النظام القانوني للحق في التقاضي - محمد شكار

 النظام القانوني للحق في التقاضي

The legal system for the right to litigate

 محمد شكار / أستاذ متعاون بجامعة انواكشوط موريتانيا.

MOHAMED Chakar

 



ملخص

يعد مبدأ حق التقاضي من أهم الحقوق الطبيعية للإنسان، إذ يستطيع كل فرد من خلاله صد أي اعتداء يشكل مساسا بحقوقه و حرياته، لذلك نصت الدساتير الحديثة على هذا الحق كأحد الضمانات اللازمة لتعزيز مبدأ سيادة القانون من ناحية وحماية حقوق وحريات الأفراد من ناحية أخرى، إلا أن التشريعات العادية  في بعض الدول جاءت ونالت من هذا الحق تحت مبررات ومسوغات مختلفة كما هو الحال بالنسبة لنظرية أعمال السيادة وفكرة تحصين بعض القرارات الإدارية من رقابة القضاء.

Abstract

The principle of the right to litigation is one of the most important natural rights of man, through which every individual can repel any aggression that constitutes a violation of his rights and freedoms. Therefore, modern constitutions stipulate this right as one of the necessary guarantees to strengthen the principle of the rule of law on the one hand and protect the rights and freedoms of individ3uals on the other hand, except  The ordinary legislation in some countries came and obtained this right under different justifications and justifications, as is the case for the theory of works of sovereignty and the idea of​​immunizing some administrative decisions from judicial oversight.


 

المقدمة

أعطى الدستور وقوانين المرافعات للفرد العديد من الحقوق وابرز هذه الحقوق هو حق التقاضي أمام المحاكم والذي يقوم الفرد في حالة الاعتداء على حقوقه باللجوء إلى المحاكم لحماية حقه عن طريق رفع الدعوى أمام المحاكم وهذه الدعوى عبارة عن مجموعة من الإجراءات تتخذ من قبل القاضي و اطراف الدعوى ويلاحظ حتى وأن توافرت الشروط الموضوعية والشكلية في رفع الدعوى فأن المحكمة قد لا تقبل الدعوى إذا استعملها الفرد وكان متعسفا فيها فحق التقاضي هو كسائر الحقوق يخضع إلى النظرية العامة التي نصت عليها اغلب القوانين المدنية والتي اشارت إلى ضرورة عدم التعسف في استعمال حق التقاضي و  الضابط الناظم لهذا الحق هو ممارسة حق التقاضي الممنوح  و المحمي قانونا  و عدم استعمال هذا الحق تعسفا عن طريق الكيدي أو سوء النية .

وسأتناول هذا المبحث في المطلبين التاليين :  الحق في التقاضي بوجه عام ( مطلب أول) . و ضمانات الحق في التقاضي (مطلب ثاني ).

المطلب الأولالحق في التقاضي بوجه عام

يعد الحق في التقاضي من الحقوق الطبيعية للإنسان ،حيث يحق لكل فرد اللجوء إلى القضاء متى ما وقع إعتداء على حق من حقوقه ،كما أنه حق مفترض ، فهو يدخل في حقوق الإنسان أي حقوق و حريات الأفراد و متى تم الإعتداء عليها جاز للفرد اللجوء للقضاء بعد توفر الشروط لتقديم الدعوى التي هي المصلحة و  الأهلية  والصفة .

  وسأتناول هذا المطلب في ماهية الحق في التقاضي (فقرة الأولى ) و المبادئ الأساسية التي يقوم عليها استعمال الحق في التقاضي (فقرة ثانية ) و موقف الفقه و القضاء من استعمال الحق في التقاضي (فقرة ثالثة )

الفقرة الأولى :ماهية الحق في التقاضي

يعد مبدأ حق التقاضي من أهم الحقوق الطبيعية للإنسان، إذ يستطيع كل فرد من خلاله صد أي اعتداء يشكل مساسا بحقوقه و حرياته، لذلك نصت الدساتير الحديثة على هذا الحق كأحد الضمانات اللازمة لتعزيز مبدأ سيادة القانون من ناحية وحماية حقوق وحريات الأفراد من ناحية أخرى، إلا أن التشريعات العادية  في بعض الدول جاءت ونالت من هذا الحق تحت مبررات ومسوغات مختلفة كما هو الحال بالنسبة لنظرية أعمال السيادة وفكرة تحصين بعض القرارات الإدارية من رقابة القضاء.

و  يحق لكل فرد اللجوء إلى القضاء متى ما وقع اعتداء على حق من حقوقه، كما أنه حق مفترض أي لا يحتاج أن تنص عليه الدساتير، إذ إن هذه الأخيرة تأتي وتنص على حقوق وحريات الأفراد ومتى ما تم الاعتداء على تلك الحقوق والحريات جاز للأفراد اللجوء إلى القضاء لرد ذلك الاعتداء وصده وإلا اعتبرت تلك الحقوق والحريات مجرد نصوص تتزين بها الدساتير ما لم توجد الوسيلة القانونية التي تضفي الحماية عليها، ومبدأ حق التقاضي يعد أحد أهم الوسائل القانونية التي تحقق ذلك الأمر الذي ينعكس بالإيجاب على مفهوم مبدأ سيادة القانون.

كما أن المشرِّع العادي لا يملك مصادرة حق التقاضي أو الانتقاص منه، وذلك من خلال تشريعات يتم من خلالها إخراج بعض الموضوعات من رقابة القضاء، ومثل هذه التشريعات لو وجدت لاعتبرت غير دستورية، إذ تشكل خروجاً على مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ المساواةكما أن مبدأ حق التقاضي يقتضي أيضاً تمهيد طريق اللجوء إلى القضاء وعدم وضع العراقيل والصعوبات التي من شأنها أن تحول بين الأفراد وبين اللجوء إلى القضاءوقد حرص المشرِّع الدستوري الكويتي على النص على مبدأ حق التقاضي وذلك في المادة 166 منه، إذ جاء فيها إن: )حق التقاضي مكفول للناس، ويبين القانون الإجراءات والأوضاع اللازمة لممارسة هذا الحق(.

ويتضح من النص السابق أن المشرِّع شدد على حق الأفراد في اللجوء إلى القضاء للمطالبة بحقوقهم، وهو حق أصيل وواجب دستوري على السلطة القضائية ممارسته، إذ يترتب على ذلك الحق تعزيز مبدأ سيادة القانون بمعناه الواسع بالإضافة إلى تحقيق العدالة التي ينشدها المشرِّع الدستوري في المادة السابعة من الدستور الكويتي التي تنص على أن  ( العدل و الحرية و المساواة دعما المجتمع والتعاون والتراحم  و صلة وثقى بين المواطنين(.

و حرصت  دساتير الدول و أنظمة الحكم فيها على كفالة حق التقاضي ،[1]( الحق في التقاضي مكفول بالتساوي للمواطنين و المقيمين في المملكة ،ويبين النظام الإجراءات الازمة لذلك ).

  كما أن القضاء سلطة من سلطات الدولة ،وهي من السلطات المستقلة ،وهذا ما أكدته نصوص النظام الأساسي للمملكة العربية السعودية حيث تنص المادة 44 من النظام على أنه " تتكون السلطات في الدولة من ثلاث سلطات هي: السلطة القضائية ،السلطة التنفيذية السلطة التنظيمية   وتتعاون هذه السلطات في أداء وظائفها وفقا لهذا النظام وغيره من الأنظمة ،و الملك هو مرجع هذه السلطات .

  ولا شك أن للقضاء أهميته في حضارة الشعوب و تقدمها ،وأصالتها ،وحسن جوارها ،وطيب تعايشها الاجتماعي ،والدليل على اعتباره كذلك أن القضاء ميزان الادعاء ،و نبراس العدل ،وملاذ المظلوم والسد المانع لأنواع المظالم و الغصوب و التعديات .[2]

يعد مبدأ سيادة القانون أحد أهم الضمانات اللازمة في مجال الحقوق والحريات العامة للمحافظة عليها والذود عنها من أي اعتداء، بالإضافة إلى مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ الرقابة القضائيةويعد مبدأ سيادة القانون من الركائز المهمة التي تقوم عليها الدولة الحديثة وأحد أهم المبادئ التي تميز ما بين الدولة الدكتاتورية والدولة الديمقراطية، إذ إن هذه الأخيرة ترتبط بسيادة القانون الذي يحمي الحقوق  والحريات العامة في مواجهة الدولة، وذلك لأن السلطة تعمل وفق القانون ولا تعلو عليه .

ولا تكاد تخلو الدساتير المعاصرة اليوم من النص على مبدأ سيادة القانون، الأمر الذي يعكس أهمية هذا المبدأ في حياة الشعوب لما ينطوي عليه من ترسيخ لمفهوم دولة القانون.  ويقصد بمبدأ سيادة القانون أن يكون القانون هو السيد الأعلى، بحيث يعلو على الجميع فتلتزم به جميع السلطات والهيئات ويخضع له كل الأفراد حكاما ومحكومين هذا ويذهب بعض من الفقه إلى ضرورة التمييز بين مبدأ سيادة القانون و بين مبدأ المشروعية أو مبدأ خضوع الدولة للقانون إذ إن الأخير يعني خضوع جميع السلطات في الدولة للقانون ويشكل ضمانة لحماية حقوق الأفراد و حرياتهم ضد تحكم الدولة ،وبالتالي يعد أكثر اتساعا من مبدأ سيادة القانون الذي يعد أضيق من مبدأ خضوع الدولة للقانون الهادف إلى تقييد السلطة الإدارية في الدولة فقط .[3] ويعني ما سبق أن مبدأ سيادة القانون لا يطبق إلا على السلطة التنفيذية فقط، في حين أن مبدأ خضوع الدولة للقانون يقضي بإخضاع جميع السلطات العامة للقانون، فهو لا يقيد السلطات الإدارية فقط وإنما يُقيد أيضا السلطة التشريعية . ويذهب في هذا الاتجاه أيضا الدكتور عاطف البنا، إذ يرى أن مبدأ سيادة القانون أضيق نطاقاً من مبدأ خضوع الدولة للقانون، وذلك لأن المبدأ الأول يعني خضوع الإدارة للتشريع البرلماني فقط، أما نظام الدولة القانونية فإنه يقضي بإخضاع جميع السلطات العامة – وليس فقط السلطة التنفيذية – للقانون بمعناه الواسع.

إلا أن الفقه أصبح لا يُفرق بين مبدأ سيادة القانون وبين مبدأ المشروعية أو مبدأ الخضوع للقانون، إذ إن هذا الأخير يعني سيادة حكم القانون وضرورة خضوع الجميع له، سواء أكانوا حكاماً أو محكومين ، كما أن التفرقة بين مبدأ خضوع الدولة للقانون ومبدأ سيادة القانون يستند إلى اعتبارات تاريخية لم تعد قائمة اليوم، إذ كانت الفكرة السائدة في فرنسا هي سيادة التشريع باعتباره صادراً عن البرلمان الذي يمثل الإرادة العامة، وقد أدى ذلك إلى عدم وجود رقابة على دستورية القوانين قبل 1958 ، إلا أن التشريع اليوم أصبح يخضع لرقابة القضاء )المجلس الدستوريفي فرنسا، وبالتالي أصبحت التفرقة بين الفكرتين هي تفرقة بين مترادفين.[4]          

ونحن بدورنا نؤيد الرأي القائل بأنه لا يوجد مبرر للتفرقة ما بين مبدأ سيادة القانون ومبدأ المشروعية أو خضوع الدولة للقانون، إذ إنهما وجهان لعملة واحدة وهي إخضاع جميع السلطات والأفراد لأحكام القانون بمعناه الواسع، والذي يشمل مختلف القواعد القانونية بحسب تدرجهاوفي نفس الاتجاه، استقرت أحكام القضاء في مصر على استعمال تعبير سيادة القانون كمرادف لمبدأ المشروعية، ومن ذلك حكم المحكمة الإدارية العليا بهذا الشأن، الذي جاء فيه إن:  مبدأ المشروعية وسيادة القانون هو المبدأ الذي يوجب خضوع سلطات الدولة للقانون والتزام حدوده في كافة أعمالها وتصرفاتها  .

وبناء على ما سبق، فإننا نرى أن المقصود بمفهوم مبدأ سيادة القانون بمعناه الواسع أي نصوص الدستور والقوانين العادية، وبالتالي يجب على السلطات الموجودة في الدولة بالإضافة إلى الأفراد احترام مبدأ سيادة القانون وفق المفهوم السابق وذلك بالخضوع لأحكامه وعدم الخروج عليها.

وإذا كان مبدأ سيادة القانون يعني خضوع جميع السلطات في الدولة للقانون بالمعنى الواسع، فإن هذا المبدأ لا يكتمل تحقيقه ولا يؤتي ثماره إلا إذا كفل الدستور الرقابة القضائية بصورة صحيحة على جميع أعمال السلطات العامة في الدولة ، ويتحقق ذلك بكفالة حق التقاضي مع توفير الضمانات اللازمة لتحقيق مبدأ استقلالية القضاء أو السلطة القضائية ، وذلك تطبيقاً لمبدأ الفصل بين السلطاتويعد حق التقاضي من الحقوق الطبيعية اللصيقة بشخص الإنسان و التي لا تنفك عنه أبداً، إذ إنها مستمدة من القانون الطبيعي، والذي سبق كل القوانين الوضعية، وبالتالي لا يحق لتلك القوانين أن تأتي اليوم وتنال من ذلك الحق وذلك بمصادرته أو الانتقاص منهويقصد بحق التقاضي حق الأفراد باللجوء إلى القضاء متى ما تم الاعتداء على حقوقهم وحرياتهم وذلك لرد و صد الاعتداء عن تلك الحقوق، فحق التقاضي حق أصيل وبدون ذلك الحق لا يمكن أن يُعَدّ نظام الحكم في دولة ما ديمقراطياً، ما لم يكفل ذلك النظام للأفراد هذا الحق حتى يطمئن الأفراد على حقوقهم ويتبدد من نفوسهم الشعور بالظلم        

 ويعد حق التقاضي اليوم من الحقوق المفترضة والتي لا تحتاج أن ينص عليها الدستور، لأن الدستور عندما ينص على الحقوق والحريات العامة للأفراد فلا بد أن يكون في المقابل للأفراد الحق في الذود عن حقوقهم وحرياتهم متى ما تم الاعتداء عليها من قبل السلطات الموجودة في الدولة، وذلك عن طريق اللجوء للقضاء، الذي يشكل الملاذ الآمن للأفراد لنيل حقوقهم وحرياتهم، وإلا عُدَّتْ تلك الحقوق والحريات العامة مجرد نصوص تتزين بها الدساتير لا تغني ولا تسمن من جوع، لذلك فإن حق التقاضي أشبه ما يكون بالمضاد الحيوي الذي يلجأ إليه الإنسان لكي يدفع به الفيروسات التي تهاجم جسده من أجل المحافظة على صحته.  

وبناء على ما سبق، فإن السلطة التشريعية لا تملك الحق في الاعتداء على ذلك الحق– حق التقاضي – وذلك بمنع القضاء من بحث نزاع معين أو التصدي لموضوع معين، وذلك من خلال تشريعات تخرج بها موضوعات من اختصاص القضاء، الأمر الذي يشكل اعتداءً على مبدأ الفصل بين السلطات من ناحية والإخلال بمبدأ المساواة بين الأفراد بشأن ذلك الحق من ناحية أخرى، بالإضافة إلى ما يشكله من اعتداء على مبدأ الفصل بين السلطات.

لذلك نرى أن مصادرة حق التقاضي تعد عملاً غير مشروع، ومن ثم فإن أي نص تشريعي يمس هذا الحق فهو نص باطل وغير دستوري لخروجه على النصوص الدستورية، التي تؤكد هذا الحق ومخالفته لمواد الدستور التي تحمي المساواة بين جميع المواطنين في لجوئهم إلى القضاء بلا تفرقة أو تمييز في ممارستهم لهذا الحق.[5]

كما نعتقد أنه لا يكفي النص على حق التقاضي وإنما لا بد من تمهيد طريق اللجوء للقضاء، وذلك بتسهيل الإجراءات وعدم وضع العراقيل أمامه، وتطبيقاً لذلك ذهبت المحكمة الدستورية العليا في مصر إلى أنالالتزام الواقع على عاتق الدولة وفقاً لنص المادة الثامنة والستين من الدستور يقتضها أن توفر لكل فرد وطنياً كان أم أجنبياً نفاذاً ميسراً إلى محاكمها بالإضافة إلى الحماية الواجبة للحقوق المقررة بتشريعاتها وبمراعاة الضمانات الأساسية اللازمة لإدارة العدالة إدارة فعالة وفقاً لمستوياتها في الدولة المتحضرة كما نصت في حكم آخر لها بأن إنكار الحق في الترضية القضائية سواء بمنعها ابتداء أو بإقامة العراقيل في وجه اقتضائها أو بتقديمها متباطئة متراخية دون مسوغ أو بإحاطتها بقواعد إجرائية تكون معيبة في ذاتها بصفة جوهرية لا يعدو أن يكون إهداراً للحماية التي يفرضها الدستور والقانون للحقوق التي وقع العدوان عليها وانكساراً للعدالة في جوهر خصائصها و أدق توجهاتها.

و للأسف فإنه رغم أهمية هذا المبدأ، إلا أنه تم النيل منه، إذ كثرت الوسائل والطرق التي استعملت لمصادرة حق التقاضي، ومن أبرز هذه الوسائل نظرية أعمال السيادة وفكرة التحصين؛ ونرى أن المساس بمبدأ حق التقاضي وذلك بمصادرة هذا الحق أو الانتقاص منه يشكل مخالفة للمبادئ والقواعد العامة في القانون والتي استقرت في وجدان الضمير الإنساني بالإضافة إلى ما تشكله من مخالفة لمبدأ الفصل بين السلطات.

 فالقانون أو القرار الذي يترتب عليه حرمان بعض الأفراد من اللجوء إلى القضاء يشكل انتهاكاً لمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات العامة التي تتفرع عنه المساواة أمام القضاء . [6]

وتطبيقاً لذلك قضت المحكمة الدستورية العليا في مصر بأنه ولما كان حق التقاضي من الحقوق العامة التي كفلت الدساتير المساواة بين المواطنين فيها فإن حرمان طائفة معينة من هذا الحق مع تحقق مناطه – وهو قيام المنازعة على حق من حقوق أفرادها – ينطوي على إهدار لمبدأ المساواة بينهم وبين غيرهم من المواطنين الذين لم يحرموا من هذا الحق.

الفقرة الثانية : المبادئ الأساسية التي يقوم عليها استعمال الحق في التقاضي

إن كفالة الدولة لحق التقاضي لا يتأتى إلا من خلال جملة مبادئ تضمن للأفراد ممارسة هذا الحق بدون انتقاص ،فالحق في التقاضي لا يكون كذلك إلا من خلال قضاء مستقل من الناحية الإدارية و المالية ،فلا يجوز لأي سلطة كانت التدخل في أعمال القضاة ،فالقضاة مستقلون لا سلطان عليهم إلا للشرع  أو النظام و ضمائرهم .[7]

  وكذلك يجب أن تكون هناك مساواة أمام القضاء ،و ألا يتحمل الفرد مشقة في اللجوء للقضاء للحصول على مصالحه المشروعة ،و إلا أفرغ هذا الحق من مضمونه .

ومن أهم هذا المبادئ :

1ــ المساواة أمام القضاء

  لا خلاف في الإسلامي على مبدأ المساواة بين الخصوم ،ذلك المبدأ يرتبط به ـــ وجودا وعدما كافة المبادئ الأخرى التي قام عليها النظام القضائي الإسلامي ،فالمساواة بين الخصوم في مجلس القضاء تعد لا زمة من ناحية ،و مطلقة من ناحية أخرى ،فهي لازمة بنصوص الكاتب و السنة و اعمال السلف ،وهي مطلقة بمعنى أنها شاملة لكل النواحي باللفظ و اللحظ وفي المجلس ، كما أنه لا تمييز بين الناس عند الحكم بينهم بحسب الأصل أو الحسب أـو العقيدة .[8]

  فالقاضي مأمور بالتسوية بين الخصمين فيما يقد عليه من أمور التسوية و معانيها و مظاهرها ،و القاعدة هنا هي أن " كل شيء يقدر على التسوية بينهما فيه لا يعذر بتركه " ،فمن ذلك أن القاضي يساوي بينهما في النظرة ،ولين الكلام  و الكلام ،و البشاشة ،فلا يبتسم في وجه أحدهما ،ويعبس في وجه الأخر ،ما دام قادرا على الكلام بلغة يفهمها الخصمان كلاهما ،و بفعل القاضي ذلك بين جميع المتقاضين بين الأب و أبنه ،و الخليفة  والرعية ،وبين المسلم و غير المسلم .[9]

و يقرر شراح قانون المرافعات أن المقصود بالمساواة هو أن يكون للمواطن الحق في الالتجاء مع عدم التمييز بين المتقاضين ،و هذا المبدأ ، و إن كان لم يرد النص عليه صراحة على انه اعتبار أنه يمثل مبدأ إجرائيا عاما ،إلا أن الأنظمة القضائية نصت على العديد من تطبيقاته لتكفل من خلال نصوصها تلك المساواة أمام القضاء بهذا المعنى .

2ــ مبدأ مجانية القضاء

تعد مجانية القضاء نتيجة حتمية لمبدأ المساواة أمام القضاء، ذلك أنه باعتبار أن الالتجاء للقضاء حق لكل مواطن مع عدم التمييز بين المتقاضين لمكانتهم المادية ،فيكون من اللازم تيسيره للمواطنين جميعا كخدمة عامة، بمعنى أنه لا يلتزم المتقاضون قضاتهم و إنما تتحمل الدولة هذا الأجر حتى لا يحرم الفقير من الالتجاء إلى القضاء .[10]

وعلى الرغم من سيادة مبدأ مجانية التقاضي في معظم الدول ،إلا أنه لا زالت هذه المجانية مسالة نظرية ، لأنه إذا كانت مسالة العدالة بالمجان فإن وسائل اللجوء للقضاء ليست كذلك بالتأكيد ،فلو كان القضاء و وسائل الالتجاء إليه كلها بالمجان لتحقق جانب مهم من جوانب المساواة أمام القضاء .

الفقرة الثالثة : موقف الفقه و القضاء من استعمال الحق في التقاضي

لقد أكد المجلس الدستوري الفرنسي في العديد من قراراته على مبدأ حق التقاضي ومنها القرار رقم 86.224   الصادر بتاريخ 23 / 1/ 1987، الذي أضفى قيمة دستورية لذلك الحق في قضية ليس لها علاقة بقضايا جزائية، بل تتعلق بحق المنافسة في الميدان التجاري واعترف باختصاص المحاكم المدنية والتجارية للنظر ى بالنازعات الناشئة عنه، كما أسس هذا القرار واجب احترام حقوق الدفاع كأحد

الضمانات المنصوص عليها في المادة 16من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تضفي الطابع الدستوري على حق التقاضي والذي يُعَدّ من الحقوق الملاصقة لحقوق الإنسان الأساسية . [11]



[1] تنص المادة 47 من النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية الصادر بالأمر الملكي رقم أ/90 بتاريخ 27/8/1412 هجرية .

[2] المنيع عبد الله بن سليمان 1420 هــــــــ : القضاء في الإسلام ،مجلة وزارة العدل بالمملكة العربية السعودية ،النسخة الإلكترونية ، العدد الأول ،محرم ،ص 40، 41

[3]  سامي جمال الدين ،القضاء الإداري ( الرقابة على أعمال الإدارة ــ مبدأ المشروعية ـــ  تنظيم القضاء الإداري ) ــ دراسة مقارنة ــ 2003 ــ ص 12 ، 13.

[4] د محمد عبد اللطيف ــ النظم السياسية ــ 1997 ص 119 ، 120

[5] ) ) دسعد عصفور – النظام الدستوري المصري – دستور 1971 منشأة المعارف – الإسكندرية-1980ص 417 .

6 ( دعبدالغني بسيوني  مبدأ المساواة أمام القضاء وكفالة حق التقاضي  الطبعة الثانية منشورات الحلبي الحقوقية  ص               3

[6]  الحكم الصادر في القضية رقم ) 57 لسنة 4 ق.د ( بجلسة 6 مايو 1993  مجموعة أحكام المحكمة الدستورية الجزء الخامس  المجلد الثاني  ص 150 .

[7]  زيدان عبد الكريم :نظام القضاء في الشريعة الإسلامية / ص 137

[8] المالك منصور بن حمد 1420 هــــ / الفصل في المظالم ، مجلة العدل / تصدر عن وزارة العدل السعودية /النسخة الإلكترونية / العدد الأول محرم /ص 74

[9]  مقال منشور بجريدة أم القرى / العدد 64 /السنة الثانية / الجمعة 5 رمضان سنة 1344 هــــ الموافق 19 مارس 1926 م

[10]  عبد التواب احمد أبراهيم 2005/2006 / النظرية العامة للتعسف في استعمال الحق الإجرائي /دارسة تأصيلية مقارنة في القانون المرافعات المصري و الفرنسي /الطبعة الأولى /القاهرة /دار النهضة العربية /ص 39

[11]  ملحق خاص – العدد  2– الجزء الثاني – صفرربيع الأول 1439 ه - نوفمبر 2017 ص 99


من أجل تحميل هذا المقال كاملا إضغط هنا أو أسفله على الصورة


قانونك

من أجل تحميل هذا العدد الحادي عشر - إضغط هنا أو أسفله على الصورة

مجلة قانونك - العدد الثالث