دور الشرطة القضائية المكلفة بالأحداث في حماية ضمانات الحدث الجانح بين التشريعين المغربي والموريتاني
بي أحمدو أحمد مولود
أستاذ متعاون مع جامعة العلوم الإسلامية بلعيون موريتانيا
The role of the judicial police in charge of juveniles in protecting the guarantees of juvenile delinquents between Moroccan and Mauritanian legislation
Bie AHMADOU AHMED MOULOUD
المقدمة
رغم توفر المشرعين على شبه أجهزة في التعامل مع الأحداث خلال مرحلة ما قبل المحاكمة، ستبقى تلك الأجهزة قاصرة إذا لم تحظ هذه المرحلة بالضبط الكافي من خلال العمل على تقوية الضمانات التي تصون حرية الحدث من التجاوزات دون أن يكون ذلك فيه إضرار بحقوق المجتمع، وبين تحقيق هذه الضمانات، وحفاظا على دور الشرطة[1] القضائية للأحداث[2]، يجب أن يسلك البحث الابتدائي أوالتمهيدي نوعا من الحنكة من قبل ضباط الشرطة القضائية ،تحت إشراف النيابة العامة، وهذه الإجراءات ليست ضرورة قانونية بقدرما هي ضرورة واقعية، متروكة لحكم الواقع، وليقظة ضباط الشرطة القضائية الذين يباشرون هذه المهام بمجرد تلقيهم شكاوى أو بلاغا عن وقوع جريمة من حدث سواء تم الإعلان من الضحية أو الحدث ذاته[3]، ونجد أن المشرع المغربي قد نص في المادة460 من قانون المسطرة الجنائية المغربية على ضباط الشرطة القضائية المكلفون بالأحداث.
ولم يكن المشرع الموريتاني بمنأى عن ذلك، بل نص في المادة101 من الأمر القانوني المتضمن الحماية الجنائية للطفل على ضباط الشرطة القضائية المكلفين بالأحداث، وبهذا يكون كلا المشوعين قد سلك مسلكا يوائم نهج تطبيق سياسة إجرائية في مجال الأحداث تهدف إلى تكريس حماية هذه الفئة، هذا على الأقل في المستوى النظري.
أما عن واقع الحال في المغرب وموريتانيا فإن معاملة الأحداث غالبا ما تتم من قبل ضباط ليسوا متخصصين وليس لهم دراية بجنوح الأحداث، ويتعاملون مع الأحداث معاملتهم مع الراشدين، لذلك يعد هذا خرق لهذه الفئة من الأطفال غير الناضجين، وهذا ما يدل على أن إيجاد شرطة مختصة في مجال الأحداث ليس فقط مجرد اختصاص وظيفي فحسب، بل الهدف من ذلك هو استحضار خصوصية الحدث ومعاملته على أساس ذلك.
بيد أن مجرد التعديل في الاختصاص ليس هو المطلوب ما لم ينعكس ذلك في ترجمة معاملة خاصة للحدث[4] و هنا يمكن طرحالإشكالية التالية:إلى أي حد وفق المشرعين في التنصيص على الضمانات الحمائية للحدث الجانح خلال مرحلة البحث الابتدائي؟ وتتفرع عن هذه الإشكالية عدة تساؤلات
ما هي حقوق الحدث الجانح في مرحلة البحث الابتدائي أي التمهيدي؟. والتي يجب احترامها(مطلب أول)؟. وإلى أي حد تجب مراعاة حقوق المسطرية الخاصة بالحدث الجانح في مرحلة البحث الابتدائي مع تفعيلها(مطلب ثان)؟.
المطلب الأول: الحقوق العامة للحدث في مرحلة البحث الابتدائي (التمهيدي)
تكتسي الحقوق المرتبطة بحماية الأحداث أهمية بالغة في إطار القضاء سواء على مستوى الإجراءات، أو الضمانات؛ إذ ترتكز في مجملها، إما صراحة، أو ضمنيا على اعتبار أن الحدث في كل الأحوال كائن بشري ينقصه الإدراك والتمييز، أو ينعدمان تماما, وأن صغر سنه، ليس ظرف تخيف فحسب، بقدر ما هو ضرورة تفرض على جميع المتعاملين معه أن يتصفوا بمجموعة من المؤهلات، وأن يعملوا على تحصينه بمجموعة من الضمانات القانونية والإنسانية، والتي يكفلها له المشرعان وتضمنها له المواثيق الدولية، وإعلانات حقوق الإنسان، وذلك منذ اللحظة الأولى له، منذ مثوله أمام هذه الأجهزة، ابتداء من الشرطة القضائية، مرورا بمرحلة التحقيق، وانتهاء بالمحاكمة وتنفيذ الحكم، لأجل ذلك تجب مراعاة خصوصية الحدث، بغية تحقيق عدالة جنائية متزنة بميزان العدل؛ لأن دور هذه الأجهزة _ في نظري _ لا يقتصر على تطبيق القاعدة القانونية المجردة، كما وضعها المشرعان، بل لا بد أيضا من العمل على ترسيخ القيم المثلى في علاقاتها بالحدث، اعتبارا بأن الشرطة القضائية المكلفة بالأحداث هي السلطة الأولى التي تتعامل مع الحدث.[5]
فمن خلال ضباط الشرطة القضائية يتم الاتصال الأول بالحدث[6]، فور تواجده في حالة نزاع مع القانون[7]. ومن هنا يمكن أن تنعكس آثار هذ الاتصال بين الشرطة القضائية والحدث الجانح على جميع الإجراءات التالية التي تهدف إلى رعاية الحدث وحمايته؛ لذلك يجب أن تكون العلاقة في هذه المرحلة متصفة بنوع من المرونة والعقلانية واستبعاد الظلم والقهر والقساوة التي قد تؤدي إلى عكس ما هو مطلوب أصلا[8]، وبالتالي يجب على الشرطة القضائية احترام حقوق الحدث وكرامته الإنسانية.[9]
وهذا هو المطلب الذي يجب أن يوفر للحدث الجانح في مرحلة البحث الابتدائي؛ لأن الشرطة مطالبة بالوعي التام بحيثيات حقوق الحدث[10]، والطرق اللازمة لحل مشكلاتهم ومعالجة انحرافهم[11]، ولكن ما هي الحقوق التي كفلها المشرعان للحدث الجانح في مرحلة الابتدائي؟ والتي يجب احترامها بحيث لا يتعرض الحدث لسوء معاملة؟(فقرة أولى) وأن تضمن أحقيته في احترام خصوصيته؟ (فقرة ثانية)
الفقرة الأولى: حق الحدث الجانح في عدم تعرضه لسوء معاملة
إن الحرص على تجنب الحدث الهلع والاضطراب خلال المثول أمام الشرطة القضائية[12]، هو أمر تفرضه خصوصية الحدث الجانح ومراعاة مصلحته، وقد نص المشرع المغربي في المادة 460، قانون الإجراءات المسطرة الجنائية المغربية على ضرورة حضور الولي إلى جانبه (... يجب في كافة الأحوال إشعار ولي الحدث أو المقدم عليه، أو وصيه...)، وهذه الضمانة عبر عنها المشرع الموريتاني في المادة 101 من الأمر القانوني المتضمن الحماية الجنائية للطفل على أنه: (... لا يمكن إجراء الاستجواب إلا بحضور مساعدة اجتماعية للطفل...) ونفس المقتضى نص عليه المشرع الموريتاني في المادة107 من المدونة العامة لحماية الطفل التي تنص على أنه: (منذ التوقيف يجب أن يبلغ الطفل تفصيلا من الوقائع المنسوبة إليه وبحقه في مساعدة مستشار، وفي المساعدة الاجتماعية، وفي حقه في حضور أحد الأبوين، أو الوصي.
يلزم ضباط الشرطة القضائية بإبلاغ الآباء أو الوصي أو راعي الطفل فورا، أو في أقرب الآجال الممكنة عن الوقائع المنسوبة للطفل...).
كما أن هذه الضمانة تم التنصيص عليها في الفقرة الأولى من المادة10 من قواعد الأمم المتحدة الدنيا، قواعد بكين[13]، التي راعت خصوصية الحدث وضعفه[14] وذلك لاحتياجه لحضور أحد يسانده[15].
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل الواقع العملي اليوم لمعاملة الأحداث في البحث الابتدائي من قبل الشرطة القضائية[16] في كلا البلدين يعملون فعلا بهذه الضمانة؟.
أما في موريتانيا فمعاملة الأحداث خاصة في بداية هذه المرحلة لا تختلف كثيرا عن معاملة الراشدين، وإن كان المشرع الموريتاني قد راعى خصوصية الحدث من حيث وضع الضمانات القانونية للتشريع, إلا أن الواقع العملي شيء آخر؛ وخير دليل على ذلك حضوري لوقائع جلسة هنالك بتاريخ 18-6-2-2020 في المحكمة الجنائية-الغرفة الجزائية- بنواكشوط الغربية، حيث لامست من خلال جميع الإجراءات المتخذة ابتداء من البحث التمهيدي مرورا بالتحقيق الإعدادي، وانتهاء بالمحاكمة أن الضمانات التي نص عليها المشرع وكفلها للحدث غالبا ما يتم ضربها بعرض الحائط، ولا يتوخى منها إلا القليل ,وهذا ما يشكل حجر عثرة يعود بالسلب على واقع الأحداث الجانحين.
وإن كان الواقع العملي في المغرب أحسن تطبيقا لهذه الضمانات المتمثلة في حضور ولي الحدث، وقد يعود ذلك إلى أن انتشار ثقافة حماية الطفل لدى المجتمع المغربي أكثر من المجتمع الموريتاني. وهذا لا شك يساعد في احترام حقوق الحدث وتوطيد الضمانات التي كفلها له المشرع، وما يزيد الأمر تأكيدا هو تواتر الاتفاقيات الدولية على مراعاة حقوق الحدث وعدم تعرضه لأي شكل من أشكال العنف، وهذا ما سعت إليه اتفاقية حقوق الطفل المنشأة سنة 1989.
فعندما يتم اتصال ضباط الشرطة القضائية بالحدث يجب عليهم إخبار وكيل الجمهورية فورا؛ إذ نص المشرع الموريتاني المادة 101 من الأمر القانوني المتضمن الحماية الجنائية للطفل:(يجب على ضباط الشرطة القضائية إخبار وكيل الجمهورية فورا ليأمر هذا الأخير إما بوضع المتهم قيد الحراسة النظرية شريطة أن يكون الحدث قد بلغ خمس عشرة سنة، أو إما بإخلائه بكفالة، أو بدونها حسب ما تقتضيه الظروف )
وهذا ما نص عليه المشرع المغربي في المادة23 من قانون المسطرة الجنائية على أنه: (يجب على ضباط الشرطة القضائية أن يحرروا محاضر بما أنجزوه من عمليات وأن يخبروا وكيل الملك أو الوكيل العام للملك المختص فورا بما يصل إلى علمهم من جنايات وجنح...)، ويعتبر هذا الإخباري الفوري لوكيل الملك أو الوكيل العام للمك من قبل الضباط الشرطة القضائية هو دليل على أحقية الحدث في تفعيل بداية ضماناته الحقوقية ومعاملته على أحسن وجه، وهذا ما أقرته اتفاقية حقوق الطفل سنة 1989، وتكتسب هذه الاتفاقية أهميتها_ ليس فقط مما احتوت عليه من قواعد مهمة لحماية الطفل فحسب_ بل أيضا من القبول العالمي بهذه الاتفاقية[17]، وتكفل هذه الاتفاقية مجموعة من الحقوق للطفل التي تكفل ممارستها في مراحل مختلفة من الدعوى، ويتجلى ذلك خاصة في مرحلة ما قبل المحاكمة للحدث، ومقتضى ذلك نص عليه في المادة 36 من اتفاقية حقوق الطفل، وهو أن الحدث يجب أن يتم تمتيعه بأن لا يتعرض للضرب ولا للتعذيب، ولا أي نوع من هذه المعاملات التي قد تشكل نوعا من خرق حقوقه أو التقليل من حمايته، أو سوء معاملته[18].
كما نصت المادة الخامسة من الاتفاقية الآمريكية لحقوق الإنسان لسنة 1969 على حظر التعذيب وغيره من أوجه سوء المعاملة[19]. وإلى هنا تتجلى التساؤلات التالية: ما هي أوجه سوء المعاملة التي التي قديتعرض لها الحدث الجانح؟ وما ذا تشمل تحديدا؟.
يندرج سوء المعاملة في عدم معاملة الأحداث معاملة لا تليق بهم سواء كانت المعاملة الموجهة إليهم تتجسد في آلام جسمية أو نفسية، وقد عرفت المادة 01 من اتفاقية مناهضة التعذيب, أن التعذيب هو: (أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسديا كان أو عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص أو شخص ثان على معلومات أو اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه...)[20]
واستنادا إلى المادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل التي تكفل للأحداث عدم التعرض لسوء المعاملة، ولم يكن التنصيص على ذلك عبثا، حيث أن الأحداث متهمون بارتكاب جرائم جنائية يتم التحقيق معهم من قبل سلطات الدولة المعينة، وفي هذا الإطار قد يتعرضون للتعذيب والتنكيل[21]، من أجل انتزاع الاعتراف منه بوسائل التعذيب، وهذا ما يمنعه القانون وخشية من ذلك نرى أن تنصيص لجنة حقوق الطفل[22] على ثلاث ضمانات من أجل حماية الأحداث من سوء معاملة هومن الأهمية بمكان، وهي:
1. يجب أن يحتوي التشريع الوطني على نص صريح يحرم جميع أوجه سوء المعاملة، وأن يتضمن الجزاء الرادع لمن يقترف جريمة إساءة المعاملة.
2. يجب أن تحقق الدول في جميع القضايا التي يتم الادعاء فيها أن سلطات الدولة قامت بإساءة معاملة الأحداث الجانحين، وأن يتم تأجيل كل حدث ثبت تعرضه لسوء معاملة، وتعويضه عما حدث له.
3. يجب أن يحظر التشريع الوطني قبول أي دليل تم الحصول عليه من حدث بعد تعرضه لسوء معاملة.
وبالرجوع للتشريع المغربي نجد أنه قد نص في المادة 460 من قانو المسطرة الجنائية المغربية على أنه: (يمكن دون المساس بمقتضيات المادة 470 الآتية: يعهد لضابط الشرطة القضائية المكلف بالأحداث أن يحتفظوا بالحدث المنسوب إليه الجرم في مكان مخصص للأحداث لمدة لا يمكن أن تتجاوز المدة المحددة للحراسة النظرية، وعليه أن يتخذ كل التدابير لتفادي إيذائه).
وهذا نفس الاتجاه الذي سلكه المشرع الموريتاني في المادة 101 من الأمر القانون المتضمن الحماية الجنائية للطفل على أنه: (... عند توقيف الطفل المشتبه به يتعين على ضباط الشرطة القضائية أن يخبروا فورا وكيل الجمهورية ليأمر هذا الأخير إما بوضع المتهم قيد الحراسة النظرية...).
كما نصت المادة 108 من المدونة العامة لحماية الطفل على أنه: (لا يجوز لضباط الشرطة القضائية أن يستمعوا للطفل المتهم أو يقوموا بأي إجراء ضده إلا بعد إشعار وكيل الجمهورية المكلف بالأطفال).
واستقراء لما نص عليه المشرع المغربي نجد انه أخذ بعض التدابير أو الضمانات في حق الحدث، منها عدم إيذاء الحدث أو معاملته معاملة تنتهك خصوصيته، ولا تراعي مصلحته الفضلى، كما أن المشرع المغربي أقر ضمانة هي من الأهمية بمكان وهي إعلام وكيل الملك عند أخذ الحدث من قبل ضباط الشرطة القضائية.
ولم يكن المشرع الموريتاني ليغاير ما ذهب إليه نظيره المغربي حيث أكد على أول ضمانة في حق الحدث وهي إعلام وكيل الجمهورية من قبل ضباط الشرطة القضائية.
وانطلاقا مما سبق فإن التعامل مع الحدث من قبل الشرطة القضائية يجب أن يكون خاليا من الألفاظ القاسية والإهانة والضرب[23]، وكل ما من شأنه أن يشكل ألما جسمانيا أو نفسيا يضر بالحدث.
وتماشيا مع الاتفاقيات الدولية المشار إليها سابقا، فإن المشرعين المغربي والموريتاني قد سلكا نفس النهج، إلا أن قصد المشرع المغربي كان أدق من نظيره الموريتاني؛ حيث نصت المادة 460 من قانون إجراءات الجنائية المغربية على أن تتخذ كافة التدابير لتفادي إيذائه وهذا في نظري يعد استغراقا لكافة كل ما من شأنه أن يمس بالمصلحة الفضلى للحدث.
ومما يلاحظ على المشرعين هو عدم تنصيصهما على جزاء إخلال ضباط الشرطة القضائية المكلفة بالأحدث عند إيذاء الحدث، وإن كان مفهوم الإيذاء لا يمكن إثباته فقط من خلال إقرار الحدث المشتبه فيه، ويحق لولي الحدث عرضه على خبرة طبية من قبل ممثل النيابة العامة للتأكد ما إذا كان قد تعرض الحدث لإيذاء أم لا، وهنا نتحدث عن الإيذاء المادي دون الإيذاء النفسي الذي غالبا ما يتعرض له الحدث من العنف اللفظي ما يترك نفسيته في الحضيض، وأثرا عميقا في قلبه سواء كان ذلك من قبل ضباط الشرطة القضائية أو غيرهم.
ومما يسترعي الانتباه ما ذكره المشرع المغربي في المادة 460 قانون المسطرة الجنائية المغربية، حين ذكر مصطلح الاحتفاظ[24] بالحدث، وإن كان هذا المصطلح أكثر لباقة من الحراسة النظرية التي نص عليها المشرع الموريتاني في المادة 101 من الأمر القانوني المتضمن الحماية الجنائية للطفل؛ حيث نص على مصطلح الحراسة النظرية.
ومن خلال استقراء المادة 101 من الأمر القانوني المتضمن الحماية الجنائية للطفل ومقارنتها بالمادة 460 من قانون المسطرة الجنائية االمغرببة نجد أن النص المغربي كان أكثر احتواء حين ذكر أن ضباط الشرطة القضائية للأحداث يجب عليهم أن يتخذوا كافة التدابير اللازمة ولا يلحقوا أذى بالحدث دون ذكر نوع التدبير بصفة محددة، ودون الإشارة إلى ذكر إعلام أولياء الحدث.
بيد أن المشرع الموريتاني حسنا فعل إذ نص في المادة 107 من المدونة العامة لحماية الطفل على أنه: (...في حالة الحراسة النظربية للطفل يلزم الضباط أو وكلاء الشرطة قبل مثوله أمام وكيل الجمهورية، بإبلاغ ذويه...)
وتعقيبا على ماسبق أرى أن وجه الحماية الكافية للحدث خلال اتصال ضباط الشرطة القضائية به لم يكن حاضرا بصفة مطلقة، بل يلاحظ اختلال وقصور خلال هذا الاتصال الأول، وبالتالي يجب إضافة عناصر أكثر حماية ودقة من التدابير المتخذة في العصر اليوم، ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان ضباط الشرطة القضائية قد حازوا على التخصص في ميدان الأحداث، والتدريب على معاملة هذه الفئة القاصرة عقلا وإدراكا، لذلك فإن من الثغرات التي لم يسدها المشرعان هو عدم حصر صلاحيات خاصة بضباط الشرطة القضائية للأحداث، بل جعل ذلك ضمن ما هو منصوص عليه في القواعد العامة، لذلك فهم يمارسون مهامهم في غالب الأحيان في القواعد العامة[25]، ولعل أحدهم أخذ بالرأي القائل بأن ضباط الشرطة القضائية للأحداث دائما ما يمارسون مهامهم ضمن القواعد العامة.
وعموما فإن القانون يمنح صلاحيات واسعة لضباط الشرطة القضائية المكلفين بالأحداث من أجل إجراء البحث والتحقيق. وهذا نفس الاتجاه الذي سلكه المشرع الموريتاني في المادة 101 من الأمر القانوني المتضمن الحماية الجنائية للطفل، حيث نص في هذه المادة على أنه: (لتولي البحث الابتدائي وغيره من الإجراءات المتعلقة بالأطفال المقوفين تنشأ في كل مقاطعة، إما مفوضية وإما فرقة خاصة بالأطفال.
عند توقيف المشتبه به يتعين على ضباط الشرطة القضائية أن يخبروا فورا وكيل الجمهورية...)
ونفس الموقف انتهجه المشرع الموريتاني في المادة 107 من المدونة العامة لحماية الطفل وتماشيا مع المواثيق الدولية فإن وجود شرطة قضائية متخصصة ومدربة تكون مؤهلة للتعامل مع الأحداث لا شك أن ذلك يوفر ضمانة حمائية للأحداث، ويعطي مزجا بين التقنين والواقع حتى يحصل المنشود، وهو توفير الحماية الكافية للحدث، مع مراعاة المصلحة الفضلى له خلال البحث الابتدائي، وتجنيب المساءلة لضباط الشرطة القضائية[26]، وتجنيب البلدين الظهور أمام المجتمع الدولي بمظهر المقصر في احترام اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكوليها الاختياريين، خاصة بعد اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة ابروتوكلا ثالثا يسمح للأطفال بتقديم شكاوى فردية إلى لجنة اتفاقية حقوق الطفل بخصوص انتهاك حقوقهم[27]، ولكي تتزن الحماية أكثر، وتتحقق للأحداث يجب أن يتصف ضباط الشرطة القضائية بعدد من السمات تتمثل في:
- الصبر، والحلم، والذكاء، وحسن الخلق.
- الرغبة في ممارسة العمل في مجال عدالة الأحداث.
- القدرة على اكتساب ثقة الحدث.
- القدرة على النصح والإرشاد والتوجيه للحدث الجانح.
- اتزان العواطف وهدوء الأعصاب وحسن المظر.
ويعتبر من الإشكالات التي وقع فيها المشرع المغربي هو ما أشار إليه المشرع الفرنسي في المادة 78 من القانون الجنائي الفرنسي، وهو: عدم إشعار ولي الحدث الذي كان المشرع المغربي قديما يأخذ بها[28] من قبل الشرطة القضائية, وقد عدل المشرع المغربي عن هذا الموقف إذ نص في المادة 460 من قانون المسطرة الجنائية على أنه: (... يجب في كافة الأحوال إشعار ولي الحدث أو المقدم عليه أو وصيه أو كافله، أو حاضنه، أو الشخص، أو المؤسسة المعهود إليها برعايته بالإجرء المتخذ، من المادة 67 من هذا القانون.
ويحق لهؤلاء وللمحامي المنتصب الاتصال بالحدث في الحالتين المنصوص عليهما في الفقرتين: الأولى والثالثة من هذه المادة، بإذن من النيابة العامة تحت مراقبة ضباط الشرطة القضائية...)
الفقرة الثانية: الحماية المرتبطة بخصوصية الحدث الجانح
إن الحديث عن خصوصية حماية الحدث الجانح تقتضي بالدور الأول الحق في حماية جسمه وسلامته، وهذه الحقوق تقرها التشريعات للراشدين فمن باب أولى للأحداث، كما أن الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل نصت في المادتين: 16 و 40 على وجوب مراعاة خصوصية الطفل دون المساس بها تحت طائلة جرم في حالة خرق هذه الخصوصية، وقد نصت المادة 16 من اتفاقية حقوق الطفل على أنه: (لا يجوز تعرض الطفل على نحو تعسفي أو غير قانوني للتدخل في حياته الخاصة أو أسرته أو منزله، ولا أي مساس غير قانوني بشرفه أو سمعته... للطفل الحق في أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل...)
أما المادة 40 من اتفاقية حقوق الطفل فقد نصت على أنه: (... تكفل دول الأطراف تأمين احترام حياته الخاصة تماما أثناء مراحل الدعوى...)[29]
بيد أنه يتضح من خلال استقراء نص المادتين الآنفتين أن إقرار حماية خصوصية الحدث لا يقتصر فقط على حماية الحدث عند انطلاق قاطرة مرحلة واحدة من الدعوى، بل في سائر مراحل الدعوى قبل المحاكمة وأثناء المحاكمة، وبعدها، أي عند صدور الحكم على الحدث، ولا أرى غرابة في ذلك؛ لأن إقرار الحماية الخاصة للحدث لا يكون إقرارا جزئيا، بل لا بد أن يكون إقرارا تاما حتى يؤتي أكله، لكي تكون هنالك جدوائية توفر حماية للحدث الجانح، ولعل الشريعة الإسلامية كانت سباقة في ذلك؛ حيث نص في محكم التنزيل في قوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أولادَكم خَشْيةَ إملاقٍ نحن نرزقهم وإياكم إن قتلَهم كان خِطئا كبيرا﴾
فالأبناء هم زينة الدنيا وبهجتها إذ ورد في قوله تعالى: ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا﴾ فالشريعة الإسلامية قد راعت خصوصية هذه الفئة لما تعرضت له قبل الإسلام، فقد جاءت بتوفير الحماية الخصوصية للأطفال فجعلت المحافظة على عرضه وحياته...
وتبعا لذلك فإن الحق في الخصوصية يبقى حرمة خاصة، بيدأن التدخل من قبل من يعمل في ميدان الأحداث عند الاقتضاء يكون موسوما بما أقره القانون، دون تعسف أو حيف، وأن يكون التفتيش والبحث عن الأدلة مخصوصين باستقراء توفير الحماية اللازمة للحدث وعائلته حتى تكون هنالك موازنة حسب رأيي بين ما أقره القانون للحدث من حماية وما هو مشرع لمن يبحث عن العدالة.
لأن مايظهر من خلال قواعد الأمم المتحدة[30] بشأن حماية الحدث هو تجليات مراعاة هذه الخصوصية بصفة دقيقة, وهذا يعكس جليا أهمية أخرى تنطوي في تخصص[31] ضباط الشرطة القضائية التي أشرت إليها سابقا مع أن المشرعين أقرا نوعا خاصا من الإجراءات يتعلق بالأحداث، إلا أن الواقع العملي اليوم يعطي صورة أخرى وهي أن من يتعامل مع الأحداث من ضباط ليس لهم دراية خاصة تجعلهم متخصصين في شؤون الأحداث؛ لذلك فإن حماية الحدث وخصوصيته تبقى هي الهدف الأسمى، وهذا ما جعل المشرع الموريتاني ينص[32] على احترام حياة الطفل دون المساس، أو التعدي عليه بإيذاء جسدي، وإن كان هذا الإيذاء يتخذ عدة صور منها: الضرب والجرح إلى غير ذلك من المساس الذي قد يضر بحياة وسلامة وشرف الحدث، وعدم مراعاة خصوصيته، وهنا نطرح التساؤل التالي: إلى أي حد نجح المشرعان في حماية خصوصية حقوق الحدث الجانح أثناء البحث الابتدائي أي التمهيدي؟
بالرجوع إلى نص المادة460 من قانون المسطرة الجنائية المغربية نجدها تنص على أنه: (يمكن دون المساس بمقتضيات المادة 470 الآتية بعده، لضابط الشرطة القضائية المكلف بالأحداث الاحتفاظ بالحدث المنسوب إليه الجرم في مكان مخصص للأحداث[33] لمدة لا يمكن أن تتجاوز المدة المحددة للحراسة النظرية، وعليه أن يتخذ كافة التدابير لتفادي إيذائه[34]...)، وأن تتم إجراءات البحث التمهيدي بسرية[35] تامة مع مراعاة حق الاتصال مع المحامي[36].
كما جاء في المادة 21 من قانون المسطرة الجنائية المغربية على أنه: (يتعين عىلى الشرطة القضائية الاستعانة بمترجم إذا كان الشخص المستمع إليه يتحدث لغة أو لهجة لا يحسنها ضباط الشرطة القضائية...).
وما يلاحظ على المشرعين من خلال النصوص السابقة: هو الاقتصار بالنص على أن الاحتفاظ بالحدث يكون في مكان مخصص للأحداث، دون أن يتم تبيين ماهية هذا المكان، ومدى ملاءمته مع خصوصية الحدث الجانح، واحتياجاته الإنسانية أثناء فترة الاحتفاظ به.
لذلك كان من الأولى أن يتم التنصيص بشكل دقيق على تفاصيل تصب في مصلحة الحدث؛ لأن الحراسة النظرية وكل ما يحيط بها تترك أثرا عميقا في وجدان الحدث، من خلال ما يلاقيه في هذه المرحلة من قبل ضباط الشرطة القضائية المكلفين به.
بيد أن المشرع الموريتاني من خلال تنصيصه في المادة 104 من الأمر القانوني المتضمن الحماية الجنائية للطفل؛ يستشف من مفهومها أن المشرع ضمن إجراءات خاصة للحدث الجانح تخص الوقوف على مراعاة خصوصيته. وهذا لا شك أنه يشكل ضمانة أساسية من أجل حماية المصلحة الفضلى للحدث.
وعطفا على ما نص عليه المشرع المغربي في المادة 460 من قانون المسطرة الجنائية المغربية، فقد اقتصر على القول: إنه يحتفظ بالحدث المنسوب إليه الجرم في مكان مخصص للأحداث. دون ذكر مراعاة خصوصية الحدث، والاهتمام بجميع جوانبه النفسية والعقلية، وكل ما يراعي مصلحته الفضلى. وهذه ثغرة يجب تلافيها.
وقد نص المشرع الجزائري في المادة 52 من القانون رقم 12/15 المتعلق بحماية الطفولة أنه: (يتم التوقف للنظر في أماكن لائقة تراعي كرامة الإنسان وخصوصية الطفل واحتياجاته، وأن تكون مستقلة عن تلك المخصصة للبالغين...)
بهذا يكون المشرع الجزائري قد ساير المشرع الموريتاني في ما ذهب إليه من خلال توفير الحد الأدنى من الضمانات الإجرائية للحدث الجانح، التي يجب أن تكفل له خلال فترة الحراسة النظرية، دون أن يناله حيف يمكن أن يشكل أذى نفسيا أو جسديا من خلال اتصال ضباط الشرطة القضائية بالحدث، أثناء هذه الفترة.
وبالرجوع إلى الواقع العملي في المغرب فقد قدم النائب الأول لوكيل الملك بالمحكمة الابتدائية في الرباط[37]، عرضا تناول فيه بعضا من الصعوبات التي تعترض ضباط الشرطة القضائية المكلفين بالأحداث، ذكر منها:
§ محاضر ضباط الشرطة القضائية المكلفين بالأحداث غير دقيقة، ولا تتضمن إجراء بحث اجتماعي حول الحدث الجانح، والبحث عن عائلته.
§ عدم وجود أعوان للشرطة القضائية مكلفين بالأحداث لمساعدة ضباط الشرطة القضائية.
§ عدم تفعيل إيداع الحدث خلال فترة البحث التمهيدي بمراكز حماية الطفولة.
§ عدم وجود مساعدات اجتماعيات يعملن إلى جانب الشرطة القضائية الملفة بالأحداث,
من خلال هذه الملاحظات التي قدمت يتبين جليا أن هنالك بعض الاختلالات التي يعاني منها جهاز ضباط الشرطة القضائية المكلفة بالأحداث بالمغرب، وهذا ما يجعل الواقع العملي بعيدا عن ما هو منصوص عليه في القانون، ويفسح المجال أمام الملاحظ: بأن ضباط الشرطة القضائية المكلفين بالأحداث ما هم إلا نفس الرجال الذين يتعاملون مع البالغين دون أن يكون هنالك تخصيص على مستوى الكادر البشري في الشرطة القضائية المكلفة بالأحداث. بل مجرد تسمية دون ترتيب وظيفي وإداري يعمل بشكل دقيق.
وهذه الملاحظات تقارب ما أدلى لي به وكيل الجمهورية بمحكمة انواكشوط الغربية المحكمة الابتدائية، بتاريخ 8 /2/ 2021، وكان من الأسئلة التي وجهت له: إلى أي حد يمكن القول بأن الحماية الإجرائية للأحداث توطدت تجلياتها في التشريع الموريتاني وفي الواقع العملي مما ينعكس إيجابا على واقع الأحداث؟.
وكان من بين الردود التي رد بها: قصور الواقع العملي وخاصة ضعف من يعمل في حقل حماية الأحداث، ومرد ذلك هو عدم تخصص ضباط الشرطة القضائية، بل هم نفس الأشخاص الذين يتعاملون مع البالغين، دون أن يكون هنالك تشخيص لواقع الأحداث يواكب ما يعانون من انحراف حتى يتم تشخيص أسباب جنوحهم؛ ليكون الدواء هو علاج يراعي مصالحهم الفضلى، كما ذكر أن من بين الأسباب التي ما زالت تعرقل صفو تقدم الحماية الإجرائية للأحدث في موريتانيا هو عدم خلق ثقافة حماية الأحداث، ومعاملتهم على أساس أنهم ضحايا ظروف اجتماعية لا دخل لهم فيها، وأن الكثير من القضايا أو الجرائم التي تقع على الأحداث لا ترفع إلى القضاء؛ لأن المجتمع الموريتاني ما زالت تنقصه ثقافة التقاضي.
لذلك فإن مرحلة مراعاة خصوصية الحدث الجانح في البحث التمهيدي أي الابتدائي يمكن القول: إنها ما زالت تعاني من قصور ملحوظ في الواقع العملي.
وتلك الشهادات المدلى بها سابقا من قضاة ممارسين ما هي إلا دليل ناصع على ذلك.
وتجدر الإشارة إلى أن المشرع الأردني نص في المادة 4 من قانون الأحداث الأردني على أنه: (في جميع الأحول يجب أن لا تؤثر أي تدابير أو إجراءات على التحاق الحدث بالدراسة، وعلى جميع الجهات المعنية اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان ذلك، إلا إذا ترتب على ذلك خطر على حياة الحدث وفق تعليمات تصدر لهذه الغاية). ويستشف من هذا أن المشرع الأردني قد كفل للحدث حقه في الدراسة، وأناط تسهيل ذلك بجميع المتعاملين مع الحدث، وهذه ضمانة أساسية تجعل الحدث يشعر بأنه غير مختلف عن باقي الأحداث الآخرين، رغم ارتكابه لجرم معين.
المطلب الثاني: حماية الحدث الجانح من خلال الحقوق التي تكفلها له المساطر الخاصة
إن طبيعة التعامل مع الأحداث تستلزم وجود أجهزة متخصصة منذ اللحظ الأولى التي يبدأ فيها الاتصال بالحدث, وعليه فإن ضباط الشرطة القضائية هم أول من يتصل بالحدث ويتعاملون معه في المرحلة الأولى من مراحل جنوحه والبحث معه[38].
لذلك فإن التشريع الخاص بالأحداث الجانحين بدأت أكثر دول العالم على إقراره مزايا خصوصية باعتبار الفئة التي يطبق عليها هي فئة خاصة وتستلزم أن تراعي حقوقها وفق ما يناسب حجم أعمالها، وتراهن التشريعات على مبدأ تحقيق رفاهية الحدث وحماية حقوقه ,مع أن تحقيق هذه الغاية يبقى مقرونا بمجموعة من الضمانات والمساطير الخاصة لتحقيق مصلحة الحدث الفضلى باعتباره ضحية ظروف اجتماعية قد لا يكون له دخلا فيها، من أجل ذلك كفل له المشرعين حقوقا مسطرية خاصة خلال الاستماع إليه في البحث الابتدائ أي التمهيدي (فقرة أولى)، وشروطا أخرى في ظل وضعه تحت الحراسة النظرية (فقرة ثانية).
الفقرة الأولى: حماية حقوق الحدث الجانح أثناء البحث الابتدائي
إن التحقيق الأول الذي تتولاه الشرطة القضائية في شأن الأحداث الجانحين لا يستهدف فقط مجرد إثبات التهمة، ولكن يستهدف بالدرجة الأولى إظهار العوامل والظروف ذات الصلة بالجانحين، ومرد ذلك -في نظري -أن تحقيقات الشرطة في شأن الأحداث تختلف تماما عن تحقيقاتها في شأن الراشدين؛ لأن الخطورة الإجرامية التي يتصف بها الحدث تتسم بنوع من الليونة وقابليتها للعلاج، والتقويم باعتبار حداثة سن الحدث، وبالتالي لا يمكن الجزم بأن الخطورة الإجرامية ضغينة نفسية يستعصي علاجها؛ لأن الإقرار بالبحث الابتدائي هو السبيل إلى معرفة النفي أو الأسباب بأن الحدث ارتكب ذلك الجرم، أم لم يرتكبه؛ لذلك فقد وسمه المشرع ببعض من الحقوق التي تكفل للحدث خلال البحث الابتدائي[39].
فالسؤال الذي يطرح نفسه: إلى أي حد يمكن القول: إن المشرعين وفقا في طرح قواعد حمائية للحدث الجانح خلال البحث الابتدائي أي التمهيدي؟.
من أجل معرفة ذلك لا بد من تسليط الضوء على النقاط التالية:
1. حق الحدث الجانح أن يتم الاستماع إليه في البحث الابتدائي من قبل ضباط الشرطة القضائية المكلفين به.
وتستشف هذه الضمانة من قبل ما نص عليه المشرع الموريتاني في المادة 101 من الأمر القانوني المتضمن الحماية الجنائية للطفل التي تنص على أنه: (لتولي البحث الابتدائي وغيره من الإجراءات المتعلقة بالأطفال الموقوفين تنشأ في كل مقاطعة، إما مفوضية أو فرقة خاصة بالأطفال...إن ضباط الشرطة القضائية ملزمون بالتعاون مع المساعدة الاجتماعية أثناء الاستجواب والتحقيق الابتدائي)
كما نص المشرع الموريتاني في المادة 108 من المدونة العامة لحماية الطفل على أنه: (لا يجوز لضباط الشرطة القضائية أن يستمعوا للطفل المتهم أو يقوموا بأي إجراء ضده إلا بعد إشعار وكيل الجمهورية له).
يستشف من النصين السابقين أن المشرع الموريتاني قد كفل هذه الضمانة؛ لأن البحث التمهيدي يجب أن يقوم به ضباط الشرطة القضائية المكلفين بالأحداث مع الإشارة إلى الدور البارز الذي تلعبه النيابة العامة. ولا شك أن دور النيابة العامة في جميع مراحل الدعوى التي تكون مرفوعة في حق الحدث هو دور بالغ الأهمية، يجب أن يتزن بتخصيص تغليب المصلحة الفضلى للحدث الجانح، وأن لا تكون فكرة مبدأ العقوبة حاضرة، بل يجب أن يكون مبدأ الإصلاح والتهذيب حاضرا، حتى تتم استقامة اعوجاج الحدث وإصلاحه.
وهذا لا شك أن للنيابة العامة ضلع في تحقيقه إن هي أخذت على أن التعامل مع قضايا الأحداث له خصوصيته. لذلك فإن الاستماع إلى الحدث من قبل ضباط الشرطة القضائية المكلفين به متوقف على مراعاة كل الضمانات التي تكفلها القوانين والمواثيق الدولية من أجل توطيد هذه الضمانة التي تعتبر قاطرة بداية البحث الابتدائي مع الأحداث الجانحين.
وبالرجوع إلى المادة 460 من قانون المسطرة الجنائية المغربية نجدها تنص على هذه الضمانات من خلال إيكال البحث التمهيدي مع الحدث إلى ضباط شرطة قضائية يستمعون إليه.
بيد أن هؤلاء الضباط يجب عليهم أن يكونوا على وعي تام ومهارة عالية في جنوح الأحداث، وآليات الاستماع إليهم والقدرة على فهم خصوصيتهم، والسعي إلى اكتشاف شخصيتهم، والتعرف على أسباب جنوحهم من خلال بحث اجتماعي يهدف إلى تحديد الموقف الذي أدى بالحدث إلى الجرم[40]؛ لأن الجريمة ظاهرة اجتماعية ناجمة عن أسباب وعوامل عديدة يتفاعل بعضها مع بعض فينتج عنها سلوك إجرامي، وعلى هذا الأساس فإنه يتعين على ضباط الشرطة القضائية المكلفين بالأحداث وهم بصدد الاستماع إلى الحدث أن يؤمنوا بأن هذا الإجراء لا يراد به إثبات أو نفي التهمة بقدر ما يراد به معرفة العوامل والظروف التي أدت بالحدث إلى الانحراف فضلا عن كشف نفسيته والتعرف على أبعادها.
ويتسنى لضابط الشرطة القضائية أن يحقق ذلك عن طريق كسب ثقة الحدث، وجذب انتباهه، وربط علاقة طيبة معه، وإقناعه بأن الشرطة إنما تهدف إلى تحقيق مصلحته الفضلى وحمايته من أجل انتشاله من بؤر الفساد التي أحاطت به، وإقناعه بأن ما يدلي به من خلال الاستماع إليه مرده إلى إظهار الحقيقة في ظل توفير الحماية الإجرائية اللازمة له.
وفي هذا السياق يجب أن ينهج ضباط الشرطة القضائية في كلا البلدين هذا النهج، حتى يكون هنالك تكامل وتوازن بين ما تم إقراره في التشريعات الداخلية مع المواثيق الدولية؛ ليكون الهدف الأسمى هو خلق بيئة صالحة ينعم فيها الحدث بالإصلاح والتأهيل.
ولعل هذا ما حدى بأحد[41] الفقهاء الفرنسيين مارك أنسل؛ إلى المنادات بإنشاء شرطة أحداث متخصصة، لأنه بتخصص شرطة الأحداث لا شك أن ذلك سينعكس إيجابا على الواقع العملي ويكون هنالك تناسق وتوازن بين مصلحة الحدث من جهة وتحقيق الأمن الاجتماعي من جهة أخرى وتوفير حماية إجرائية متزنة من خلال ربط الثقة بين الحدث ورجال الشرطة وذلك بسبب معرفة ما يقومون به في شأن الحدث.
2. مبدأ قرينة البراءة:
يجب على ضباط الشرطة القضائية المكلفين بالأحداث أن يكونوا مستحضرين لمبدأ قرينة البراءة[42] أثناء البحث الابتدائي التمهيدي مع الحدث، وأن صمت الحدث أثناء البحث الابتدائي يفسر على أنه إحساس من الحدث بالذنب وشعوره بارتكاب الجريمة، وهذا ما يسبب له عدم تمكنه من التعبير والدفاع عن نفسه؛ لذلك فإن استحضار مبدأ قرينة البراءة[43] من قبل ضباط الشرطة القضائية للأحداث يعد ضمانة مهمة للحدث يمكنه التمسك بها، لأنه لا يمكن الحديث عن محاكمة عادلة دون استحضار مبدأ قرينة البراء.
وهذا ما نص عليه المشرع الموريتاني في المادة 109 من الدونة العامة لحماية الطفل، فقد نصت على أنه: (يفترض في الطفل الموقوف أو المتهم بالجريمة أنه بريء إلى أن تثبت إدانته...)
لذلك فإن ركيزة مبدأ قرينة البراءة يعد ضمانا لسريان محاكمة عادلة في حق الراشدين عامة، فمن باب أولى للأحداث، لأنهم أكثر احتياجا لتفعيل هذا المبدأ.
فتلك ضمانة يجب فهمها وتطبيقها على أرض الواقع من قبل ضباط الشرطة القضائية المكلفين بالأحداث.
[1] _ يعود الفضل للدعوة إلى إنشاء شرطة متخصصة للأحداث إلى المنظمة الدولية للشرطة الجنائية بمناسبة انعقاد مؤتمرها في برلين 1926 الذي تناول موضوع جنوح الأحداث، وقد حملت هذه المنظمة بعد ذلك لواء الدعوة إلى وجود إنشاء شرطة للأحداث من خلال اجتماعها العام الذي انعقد لاحقا، كما تبنت الأمم المتحدة هذا المطلب من خلال مؤتمرها الأول الخاص بمعالجة الجريمة ومعاملة المذنب الذي عقد في جنيف 1955 وبعده المؤتمر الثاني الذي عقد في لندن 1960، ثم انتقل صدى هذه الفكرة إلى المؤتمرات الإقليمية والدولية حيث انعقدت الحلقة الأولى لدراسات الشرق الأوسط بالقاهرة 1953، والثانية في كوبنهاكن، كما عقد مؤتمر التنمية والدفاع الاجتماعي الذي عقده المكتب العربي لمكافحة الجريمة بدولة قطر1971، وقد أجمعت جهود الدولية في هذا الإطارعلى إنشاء شرطة متخصصة للأحداث الجانحين تعمل في إطار أجهزة الأمن، وحماية الأحداث من الجريمة والانحراف، وكافة أشكال الخطر، ونظرا لأهمية هذا المطلب فقد اعتمدته بعض المواثيق الدولية الخاصة للأحداث كما في قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لإدارة شؤون قضاء الأحداث 1985 المعروف بمؤتمر بكين، والذي جاء في المادة 12 منها أن ضباط الشرطة الذين يتعاملون كثيرا مع الأحداث الذين يخصصون للتعامل معهم بالدرجة الأولى، مع جرائم الأحداث، يجب عليهم أن يتلقوا تعليما وتدريبا. ولم تكن التشريعات العربية في منأى من هذا الاهتمام، بل سارع أغلبها إلى إنشاء شرطة قضائية مكلفة بالأحداث، وتعتبر مصر من أول الدول التي قامت بإنشاء هذه الشرطة؛ حيث نص المشرع المصري في المادة 118 من قانون الطفل المصري 1996 على إنشاء شرطة خاصة لحماية الأحداث، ثم العراق، والجزائر، ثم الأردن، ثم موريتانيا؛ التي نص المشرع فيها من خلال المادة 101 من الأمر القانوني المتضمن الحماية الجنائية للطفل. أما المشرع المغربي فقد نص في المادة460 من قانون الإجراءات الجنائية المغربية على ضرورة وجود ضباط شرطة قضائية مختصين بالأحداث. كما نص المشرع الإماراتي في المادة5 من قانون الأحداث الإماراتي على إنشاء شرطة قضائية خاصة بالأحداث. ويفهم من هذا التسلسل التاريخي سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي أو المحلي على ضرورة إنشاء شرطة قضائية خاصة بالأحداث؛ لأن ضرورة الواقع أصبحت تحتم ذلك، مراعاة لخصوصية الأحداث الجانحين، وحماية لمصلحتهم الفضلى ضمن معاملتهم في إطار خاص يختصون به عن البالغ وهذا لا يتأتى إلا من خلال إنشاء شرطة قضائية خاصة بالأحداث.
_ مقدم عبد الرحيم، الحماية الجنائية للأحداث، أطروحة دكتوراه في القانون الخاص، جامعة قسنطينة الجزائر، كلية الحقوق والعلوم السياسية 2013-2014، ص355.
[3] _ حم بن إبراهيم الفخار، الحماية الجنائية للطفل في التشريع الجزائري والقانون المقارن، جامعة محمد حيضرة بسكرة-الجزائر، أطروحة لنيل دكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية، 2014-2015، ص345.
[4] _ إبراهيم رشيدة، ضمانات المحاكمة العادلة للحدث الجانح: دراسة مقارنة، رسالة لنيل دبلوم دراسات عليا متخصصة في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله, كلية العلوم القانونية والاقتصادية ولاجتماعية، ظهر المهراز فاس، 2007-2008 ص89.
[5] _ محمد الأمين محمد، إشكالية البحث التمهيدي لدى الأحداث الجانحين، بحث لنيل شهادة الماستر في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة 2011,-2012، ص9.
[6] _ عبد السلام بن حدو، الوجيز في شرح قانون المسطرة الجنائية المغربية، طنجة، مطبعة اسباط، 2003، ص76.
[7] _ يحاول العاملون في مجال عدالة الأحداث استعمال مصطلح الحدث في نزاع مع القانون ويحرصون على تجنيب وصف الحدث بأوصاف تمس كرامته الإنسانية، أو تنتهك خصوصيه، أو حرمته، من قبيل أوصاف المجرم أو المنحرف، وهذا قد يلصق بالحدث أثر الوصم الجنائي، وهو أمر يشكل سمعة سيئة عن الحدث.
[8] _ أحمد وهدان، دور شرطة الأحداث في مرحلة الضبط القضائي، الآفاق الجديدة للعدالة الجنائية في مجال الأحداث، المؤتمر الخامس للجمعية المصرية للقانون الجنائي، القاهرة، من 18 إلى 20 نيسان-إبريل 1992، دار النهضة العربية- القاهرة، ص609.
[9] _ لقد أصبح هنالك ما يسمى بشرطة القرب أو الشرطة المجتمعية تكون قريبة من الأحداث وتسعى إلى الكشف المسبق عن انحرافهم، وجمع معلومات عن بيئة هذا الانحراف، وليس بهدف تقديمهم إلى القضاء، بل من أجل معالجة انحرافهم من خلال الاتصال بأوليائهم، وحثهم على رعاية أبنائهم، وأيضا عن طريق جهاز الشرطة مع المدارس والمراكز الإصلاحية والتربوية، من أجل تنسيق جهود وقائية، واستباقية، عباس أبو شامة، عبد المحمود، مفهوم الشرطة المجتمعية، مركز الدراسات والبحوث، جامعة نايف العربية للعلوم الإنسانية، الرياض العدد 13، 1995، ص5، ينظر كذلك محمد مظهر سعيد وفتح الله المرصفي، خدمات البوليسي الاجتماعية للأحداث، القاهرة، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية 1956، ص10.
[10] _ محمد نيازي حتاتة، دور الشرطة في معاملة الأحداث الجانحين، سلسلة الدفاع الاجتماعي، العدد الثالث، الدار البيضاء، بدون تاريخ مطبعة النجاح، ص155.
[11] _ أحمد وهدان، دور شرطة الأحداث في مرحلة الضبط القضائي مرجع سابق ص613.
[12] _ سعيد بنمادة، العدالة الجنائية للأحداث، رسالة لنيل دبلوم في القانون الخاص جامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مراكش، 2014-2015، ص69.
[13] _ الفقرة الأولى من المادة 10 من قواعد بكين التي تنص على أنه (على إثر إلقاء القبض على حدث يخطر بذلك والده أو الوصي عليه على الفور فإذا كان هذا الإخطار الفوري غير ممكن, وجب إخطار الوالدين أو الوصي في غضون أقصر فترة زمنية ممكنة, بعض القبض عليه...) كما نصت المادة 15 من قواعد بكين في فقرتها الخامسة على أنه (للوالدين أو الوصي حق الإشراك في الإجراءات، ويجوز للسلطة المختصة أن تطلب حضورهم لصالح الحدث إذا كانت هنالك أسباب تدعو إلى حضورهما لصالح الحدث).
[14] _ لقد أنشأ المغرب فرقة الشرطة المكلفة بالأحداث سنة 1965 وقد كانت فرنسا سباقة في هذا الميدان؛ حيث أنشأت شرطة باريس 1943 المكلفة بالأحداث من رجال و نساء في المادة 484 من الأمر رقم 16/ 155المؤرخ 8 يونيو 1966، المتضمن لقانون الإجراءات الجزائية المعدلة والمتممة بالقانون رقم 0622 المؤرخ 12/2006/ ج ر 84 مؤرخة في 24/12/ 2006.
[15] _ محمد الطيب، البحث التمهيدي أي ضمانات، مجلة رسالة الدفاع، هيئة المحامين – الناضور- العدد2 نفمبر 2001، ص91.
[16] _ تم إنشاء مقرر وزاري رقم 0333/2006، الصادر بتاريخ 6/4/2006، بمقتضاه أنشئت إدارة الشرطة القضائية والأمن العمومي، ومن ضمن صلاحيات هذه الفرقة الفحص والتشخيص لمسلكيات أطفال الشوارع قبل الجنوح.
حماية الأطفال من التعذيب والممارسات العنيفة أيا كانت طبيعتها ومصدرها.
مكافحة كل مخالفة للقانون للقاصر أو عليه.
أما في المغرب فقد أنشئت فرقة الشرطة القضائية المكلفة بالأحداث سنة 1965.
[17] _ عبد الحميد بن عبدالله الخرقاني، حقوق المتهمين الأحداث في اتفاقية حقوق الطفل، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، مستودع الأصول الرقمية لمجلات الجامعة، المجلة العربية للدراسات الأمنية والتدريب، العدد 52، مجلد27، ص283.
[18] _ دباجة إعلان حقوق الطفل حيث نصت على حكومات الدول التي أقرت الاتفاقية: إرسال تقارير والمثول أمام لجنة حقوق الطفل بشكل دوري ليتم فحص مدى التقدم في تطبيق الاتفاقية ووضع حقوق الأطفال في تلك الدول، اعتمدت ونشرت على الملأ بموجب قرار الجمعية العام رقم 1386 العدد 14 المؤرخ في20 تشرين الثاني نفمبر، 1959 للاطلاع على نسخة منه مترجمة ينظر بسيوني محمود، الوثائق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، الجزء الأول القاهرة، دار الشروق 2003 ، ص865-867.
[19] _ الاتفاقية الآمريكية لحقوق الإنسان، تم تبنيها من قبل الدول الآمريكية بتاريخ تشرين الثاني 22 نفمبر 1969 ودخلت حيز التنفيذ 18 تموز يونيو 1978.
[20] _ عبد الحميد بن عبد الله الخرقاني، حقوق المتهمين الأحداث في اتفاقية حقوق الطفل، مرجع سابق، ص298 .
[21] _ لقد نص المشرع المغربي في الفصل 399 من القانون الجنائي المغربي، على أنه:( يعاقب بالإعدام، كل من يستعمل وسائل التعذيب أو يرتكب أعمالا وحشية....)
كما نص المشرع الموريتاني في المادة 13 من المدونة العامة لحماية الطفل على أنه: (..مع مراعاة الحقوق والمسؤوليات التي تعود للأبوين، أو للأشخاص الذين يتكفلون بتربية الطفل بموجب القوانين المعمول بها، مع مراعاة لكل طفل الحق في خصوصيته وفقا للقيم الإسلامية.
لكل طفل الحق في الحماية ضد إصدار أو نشر صورة من شأنها أن تؤدي بالمساس بمعنوياته وشرفه...).
كما نص المشرع الموريتاني في المادة 10 من الأمن القانوني المتضمن الحماية الجنائية للطفل على أنه: (يعاقب إخضاع الطفل للتعذيب أو للأعمال الوحشية بالسجن مع الأشغال لمدة ست سنوات).
كما نصت المادة11 من نفس القانونعلى أنه: (تعاقب الجريمة المقررة في المادة 10 بالسجن مع الأشغال لمدة خمس عشرة سنة، إذا كانت ترتكب بشكل اعتيادي ضد الطفل أو نجم عنها تشويه أو عاهة مستمرة...).
[22] _ لجنة حقوق الطفل هي هيئة مؤهلة بثمانية خبيرا مستقلا ترصد تنفيذ اتفاقية حقوق الطفل من حيث دولها الأطراف، وهي ترصد أيضا تنفيذ ابروتوكولين اختياريين للتفاقية متعلقين باشتراك الأطفال في النازعات المسلحة، وبيع الأطفال وبغاء الأطفال، واستغلال الأطفال في المواد الإباحية. وفي سنة 2011 تحديدا في 19 كانون الأول سبتنبر اعتمدت الجمعية العامة للأمم التحدة ابروتكولا ثانيا متعلقا بإجراء تقديم البلاغات سيسمح للاطفال بتقديم شكاوى بخصوص انتهاكاتهم المعينة لحقوقهم المقررة بموجب الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل بسنة 1989 وابروتوكوليها الاختياريين الأولين اللذين دخلا حيز التنفيذ في نيسان إبريل 2014، وبذلك تكون جميع دول الأطراف ملزمة بتقديم تقارير إلى لجنة حقوق الطفل عن كيفية إعمال الحقوق، ويجب على الدول أن تقدم تقريرا أوليا بعد سنتين لانضمامها إلى الاتفاقية، ثم تقارير دورية كل خمس سنوات، وتفحص اللجنة كل تقرير وتوافي الدولة الطرف ببواعث قلقها وتوصياتها في شكل ملاحظات ختامية، وتقوم اللجنة في استعراض التقارير الأولية التي يجب أن تقدمها الدول التي انضمت إلى لبروتوكولين الاختياريين الأولين للاتفاقية المتعلقين باشتراك الأطفال في المنازعات المسلحة، وبإمكان اللجنة أيضا أن تنظر في الشكاوى الفرضية التي تقع فيها حوادث انتهاكات اتفاقية حقوق الطفل، وابرتوكوليها الاختياريين المتعلقين بإشراك الأطفال في المنازعات المسلحة، وتجتمع اللجنة في جنيف وتعقد عادة ثلاث دورات كل سنة، منها دورة عامة مدتها ثلاثة أسابيع، ودورة لتقرير العمل قبل الدورة بمدة أسبوع. ينظر موقع الأمم المتحدة، قسم حقوق الإنسان، مكتب الشؤون السامية www.ohchr.org تاريخ الدخول: 10-4-2021.
وقد صادقت مورتانيا على اتفاقية مناهضة التعذيب سنة 2004 خاصة المادة 20 كما صادقت كذلك على اتفاقية حماية حقوق الطفل 2007.
[23] _ مصطفى العوجي، الحدث المنحرف أو المهدد بخطر الانحراف في التشريعات العربية، بيروت، مؤسسة نوفل، الطبعة الأولى 1986، ص280.
[24] _ اختلفت القوانين في تسمية الحراسة النظرية، فهذا المصطلح أخذ به المشرع الموريتاني في المادة 101 من الأمر القانوني المتضمن الحماية الجنائية للطفل والمادة 107 من المدونة العامة لحماية الطفل. أما المشرع المغربي فسماه في المادة 460 من قانون الإجراءات الجنائية المغربية الاحتفاظ بالحدث بدل الحراسة النظرية، وهذا ما وافقه فيه المشرع التونسي حين أسماه في الفصل 13 من المجلة الإجرائية التونسية بالإحتفاظ ، وإن كان المشرع الجزائري خرج عن كلا التوجهين فأسماه الحجز تحت المراقبة. ملامح فاطمة الزهراء، الحماية الموضوعية والإجرائية للطفل في التشريع الجزائي الجزائري، مذكرة لنيل شهادة الماستر، جامعة عبد الحميد بن باديس, مستغانم، كلية الحقوق والعلوم السياسية، السنة الجامعية 2019-2020، ص68.ك
[25] _ محمد نيازي حتاتة، دور الشرطة في معاملة الأحداث الجانحين، سلسلة الدفاع الاجتماعي، العدد 3، منشورات المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي، الرباط 1981، ص160.
[26] - لقد نص المشرع المغربي في الفصل 231 من القانون الجنائي المغربي على أنه :(كل قاض أو موظف عمومي أو أحد رجال أو مفوض السلطة أو القوة العمومية يستعمل أثناء قيامه بوظيفته أو بسبب قيامه بها، العنف ضد الأشخاص، أو يأمر باستعماله بدون مبرر شرعي يعاقب على هذا العنف، على حسب خطورته، طبقا لأحكام الفصول 401 إلى 403...)
كما نص في الفصل 231 مكرر1، على أنه: ( يقصد بالتعذيب بفهوم هذا الفرع كل فعل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسدي أو نفسي يرتكبه عمدا موظف عمومي، أو يحرض عليه، أو يوافق عليه، أو يسكت عنه، في حق شخص لتخويفه، أو إرغامه أو إرغام شخص آخر على الإدلاء بمعلومات، أو بيانات، أو اعتراف بهدف معاقبته، على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص آخر، أو عندما يلحق مثل هذا الألم، أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه.
ولا يعتبر تعذيبا الألم أو العذاب الناتج عن عقوبات قانونية، أو المترتبة عنها أو الملازم لها)
وقد نص المشرع الموريتاني في المادة 79 من المدونة العامة لحماية الطفل على أنه: (يقصد بالمعاملة السيئة المتكررة إخضاع الطفل للتعذيب والمعاملات القاصية وأللا إنسانية، أو المهنية. بمفهوم هذا تعني عبارة "التعذيب" أي عمل يتعرض له الطفل متسبا في ألم، أو معاناة شديدة جسدية أو عقلية، أو معنوية على يد موظف أو أي شخص آخر, يتصرف على أساس رسمي أو بأوامر منه أو بموافقته الصريحة أو الضمنية لغرض الحصول منه أو من شخص آخر على معلومات أو إقرار، وعقابه على عمل ارتكبه هو أو شخص آخر أو اتهم بارتكابه،و تخويفه أو الضغط عليه أو العمل على تخويف شخص آخر, لأي سبب آخر مبني على شكل من أشكال التمييز مهما كان نوعه...)
[27] _ الأمم المتحدة مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان بخصوص ابروتوكل الاختيار الثالث المتعلق بإجراء تقديم البلاغات.
[28] _ أميمة زياد، الصعوبات التي تعترض قاضي الأحداث أثناء النظر في الدعاوي المعروضة عليه وعند تنفيذ الأحكام الصادرة من طرفه. مجلة الملحق القضائي العدد 29، دجنبر، 1994، ص165.
[29] _ نص المشرع الموريتاني في المادة 79 من المدونة العامة لحماية الطفل على أنه: (يقصد بالمعاملة السيئة المتكررة إخضاع الطفل للتعذيب والمعاملات القاصية وأللا إنسانية، أو المهنية. بمفهوم هذا تعني عبارة "التعذيب" أي عمل يتعرض له الطفل متسبا في ألم، أو معاناة شديدة جسدية أو عقلية، أو معنوية على يد موظف أو أي شخص آخر يتصرف على أساس رسمي أو بأوامر منه أو بموافقته الصريحة أو الضمنية لغرض الحصول منه أو من شخص آخر على معلومات أو إقرار، وعقابه على عمل ارتكبه هو أو شخص آخر أو اتهم بارتكابه،و تخويفه أو الضغط عليه أو العمل على تخويف شخص آخر لأي سبب آخر مبني على شكل من أشكال التمييز مهما كان نوعه
ويقصد بــ"المعاملات القاسية اللا إنسانية أو المهنية" إخضاع الطفل لأعمال عنف من شأنها أن تؤثر على توازنه النفسي أو انتهاك سلامته البدنية بشكل متكرر والتعود على منعه من الغذاء واحتجازه.
تتساوى المعاملات القاسية واللا انسانية أو المهنية مع الخفاض المضر وأي ممارسة مشابهة يتعرض لها الأطفال من جنس الإناث والممارسات التقليدية والثقافية والاجتماعية السلبية التي تلحق الضرر بالسلامة البدنية أو بالصحة أو بكرامة الطفل).
[30] _ تنص المادة 33 من قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المنحرفين على أنه: (ينبغي أن تتألف أماكن الاحتجازي عادة من مهاجع صغيرة، أو غرف نوم فردية تراعى فيها المعايير الدولية المحلية، ويتعين خلال ساعات النوم فرض رقابة منظمة على كل أماكن النوم بما في ذلك الغرف الفردية...).
[31] _ جاء في عرض السيد بوشعيب أرميل، مدير الأمن العمومي ،ومنسق المصالح المركزية بالإدارة العامة للأمن الوطني في المغرب أثناء ندوة مخصصة حول هذا الإشكال، أن هذا التسؤال من الأهمية بمكان لكونه يستشف من المادة 460 من قانون الإجراءات الجنائية المغربية أن هذا الصنف من الضباط هو نوع خاص يختلف عن باقي ضباط الشرطة القضائية، وبالتالي يصعب في الوقت الحالي إيجاد العدد الكافي من ضباط الشرطة القضائية المكلفين بالأحداث، وتكوينهم تكوينا خاصا يؤهلهم للاضطلاع بهذه المهمة. عبد العالي الدليمي، الحماية القانونية للطفل الجزء الثاني، مراكش، مكتبة المنارة، 2007، ص62.
وتبعا لذلك وفي مقابلة خاصة أخرى أجريتها مع مدير الحماية القضائية للطفل في موريتانيا بتاريخ: 20/2/ 2021 السيد: محمد سيدي أحمد القروي، خبير معتمد في إجرام الأطفال، -وهذه المديرية التي يترأسها أنشئت 2006، وهي تابعة لوزارة العدل الموريتاني، مع العلم أن هذه المديرية من ضمن مهامها مراقبة أعمال القصر، وتقديم العون المباشر لهم كتوكيل محمام لمن ينقص دخله عن عشرين ألفا، والدفاع عن الطفل في حالة تعرضه للمساس بسلامته البدنية، وتضم مصلحتين: مصلحة المساعدة القضائية، ومصلحة مراقبة الإجراءات الخاصة بالأطفال-.
وخلال معرض المقابلة مع المدير ذكر لي عدة عوائق ومشاكل، من. بينها: عدم تخصص ضباط الشرطة القضائية المكلفين بالأحداث، وعدم انتشار ثقافة حماية الأطفال لدى الوسط الموريتاني، وأن الكثير من قضايا الأطفال لا تتم عن طريق القضاء، وإنما يتم حلها عن طرق الصلح.
[32] _ انظر المواد من 6 إلى 23 من الأمر القانوني المتضمن الحماية الجنائية للطفل؛ إذ نصت هذه المواد على معاقبة كل من عذب حدثا أو قتله، أو حاول أن يمس من خصوصيته، يكون بذلك قد عرض نفسه إما للسجن أو الحبس أو الغرامة، حسب خطورة الفعل الذي ارتكبه.
[33] _ نفس الاتجاه سلكه المشرع الموريتاني في المادة 104 من الأمر القانوني المتضمن الحماية الجنائية للطفل، فنصت على أنه: (يجب أن تجرى الحراسة النظرية في مكان نظيف وفي ظروف تضمن احترام حقوق الإنسان وحقوق الطفل خاصة).
كما أشارت المادة 106 من نفس القانون أنه: (يجب فصل الأطفال عن الأشخاص البالغين... وذلك في إيداعهم في مكان خاص بالأطفال الموضوعين تحت الحراسة النظرية، ويجب أن يكون هناك فصل تام بين الجنسين).
كما نص المشرع الموريتاني في المادة 100 من المدونة العامة لحماية الطفل على أنه: (يشكل المحضن مكانا لاستقبال الأطفال ما بين الصفر إلى ستة وثلاثين شهرا، ويسمح للطفل لأن يكتشف الحياة الجماعية.
يجب فصل الأطفال عن البالغين في أماكن الحراسة النظرية.
لا يجوز وضع أطفال دون سن الخامس عشرة في السجن).
[34] _ تعتبر جرائم الإيذاء الجسدي أكثر الجرائم التي قد يتعرض لها الحدث، خاصة مع تزايد ظاهرة سوء معاملة الأطفال، وظاهرة العنف الأسري، كما أن إساءة معاملة الطفل قد تتخذ صورا مختلفة كالضرب والجرح وغيرهما من أنواع الإيذاء، وقد ترقى إلى حد التعذيب ، فضلا عن إيذائه نفسيا أو إهماله بإغفال العناية اللازمة له أو حرمانه من التغذية على نحو يعرض حياته أو صحته للخطر، وهذه الأبعاد ترتكب ضد الأطفال من الوالدين أو غيرهم، ويعرف إيذاء الأطفال على أنه: (بعض النقائص أو الثغرات التي تؤدي إلى حرمان الأطفال من حقوقهم الطبيعية والنفسية والاجتماعية، بغض النظر عن مصدر هذه النقائص أو المتسبب فيها. وعليه فإن أي سلوك ترتب عليه حرمان أي طفل من حقوقه وحريته يعد سوء معاملة، سواء تحقق ذلك عن عمد، أو غيره).
-فاتن صبري سيدي الليثي، حق الطفل المعاق في الحماية، مجلة الفكر، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد اخضيري بسكرة، العدد9، 2013، ص279.
[35] _ نص المشرع الموريتاني في المادة 110 من المدونة العامة لحماية الطفل على أنه: (يجب على محاكم الأطفال وعلى جميع الأشخاص الذين تستعين بهم أن يحرصوا على احترام خصوصية الطفل.
يمنع نشر محاضر تحقيق التمهيد وتقرير المداولة...)
[36] _ نص المشرع الموريتاني في المادة 103 من الأمر القانوني المتضمن الحماية الجنائية للطفل أنه (تجب الاستعانة بالمحامي).
كما نص في المادة 101 على أنه (عند مثول المتهم أول مرة لديه وقبل توجيه أي اتهام يعلمه قاضي التحقيق في اختيار محام من بين المحامين المسجلين في القائمة...).
ونفس الاتجاه سلكه المشرع الجزائري في المادة 54 من القانون رقم 15/ 12.
[37] _ ورقة للنائب الأول لوكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالرباط الدكتور مصطفى يرتاوي بعنوان "التجربة المغربية برنامج عدالة الأحداث، بتاريخ 7/8/ تشرين الثاني نفنبر 2007 المنشور على موقع وزارة العدل المغربية. تاريخ الدخول 13 /4/ 2021 الساعة 4:36 مساء.
[38] _ بوسكينه ساره "الضمانات المكفولة للأحداث في مرحلة التحقيق والمحاكمة" كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة عبد الحميد بن باديس، مستغانمي، الجزائر، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص 2020، ص8
[39] _ أحمد جويد، شرح قانون المسطرة الجنائية الجديد، الطبعة الأولى، الجزء الثاني، مطبعة المعارف الجامعية 2004، ص272
[40] _ عبد الجبار عديم، الطرق العلمية في إصلاح الحدث وتأهيل المجرمين، الطبعة الأولى، مطبعة بغداد، 1975 ص5.
[41] _ البشير زميزم، حقوق الأحداث في التشريع والقانون المقارن، أطروحة دكتوراه في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، 2015-2016، ص56.
[42] نص المشرع الموريتاني في المادة1 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه: (... يجب أن تكون الإجراءات عادلة وحضورية، وتحفظ توازن حقوق الأطراف، ويجب أن تضمن الفصل بين السلطات المكلفة بالدعوة العمومية، والسلطات المكلفة بالحكم، يجب أن يحاكم الأشخاص الموجودون في ظروف متشابهة ويتابعون بنفس الجرائم وفقا لنفس القوعد.
تسهر السلطة القصائية على إعلام الضحايا بحقوقهم وضمان حماياتها طيلة كافة الإجراءات الجنائية.
كل شخص تم اتهامه أو متابعته يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا بقرار حائز على قوة الشيء المقضي به بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية...).
ونفس الاتجاه سلكه المشرع المغربي في المادة 1 من قانون الإجراءات الجنائية: (كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به بناء على محاكمة عادلة تتوف فيها كل الضمانات القانونية...)
[43] _ وهذا المبدأ تم استحضاره في المواثيق الدولية؛ فقد نصت عليه المادة 40 من اتفاقية حقوق الطفل، كما تم التنصيص عليه في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والساسية المادة 299، وكذلك المادة 298 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله
