ذات المدونة التي تنص على أنه: "يكون إجراء التسوية الودية مفتوحا أمام كل مقاولة تجارية أو حرفية من دون أن تكون في وضعية التوقف عن الدفع، تعاني من صعوبات قانونية أو اقتصادية أو مالية أو لها حاجات لا يمكن تغطيتها بواسطة تمويل يناسب إمكانات المقاولة...".

 وهكذا يمكن القول بأن وجود الوقائع التي من شأنها الإخلال باستمرارية استغلال المقاولة، قد ينتج عن معاناة المقاولة من صعوبات قانونية أو مالية يكون لها أثر على توازن المقاولة (أ)، مما يهددها بالتوقف عن دفع ديونها إذا لم يتم التعجيل بإزالة ما يعترضها من صعوبات من هذا النوع (ب).

ثانيا: كيفية التصدي للصعوبات التي من شأنها الإخلال باستمرارية استغلال المقاولة

ومساطر الوقاية من الصعوبات تنقسم حسب مقتضيات الكتاب الخامس من مدونة التجارة إلى نوعين، مسطرة الوقاية الداخلية (1) ومسطرة الوقاية الخارجية (2).

1-       مجال تطبيق أحكام الوقاية

الوقاية الداخلية كمسطرة غير قضائية لمواجهة الوقائع التي من شأنها الإخلال باستمرارية استغلال المقاولة: تسمى هذه المسطرة بالوقاية الداخلية لكونها تجري داخليا بين مختلف أجهزة المقاولة التي تتألف من مراقبي الحسابات والشركاء، ورئيس المقاولة أي الممثل القانوني للشخص الاعتباري (المادة 545)، ومجلس الإدارة ومجلس المراقبة والجمعية العامة ( المادتان 546 و547)، وتهدف هذه المسطرة  إلى فتح حوار ونقاش داخل المقاولة بين مراقب الحسابات أو أي شريك في الشركة، وبين الأجهزة الإدارية المختلفة المكلفة بالتسيير كرئيس المقاولة ومجلس الإدارة أو مجلس المراقبة، حسب أنماط الإدارة المحددة في قانون شركات المساهمة[8]، والجمعية العامة حول الصعوبات والوقائع التي تم اكتشافها، والتي من شأنها الإخلال باستمرارية استغلال المقاولة، وتبادل الآراء حولها، والبحث عن أفضل الحلول واقتراح أنجع الطرق لتصحيح وتسوية وضعية المقاولة وإعادة التوازن الاقتصادي أو المالي أو الاجتماعي  إلى وضعه الطبيعي.

ثالثا: نطاق تطبيق مسطرة الوقاية الخارجية

تنص الفقرة الأولى من المادة 547من مدونة التجارة (قانون 73.17) على أنه: "إذا لم يعمل رئيس المقاولة تلقائيا على تصحيح الاختلال الذي من شأنه أن يؤثر سلبا على استغلالها، يبلغ إليه مراقب الحسابات إن وجد أو أي شريك في الشركة...."

ويستفاد من النص المشار إليه أن مجال تطبيق مسطرة الوقاية من الصعوبات التي من شأنها أن تؤدي إلى التوقف عن الدفع، يهم المقاولات التي تأخذ شكل شركة تجارية ويتعلق الأمر هنا بشركات المساهمة، وشركات التضامن وشركة التوصية البسيطة، وشركات التوصية بالأسهم وشركات المسؤولية المحدودة المتعددة الشركاء، ويستوي الأمر في هذه الشركات أن يكون قد عين فيها مراقب الحسابات أم لا، لأن إعلام رئيس المقاولة بالصعوبات  والإختلالات المؤدية  إلى التوقف عن الدفع  أوكلته المادة 547 م.ت إلى جانب مراقب الحسابات للشريك، متى كان الأمر يتعلق بالشركات[9].

وتعد مسطرة الوقاية من الصعوبات الواردة في الكتاب الخامس من م.ت مسطرة استثنائية تطبق فقط على المقاولات التي تتخذ شكل شركة تجارية أو صناعية أو حرفية، كما تخضع المجموعات ذات النفع الاقتصادي ذات الغرض التجاري، خصوصا وأنه أحيانا تخضع هذه الأخيرة للمراقبة من طرف مراقبي الحسابات إذا كانت تمارس إحدى الأنشطة التجارية المنصوص عليها في المواد 6 و7 و8 من مدونة التجارة، مما يعني ضرورة خضوعها لأحكام الوقاية من الصعوبات لتفادي التوقف عن الدفع وذلك من خلال تحريك المراقب لإجراءات الوقاية، متى امتنع رئيس المقاولة أو تجاهل أو تغاضى لأسباب شخصية أو ذات علاقة بظروف وحسابات خاصة أو عامة عن القيام بتصحيح الإختلال الذي من شأنه أن يؤثر على استغلال المقاولة[10].

ويخرج عن نطاق تطبيق إجراءات الوقاية من الإختلالات والصعوبات تبعا لذلك المقاولات الفردية، كالأصل التجاري وكذلك الشركات المدنية والمجموعات ذات النفع الاقتصادي ذات الغرض المدني، وكذلك شركة المحاصة ذات الغرض التجاري لأنها لا تتوفر على الشخصية المعنوية، إضافة إلى المقاول الذاتي[11].

الفقرة الثانية: المكلفين بوقاية المقاولة من الصعوبات

تعرض المشرع في مسطرة الوقاية الداخلية للآليات التي يتعين سلوكها لأجل تطبيق إجراءات المسطرة، ويتعلق الأمر برئيس المقاولة (أولا)، ثم مراقب الحسابات (ثانيا)، وأخيرا بأحد الشركات (ثالثا).

أولا: قيام رئيس المقاولة تلقائيا بالوقاية

تنص المادة 547 من م.ت على أنه: "إذا لم يعمل رئيس المقاولة، تلقائيا، على تصحيح الإختلال الذي من شأنه أن يؤثر سلبا على استغلالها، يبلغ إليه مراقب الحسابات، إن وجد أو أي شريك في الشركة، الوقائع أو الصعوبات..."، وبناء على ذلك فإن الوقاية من الصعوبات التي قد تنجم عن الوقائع و الإختلالات التي من شأنها أن تؤثر سلبا على السير العادي للمقاولة-مما يجعلها مهددة بواقعة التوقف عن الدفع- يتولاها تلقائيا رئيس المقاولة كأحد المهمات الأساسية التي تقع على عاتقه كمسير للمقاولة ورئيس لها، ومتى تقاعس أو أهمل أو امتنع أو عجز، فإن المشرع المغربي سن مجموعة من الإجراءات يهدف من ورائها تحقيق الوقاية والحماية للمقاولة من الوقائع والإختلالات التي من شأنها أن تؤدي إلى التوقف عن الدفع[12].

ثانيا: مراقب الحسابات

يتم  تعيين مراقب الحسابات داخل كل شركة إما وجوبا إذا كان الأمر يتعلق بشركة مساهمة أو شركة توصية بالأسهم، أو يتم تعيينه اختياريا في الشركات الأخرى التجارية المتعددة الأطراف كشركة التضامن وشركة التوصية البسيطة والشركة ذات المسؤولية المحدودة من طرف الأجهزة المسيرة للشركاء حسب نظامها الأساسي في الحالة العادية، أو أن يتم تعيينه بناء على أمر صادر من رئيس المحكمة التجارية (المواد 12/21 و 80[13] من القانون رقم 5.96)، وعادة ما يتم تعيين مراقب الحسابات من طرف الجمعية العامة للشركة، بعد تأسيس الشركة لمدة ثلاثة سنوات مالية، أو أثناء التأسيس لمدة سنة.

وفي هذا السياق تنص المادة 165 من قانون شركات المساهمة على أنه: "في حالة عدم تعيين الجمعية العامة لمراقب الحسابات، يتولى رئيس المحكمة بصفته قاضي المستعجلات تعيين مراقب الحسابات أو يعين بناء على طلب من أي مساهم في الشركة". كما يمكن أن يعين الشركاء في شركة التضامن والتوصية البسيطة بالأغلبية مراقب أو أكثر للحسابات متى بلغ رقم معاملاتها 50 مليون درهم دون اعتبار الضرائب[14].

ثالثا: الشركاء

خول المشرع للشركاء في جميع الشركات التجارية والمجموعات ذات النفع الاقتصادي التجارية، ما عدا شركة المحاصة والشركة ذات المسؤولية المحدودة ذات الشريك الوحيد أن يمارسوا الوقاية الداخلية للمقاولة فرادى أو جماعة[15].

فالشريك بناء على المادة 547 من م.ت له الحق في تبليغ رئيس المقاولة الوقائع التي من شأنها الإخلال باستمرارية استغلاله المقاولة وعرقلة نشاطها وتهديدها بالتوقف عن أداء التزاماتها، ويعكس هذا الوضع نية المشاركة لدى الشريك وحرصه على مصالح المقاولة، مستعينا في ذلك بالوسائل القانونية التي وفرها له المشرع في إطار قانون الشركات التجارية، المتمثلة في إلزام الشركة بإعلام المساهمين والشركاء، مع التنصيص على جزاءات مدنية وجنائية عند الإخلال بذلك تطال المسيرين[16]، وإمكانية بطلان الجمعيات العامة[17].

المطلب الثاني : إجراءات الوقاية الداخلية

تنطلق مهمة المكلفين بالوقاية الداخلية باكتشاف الوقائع (الفقرة الأولى) وإتمام تبليغها لرئيس المقاولة الذي يكون له الاستعانة بهياكل المقاولة ودعوته للجمعية العامة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: اكتشاف الوقائع المؤدية إلى التوقف عن الدفع 

 فمسطرة الوقاية الداخلية هدفها العمل على الكشف عن إرهاصات وبوادر الصعوبات قبل حدوثها ليسهل تجاوزها والتغلب عليها[18]، ولذلك اعتبرت إجراءات هذه المسطرة إجراءات سابقة لمرحلة التوقف عن الدفع للمقاولة المدينة، تلجأ إليها هذه الأخيرة عند اكتشاف درجة الصعوبات التي تعيقها دون أن تكون في حالة التوقف الفعلي، كما اعتبرت هاته الإجراءات حصرية، أي لا يمكن ابتداع إجراءات غير منصوص عليها في القانون رقم 73.17، ومن تم فحسب المادتين 547 و548 من ذات القانون تتحدد إجراءات الوقاية الداخلية، بداية باكتشاف الوقائع التي من شأنها الإخلال باستمرارية استغلال الشركة من طرف مسیرها أو مجلس إدارتها أو مجلس المراقبة أو مجلس الإدارة الجماعية[19]،يتم تداولها ومناقشة الحلول المطلوبة حسب كل حالة، كما قد يتم تبليغ رئيس المقاولة من طرف مراقب الحسابات أو الشريك[20]، بما تم اكتشافه من وقائع كما تقدم فإن رئيس المقاولة من مهامه الأساسية حماية ومراقبة السير العادي للمقاولة، وفي هذا الصدد تنص الفقرة الأولى من المادة 547م.تعلى أنه: "...يبلغ إليه مراقب الحسابات،إن وجد أو أي شريك في الشركة، الوقائع أو الصعوبات خاصة الصعوبات ذات الطبيعة القانونية أو الاقتصادية أو المالية أو الاجتماعية التي من شأنها الإخلال باستمرارية استغلالها، وذلك داخل أجل ثمانية ايام من اكتشافه لها برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل يدعوه فيها إلى تصحيح ذلك الإخلال."

الفقرة الثانية: دعوة الجمعية العامة للانعقاد

إذا لم يستجب رئيس المقاولة لدعوة التصحيح داخل 15 يوما من تاريخ التوصل برسالة مضمونة مع الإشعار من قبل مراقب الحسابات، أو الشريك في الشركة  أو كانت الإجراءات التي اتخذها بناء على سلطته التقديرية أو بعد استشارته لمجلس الإدارة أو مجلس المراقبة -حسب الهياكل الموجودة بالمقاولة- غير كافية لتصحيح الإخلال، آنذاك يتعين على رئيس مجلس الادارة أو مجلس الرقابة حسب مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 547 م.ت وبعد توصله بإشعار بالصعوبات التي من شأنها أن تخل باستمرارية نشاط المقاولة داخل أجل خمسة عشر يوما، الإجابة على ذلك الإشعار إما بشكل شخصي ومنفرد أو من خلال دعوة المجلس الذي يترأسه للانعقاد.

إلى جانب ذلك يتوجب عليه عندئذ دعوة مراقب الحسابات حضور أشغال هذا الاجتماع، ومادام مراقب الحسابات وراء اكتشاف الوقائع التي من شأنها أن تخل باستمرارية نشاط المقاولة ومع ذلك لا تتم دعوته لحضور اجتماع أعمال المجلس المنعقد[21].

ويبعث للجمعية العامة تقرير مراقب الحسابات أو تقرير الشريك عند عدم وجود مراقب الحسابات، وينبغي أن يتضمن هذا التقرير الوقائع التي تم اكتشافها والنتائج التي تم التوصل إليها من قبل رئيس المقاولة وبيان ما إذا كانت كافية أم لا، وتناقش الجمعية العامة هذا التقرير بحضور مراقب الحسابات وفق المادة 170قانون شركات المساهمة[22] وكذا المواد 13-21-34-83 من قانون رقم 5.96، الذي لا يجوز له أن يتدخل في اتخاذ القرارات لأن أعمال التسيير محظورة عليه، ويبقى للمساهمين أو الشركاء وحدهم الحق في تقدير صواب أو خطأ السياسة التي اتبعها رئيس المقاولة أو مجلس الإدارة أو مجلس المراقبة، والتي على أساسها تم اتخاذ القرارات الحاسمة التي يتطلبها الموقف.

ومعلوم أن رئيس المقاولة هو من يسمح له بدعوة هياكل المقاولة وفقا للفقرة الثانية من المادة 547 من م.ت وبشكل اختياري ويتعين على الجمعية العامة أن تنعقد في حالة استعجالية وفي أجل يكون قريبا محدد في الدعوة الموجهة للانعقاد لأجل مواجهة المستجدات كما يدعون، إن اقتضى الحال، إلى حضور اجتماعات مجلس الإدارة أو مجلس الرقابة في نفس الوقت الذي تتم فيه دعوة المتصرفين أو أعضاء مجلس الرقابة وذلك بواسطة رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل."

أي العمل على تصحيح الوقائع في أقرب الآجال تفاديا لآثارها التي ستنعكس على استمرارية استغلال المقاولة وعلى رأسها التوقف عن أداء ديونها المستحقة.

وقد تنجح مسطرة الوقاية الداخلية في تصحيح الإخلال الذي تعيشه المقاولة، وعلى العكس من ذلك قد تفشل في اتخاذ قرارات مجدية أو لا تنعقد الجمعية العامة بالمرة، وهو ما يستدعي قيام مراقب الحسابات ورئيس المقاولة أو أي شريك في الشركة بإخبار رئيس المحكمة التجارية بالصعوبات التي تعترض المقاولة على الرغم من اتخاذ الإجراءات الخاصة بالوقاية من الإختلالات والصعوبات.

المبحث الثاني: مسطرتي الوقاية الخارجية والمصالحة لتفادي التوقف عن الدفع

يقصد بمسطرة الوقاية الخارجية اتخاذ القضاء إجراءات لوقاية المقاولة من الصعوبات المؤدية إلى التوقف عن الدفع من قبل جهات خارجية عن المقاولة، ويناط بها تقديم المساعدة لوقاية المقاولة من الصعوبات التي تعترضها و يتعلق الأمر بالجهاز القضائي الذي يلعب دورا أساسيا يتمثل في السلطة التقديرية لرئيس المحكمة التجارية وبالاستعانة أحيانا بوكيل خاص يعين لغرض تسهيل عملية التقريب بين وجهات النظر(المادة 549 من المدونة التجارية) ، خصوصا و أن القضاء يعد جهاز مستقل ومحايد،لا يرتبط بالأجهزة الداخلية للمقاولة لا إداريا ولا ماديا ولا معنويا، مما يؤهله من خلال ما لديه من إمكانيات و تسند إليه هذه المهمة (في شخص الرئيس) كوظيفة جديدة لم يعهدها من قبل، تفرض عليه المساهمة في تصحيح أوضاع المقاولة المتعثرة، وهي تختلف عن الوظيفة التقليدية المتمثلة في البت في المنازعات وإصدار الأحكام[23].

سميت هذه الإجراءات الوقائية -المطلوب تتبعها والإشراف عليها من قبل القضاء لأجل تفادي التوقف عن الدفع- بمسطرة الوقاية الخارجية، وذلك على أساس أن الأطراف الفاعلة والمشرفة على تسييرها بغرض تحقيق أهدافها لا تنتمي إلى الأجهزة الداخلية للمقاولة بصلة ولا ترتبط هذه الأخيرة بأية مصلحة مشتركة (المطلب الأول)، ومن جهة أخرى يتم القيام بإجراءات تعاقدية المعدة في شكل اتفاق ودي يصادق عليه رئيس المحكمة التجارية، ويودع الاتفاق لدى كتابة ضبط المحكمة التجارية، ويطلق على هاته الإجراءات بمسطرة المصالحة (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مسطرة الوقاية الخارجية كآلية لتفادي واقعة التوقف عن الدفع

وترمي مسطرة الوقاية الخارجية[24]، إلى فتح حوار أو نقاش سري كذلك، يجري بين رئيس المقاولة ورئيس المحكمة التجارية حول الصعوبات التي من شأنها الإخلال باستمرارية الاستغلال أو النشاط والبحث عن الحلول الملائمة وتقديم الاقتراحات الناجمة تفاديا للتوقف عن سداد الديون المستحقة عند تاريخ الحلول وسنحاول الحديث عن نطاق تطبيقها (الفقرة الأولى)، والإجراءات المتعلقة بتطبيقها (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: المقاولات المستفيدة من مسطرة الوقاية الخارجية

تختلف المقاولات التي تستفيد من نظام مساطر صعوبات المقاولة حسب المسطرة التي ستطبق عليها (أولا)، وذلك بالنظر لخصوصية كل مسطرة وخصوصية إجراءاتها (الفقرة الثانية).

أولا: المقاولات المستفيدة من الوقاية الخارجية

تنص المادة 549 م.ت على مايلي: " تفتح مسطرة الوقاية الخارجية أمام رئيس المحكمة في الحالة الواردة في المادة السابقة أو كلما تبين له من عقد أو وثيقة أو إجراء أن مقاولة، دون أن تكون في وضعية التوقف عن الدفع، تعاني من صعوبات قانونية أو اقتصادية أو مالية أو اجتماعية أو لها حاجيات لا يمكن تغطيتها بواسطة تمويل يناسب إمكانات المقاولة." وبين المشرع المقصود بالمقاولة التجارية في المادة 546 م.ت: "يقصد بالمقاولة في مدلول هذا الكتاب الشخص الذاتي التاجر أو الشركة التجارية"، واستنادا إلى ذلك فإن مسطرة الوقاية الخارجية، تطبق على كل مقاولة تجارية فردية كانت أو جماعية، تواجه صعوبات من شأنها أن تخل باستمرارية استغلالها، ويستفاد من هذا النص أن الوقاية الخارجية يستفيد منها جميع التجار والشركات التجارية.

فإذا كانت مسطرة الوقاية الداخلية تستفيد منها فقط الشركات التجارية والمجموعات ذات النفع الاقتصادي ذات الغرض التجاري، فإن مسطرة الوقاية الخارجية يستفيد منها بالإضافة إلى ما سبق الأشخاص الذاتيين التجار الذين يمكن أن تواجههم صعوبات أو وقائع من شأنها أن تخل باستمرارية نشاطهم مما قد يؤدي إلى التوقف عن الدفع[25].

 وفي هذا الصدد نصت المادة 549 م.ت في فقرتها الأولى على ما يلي: "تفتح مسطرة الوقاية الخارجية أمام رئيس المحكمة أو كلما تبين له من كل عقد أو وثيقة أو إجراء أن مقاولة،دون أن تكون في وضعية التوقف عن الدفع، تعاني من صعوبات قانونية أو اقتصادية أو مالية أو اجتماعية أو لها حاجيات لا يمكن تغطيتها بواسطة تمويل يناسب إمكانات المقاولة"، وبالتالي كيفما كان شكل المقاولة بصرف النظر عن غرضها باستثناء شركة المحاصة التي لا تخضع لمسطرة الوقاية الخارجية ما لم يكن غرضها تجاريا[26].

كما تشمل هذه المسطرة المقاولات المملوكة على الشياع ولو لم تتخذ شكل شركة سواء كانت مقاولة فردية أو جماعية، شريطة أن تكون مقاولة تجارية، كما تطبق على المجموعات ذات النفع الاقتصادي التجارية أما بالنسبة للشركات والمقاولات العمومية فهي لا تخضع للوقاية الخارجية لأنها تقع تحت الوصاية الإدارية للدولة.[27]

ثانيا: شروط تطبيق مسطرة الوقاية الخارجية

يتعين أن تتوفر في المقاولات الخاضعة لمسطرة الوقاية الخارجية حسب المادة 549 م.ت مجموعة من الشروط:

أن تكون المقاولات المعنية تواجه صعوبات من شأنها أن تخل باستمرارية استغلالها و تؤدي بها  إلى التوقف عن أداء ديونها، هذه الصعوبات التي يتبينها رئيس المحكمة التجارية، من خلال التقرير الذي قد يعرض عليه  من قبل مراقب الحسابات، أو أحد الشركاء في الشركة على إثر فشل تطبيق مسطرة الوقاية الداخلية، أو بناء على طلب من قبل رئيس المقاولة، أو تلقائيا من رئيس المحكمة إذا ما تبين له أو اكتشف من خلال العمل الذي يمارسه يوميا أن مقاولة ما تعاني من صعوبات دون أن يخبره بذلك رئيسها أو مراقب حساباتها أو الشريك وذلك من خلال الوثائق التي يقدمها دائنو المقاولة، بما فيها الحجوز التي يطلبون إيقاعها على الأصل التجاري للمقاولة[28]، أو على منقولاتها بصفة عامة، أو من تلك  الدعاوي، أو الأحكام الصادرة في مواجهة المقاولة، خصوصا تلك التي لم يتم تنفيذها بعد، أو من خلال احتجاجات العمال المطالبين بالحصول على أجورهم، أو من خلال الشيكات التي لم تؤدى لعدم وجود رصيد، أو الكمبيالات الراجعة بدون أداء، والتي تكون محلا للمطالبة بالوفاء بها من خلال دعاوي وشكايات أو مساطر الأمر بالأداء، فمن خلال هذه الأمور وغيرها يستطيع رئيس المحكمة التجارية أن يتبين بأن المقاولة توجد في وضعية صعبة."[29]

1-       يتعين تحريك الإجراءات المخولة القيام بها لأجل تفادي توقف المقاولة عن أداء ديونها الحالة.

2-       أن لا تكون المقاولة متوقفة عن سداد ديونها،لأن التوقف عن دفع الديون ينقلها من مساطر الوقاية من الصعوبات إلى المساطر القضائية طبقا للفقرة الأولى من المادة 549 من مدونة التجارة والتي جاء فيها "...مقاولة تجارية دون أن تكون في وضعية التوقف عن الدفع"

المطلب الثاني: مسطرة المصالحة لتفادي التوقف عن الدفع

تعد مسطرة المصالحة من مساطر الوقاية الخارجية المحركة من قبل الأجهزة الخارجية عن المقاولة وكانت تسمى في الكتاب الخامس المنسوخ من مدونة التجارة المغربية بمسطرة التسوية الودية، وقد كان الهدف من وراء استبدال مصطلح "التسوية الودية" بمصطلح "المصالحة" هو رفع اللبس وعدم الخلط بين مسطرة المصالحة ومسطرة التسوية القضائية.

وتستهدف مسطرة المصالحة إبرام اتفاق ودي بواسطة المصالح والذي يتم تعيينه من طرف رئيس المحكمة التجارية لإجراء مفاوضات توفيقية بين رئيس المقاولة والدائنين من أجل إنقاذ المقاولة من الصعوبات التي تواجهها وتوفير الأموال اللازمة التي من شأنها الاستجابة لحاجاتها التمويلية حسب نص المادة 551 من مدونة التجارة. تعتبر المصالحة من صميم اختصاصات رئيس المحكمة التجارية في إطار اختصاصاته العامة حول المساطر شبه القضائية لمعالجة صعوبات المقاولة[30]، وعليه سنقف على شروط فتح مسطرة المصالحة وكيفية تعيين المصالح ومهامه،(الفقرة الأولى) إبرام المصالح للمصالحة وآثارها (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: شروط فتح مسطرة المصالحة وتعيين المصالح

ويكتسي الدور القضائي لرئيس المحكمة التجارية في فتح مسطرة المصالحة أهمية كبرى بحيث يبقى هو الجهة الوحيدة المختصة للبت في طلب فتحها، وذلك بعد التأكد من توافر الشروط الخاصة بفتح المسطرة (أولا)، إضافة لتعيينه المصالح الذي يعهد إليه بمهمة المصالحة (ثانيا).

أولا: شروط فتح مسطرة المصالحة

وانطلاقا من المادة 551 تنقسم هذه الشروط إلى شروط موضوعية وأخرى شكلية

1-       الشروط الموضوعية

تنص المادة 551 من م.ت على ما يلي:"تفتح مسطرة المصالحة أمام كل مقاولة،من دون أن تكون في وضعية التوقف عن الدفع، تعاني من صعوبات اقتصادية أو مالية أو لها حاجات لا يمكن تغطيتها بواسطة تمويل يناسب إمكانياتها".

من خلال هذه المادة يتضح بأن ثمة شروط أساسية يتعين توافرها لأجل فتح مسطرة المصالحة منها ما يتعلق بالصفة التجارية للمقاولة (أولا)، ومنها ما يتعلق بذمتها المالية (ثانيا)،إضافة إلى عدم توقفها عن الدفع(ثالثا).

أ‌-        طبيعة المقاولة

 تطبق مسطرة المصالحة على المقاولة (المادة 551 م.ت) بصرف النظر عما إذا كانت مقاولة تجارية/فردية أو جماعية مملوكة على الشياع، واتخذت شكل شركة تضامن أو شركة مساهمة أو شركة توصية بسيطة أو شركة التوصية بالأسهم، باعتبارها شركات تجارية من حيث الشكل وبصرف النظر عن الغرض أو النشاط سواء كان نشاطا تجاريا أو مدنيا (المادة 2 من القانون رقم 5/95 والمادة 1 من القانون رقم 17/95).[31]

تستفيد المقاولة التجارية من مسطرة المصالحة، سواء كانت مقاولة وطنية أو أجنبية، عاملة في بلادنا أو خارجه، أما المشرع الفرنسي فقد وسع من مسطرة التسوية الودية، لتشمل إضافة إلى المقاولة التجارية وكذا الحرفية، الأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون الخاص[32]، بمقتضى المادة 1/35 من القانون 10 يونيو 1994، وقد استثنى من الاستفادة بهذه المسطرة المقاولات الفردية الفلاحية التي تخضع لنظام خاص (قانون 30 دجنبر 1988).

ثانيا: الوضعية المادية للمقاولة:

تلجأ المقاولة التجارية في حالة عدم توقفها عن الدفع إلى مسطرة المصالحة، في حالتين أساسيتين:

الحالة الأولى: تذليل صعوبات المقاولة بالمصالحة

حيث تلجأ المقاولة التجارية إلى طلب فتح مسطرة المصالحة، إذا كانت المقاولة تعاني من صعوبات يمكن تذليلها عن طريق مسطرة المصالحة، خصوصا إذا ما كانت تعاني من صعوبات مالية أو اقتصادية دونما أن تكون متوقفة عن دفع ديونها[33].

فالصعوبات الاقتصادية والمالية تتمثل عادة في ارتفاع المصاريف أو نقص الرأسمال نتيجة تقهقر النقود المتداولة، أو الهلاك الكلي أو الجزئي لرأسمال المقاولة، وهي نفس الصعوبات التي نص عليها المشرع الفرنسي، وبالتالي فإن مسطرة المصالحة تكون مطلوبة في الحالة التي تكون فيها المقاولة، مدركة أن ثمة وقائع أو ظروف من شأنها أن تجعلها لا تستطيع أداء ديونها، إلا إذا تم التغلب على الصعوبات المالية أو الاقتصادية[34]، وأن التغلب عليها أو تفاديها لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إجراء المصالحة وهو ما يستدعي ضرورة تدخل القضاء لتعيين الشخص المصالح ليتولى عملية التواصل والحوار والتقريب بين وجهات  النظر للطرفين المدين والدائن وبالتالي مصالحة الجهات المعنية.

الحالة الثانية:الحاجة إلى الأموال الملائمة لتمويل مشاريع المقاولة

عادة ما تكون المقاولة بحاجة  إلى أموال لتمويل مشاريع مستقبلية، أو لتوسيع أنشطتها مما ينعكس إيجابا على الاقتصاد والشغل، واستمرارية المقاولة في مزاولة نشاطها واستغلالها، وبالتالي استيفاء الدائنين لديونهم في تاريخ استحقاقها باعتبار ما تملكه من أموال غير كافية لتنفيذ تلك المشاريع والأنشطة، وعادة ما تتمثل تلك المشاريع الجديدة في شراء أجهزة أو تحديث المقاولة،أو توظيف تقنيات أو خبراء[35].

 وقد تفرض هذه الأوضاع الجديدة على المقاولة طلب فتح حوار وتواصل يتولاه المصالح مع الدائنين قصد الوصول إلى اتفاق للمصالحة، كأن يتم الاتفاق على تأجيل تاريخ استحقاق الديون أو التخفيض منها أو الاثنين معا[36]، وهو ما من شأنه أن يمنح الفرصة للمقاولة بإمكانية طلب الحصول على تمويل جديد أو قروض جديدة لتمويل مشاريعها التي ستمكنها من مواجهة الوقائع والظروف وبالتالي التغلب عليها وتفادي الصعوبات التي ستهدد مستقبلها[37].

ثالثا: عدم توقف المقاولة عن سداد ديونها المستحقة:

مما لا شك فيه أن فتح مسطرة المصالحة لا تعني المقاولات التي توقفت عن دفع ديونها وإنما وضعت إجراءات هذه المسطرة لفائدة مقاولة غير متوقفة عن الدفع وتعاني من صعوبات ذات علاقة بالجانب الاقتصادي أو المالي أو لها حاجيات لا يمكن تغطيتها بالاعتماد على مجرد تمويل يناسب إمكانياتها، وهذا ما تضمنته الفقرة الأولى من المادة 551 م.ت: "تفتح مسطرة المصالحة أمام كل مقاولة دون أن تكون في وضعية التوقف عن الدفع، تعاني من صعوبات اقتصادية أو مالية أو لها حاجيات لا يمكن تغطيتها بواسطة تمويل يناسب إمكانياتها".

الفقرة الثانية: الشروط الشكلية لمسطرة المصالحة وتعيين المصالح

أحاط المشرع المغربي مسطرة المصالحة بشروط شكلية لا غنى عنها لبلورة وإنجاز هذه المسطرة، سواء ما تعلق منها بالشخص الذي يملك حق طلب فتح مسطرة المصالحة (أولا) أو الجهة القضائية المختصة لفتح إجراءاتها (ثانيا)، وفي حالة فتح المسطرة يعمد رئيس المحكمة التجارية إلى تعيين مصالح (ثالثا).

أولا: الشخص طالب المصالحة

يرجع حق طلب فتح مسطرة المصالحة إلى رئيس المقاولة وحده دون غيره، إذ يملك هذا الأخير حرية اختيار هذه المسطرة التي تعتبر عملا من أعمال الإدارة[38]، وطبقا للفقرة الثانية من المادة 551 التي تشترط على رئيس المقاولة متى اختار سلوك هذه المسطرة، أن يعرض في الطلب بالإضافة إلى الوثائق الخاصة بالمقاولة ضرورة تعيين وتبيان وضعيتها المالية والاقتصادية والاقتراحات الخاصة وأن يكون الطلب مكتوبا وأن يتضمن تحديد الآجال المطلوبة، ونسبة تخفيضات الديون التي يرغب في الحصول عليها[39].

ثانيا: تعيين المصالح

استدعاء رئيس المقاولة: يستدعي رئيس المحكمة رئيس المقاولة للاستماع إليه، إذا ما تم إبلاغه من طرف مراقب الحسابات أو رئيس المقاولة نفسه بأن ثمة صعوبات وإخلالات  ظهرت بالمقاولة أو أن مسطرة الوقاية الداخلية لم تؤدي إلى نتيجة، أو وصل  إلى علمه أن المقاولة تواجه صعوبات تهدد استمرارية استغلالها بوسائل أخرى، وهذا الإجراء المسطري نصت عليه مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 549 من م.ت[40].

ويعتبر تعيين المصالح من قبل رئيس المحكمة إعلانا عن بداية الإجراءات الخاصة بمسطرة المصالحة، إذ تتلازم هذه الأخيرة بتعيين الوكيل الخاص كتوطئة لتعيين المصالح، لكن تعيين الأول ليس من مستلزمات ومتطلبات المصالحة.

فقد يعمد أحيانا رئيس المحكمة مباشرة إلى تعيين المصالح دون الصلة إلى تعيين الوكيل الخاص كلما ارتأى أن ظروف إبرام المصالحة مواتية حيث يعتبر ذلك من باب اختصار عامل الزمن وتحصين أصول المقاولة عبر تجنبها أتعاب ومصاريف تعيين الوكيل الخاص، وذلك بناء على اقتراحات رئيس المقاولة من خلال طلبه والاستماع ومن خلال ذلك يتبين له تصحيح وضعية المقاولة[41].

 وبناء على ذلك يقرر رئيس المحكمة فتح مسطرة المصالحة وتعيين المصالح مع تحديد المدة التي سيتولى فيها المصالح القيام بمهمته في 3 أشهر قابلة للتمديد لمرة واحدة على الأكثر، (وقد يكون هذا الأخير تاجرا كما قد يكون خبيرا) وما يلاحظ في هذا الصدد أن المدة تمت مضاعفتها حسب المادة 553 وفقا للتعديل الأخير، لأن المسطرة تهم رئيس المقاولة والدائنين وهو ما يتطلب الاستجابة لتمديدها لأجل المصالحة، خصوصا إذا كانت هناك بوادر تفيد بإمكانية نجاح مسطرة المصالحة


[1]-فيقيالتاجر من الإفلاس وآثاره ويقي الدائنين الإجراءات الطويلة للإفلاس والتكاليف الباهظة التي قد تتطلبها، وبهذا النظام يبقى التاجر على رأس نشاطه التجاري، الأمر الذي يجعل فرصة الوفاء أكبر، وقد أخذ بنظام الصلح الواقي من الإفلاس قانون التجارة الأردني وخصص له الباب الأول من الكتاب الرابع منه في المواد من 290 إلى 315....

[2]- أحمد شكري السباعي، الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة ومساطر معالجتها، م.س، ص: 119.

[3]- نشأت الأخرس، "الصلح الواقي من الإفلاس – دراسة مقارنة في القوانين الأردنية والمصرية واللبنانية والتونسية والقانون البريطاني -»، الطبعة الأولى، 2009، دار الثقافة للنشر والتوزيع عمان، ص 6 و7.

[4]- أيوب مستغفر وطارق هاشمي، الرقابة القضائية على إجراءات فتح مسطرة التسوية الودية، مجلة القانون والأعمال، عدد خاص بمساطر صعوبات المقاولة، 2017، ص: 196.

[5]- لم يعرف نظام المساطر الجماعية المغربي، منذ بداية العمل بالقانون التجاري لسنة 1913 إلى غاية دخول مقتضيات الكتاب الخامس من مدونة التجارة لسنة 1996 حيز التطبيق، إلا نوعا معينا من الصعوبات يتمثل في التوقف عن الدفع الذي يبرز بحسب الموقف الذي يتخذه المدين إما فتح مسطرة التصفية القضائية وإما شهر الإفلاس كوسيلة للتصدي للوضع المالي الذي أصبح فيه المدين المعني بالأمر بفعل توقفه عن أداء ديونه.

[6]- - محمد لفروجي، كتلة الدائنين في الإفلاس في ضوء القانون المغربي، رسالة دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، الدار البيضاء، 1993، ص: 152.

[7]- تنص المادة 546 من مدونة التجارة على أنه يبلغ مراقب الحسابات إن وجد، أو أي شريك في الشركة لرئيس المقاولة الوقائع التي من شأنها الإخلال باستمرارية استغلالها داخل ثمانية أيام من اكتشافه لها، برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل يدعوه فيها إلى تصحيح ذلك الإخلال...". 

- وتنص المادة 574 من المدونة المحال عليها في المادة 584 من نفس المدونة على أنه:" في حالة عدم تداول الجمعية العامة في الموضوع أو إذا أن الاستمرارية ما زالت مختلة رغم القرار المتخذ من طرف الجمعية العامة، أخبر رئيس المحكمة بذلك من طرف المراقب أو رئيس المقاولة".

كما تنص الفقرة الأولى من المادة 548 على أنه: " يستدعي رئيس المقاولة، في الحالة المنصوص عليها في المادة 547 أو في الحالة التي يتبين من كل عقد أو وثيقة أو إجراء أن شركة تجارية أو مقاولة فردية تجارية أو حرفية تواجه صعوبات من شأنها أن تخل باستمرارية استغلالها، قصد النظر بالإجراءات الكفيلة بتصحيح الوضعية".

[8]- القانون رقم 95-15 المتعلق بشركات المساهمة الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 124. 96. 1 بتاريخ 30 غشت 1996 والمنشور بالجريدة الرسمية عدد ،4422 بتاريخ 4 جمادى الآخرة 1417، 17 أكتوبر 1996، ص: 2320.

[9]- الحسن الكاسم، "قانون مساطر صعوبات المقاولة الجديد ودوره في حماية الاستثمار  والمقاولة، م.س.

[10]- حنان البكوري، صعوبات المقاولة، م.س،ص: 20.

[11]- نور الدين لعرج، مساطر صعوبات المقاولة، مطبعة سيلكي اخوان، الطبعة الأولى، 2016.

[12]- زكرياء العماري: "التسوية الودية كآلية للوقاية من صعوبات المقاولة"، م.س، ص: 145.

[13]- تنص المادة 80 من القانون 5.96 بأنه: " يمكن للشركاء تعيين واحد أو أكثر من مراقبي الحسابات وفق الشروط المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 75.

 غير أن الشركات ذات المسؤولية المحدودة التي تتجاوز، عند اختتام السنة المحاسبية، خمسين مليون درهم لمبلغ رقم معاملاتها دون اعتبار الضرائب تلزم بتعيين مراقب للحسابات.

يمكن لشريك أو عدة شركاء يمثلون على الأقل ربع رأس المال، حتى ولو يتم بلوغ مستوى رقم المعاملات المذكور في الفقرة السابقة، أن يطلبوا من رئيس المحكمة بصفته قاضي المستعجلات، تعيين مراقب للحسابات."

[14]- عبد الرحيم القريشي، تدابير الوقاية من صعوبات المقاولة بين التشريع والتطبيق، مطبعة دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الطبعة: 2، 2007، ص: 56.

[15]- زكرياء العماري: "التسوية الودية كآلية للوقاية من صعوبات المقاولة، م.س، ص: 122.

[16]-هناك العديد من صور الإخلال التي تطال المسيرين المترتبة عنها جزاءات جنائية ومدنية ومهنية من بينها: أن يتخلى المسيرون لشركة عن جزء من ديون هذه الشركة لصالح شركة أخرى هم مساهمون فيها و مشرفون على تسييرها أو يبرمون عقد كراء عقاراتها وآلاتها وتجهيزاتها لهذه الشركة بمبلغ كراء رمزي،وأيضا يمكن أن يختلس الرئيس لأموال المقاولة وذلك بفتحه حسابات بنكية بالخارج ويعطي الأوامر للزبناء الأجانب بتحويل مداخيل المقاولة الأولى  إلى هاته الحسابات مما يشكل إضرارا بحقوق الدائنين أولا يستثمر عائدات حصل عليها من عملية تفويت أموال الشركة لفائدتها.

عبد العالي العضراوي، المسؤولية المدنية والمهنية والجنائية لمسيري ومتصرفي المقاولات في حالة تعرضها للصعوبات، مطبعة فضالة المحمدية، الطبعة الأولى، السنة 2005،ص: 20 و21.

[17]- نورالدين لعرج، مساطر صعوبات المقاولة، م. س، ص: 30.

[18]- عبد الرحيم القريشي، تدابير الوقاية من صعوبات المقاولة م. س، ص: 55.

[19]- عبد اللطيف الشنتوف، دور رئيس المحكمة التجارية في الوقاية،م.س،ص: 22.

[20]- عبد الرحيم القريشي، تدابير الوقاية من صعوبات المقاولة م.س، ص: 57.

[21]- محمد السرغيني، التوقف عن الدفع من خلال العمل القضائي في نظام صعوبات المقاولة، م.س، ص: 134.

[22]- التي تنص على: " يدعى مراقب أو مراقبو الحسابات إلى حضور اجتماع مجلس الإدارة أو مجلس الإدارة الجماعية الذي يحصر حسابات السنة المالية المنصرمة، كما يدعون إلى حضور كل جمعيات المساهمين.

[23]- عبد اللطيف الشنتوف، دور رئيس المحكمة التجارية،م.س،ص:36.

[24]- تسمى هذه المساطر الحديثة بمساطر الوقاية الخارجية لأن الأطراف الفاعلة التي تحركها وتسيرها وتساهم في تحقيق أهدافها لاتمث إلى الأجهزة الداخلية للمقاولة بصلة، أو بمعنى آخر، إن أجهزة هذه المسطرة خارجة عن المحيط الداخلي للمقاولة، ويتبين من استعراض أعضاء هذه الأجهزة وهم رئيس المحكمة التجارية (المادة 548)، والوكيل الخاص (المادة 549) والمصالح (المواد 553 إلى (555) والدائنون (المادتان 556 و 557) إلى جانب رئيس المقاولة المعني الأول بهذه المسطرة.

[25]- محمد كرام، الوجيز في مساطر صعوبات المقاولة في التشريع المغربي، ج I، المطبعة والوراق الوطنية،مراكش، ط: 1، 2010، ص: 18.

[26]عبد الرحيم القريشي، تدابير الوقاية من صعوبات المقاولة،م.س،ص: 43.

[27]- عبد اللطيف الشنتوف، دور رئيس المحكمة التجارية في الوقاية،م.س، ص: 23.

[28]- محمد كرام، الوجيز في مساطر صعوبات المقاولة في التشريع المغربي، م.س، ص:23.

[29]- علال فالي، مساطر معالجة صعوبات المقاولة، مطبعة دار السلام، الطبعة 2012، ص: 30.

[30]- علال فالي، مساطر معالجة صعوبات المقاولة، م.س، ص: 50.

[31]أحمد شكري السباعي: "الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة ومساطر معالجتها، الجزء الأول، م.س، ص: 158.

[32]- احمد شكري السباعي، الجزء الأول، المرجع السابق ص: 191.

[33]- علال فالي، مساطر معالجة صعوبات المقاولة، مطبعة دار السلام، الطبعة 2012، ص: 22.

[34]- نور الدين لعرج، قانون صعوبات المقاولة المرحلة السابقة للتوقف عن الدفع، المرحلة اللاحقة للتوقف عن الدفع،الطبعة الثانية، مطبعة سليكي إخوان طنجة، سنة 2011، ص: 37.

[35] - أخياظ محمد، صعوبات المقاولة، م.س، ص:51.

[36]- من بينهم عبد الرحيم القريشي، " تدابير الوقاية من صعوبات المقاولة... ،م.س.،ص. 42

[37]- عمار حبيب بهلول، "النظام القانوني لحوكمة الشركات"، م.س، ص: 129.

[38]- نور الدين لعرج، قانون صعوبات المقاولة المرحلة السابقة للتوقف عن الدفع، المرحلة اللاحقة للتوقف عن الدفع،الطبعة الثانية، مطبعة سليكي إخوان طنجة، سنة 2011، ص: 63.

[39]- نور الدين لعرج، قانون صعوبات المقاولة المرحلة السابقة للتوقف عن الدفع، المرحلة اللاحقة للتوقف عن الدفع،الطبعة الثانية، مطبعة سليكي إخوان طنجة، سنة 2011، ، ص: 68.

[40]- حيث جاء في فقرتها الثانية أنه: " يستدعي رئيس المحكمة فورا إلى مكتبه، رئيس المقاولة إما تلقائيا أو بناء على طلب من هذا الأخير يعرض فيه نوعية الصعوبات التي من شأنها أن تخل باستمرارية الاستغلال وكذا وسائل مواجهتها، وذلك قصد تقديم توضيحاته في الموضوع والنظر في الإجراءات الكفيلة بتصحيح وضعية المقاولة."

[41]- عبد الرحيم القريشي، تدابير الوقاية من صعوبات المقاولة، م.س، ص: 61.



من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله

قانونك


 من أجل تحميل العدد 22  - إضغط هنا أو أسفله

مجلة قانونك - العدد الثالث