الوكالة في الطلاق والتطليق بين الفراغ
القانوني وإشكال التطبيق
دراسة في ضوء مقترح القانون الصادر بتاريخ 14
يونيو 2022 والقاضي بتتميم المادتين 82 و94 من مدونة الأسرة
The agency in divorce and divorce between the legal vacuum and
the form of application
Study
in the light of the proposal of the Act of 14 June 2022 supplementing articles
82 and 94 of the Family Code
عبد المجيد باتنبا / باحث بسلك الدكتوراه كلية العلوم القانونية والاقتصادية
والاجتماعية – جامعة ابن زهر أكادير.
Abd Elmajid BATINBA
لئن كانت العلاقة الأسرية
من أهم القضايا المجتمعية التي تربعت على عرش التنظيمات التشريعية للدول، وذلك لما
لها من أثر على المجتمعات. إلا أن تنظيم هذه النواة تعتريها مختلف الإشكالات
أفرزها الواقع.
وبالرغم من أن المشرع
المغربي اهتم بهذه النواة ونظم هذه الرابطة في مدونة الأسرة[1]، وسن
مجموعة من النصوص تنظم مختلف القضايا المتعلقة بهذه العلاقة مع إيجاد حلول للعديد
من الإشكالات المطروحة في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة[2]. إلا أن
العمل التشريعي لا يرتقي إلى درجة الكمال، وأن الواقع العلمي أفرز العديد من
الإشكالات لم تكن مطروحة إبان مدونة الأحوال الشخصية الملغاة. ولما
كانت الغاية من الزواج إنشاء أسرة مستقرة على وجه الدوام طبقا لنص المادة 4 من
مدونة الأسرة، إلا أن الطلاق والتطليق يبقى الاستثناء كلما استحالت العشرة بين
الطرفين حسب منطوق المادة 70 من المدونة.
وقد نظم المشرع المغربي
أحكام الطلاق والتطليق وحدد الإجراءات التي يتم فصم الرابطة الزوجية، وربط العديد
من هذه الإجراءات بالنظام العام كما هو الأمر بالأخذ بمسطرة الصلح بين الزوجين على
الأقل مرة واحدة في حالة عدم وجود أطفال وحالتين على الأقل في حالة وجودهم،[3] مما
يستلزم معه الحضور الشخصي للطرفين لجلسة الصلح أمام القاضي في غرفة المشورة.
وهذا المقتضى – مسطرة
الصلح- لم يجعل له المشرع استثناء وألزم الطرفين بالحضور الشخصي لجلسة الصلح. وهذا
ما يضعنا أما إشكالية اعتماد الوكالة في الطلاق والتطليق لتعارضها مع هذه المسطرة. وتعتبر
مسألة اعتماد الوكالة في الطلاق والتطليق من المسائل التي أثير حولها النقاش بين
مؤيد آخذا بقاعدة رفع الحرج وتيسيرا لإجراءات التقاضي، وبين معارض لها آخذا بقاعدة
سد الذرائع ومخالفتها لإجراء مسطرة الصلح التي تعتبر من النظام العام.
فما هو موقف المشرع
المغربي والمقارن من اعتماد الوكالة في الطلاق والتطليق وما موقف الفقه والقضاء من
الأخذ بها وما موقف الفقه الملكي منها؟ وإلى أي حد يمكن اعتماد الوكالة في الطلاق
والتطليق دون المساس بمسطرة الصلح؟ وهل وفِق مقترح قانون بتغيير المادتين 82 و 94
من مدونة الأسرة في اعتماد صياغة واضحة للوكالة في الطلاق والتطليق بشكل لا يتعارض
مع مقصد المشرع؟ وما مدى إمكانية إعتماد الصلح عن بعد في قضايا الطلاق والتطليق؟
من
خلال ما تقدم أعلاه سنعمل على دراسة هذا الموضوع من خلال مطلبين سنتناول في المطلب
الأول الوكالة في الطلاق والتطليق في التشريع المغربي والمقارن
في حين سنخصص المطلب الثاني لتطبيق الوكالة في الطلاق والتطليق وإشكالاتها مع
الوقوف على الصيغة التي جاءت بها المادتين 82 و94 من المقترح.
المطلب الأول: الوكالة في الطلاق والتطليق في التشريع
المغربي والمقارن
الفقرة
الأولى: تعريف الوكالة ومركزها في التشريع المدني المغربي
الفقرة الثاني: الوكالة في الطلاق والتطليق في القانون
المغربي والمقارن
المطلب
الثاني: تطبيق الوكالة في الطلاق والتطليق وإشكالاتها
الفقرة الأولى: العمل القضائي وتطبيق الوكالة في الطلاق
والتطليق
الفقرة الثانية: قراءة في مقترح قانون بتتميم المادتين 82 و 94 من مدونة الأسرة
المطلب الأول: الوكالة في الطلاق والتطليق في التشريع
المغربي والمقارن
أفرد المشرع المغربي الكتاب الثاني في مدونة الأسرة لانحلال
ميثاق الزوجية وآثاره وقسمه إلى ثمان أقسام ومن بين هذه الأقسام، قسم متعلق
بالطلاق وقسم متعلق بالتطليق حيث نظم المشرع أحكامهما.
إلا أن هذا التنظيم لم يشمل كل ما يتعلق بالطلاق
والتطليق أو كل ما يتعلق بانحلال ميثاق الزوجية، ومن أمثلة ذلك غياب تنظيم اعتماد
الوكالة في الطلاق والتطليق. ولدراسة هذا المطلب سنعمل على دراسة موضوع الوكالة
ومركزها في التشريع المدني المغربي وخصوصا ما يتعلق بتنظيمها في مدونة الأسرة مع
الوقوف على مركز الوكالة في التطليق والتطليق في التشريع الأسري المقارن.
الفقرة الأولى: تعريف الوكالة ومركزها
في التشريع المدني المغربي
الوكالة في اللغة اسم مصدر من
التوكيل، وكل وتوكل واتكل، ووكلت أمري إلى فلان فهو وكيلي، وتصح الوكالة بفتح
الواو وكسرها.[4]
والوكالة في الاصطلاح هي عقد يلتزم
بمقتضاه الوكيل بالقيام بعمل مشروع لصالح الموكل، فيما لا يرغب الشخص في القيام به
بنفسه، أو ما لا يقوى عليه، له أن يفوض الغير في القيام به لصالحه، حيث تحل إرادة
الوكيل محل إرادة الموكل، وكأن المتوكل هو المتعاقد بنفسه.[5]
وقد نظم المشرع المغربي عقد
الوكالة في قانون الالتزامات والعقود من خلال الفصول من 879 إلى 942. وقد عرفها في
الفصل 879 على أن: " الوكالة عقد
بمقتضاه يكلف شخص شخصا آخر بإجراء عمل مشروع لحسابه، ويسوغ إعطاء الوكالة أيضا
لمصلحة الموكل والوكيل أو لمصلحة الموكل والغير، بل ولمصلحة الغير وحده ".
بالتالي فالمشرع صنف الوكالة ضمن العقود الخاصة، والتي تقوم
على التراضي بين الموكل والوكيل، من أجل القيام بالمعاملات أو إجراءات التقاضي.[6]
الفقرة الثاني: الوكالة في الطلاق والتطليق في مدونة الأسرة
والقانون المقارن
بعد تعريف الوكالة وبيان مركزها في القانون المدني المغربي
سنعمل على دراسة موضوع الوكالة في الطلاق والتطليق في مدونة الأسرة (أولا) و في
التشريع المقارن ( ثانيا).
أولا :
الوكالة في الطلاق والتطليق في مدونة الأسرة
لقد أجاز المشرع المغربي الوكالة في عقد الزواج حيث نص في
المادة 17 من مدونة الأسرة على أنه: " يتم عقد الزواج بحضور أطرافه، غير
أنه يمكن التوكيل على إبرامه، بإذن من قاضي الأسرة، المكلف بالزواج وفق الشروط
الآتية:
1 - وجود ظروف خاصة، لا يتأتى معها
للموكل أن يقوم بإبرام عقد الزواج بنفسه؛
2 - تحرير وكالة عقد الزواج في
ورقة رسمية أو عرفية، مصادق على توقيع الموكل فيها؛
3 - أن يكون الوكيل راشدا متمتعا
بكامل أهليته المدنية، وفي حالة توكيله من الولي يجب أن تتوفر فيه شروط الولاية؛
4 - أن يعين الموكل في الوكالة اسم الزوج
الآخر ومواصفاته، والمعلومات المتعلقة بهويته، وكل المعلومات التي يرى فائدة في
ذكرها؛
5 - أن تتضمن الوكالة قدر الصداق، وعند
الاقتضاء المعجل منه والمؤجل. وللموكل أن يحدد الشروط التي يريد إدراجها في العقد
والشروط التي يقبلها من الطرف الآخر؛
6 - أن يؤشر القاضي المذكور على الوكالة بعد
التأكد من توفرها على الشروط المطلوبة ".
من خلال هذه المادة يتضح جليا أن المشرع المغربي نظم
الوكالة في الزواج وذلك استثناء، حيث إن الأصل في عقد الزواج أن ينعقد بحضور
أطرافه، وتوافق إرادتين ورضائهما،[7]
وأن هذا الاستثناء يجب أن يكون للضرورة.[8]
والضرورة تقدر بقدرها، وذلك بشروط أوردها المشرع في المادة أعلاه. وأن هذه المادة
تجُب الوكالة المنصوص عليها في القواعد العامة.[9]
إن الوكالة في الزواج عند العلماء اختلف فيها إلى قولين،
أحدهما يقول بجوازها من الرجل والمرأة معا مطلقا وهو مذهب الأحناف، في حين يرى
أنصار القول الثاني على أن الوكالة في الزواج من الرجل مطلقا، أما المرأة فلا يجوز
لها أن توكل غير وليها الشرعي، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة.[10] وبخلاف
المادة 17 من مدونة الأسرة التي نظمت الوكالة في الزواج، فالمشرع لم ينظم الوكالة
في الطلاق على غرار مدونة الأحوال الشخصية الملغاة التي تنص على أن: "الطلاق
هو حل عقد النكاح بإقناع الزوج أو وكيله[11] أو
من فوض له في ذلك أو الزوجة إن ملكت هذا الحق أو القاضي".[12]
بل أورد
المشرع المقتضى المتعلق بتمليك الزوج لزوجته حق إيقاع الطلاق.[13]
في حين أن المادة 78 من مدونة الأسرة التي جاء فيها أن:
" الطلاق
حل ميثاق الزوجية، يمارسه الزوج والزوجة، كل بحسب شروطه تحت مراقبة القضاء وطبقا
لأحكام هذه المدونة ". تكون قد عرفت الطلاق بأنه حل ميثاق الزوجية يمارسه
الزوجان، ولم تنص على إمكانية تفويضه للغير، مما يستدعي معه الرجوع إلى الفقه
المالكي من خلال المادة 400 من المدونة التي تجيز الوكالة في الطلاق.
ويرى أستاذنا أن التأكيد على
جوهرية محاولة الصلح بين الطرفين شخصيا، ووجوب حضور الزوجين شخصيا، هو ما يجعل
أغلب المحاكم تتشبث بالحضور الشخصي للطرفين مما يفرغ مقتضيات المادة 400 من
محتواها بخصوص مسألة الوكالة، وبالتالي تكون مستبعدة وغير عاملة في هذا الباب. [14]
إضافة إلى ذلك اعتبر الفقه أن حضور الزوجين
محاولة الصلح وإجراء المناقشات معهما وبينهما تجري بغرفة المشورة حفاظا على أعراض
الناس وأسرارهم وأولادهم من الضياع، الشيء الذي يستحيل معه القول بالطلاق عن طريق
التوكيل في ظل هذه الإجراءات.[15]
ويرى أحد الفقهاء أنه لا مانع من
اعتماد الوكالة في الطلاق في حالة الضرورة القصوى، وذلك في حالة عدم حضور الزوج
لأسباب عديدة، مثل وجوده في السجن[16]
أو في بلد أجنبي.[17]
وخلاصة القول نرى أنه إذا أجاز
المشرع الوكالة في الزواج بنص المادة 17 من مدونة الأسرة السالف ذكرها، فالطلاق
كذلك من الحقوق التي تقبل فيه الإنابة، وينيب الزوج غيره لإيقاع الطلاق، كما هو
الحال بالنسبة لإبرامه، وذلك ركونا إلى أحكام الفقه المالكي من
خلال المادة 400 وفي حالة الضرورة.
ثانيا : الوكالة في الطلاق والتطليق في
التشريع المقارن
أما بخصوص اعتماد الوكالة في الطلاق في القانون
المقارن نجد أغلب الدول العربية والإسلامية تعتمد الوكالة في الطلاق، حيث نجد
قانون الأحوال الشخصية لدولة الامارات العربية المتحدة تنص على أنه :" يقع الطلاق من الزوج أو من وكيله بوكالة خاصة أو من الزوجة
إن ملكها أمر نفسها". [18]
وهو نفس التوجه الذي سنه المشرع
العماني حيث نص على أنه : " يقع
الطلاق من الزوج أو من وكيله بوكالة خاصة أو من الزوجة إن ملكها الزوج أمر
نفسها". [19]
بالتالي فكل من المشرع الاماراتي والمشرع العماني اعتبر
الوكالة في الطلاق مع التنصيص على أن تكون هذه الوكالة وكالة خاصة وذلك لكونها
أضبط في التعبير وبيانا للمقصد الذي سنت له، مع التنصيص كذلك على تمليك الزوج
لزوجته أمر نفسها في إيقاع الطلاق.
إضافة إلى ما سبق فالمشرع الكويتي باعتماده على الوكالة في
الطلاق، نص كذلك على عدم أحقية الوكيل في توكيل غيره، إلا بإذن الزوجة مع إمكانية
عزل الوكيل بشرط علمه بهذا العزل كما جاء في قانون الأحوال الشخصية الكويتي أن :
" للزوج أن يوكل غيره بالطلاق، وليس للوكيل أن يوكل غيره إلا بإذن الزوج،
وتنتهي الوكالة بالعزل، بشرط علم الوكيل".[20]
أما المشرع الأردني فقد نص على
الوكالة في التطليق حيث إنه يمكن للزوج أن يوكل غيره في التطليق أو أن يفوض للزوجة
تطليق نفسها كما جاء في قانون الأحوال الشخصية الأردني أن : " للزوج أن يوكل غيره بالتطليق وأن يفوض الزوجة بتطليق نفسها
على أن يكون ذلك بمستند خطي ". [21]
أما المشرع
الموريتاني فقد اعتبر الوكالة في الطلاق التي تمنح للزوجة إما تمليكا أو تخيرا كما
هو منصوص في الفقه المالكي، أي إنابة الزوج زوجته في إيقاع الطلاق نيابة عنه، وذلك
مع تحديد عدد الطلقات في حدود الوكالة كما جاء في نص القانون على أنه إذا : "
وكل الزوج زوجته على طلاقها فلها في
حدود وكالتها أن تطلق نفسها مرة أو مرتين
أو ثلاث مرات. يمكن للزوج عزلـها عن ذلك ما لم تنفذ التوكيل ويتعلق لها به
حق". [22]
وبالتالي
فالمشرع الموريتاني يستبعد توكيل غير الزوجة، ولا يمكن أن يفهم من الفصل أن المشرع
يجيز الوكالة لغير الزوجة بالتبعية. ومن خلال النصوص القانونية المقارنة أعلاه يمكن القول إن أغلب التشريعات
العربية تعتمد الوكالة في الطلاق والتطليق.
المطلب الثاني: تطبيق الوكالة في
الطلاق والتطليق وإشكالاتها
كما هو معلوم أن الأصل في الشخص أن
يقوم بنفسه بإبرام التصرفات والعقود وكذا فسخها متى كان أهلا لذلك، لكن قد تحول
ظروف دون ذلك مما يستدعي معه الأمر تكليف شخص آخر ليقوم مقامه، كما أن القاعدة
العامة في الميدان العقدي كما هو الحال في عقد الزواج أن العقد لا يلزم إلا من كان
طرفا فيه، إلا أن هذا المبدأ لا يؤخذ على إطلاقه. كما أن الأخذ بمبدأ
التيسير ورفع الحرج معمول به في العقود والتصرفات وأن اعتماد الوكالة في الطلاق
والتطليق تدخل في هذا النطاق، وهي وسيلة من وسائل تحقيق الغاية المنشودة.
إن المشرع المغربي لم ينص صراحة على اعتماد الوكالة في
الطلاق والتطليق عكس التشريع المقارن الذي يأخذ بها، كما أن الفقه القانوني انقسم
في هذا الموضوع إلي معارض ومؤيد، فأما الأول -المعارض- اعتبر الوكالة في الطلاق
والتطليق تتنافى مع استقرار الحياة الزوجية وكذا الإجراءات الازمة بمسطرة الصلح،
في حين يرى أنصار الإتجاه المؤيد بأن الوكالة في الطلاق والتطليق جائزة شرعا
وقانونا وأن سبب مشروعيتها هي حاجة الناس إليها لقضاء مصالحهم وتسهيل التصرفات
القانونية[23].
كما أن الفقه الإسلامي عامة والفقه المالكي على وجه الخصوص نص صراحة على إمكانية
اعتماد الوكالة في الطلاق. فما هو موقوف القضاء المغربي من الوكالة في الطلاق
والتطليق؟ وما موقف الفقه المالكي منها؟
وللإجابة على هذا السؤال سنعمل على تقسيم هذا المطلب إلي
فقرتين حيث سنعمل على دراسة موقف العمل القضائي والفقه المالكي من تطبيق الوكالة
في الطلاق والتطليق، لنعمل بعد ذلك على الوقوف على قراءة لمقترح قانون بتتميم
المادتين 82 و 94 من مدونة الأسرة في الفقرة الثانية مع التطرق إلى مدى
إمكانية إعتماد الصلح عن بعد في قضايا الطلاق والتطليق في الفقرة الثالثة.
الفقرة الأولى: العمل القضائي وتطبيق
الوكالة في الطلاق والتطليق موقف الفقه المالكي منها
كما تقدم فإن المشرع المغربي لم
ينظم الوكالة في الطلاق والتطليق. وأمام هذا الفراغ التشريعي، فإن سكوت المشرع عن
الوكالة في الطلاق لا يعني عدم الأخذ بها، مما يستدعي الرجوع إلى المادة 400 من
مدونة الأسرة التي تحلينا على الفقه المالكي.
وبالرجوع إلى
الفقه المالكي فيما يتعلق بالوكالة في الطلاق أو النيابة في إيقاع الطلاق فهي على
أربعة أنواع توكيل وتخيير وتمليك ورسالة، فالتوكيل هو كل لفظ دل على أن الزوج جعل
إيقاع الطلاق بيد الزوجة أو غيرها نيابة عنه. وأما التخيير فيراد به كل لفظ دل على
أن الزوج فوض لزوجته أن تختار إما الطلاق أو عدمه. وأما التمليك فهو كل لفظ دل على
جعل إيقاع الطلاق حقا بيد الزوجة تمارسه متى شاءت. وأما الرسالة فهي أن يقول الزوج
للرسول بلغ زوجتي أني طلقتها، ويقع الطلاق بمجرد قول الزوج ذلك، ولو لم يبلغ
الرسول.[24]
وما يهمنا من بين هذه الأنواع طلاق
التوكيل، حيث أن للزوج تفويض الطلاق لغير الزوجة لقول الشيخ خليل " وله
التفويض لغيرها "، [25]
سواء كان الوكيل أجنبيا للزوجة أو قريبا لها، [26] وهو
المشهور في المذهب المالكي وهو مذهب المدونة،[27]
وللزوج عزل الوكيل ما لم يقض بالطلاق.[28]
من خلال ما جاء في أقوال السادة
الفقهاء أعلاه فإن توكيل الزوج الطلاق للغير من أجل طلاق زوجته جائز عند المالكية
وهو قول مشهور في المذهب المالكي، بالتالي فإن الطلاق يقع عن الزوج بالنيابة،
وللزوج عزل الوكيل ما لم يقض بالطلاق. [29]
وهذا ما كرسته محكمة النقض في قرار
لها والذي جاء فيه : " إن الوكالة في الطلاق وإن لم ينص عليها في مدونة
الأسرة فإنها تعتبر عامة بنص المادة 400 من نفس المدونة التي تحيل على الفقه
المالكي الذي يعتبر الوكالة في الطلاق، والمحكمة لما صرحت بما هو مقرر في الفقه
أعلاه وهو بمثابة قانون داخلي، فإنها جعلت لما قضت به أساس وطبقت القانون وما
بالوسيلة على غير أساس ".[30]
يستشف من هذا القرار أن محكمة
النقض اعتمدت على الفقه المالكي واعتبرت جواز اعتماد الوكالة في الطلاق واستبعدت
الوسيلة التي تعيب الطاعنة القرار الاستئنافي الذي استبعد المادة 82 [31]
من مدونة الأسرة التي تنص على حضور الطرفين شخصيا أثناء إجراء محولة الصلح.
الفقرة الثانية: قراءة في مقترح قانون بتتميم المادتين 82 و
94 من مدونة الأسرة
بالرجوع إلى مقترح القانون[32]
القاضي بتتميم المادتين 82 و 94 من مدونة الأسرة حيث
نصت المادة 82 على أن : " عند حضور الطرفين، تجري المناقشات بغرفة المشورة،
بما في ذلك الاستماع إلى الشهود ولمن ترى المحكمة فائدة في الاستماع إليه.
إذا تعذر حضور أحد الطرفين، جاز
حضور وكيله أو محاميه بواسطة وكالة خاصة تتضمن موافقته على الطلاق. ( الباقي لا تغيير فيه ) ".
كما نصت المادة 94 من المقترح أنه
: " إذا طلب الزوجان أو أحدهما من المحكمة حل نزاع بينهما يخاف منه الشقاق،
وجب عليها أن تقوم بكل المحاولات لإصلاح ذات البين طبقا لأحكام المادة 82 أعلاه.
إذا تعذر حضور أحد الزوجان لجلسة
الصلح، تطبق مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 82 أعلاه ".
بعد القراءة المتأنية للمادتين
أعلاه التي جاءتا في المقترح، يتضح أنهما خرجتا على النطاق الذي حدده الفقه
والقضاء وخصوصا موقف محكمة النقض التي ربطت اعتماد الوكالة في الطلاق بأسباب
حقيقية ووجيهة.
كما أن صياغة المقترح جاء في
اعتماد الوكالة على عمومها ولم يحدد نطاقها وشروطها والشكليات المطلوبة باستثناء
أن تكون وكالة خاصة، عكس الوكالة في الزواج التي حدد المشرع نطاق اعتمادها مع وضع
شروط خاصة بها خارج القواعد العامة للوكالة، كما أنه من باب أولى أن تأتي صياغة
المادتين في المقترح متضمنة لشروط صارمة لاعتماد الوكالة في الطلاق والتطليق ما
دامت أنها مرتبطة بفك الرابطة الزوجية.
إضافة إلى أن اعتماد الوكالة في
الطلاق والتطليق على عمومها دون قيد أو شرط يفتح باب الدريعة لتسهيل إيقاع الطلاق
والتطليق وتسهيل فك الرابطة الزوجية، وضرب صارح لمسطرة الصلح التي تلزم الطرفين
بالحضور الشخصي وتعتبر من النظام العام. كما أن مسطرة الصلح تساعد في فض الكثير من
النزاعات بين الزوجين دون الوصول إلى فك الرابط الزوجية.
ومن هنا يجب الوقوف على كل هذه
الإشكالات المتعــــلقة باعتماد الوكالة في الطلاق والتطليق وإيجاد حلول لها،
وتحديد شكليات وشروط اعــــتمادها في الصيغة النهائية للمادتين 82 و94 من المدونة.
الفقرة الثالثة: مدى إمكانية
إعتماد الصلح عن بعد في قضايا الطلاق والتطليق
أفرزت الأزمة الصحية التي مر بها
المغرب عدة إشكالات على المستوى القانوني مما استعدى معه اتخاذ مجموعة من
الإجراءات واعتماد وسائل حديثة للحد من هذه الإشكالات، وتتجلى هذه الوسائل في
التوسيع من رقمنة الإجراءات القضائية والتي تعتبر أحد الحلول لتدبير الأزمة الصحية
والحد من توافد المرتفقين إلى المحاكم.
وكان نظام
المحاكمة عن بعد في قضايا الأشخاص المتعقلين أهم الإجراءات المتخذة في فترة
الجائحة، وجاء ذلك بقرار مشترك بين
وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة استناد على
المادة 3 من مرسوم قانون حالة الطوارئ الصحية. [33] كما
أن الجهات المعنية سخرت خدمات إلكترونية عن بعد في الإجراءات القضائية خلال فترة
الأزمة الصحية مع التأكيد على ضمانات المحاكمة العادلة.
وإذا كان السبب وراء اعتماد المحاكمة عن بعد لعلة الحفاظ
على حياة الأشخاص وضمان سلامتهم ما دام أنه لا يتنافى مع ضمانات المحاكمة العادلة.
فالصلح عن بعد بدوره يمكن إدراجه في هذا النطاق.
وقد كانت المملكة العربية السعودية سباقة في اعتماد نظام
الصلح عن بعد لحل النــــزاعات الزوجية إلكترونيا، وإنجاز الصلح عن بعد والحد من
المشاكل الزوجية القائمة وخصــــوصا خلال فترة الجائحة بما في ذلك توثيق الإجراءات
بالطرق النظامية مع إصدارها رسميا ودون الحاجة إلى زيارة المحاكمة.[34]
[1] الظهير الشريف رقم 1.04.22 الصادر بتنفيذ القانون رقم 03.70 بمثابة مدونة
الأسرة. صادر بالجريدة الرسمية عدد 5184 بتاريخ 14 ذو الحجة 1424 (5 فبراير 2004)، ص 418.
[2] الظهير الشريف رقم 190-57-1 المؤرخ في 22 محرم
1377 موافق ليوم 19 /8/
1957 ليصدر بعده ظهير شريف الذي عدل مدونة الأحوال الشخصية رقم
1.93.347 بمثابة قانون صادر في 10 شتنبر 1993، منشور بالجريدة الرسمية، تحت عدد :
4222، الصادر في 29 شتنبر 1993.
[3] المادة 82 من مدونة الأسرة
[4] ابن منظور،
سان العرب، الجزء الثالث عشر، دار الفكر بيروت، دون ذكر الطبعة والتاريخ ، ص: 261.
[5] عبد الرحمان بلعكيد، الوكالة، الجزء الأول، مطبعة صوماديل، الطبعة الأولى
2014، ص : 19.
[6] للتوسع أكثر أنظر عبد الرحمان بلعكيد، الوكالة، الجزء الأول، مرجع سابق، ص
: 65.
[7] محمد الكشبور، الواضح في شرح مدونة
الأسرة، الجزء الأول، الزواج، الطبعة الثالثة 2015 . ص : 233.
[8] عبد الرحمان بلعكيد، الوكالة، الجزء الأول، مرجع سابق، ص : 250.
[9] محمد الكشبور، الواضح في شرح مدونة
الأسرة، الزواج، مرجع سابق، ص : 232.
[10] عبد الله بن الطاهر، مدونة الأسرة في إطار المذهب المالكي وأدلته، الكتاب
الأول ، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2005 ، ص : 81 .
[11] بالتالي
يأخذ الوكيل حكم الزوج ويتقيد بأوامره ولا تجوز مخالفته و إذا خالف الوكبل الزوج
في صفة الطلاق أو نوعه، فإنه لا يلزم منه إلا ما هو في مصلحة الموكل، وللزوج حق
الرجوع في الوكالة وله أن يعزل وكيله متى شاء قبل إيقاع الطلاق وتنتهي مهمة الوكيل
بتوقيع الطلاق، ولا يجوز للمطلقة أن ترجع عليه بشيء لأن الوكالة تصرف قانوني ينتج
آثاره في مواجهة الأصيل وهو الزوج وهنا يترتب عن توقيع الزوجة للطلاق جميع الآثار
القانونية الناجمة عنه.
إدريس
الفاخوري، الزواج والطلاق، دار النشر الجسور وجدة، ، الطبعة السادسة 1999 ص: 247 و
248.
[12] المادة 44 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة.
[13] تنص المادة 89 من مدونة الأسرة على أنه : " إذا ملك الزوج زوجته
حق إيقاع الطلاق، كان لها أن تستعمل هذا الحق عن طريق تقديم طلب إلى المحكمة طبقا
لأحكام المادتين 79 و80 أعلاه.
تتأكد المحكمة من توفر
شروط التمليك المتفق عليها بين الزوجين، وتحاول الإصلاح بينهما طبقا لأحكام
المادتين 81 و82 أعلاه.
إذا تعذر الإصلاح، تأذن
المحكمة للزوجة بالإشهاد على الطلاق، وتبت في مستحقات الزوجة والأطفال عند
الاقتضاء، تطبيقا لأحكام المادتين 84 و85 أعلاه. لا
يمكن للزوج أن يعزل زوجته من ممارسة حقها في التمليك الذي ملكها إياه ''.
[14] أستاذنا البشير عدي، محاضرات في قانون الأسرة، مطبعة قرطبة أكادير، الطبعة
الأولى 2017، ص : 94.
[15] عبد الرحمان بلعكيد، الوكالة، الجزء الثاني، مطبعة صوماديل، الطبعة الأولى
2014، ص : 322.
[16] نشير هنا أن وجود الزوج في الزوج لا يحول دون حضوره لمسطرة الصلح، حيث إنه
في الجانب العملي، يتم إحضاره في السجن عن طريق الأمر بالإحضار تنفذه الضابطة
القضائية بأمر من الوكيل العام للملك أو وكيل الملك.
[17] محمد الكشبور، الواضح في شرح مدونة الأسرة، انحلال ميثاق الزوجية، مرجع
سابق، ص : 100.
[18] المادة 100 من من القانون رقم: 2005/28، المتعلق بقانون
الأحوال الشخصية الإماراتي. منشور بالجريدة الرسمية لدولة الإمارات العربية
المتحدة تحت تعدد: 439 الصادرة بتاريخ 30 نونبر 2005.
[19] المادة 82
من القانون رقم 97/32 المتعلق بقانون الأحوال الشخصية منشور بالجريدة الرسمية
العمانية تحت عدد: 601 بتاريخ: 15 يونيو 1997.
[20] المادة 106 من قانون الأحوال الشخصية الكويتي. قانون رقم 51 لسنة 1984 المعدل بقانون رقم 61 لسنة 1996.
[21] المادة 87 من القانون رقم 09/19 المتعلق بقانون الأسرة
الأردني، الصادر في الجريدة الرسمية بتاريخ 3 جمادي الآخرة 1430 هـ، الموافق للسابع
والعشرون ماي، 2009.
[22] المادة 95 من قانون رقم 2001-052
من مدونة الأحوال الشخصية الموريتانية، الصادر بتاريخ 19 يوليوز 2001 .
[23] للتوسع أكثر أنظر ادريس الفاخوري، الوكالة في
الطلاق، مقال منشور بمجلة الحقوق العدد 15 ، ص 11 و12 و13.
[24] عبد الله بن الطاهر، مدونة الأسرة
في إطار المذهب المالكي وأدلته، الكتاب الثاني، الطلاق، مطبعة فنون القرن 21 الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2007، ص : 112 و 113 و 114.
[25] محمد بن
يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي، أبو عبد الله المواق المالكي، التاج
والإكليل لمختصر خليل، الجزء الخامس، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1416هـ -1994م ، ص : 387.
[26] محمد بن عبد
الله الخرشي المالكي أبو عبد الله، شرح مختصر خليل للخرشي، الجزء الرابع، دار
الفكر للطباعة بيروت، بدون طبعة وبدون تاريخ، ص : 77.
[27] وقال أصبغ: ليس له تفويض أمر امرأته لغيرها، ويرجع الأمر إليها فإما قضت أو
ردت.
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد
الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي، مواهب الجليل في
شرح مختصر خليل، الجزء الرابع، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1412هـ - 1992م، ص :
98.
[28] المواق المالكي، التاج والاكليل لمختصر خليل، الجزء الخامس، مرجع سابق، ص :
387.
[29] عبد المجيد باتنبا، قاعدة الإحالة على الفقه المالكي في مدونة الأسرة –
دراسة تأصيلية وتطبيقية من خلال مدونة الأسرة والقانون المقارن والعمل القضائي،
رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، كلية الحقوق جامعة ابن زهر
أكادير، السنة الجامعية 2018/2019 ص 141.
[30] قرار صادر عن غرفة الأحوال الشخصية والميراث عدد 941 بتاريخ 24/12/2013 في
الملف الشرعي عدد : 284/2/1/2012. أورده ادريس الفاخوري، المنازعات الأسرية،
منشورات مجلة الحقوق، مطبعة المعارف الجديدة الرباط، طبعة 2015، ص : 237 و 238.
[31] تنص المادة على أن : " عند حضور الطرفين، تجري المناقشات بغرفة
المشورة، بما في ذلك الاستماع إلى الشهود ولمن ترى المحكمة فائدة في الاستماع
إليه.
للمحكمة أن تقوم بكل
الإجراءات، بما فيها انتداب حكمين أو مجلس العائلة، أو من تراه مؤهلا لإصلاح ذات
البين. وفي حالة وجود أطفال تقوم المحكمة بمحاولتين للصلح تفصل بينهما مدة لا تقل
عن ثلاثين يوما.
إذا تم الإصلاح بين
الزوجين حرر به محضر وتم الإشهاد به من طرف المحكمة ".
[32] مقترح قانون بتتميم المادتين 83 و 94 من مدونة
الأسرة، تحت عدد 114 بتاريخ 14 يونيو 2022.
[33] مرسوم
بقانون رقم 2.20.292 والمتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية صادر
في 28 من رجب1441هـ الموافق لـ 23 مارس 2022
[34] بلاغ صادر عن وزارة العدل السعودية بتاريخ 24 رجب 1441 هـ الموافق لـ 19
مارس 2020 عبر الموقع الإلكتورني للوزارة www.moj.gov.sa وعبر
المنصة الرقمية '' تراض '' https://taradhi.moj.gov.sa/
