خصوصية التجريم و العقاب في جرائم الاستهلاك - وداد ترابي

 


خصوصية التجريم و العقاب في جرائم الاستهلاك

The specificity of criminalization and punishment in consumer crimes

 وداد ترابي/ حاصلة على شهادة الماستر   تخصص القانون المدني الاقتصادي.

OUIDADE Traby


 

   ملخص مقال :

يعتبر المجال الاستهلاكي من المجالات الأكثر حساسية لأنه يتعلق بالصحة العامة من جهة وبطرف ضعيف قليل الخبرة من جهة ثانية، لذلك نجد على ان المشرع قد أولى له أهمية كبيرة من خلال سن العديد من الظهار و القوانين المتفرقة، و أمام عجز وعدم كفاية المقتضيات الشريعية العامة في توفير الحماية اللازمة للطرف الضعيف في بعض صور التعاقد لم يجد المشرع المغربي مفرا من خوض غمار التجديد نحو خلق حماية قانونية فعالة للمستهلك، حيث عمل على تجديد النصوص القانونية لتساير المتطلبات الجديـدة، وذلك بتكريس مقتضيات تقف بجانب المستــهلك و تـــؤطر عمل المهني  .

حيث أن القانون 31,08 لم يكن الوحيد الذي أصدره المشرع بهدف حماية المستهلك بل هناك مجموعة من النصوص المتفرقة المعنية بهذا الأمر مثل ظهير 1984 المتعلق بزجر الغش في البضائع و كذلك ظهير 1959 المتعلق بقضية الزيوت المسمومة والدي نتج عنه تجريم مجموعة من الأفعال المرتبطة بالصحة العامة، ولما كانت حماية المستهلك تقتضي الاهتمام بمصلحة كل أفراد المجتمع باعتبارهم مستهلكين وجب تعزيزها بكيان يمنحه القانون لسلطات تمكنه من الرقابة وتوفير العقوبات الكفيلة بجعل هاده الحماية واقعية وشاملة ودائمة .

Le domaine de la protection du consommateur est considéré

comme l’un des domaines les plus sensibles, puisqu’il concerne la santé publique d’une part, et une partie faible et inexpérimentée d’autre part. Le législateur y a donc accordé une grande importance par la promulgation d’un certain nombre de lois distinctes.

La loi 31.08 n’étant pas la seule promulguée par le législateur aux fins de la protection des consommateurs, il existait une série de textes distincts en la matière, tels que le Dahir de 1984 sur la fraude dans les marchandises, ainsi que le Dahir de 1959 sur la question des huiles empoisonnées , qui a abouti à la criminalisation d’un éventail d’actes liés à la santé publique. Étant donné que la protection des consommateurs nécessitait une attention aux intérêts de tous les membres de la société en tant que consommateurs, elle devait être renforcée par une entité habilitée par la loi.

 

مــــقــــدمـــة

لا يجادل اثنان على أن الوظيفة الأولى للقانون في المجتمع هي المحافظة على الحياة الاجتماعية وتنظيم الحقوق والمراكز القانونية، وبما أن القانون يرتبط ارتباطا مستمرا بالتطورات التي يعرفها المجتمع على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وأمام هذا التطور الملحوظ في جميع مظاهر الحياة، الذي نتج عنه  ظهور طرق جديدة غير مألوفة في التعاقد، تسعى إلى تسهيل عملية البيع والتعاقد للمستهلك وإغرائه بكافة صور الدعاية والإعلان وأساليب البيع والترويج، بالإضافة إلى غزو الأسواق بمنتجات يجهل طبيعتها ومصدرها، بحيث كانت هذه الوفرة على حساب الجودة والنوعية، وأصبح المستهلك عرضة لمناورات وتلاعب الأعوان الاقتصاديين والتجار، نتيجة الجشع والرغبة في تحقيق الربح على حساب سلامة المستهلك.

بالإضافة إلى بروز المؤسسات والشركات الضخمة ذات الإمكانيات المالية والاقتصادية، تعتمد في سياستها على تقنية عرض عقود نموذجية، تنفرد بتحديد شروطها وصياغة مضمونها دون أن تقبل أية مناقشة من الطرف الآخر، ولا يمكن لهذا الأخير سوى الرضوخ والإذعان لها[1] وأمام عجز وعدم كفاية مقتضيات الشريعة العامة في توفير الحماية اللازمة للطرف الضعيف في بعض صور التعاقد لم يجد المشرع المغربي مفرا من خوض غمار التجديد نحو خلق حماية قانونية فعالة للمستهلك، حيث عمل على تجديد النصوص القانونية لتساير المتطلبات الجديدة، وذلك بتكريس مقتضيات تقف بجانب المستهلك وتؤطر عمل المهني.

وقد تطرق قانون حماية المستهلك إلى تعريف لكل من المستهلك والمورد في المادة الثانية  بحيث يقصد بالمستهلك كل شخص طبيعي او معنوي يقتني او يستعمل لتلبية حاجياته غير المهنية منتجات أو سلعا او خدمات معدة لاستعماله الشخصي أو المهني كما يقصد بالمورد كل شخص طبيعي أو معنوي يتصرف في إطار نشاط مهني او تجاري وما تجدر الإشارة إليه أن القانون 31,08 لم يكن الوحيد الذي أصدره المشرع بهدف حماية المستهلك بل هناك مجموعة من النصوص المتفرقة المعنية بهذا الأمر مثل ظهير 29 اكتوبر المتعلق بتنظيم وزجر الجرائم الماسة بصحة الأمة وكذا ظهير 1984 المتعلق بزجر الغش في البضائع و قانون 104.12 المتعلق بحماية الأسعار و المنافسة ولما كانت حماية المستهلك تقتضي الاهتمام بمصلحة كل أفراد المجتمع باعتبارهم مستهلكين وجب تعزيزها بكيان يمنحه القانون لسلطات تمكنه من الرقابة وتوفير العقوبات الكفيلة بجعل هاته الحماية واقعية وشاملة ودائمة .

ومن هنا تأتي أهمية هذا الموضوع الذي سنعمد على إنجازه والذي يكتسي أهمية كون أن الحديث عن الحماية الجنائية في قانون حماية المستهلك كان إلى وقت قريب شبه منعدم وذلك أمام حداثة القوانين التي تعنى بالمستهلك.

ومنه فان المشرع المغربي يسعي نحو تأسيس لقواعد جزائية خاصة بالجرائم الاستهلاكية وذلك من خلال الانتقال من المسؤولية المبنية على الخطأ في فلسفه القانون الجنائي العام إلى المسؤولية المبنية على تحمل المخاطر في فلسفة القانون الجنائي للأعمال على اعتبار أن الجرائم الاستهلاكية تدخل في إطار الجرائم الاقتصادية،

وبالتالي لابد أن نتساءل عن مدى قدرة المشرع على توفير الحماية الجنائية للمستهلك من خلال سنه لقانون 31:08 في ضل وجود عدة ظهائر وقوانين سابقة لظهوره؟

تتفرع عن هده الإشكالية العديد من التساؤلات من قبيل:

أين تتجلى خصوصيات التجريم والعقاب في الجرائم الاستهلاكية؟

وأين تتجلى الحماية الجنائية للمستهلك باعتباره أضعف حلقه من حلقات الاقتصاد؟

ولمعالجة هذا الموضوع نقترح التصميم الأتي:

المطلب  الأول : خصوصيات التجريم والعقاب في الجرائم الاستهلاكية

المطلب  الثاني : الحماية الإجرائية من الجرائم الاستهلاكية

المطلب الاول  : خصوصية التجريم و العقاب في جرائم الاستهلاك

إن هدا التطور الاقتصادي  الذي يعرفه مجتمــــــعنا اليوم، فرض مواكبة تشريعية مستجدة لحماية أفراد المجتمع و خاصتا الضعفاء منهم خصوصا في ضل التناقـــــض في المصالح في مجال الأعمال مما جعل المشرع يهتم بدرجة كبيرة بالاقتصاد و يحاول خلق نوع من التوازن عن طريق الاهتــــمام بالمراحل الثلاثة الإنتاج و التوزيع و الاستهلاك، وهذه الأخيرة هي التي تهــــمنا وهي التي أولى لها المشرع أهمية كبيرة لا تقل عن نظيراتها ويتجلى ذلك من خلال وضع نصوص زجرية صارمة في حق كل من يعتدي على حقوق المستهلك وذلك من خلال قانون خاص متمثل في قانون 08:31 المتعلق بتدابير حماية المستهلك الشيء الذي سوف نقوم بمعالجته من خـــلال ( الفقرة  الثاني ) وقبله شهدت الساحة التشريعية مجموعة من النصوص المتفرقة التي حرصت على توفير الطابع الزجري من مقتضياتها (الفقرة الاول )

الفقرة الاولى  : الحماية الجنائية للمستهلك في إطار القوانين الخاصة

قبل صدور قانون 31:08 عرفت الساحة القانونية العديد من القوانين والظهار والمراسيم كلها كانت تصب في منحي واحد وهو حماية الطرف الضعيف اي المستهلك في إطار العلاقة التعاقدية .

يعتبر ظهير 1984 المادة الخام في مجال التجريم فيما يتعلق بالبضائع مما دفع بالمشرع لإصدار العديد من النصوص التطبيقية لتفسير مقتضياته نظرا لارتباطها بالمجال التجاري الذي يعرف تشعبا وتغييرا مستمر ولم يقف عند هذا الحد بل خرق مبدأ الشرعية واعتبر العرف احد المصادر التجريمية .

لقد تضمن ق 13:83 العديد من التحذيرات، فالعديد من المقتضياته تمنع المهني وتحته على القيام بأشكال مختلفة من الأعمال والأفعال المعينة فالمواد من 1 الى 4 منه تمنع المهني من ان يغش المتعاقد  بل وحتي محاولة الغش في الكمية و الجودة كما ان القانون المذكور يهدف من خلاله المشرع الى تسويق المنتج المشروع فقط والذي يستجيب للمعاير القانونية والتنظيمية بخصوص الصنع والبيع ومنها المشروبات والمعلبات ومنتجات الحليب وغيرها ..... [2]

وقد نص من خلال الفصل الأول من ظهير 1984 على ما مفاده " يعد مرتكبا الغش عن طريق الخداع او التزييف كل من غالط المتعاقد بوسيلة ما في الجوهر او كمية الشيء المصرح به او قام خرقا لأحكام هذا القانون او النصوص المتخذة لتطبيقه او خلافا للأعراف المهنية والتجارية بعملية تهدف عن طريق التدليس الى  تغييرها" [3]

ومنه فان الركن القانوني لهذه الجريمة يتجلى أساسا في الغش لكن هذه الجريمة لها صور متعددة كالتزييف و الخداع او حيازة مواد مغشوشة اظافة إلى التداول التجاري .

لكننا سنقتصر على صورة واحدة وهي  الغش عن طريق التزييف :

لم يعرف المشرع المغربي التزييف شانه شان المشرع المصري والفرنسي وترك تعريفه للفقه فقد عرفه البعض بأنه فعل عمدي ايجابي ينصب على سلعة مما يعينه القانون ويكون مخالف للقواعد المقررة لها في التشريع او في أصول الصناعة متي كان شانه ان ينال من خواصها او من فوائدها او تمنها وبشرط عدم علم المتعاقد الاخر به[4] وقد قضت محكمة النقض المصرية بان التزييف كما يتحقق بإضافة مادة غريبة إلى البضاعة او بانتزاع شيء من عناصره النافعة، يتحقق أيضا بإخفاء البضاعة تحت مظهر خادع من شانه غش المشتري، ويتحقق كذلك بالخلط او بالإضافة بمادة مغايرة لطبيعة البضاعة او من نفس طبيعتها .

ولكنها من صنف اقل جودة بقصد الإيهام بان هذا الخليط  خالص لا شائبة فيه، او بقصد إخفاء  رداءة البضاعة وإظهارها في صورة أجود مما هي عليه في الحقيقة[5].

تتمثل طرق التزييف في كل من :

التزييف عن طريق الخلط او الإضافة  falsification par addition  ويتحقق هذا الخلط عن طريق خلط سلعة بمادة أخري مختلفة او بمادة من نفس الطبيعة ولكن ذات نوعية اقل جودة .

التزييف عن طريق الإنقاص   falsification par retrait

ويتم عن طريق إنقاص جزء من العناصر التي تدخل في تكوين المنتوج الأصلي وذلك عن طريق التغيير او التعديل الذي يدخله الجاني على وزنها او مكوناتها [6].

الركن  المعنوي :

نص المشرع المغربي في ف 133 ق.ج على أن " الجنايات والجنح لا يعاقب عليها إلا إذا ارتكبت عمدا إلا أن الجنح التي ترتكب خطا يعاقب عليها بصفة استثنائية في الحالات التي ينص عليها القانون اما المخالفات فيعاقب  عليها  حتي لو ارتكبت خطا فيما عدا الحالات التي يستلزم فيها القانون صراحة قصد الإضرار " . كما هو معلوم في اطار القانون الجنائي المغربي لا يمكننا الحديث عن وجود مسؤولية جنائية الابتوفر الأركان المكونة لها من ركن قانوني ومادي ومعنوي مادام أن القاعدة تقول كأصل عام لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ومن المبادئ الراسخة أيضا لا جريمة بدون ركن معنوي، لكن ونحن في اطار معالجتنا لموضوع دراستنا المتمثل في جرائم الغش في البضائع حيث باستقرائنا لمختلف الفصول المنظوية تحث ظهير 1984 وخصوصا الفصول 1و4و5 منه ، يتضح على ان المشرع لم ينص على الركن المعنوي بشكل صريح ولكنه يستفاد من عبارات الفصول فمصطلح الغش والخداع والتزييف في حد ذاتهم لا يمكن تصورهم من شخص ليس لديه العلم او الارادة في ارتكاب ذلك الفعل وبالتالي توفر على النية السيئة وفي هذا الإطار نجد قرار محكمة الاستئــــناف ببني ملال المؤرخ في 14/10/1990، الذي جاء فيه ان " اعتياد الضنين القيام ببيع الملابس الصوفية  المغشوشة دليل على العلم بكونها مغشوشة[7].

وهناك أيضا الجرائم الماسة بالصحة العامة التي نظمها ظهير 1959 تتميز هذه الجريمة بخصوصية كبيرة نظرا لما أثارته من نقاش كبير حركت الرأي العام و أثارت غضب المجتمع المغربي مع الحادث المعروف بحادثة الزيوت المسمومة في مكناس حيث تم الخلط من طرف بعض التجار الزيوت الغذائية بزيوت معدنية مستعملة، في أواخر الخمسينات في المغرب حيث أصيب كل من استهلك تلك الزيوت المغشوشة المسمومة بنوع رهيب من الشلل في أطرافه السفلى و العليا و ذهب ضحيتها الآلاف من المغاربة وهي المأساة التي نتج عنها صدور ظهير29/10/ 1959/  المتعلق بزجي الجنايات على صحة الأمة و طبق بأثر رجعي .[8]

الملاحظة التي يمكن الإشارة لها بهذا الخصوص هي أن هذا الظهير قد عرف المبدأ الجنائي المعروف و هو عدم رجعية القوانين اي ان الشخص لا يطبق عليه إلا العقوبات التي كانت سارية المفعول وقت ارتكابه للجريمة اللهم اذا كان القانون الصادر بعد  ارتكاب الجريمة أصلح له أي نطبق مبدأ القانون الأصلح للمتهم وذلك تعزيز المبدأ " لا جريمة و لا عقوبة" إلا بنص إلى جانب " عدم رجعية القاعدة الجنائية" و مقتضى هذا الأخير، أن النص الجنائي لا يجوز أن يسري على الماضي وإنما على المستقبل فقط، بحيث اذا كان الفعل مباحا غير مجرم في الماضي فيبقى كذلك، ولو جرمه و عاقب عليه النص الجديد و إذا كان النص الجديد رفع عقوبة الفعل عما كانت عليه في السابق الذي ارتكبت الفعل في ظله، فإن مرتكب الفعل سيعاقب بالعقوبة التي كانت مقررة  في النص القديم .[9]

بالرجوع للفصل الاول من ظهير 1959 ينص على من مضمونه'' يعاقب الاعدام الأشخاص الدين قاموا عن تبصر قصد الاتجار بصنع منتجات أو مواد معدة للتغدية البشرية وخطيرة على الصحة العمومية  وتوزيعها أو عرضها للبيع وهدا ما يشكل الركن القانوني لهده الجريمة وحدد العقوبة في الإعدام وهي الحالة الوحيدة التي عاقب  عليها المشرع بالاعدام في إطار الجرائم المتعلقة بالبضائع أما فيما يتعلق بالركن المادي فيمتل أساسا في صنع او توزيع او عرض للبيع او منتوجات أو مواد  معدة للتغدية البشرية لكنها خطيرة على الصحة العمومية وهنا المشرع آشار إلى الحالة التي تكون فيها هذه المنتوجات خطيرة لم يحدد درجة الخطورة . مما يتير لدى القاضي في حالة كانت هده الخطورة غير كبيرة لدرجة أن يطبق عليها الإعدام هنا تبقى التقريرية للقاضي فيما يتعلق بالركن المعنوي والذي يتكون أساسا من القصد العام والمتمثل في العلم والإرادة والقصد الجنائية الجريمة العمدية ما لم يوجه الفاعل إرادته الى تحقيق الواقعة المكونة للجريمة بجميع عناصرها بما فيها النتيجة، وذلك الاختلاف القصد الجنائي عن مجرد إرادة الفعل، ذلك أن هذه الأخيرة تنصب فقط على إرادة النشاط المادي دون انتظار النتيجة، بينما القصد الجنائي يتطلبهما معا أي إرادة الفعل وإرادة تحصيل النتيجة ومن تم يظهر بأن توفر الإرادة إدا كانت شرطا لازما لقيام القصد ،فإن وجود إرادة وتوجهما لإثبات سلوك مالا يستلزم حتما وجود القصد الجنائي [10]وفيما يتعلق بجرائم الماسة بالصحة العامة تطلب فيما المشرع القصد الجنائي باعتبرها جرائم عمدية .بصريح الفصل الأول الأشخاص الدين قاموا عن تبصر و قصد منه فإنها تعتبر جرائم عمدية.

الفقرة الثانية :  بعض الجرائم الاستهلاكية المنصوص عليها في القانون 31.08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك

نظرا لكثرة الجرائم المنصوص عليها في إطار قانون 31:08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك فإننا سوف نقتصر على جريمة الإشهار الكاذب :

بالرجوع إلى القانون31.08 نجد المشرع لم يعرف الإشهار، لكنه اورد له تعريفا في القانون77.03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري من خلال مادته الثانية، ومن تم فالإشهار هو شكل من اشكال الخطابات المذاعة والمتلفزة لاسيما التي يستعمل فيها رسوم واشكال من الخطابات المكتوبة أو الصوتية الموجهة إلى الجمهور ويتم بمقابل.[11] وجريمة الإشهار الكاذب تأخذ عده صور؛ الإشهار الكاذب والإشهار المقارن والإشهار المضلل وسنقتصر في موضوعنا هذا على الاشهار الكاذب .

بالرجوع إلى الفصل 21 من القانون 31.08 نجده ينص على انه يمنع كل اشهار يتضمن باي شكل من الاشكال ادعاءا أو بيانا أو عرضا كاذبا. ومن هنا نجد بان المشرع لم يقم بتعريف الإشهار الكاذب بل اكتفى بمنع التجار من استعمال الكذب في الإشهارات الموجهة للمستهلك لكن يبقى التساؤل مطروحا حول ما المقصود بالإشهار الكاذب؟

ذهبت إحدى الباحثات إلى أن الإشهار الكاذب هو" ما اشتمل مضمونه على ادعاء أو بيان أو عرض كاذب، بمعنى احتواء مضمون الاشهار على بيانات غير موجودة حقيقة في المنتج او الخدمة في أي عنصر من العناصر المنصوص عليها في الفصل 21 من القانون 31:08 على سبيل الحصر"[12].

الركن المادي

يقصد به هنا الوسيلة التي يستعملها الجاني لتحقيق الغرض الذي يريده وتتمثل هذه الوسيلة في الاحتيال ومن هنا لابد من الاشارة إلى أن المشرع لم يقوم بتعريف هذه الوسائل الاحتيالية بل اكتفى بتحديد نوعها ومنها على سبيل المثال:

التأكيدات الخادعة: يجب أن يقوم الجاني باستعمال وسائل الكذب مؤيدا بوقائع خارجية لإخفاء الحقيقة كان يقوم مثلا بنشر هذا الإشهار في الوسائل السمعية البصرية أو في الصحف. أما إذا كان الكذب مجرد وغير مدعم بوسائل خارجية فلا يعد نصبا بالرغم من انه يكفي لتشكيل جنح أخرى[13]

إخفاء وقائع صحيحة في الإشهار: كما تم التنصيص عليها بصريح العبارة في الفصل 540 من القانون الجنائي.

استغلال ماكر لخطأ وقع فيه الغير: المقصود بها ايقاع المستهلك في غلط سواء من تلقاء نفسه او من شخص اخر [14].

الركن المعنوي

ليكون الاشهار كادبا لا بد من انصراف نية المتعاقد إلى الاحتيال، وبالتالي ضرورة توافر نية الكذب واستخدام الطرق الاحتيالية. والنصب يعتبر من الجرائم العمدية التي يتطلب فيها القانون نشاطا عمديا فلا يكفي لقيام هذه الجريمة وقوع خطا غير عمدي.

الركن القانوني

ان السند القانوني لجريمة الإشهار الكاذب كصورة من صور جرائم النصب في حالة توفر كافة اركانها هو الفصل 540 من القانون الجنائي.

ـ العقوبات المقررة لجريمة النصب

يعاقب على جريمة النصب بالحبس من سنة الى خمس سنوات، وغرامة من 500 درهم الى 5000 درهم.وترفع العقوبة الحبسية الى الضعف، والحد الاقصى للغرامة الى 100 الف درهم، اذا كان مرتكب الجريمة احدا من الأشخاص الذين استعانوا بالجمهور في اصدار اسهم وسندات او آذنات او حصص او اي اوراق ماليه اخرى متعلقة بشركة أوبمؤسسة تجارية او صناعية.

ب ـ العقوبات المترتبة عن الاشهار الكاذب في القانون المتعلق بحماية المستهلك 31.08

نص المشرع على العقوبات المتعلقة بالإشهارقانون31.08 في المواد{ 174 و 175 و 176 و 181 و187}

الملاحظ عليها انها عقوبات متنوعة بين الغرامة المنصوص عليها في المادة 174، من 50 الف درهم الى 250 الف درهم على مخالفة إحكام المادتين 21 و 22 المتعلقتين بالادعاءات الكاذبة التي يتضمنها الإشهار، والإشهار المقارن والذي لم يحترم الشروط التي حددتها المادة 22 واذا كان المخالف شخص معنويا يعاقب بغرامة تتراوح بين 50 الف درهم ومليون درهم.

وبالرجوع الى الفصل 176 نجده يعاقب بالغرامة من 10000 درهم إلى 50000 درهم على المخالفات المرتكبة في الإشهار المتلقي عبر وسائل الاتصال كما تم التنصيص عليه في المادة 23 و 24، فضلا عن أمكانيه نشر الحكم الصادر بالإدانة.

كما نص المشرع من خلال الفصل 175 على إمكانية وقف الإشهار سواء بطلب من النيابة العامة او من المطالب بالحق المدني أو تلقائيا.

وما يمكن ملاحظته هنا هو اختلاف العقوبات التي خص بها المشرع جريمة الإشهار الكاذب في القانون31.08 حيث تتباين بين الغرامات وإمكانية نشر الحكم الذي يقضي بالإدانة فضلا عن إمكانية وقف الإشهار حسب خطورة كل جريمة وهذه نقطة ايجابية تسجل للمشرع في هذه الحالة، حيث أنها طريقة تخدم مبدأ من بين أهم المبادئ القانونية ألا وهي مبدأ تفريد العقاب.

المطب الثــــاني : الحمــاية الإجـــرائية لجــرائم الإستهلاك

مهما بالغ المشرع في تكريس الحماية الموضوعية لمصالح المستهلكين في القانون الجنائي أو في القوانين الخاصة فإن توفيقه ونجاحه في الحفاظ على هذه المصالح يظل مرتهنا بمدى فعالية التنظيم الإجرائي[15] والذي يبقى هدفه الأساسي هو تكريس العقاب من أجل الردع العام والردع الخاص على اعتبار أن المسطرة هي التي تنقل لنا القانون الموضوعي من حالة السكون إلى حالة الحركة وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود أجهزة كفيلة بذلك لها إلمام بالشؤون الاقتصادي المنوطة بالأجهزة المكلفة بمعاينة الجرائم الاستهلاكية . التي من شأنها أن تمس بالمستهلك وإجراء عدة أبحاث وتحقيقات، لكن ربما نجد أن هذه الأجهزة البعض منصوص عليه في قانون 31.08، والبعض الآخر منصوص عليـــه في القوانين التي لها ارتباط وثيق بنفس القانون من قبيل مثلا أولئك المنصوص عليهم في القانون رقم 13.83 المتعلق بالزجر على الغش في البضائع وكذلك المنصوص عليهم في قانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، ثم الأعوان المنصوص عليهم في القانون رقم 24.09 والمتعلق بسلامة المنتوجات والخدمات إلى غير ذلك من القوانين. لكن نحن ارتأينا تسليط الضوء على الأجهزة المنصوص عليهم في قانون 31.08. من خلال (الفقرة الأولى) على ان نتطرق للأجهزة المكلفة برفع الدعوى في( الفقرة الثانية )

الفقرة الأولى : الأجهزة المكلفة بمعاينة الجرائم الاستهلاكية

بالرجوع إلى الفصل 166 من قانون 31.08 نجده ينص على أنه علاوة على ضباط الشرطة القضائية يكون الباحثون المنتدبون خصيصا لهذا الغرض من قبل الإدارة المختصة مؤهلين للقيام بأعمال البحث عن مخالفات وإثباتها. وإذا تمعنا في هذه المادة جيدا نجد بأنها حصرت الأجهزة  في ضباط الشرطة المنصوص عليهم في الفصل 19 من قانون المسطرة الجنائية. والباحثون المنتدبون المعنيون من قبل الإدارة المختصة.

فنجد بأن المشرع المغربي اعتبر أن ضباط الشرطة القضائية لهم اختصاص أصلي بينما الآخرون هم فقط موكول لهم هذه المهمة لدرايتهم بالمجال الاقتصادي. فمن المعلوم أنهم يعينون من طرف الوزير المكلف بالتجارة والصناعة، ولوزير الداخلية بقرار الذي يصدر عن كل واحد منهما كل واختصاصه. وهؤلاء الباحثين تجدهم مكونين من رئيس قسم حماية المستهلك والموظفين المرسمين الذين يمارسون مهامهم بقسم حماية المستهلك ورؤساء المصالح اللاممركزة التابعة للوزارة المكلفة بالتجارة والصناعة في عمالات وأقاليم المملكة تم الموظفين الذين يمارسون مهامهم بالمصالح اللاممركزة والمتوفرين على دبلوم يسمح لهم بولوج على الأقل سلم الأجور رقم 9 أو ما يعادله[16].

كما يوجد بنفس الوزارة قسم آخر للمراقبة يقوم بما يقوم به المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية وهو تابع لمديرية الجودة ومراقبة السوق، ويتدخل بالنسبة للمواد الصناعية ويعمل بالخصوص على مراقبة العمليات التي تتم على مستوى الحدود وحيث يتم أخذ عينات من المنتوج وإحالتها على المختبر وبناء على نتيجته يتم السماح بدخول المنتج إلى المغرب، أويتم منعه[17] ونفس الشيء بالنسبة للسوق المحلي وإن تبت أن هناك منتوج غير صالح للاستهلاك أو أنه مغشوش أوتوماتيكيا يتم العمل على متابعة التاجر صاحب السلعة.

فقبل الخوض في المهام المنوطة بالأجهزة المكلفة بحماية المستهلك في قانون 31.08 أولا يجب تحديد الشروط التي يجب أن تتوفر فيهم : حيث يجب أن يكون الباحث المنتدب محلف. ثانيا أن يكون حاملا للبطاقة المهنية.

اختصاصاتها : متمثلة في سلطة دخول الأماكن والاطلاع على السجلات ثم أسند لهم اختصاص التفتيش والحجز.

فبالنسبة لسلطتهم في الدخول للأماكن والاطلاع على السجلات تم تخويلها من قبل المشرع انطلاقا من الفصل 169 من قانون 31.08 حيث يمكن لهم أن يلجؤو لجميع المحلات أو الأراضي أو سائل النقل المعدة لغرض مهني وأن يطلبوا الاطلاع على السجلات و الفاتورات وغيرها من الوثائق المهنية، وأن يحصلوا على نسخ منها بأي وسيلة كانت وأن يجمعوا بناء على استدعاء أو في عين المكان المعلومات الكافية للإثبات، وكذلك يمكن لهم فتح جميع الطرود والأمتعة عند إرسالها أو المحملة بالبضائع من أجل التأكد من مدى صحتها ولا يجب على مالكين تلك البضائع أن يعرقلوا مهام الباحثين.

أما فيما يتعلق بالاختصاص المتعلق بالبحث والتحري فهنا وجب التمييز بين الاختصاصات المطلقة والتي لا تستوجب صدور ترخيص من أجل إنجاز البحث والمراقبة وبين الاختصاصات المقيدة التي اشترط فيها المشرع حصول الباحثين على ترخيص قضائي من وكيل الملك[18].



[1] صياد صادق ،حماية المستهلك في ظل القانون الجديد 03/09 المتعلق بحماية المستهلك وقمع الغش ، مقدمة لنيل شهادة الماجيستر في العلوم القانونية جامعة قسنطينة كلية الحقوق . الجزائر 2014/2013 ص1.

[2]محمد محبوبي ، مقال تحت عنوان " مظاهر حماية المستهلك في ضوء التشريع المغربي " ص 8 .

[3] الظهير الشريف رقم 108ـ83ـ1 صادر في 9 محرم 1405 { 5 اكتوبر 1984 } بتنفيذ القانون رقم 83ـ13 المتعلق بزجر عن الغش في البظائع.

[4] احمد رؤوف عبيد ، شرح قانون العقوبات التكميلي ، دار الفكر العربي 1996 ،ص 396.

[5] محكمة النقد المصرية 14 يونيو 1950 ، طعن رقم 14ـ01 سنة 19 مجموعة قواعد النقض في 25عام ، ج 2 ، ص 882

[6] معوض عبد التواب ، جرائم الغش في التدليس وتقليد العلامات ، منشاة المعارف الاسكندرية ، الطبعة الثانية ، 1994، ص 13.

[7] قرار محكمة الاستئناف بني ملال المؤرخ في  14/10/1990 رقم 450، غير منشور في نفس الاتجاه قرار اخر رقم 1706.

[8]جواد الغماري " جرائم الغش في البظائع ، مطبعة النجاح الجديدة ، الطبعة الثانية 2002 ، ص 137 .

[9] عبد الواحد العلمي ،" القانون الجنائي المغربي " الطبعة السادسة 1436ـ2015 ،ص 99.

[10]عبد الواحد العالمي ، م ، س، ص 223.

[11]المادة الثانية من القانون 77.03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري في الفقرة الاولى منها

[12]سارة الحميدي، اثر الإشهار الكاذب على المستلك، مقال منشور بمجلة المهن القانونية والقضائية، دون ذكر السنة، العدد الاول ، ص70

[13]بوعبيد العباسي،الغش التجاري عن طريق الخداع،رسالة لنيل دبلوم الماستر في الدراسات العليا المعمقة، كلية الحقوق القاضي عياض، مراكش،1995 /1996، ص73 وما يليها.

محمد العروسي،الحماية الجنائية من الاعلانات التجارية الخادعة،مقال منشور بالمجلة المغربية لقانون الاعمال والمقاولات،العدد السابع ، يناير 2005[14]

[15]- عمر أعليلش "دور الشرطة القضائية الخاصة في توفير الحمايية الجنائية للمستهلك" بحث لنيل دبلوم ماستر، كلية الحقوق  العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية  أكدال، ص 75.

[16]-بومديان الوردي "الطابع الجنائي لقانون حماية المستهلك قانون رقم 31.0" بحث لنيل دبلوم ماستر جامعة مولاي إسماعيل، الصفحة  85.

[17]-عمر اعليلش "دور الشرطة القضائية الخاصة في توفير الحماية الجنائية للمستهلك" ص 78.

[18]-بومديان الوردي "الطابع الجنائي لقانون حماية المستهلك قانون رقم 31.08 ص 90.


من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله على الصورة

قانونك


من أجل تحميل هذا العدد العاشر -إضغط هنا أو أسفله على الصورة

مجلة قانونك - العدد الثالث

إرسال تعليق

0 تعليقات