حجية التوقيع الالكتروني في التصرفات القانونية - مريم الليتاني

 حجية التوقيع الالكتروني في التصرفات القانونية

Authentic electronic signature in legal action

مريم الليتاني / طالبة باحثة بسلك الدكتوراه.

MERIAM AL LAITANY

 

مقدمة :

ترتب عن التطور الهائل في التكنولوجيات الرقمية وتقنيات الاتصال وانتشار نظام المعالجة الالكترونية للمعاملات ، ظهور طرف وسائل حديثة في المعاملات، خاصة التجارية  منها ، أي تم الانتقال من المعاملات الورقية إلى المعاملات الالكترونية في عصر العولمة والمعلومات الفائقة السرعة ، فقد صاحب في هذا التطور ظهور أنماط وأشكال متعددة للوسائل التي يتم من خلالها إبرام التصرفات القانونية ، حيث كانت هذه التصرفات تنشأ بواسطة الكتابة التقليدية والتوقيع بواسطة أحد أشكال التوقيع التقليدي، أما حديثا فتتألف من كتابة إلكترونية وتوقيع إلكتروني على وسيط غير مادي وغير محسوس .

     ومن اجل توثيق المعاملات الالكترونية بين المتعاملين فإنها بحاجة إلى توقيع يتلاءم وهذه البيئة الحديثة التي لا تتفق مع فكرة التوقيع بمفهومه التقليدي، لان التوقيع اليدوي صار غير كاف أمام استعمال التكنولوجيا الحديثة المعتمدة على الانترنيت كأداة للتعاقد والوفاء ، لذلك عملت جميع الدول على الإبقاء على الاعتراف للتوقيع الالكتروني بحجيته في الإثبات، وذلك استجابة لمتطلبات التجارة الدولية والحفاظ على استقرار المعاملات ومواكبة التكنولوجيا[1]

      ولم يبق المشرع المغربي بمنأى عن ذلك إذ اصدر القانون رقم 05-53  المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية،[2] الذي أضفى على التوقيع الالكتروني حجية قانونية وأجاز اعتماد المحرر الموقع الكترونيا كوسيلة إثبات .

وهكذا فقد أضيفت بمقتضى هذا القانون فقرة للفصل 426 المذكور، نصت على انه: " وإذا تعلق الآمر بتوقيع الكتروني وجب تضمينه في الوثيقة وفق الشروط المحددة في النصوص التشريعية والتنظيمية المطبقة في هذا المجال ".

      وللتوقيع الالكتروني أهمية في المعاملات لمنحها المصداقية بين المتعاقدين في التجارة  الالكترونية بصفة عامة ، والتي تعرف تطورا والسرعة في إبرام المعاملات والعقود وتوفير المال والجهد. 

      وانطلاقا مما سبق يمكن طرح الإشكالية المحورية التالية :

إلى أي مدى يعتبر التوقيع الالكتروني حجية في اثبات التصرفات القانونية ؟

المطلب الأول : ماهية التوقيع الالكتروني :

يمكن القول أن التوقيع بخط اليد لا يمثل سوى مرحلة من المراحل التطور في وسائل التصديق على التصرفات التقنية ، وهو ليس الأداة الوحيدة ، أو المرحلة النهائية للتطور، بل يرتبط إلى حد بعيد بظاهرة الكتابة الورقية ، ولا يقف حاجزا أمام بروز أشكال جديدة ،فالهدف من الإمضاء يكمن في خلق حالة

واقعية ظاهرة ومشاهدة ومعاينة ، فالتصديق تعبير مجرد عن حالة نفسية باطنية تتمثل في نقل القبول إلى رحاب العالم الخارجي المحسوس.[3]

  وعليه سنعمل في معالجة هذا المطلب بتقسيمه إلى فقرتين، سنخصص الأولى لمفهوم التوقيع الالكتروني  وصوره،  والفقرة الثانية لوظائف التوقيع الالكتروني .

الفقرة الأولى: مفهوم وصور التوقيع الالكتروني .

أولا :  مفهوم التوقيع الالكتروني

   قبل صدور القوانين المنظمة للتوقيع الالكتروني لم يكن هناك تعريف قانوني يوضح المقصود بمصطلح "التوقيع"، لكن مع تطور الآلية التي يتم بها التوقيع وظهور التوقيع الالكتروني، وكونه واقعة مستجدة تحتاج إلى البحث والتوضيح دفع بالعديد من التشريعات إلى تحديد مفهومه إسهاما منها في إزالة ما يواجه هذا المفهوم المستحدث من عقبات قانونية ولبت الأمان والثقة في المتعاملين به[4].

لم يعرف التشريع المغربي المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية التوقيع الالكتروني، وبالنظر لحداثة هذه المؤسسة القانونية، فقد كان على واضعي هذا القانون إعطاء تعريف له.   وعلى العكس من ذلك فقد ذهبت العديد من التشريعات المتقدمة إلى تعريف التوقيع الالكتروني ، وهكذا فقد عرفه التشريع الكندي " التوقيع الالكتروني هو كل عملية أو رمز أو صوت الكتروني مرتبط أو متصل بطريقة منطقية بعقد أو تسجيل آخر، ومتبني من طرف شخص ما يهدف تسجيل العقد" [5]

كما عرفه القانون الفرنسي في المادة الأولى من فقرتها الأولى بأنه   "معطى ينتج عن استعمال ما من طرف الموقع أو هو معطى يكون نتيجة استعمال الموقع لرسالة معطيات "[6]

    أما القانون النموذجي حول التوقيع الالكتروني الذي جاء ت به لجنة الأمم المتحدة للتجارة الخارجية "الاونيسترال" فعرف التوقيع الالكتروني   "بكونه معطيات الكترونية توجد في رسالة معطيات ومرتبطة منطقيا بهذه الرسالة غايته إظهار هوية الموقع فيما يخص تلك الرسالة التي أنشأها ، وكذا إثبات محتوياتها "[7]

أما المشرع المغربي فلم يعرف التوقيع الالكتروني، وإنما استوجب فقط اذا كان التوقيع الالكتروني يتم عبر استعمال وسيلة تعريف موثوق بها تضمن ارتباط ذلك التوقيع، بالوثيقة المتصلة به، كما جاء في الفقرة الأخيرة من الفصل 2-417 من ق . ل .ع بعد التعديل[8]، إذ ترك مهمة التعريف موكولة إلى الفقه.

وعليه فإن المشرع المغربي اهتم بالتوقيع الالكتروني وعالجه من خلال القانون  المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية 05.53 وذلك في القسم الثاني من هذا القانون خاصة الباب الأول والثاني منه، حيث نجد المشرع يتحدث عن التوقيع الالكتروني المؤمن والتشفير ثم المصادقة على هذا التوقيع الالكتروني بقوته الثبوتية[9] .

ثانيا :  صور التوقيع الالكتروني .

تتعدد صور التوقيع الالكتروني بحسب الطريقة التي يتم بها هذا التوقيع كما أن هذه الصور تختلف فيما بينها من حيث درجة الثقة ومستوى ما تقدمه من ضمان ، انطلاقا من الإجراءات  المتبعة في إصدارها وتأمينها والتقنيات التي تتبعها وذلك كما يلي :

1 -    التوقيع باستخدام البطاقات الممغنطة

تعتبر هذه الصورة من صور التوقيع الالكتروني الأكثر شيوعا لدى الجمهور ، وتقوم البنوك ومؤسسات الائتمان بإصدار هذه البطاقة . ويوجد في العمل العديد من هده البطاقات مثل فيزا ، وماستر كارد واميركان اكسبرس[10].

     والبطاقة الممغنطة على نوعين :

النوع الأول :    ثنائي الأطراف (العميل والبنك)، ويستخدم هذا النوع للسحب النقدي من خلال أجهزة الصرف الآلي ، وتتم عملية السحب عن طريق إدخال البطاقة التي تحتوي على البيانات الخاصة بالعميل في فتحة خاصة في جهاز الصرف الآلي وإدخال الرقم السري بالعميل .

النوع الثاني :  ثلاثي الأطراف ( العميل والبنك وطرف ثالث ) ، حيث يخول هذا النوع من البطاقات الممغنطة وفاء ثمن السلع والخدمات التي يحصل عليها من بعض التجار والمحلات التجارية التي تقبلها[11]

والملاحظ أن هذه الصور من صور التوقيع الالكتروني تتصف بالبساطة وبتوفير قدر كبير من الأمان والثقة لدى العميل في العملية القانوني التي تمت لحسابه،[12] وأيضا وجود ضمانات عند سرقة البطاقة يقوم البنك بإيقاف  كل العمليات التي تتم بواسطة البطاقة المفقودة أو المسروقة.

وما  يعاب على هذه  الصورة أنه في حالة حصول أحد الأشــــخاص على البطاقة والقن الســــري وقيامه بعمليات سحب أو شـــراء  قبل أن ينتبه صاحب البطاقة لفقـــــدانها  يتعرض صاحب البطاقة لضرر.

 إضافة إلا أن هذه الصورة لا يتم إلحاقها بأي محرر كتابي وإنما تسجل في وثائق البنك منفصلة عن أي وثيقة تعاقدية ، الشيء الذي يؤدي إلى اقتصار أثر التوقيع في الإثبات على حالات وجود علاقة تعاقدية مسبقة بين الطرفين واتفاقهما بشأن ما يثور بسببها من نزاعات.[13]

     ب -    التوقيع البيومتري :

يعتد في التوقيع البيومتري على توصيل قلم الكتروني بجــــهاز الكمبيوتر يقوم بواسطتــــه الراغب في التعاقد بالتوقيع بواسطته. ومــــيزة هذا القلم انه يسجل حاسة الشخص كوسيلة مميـــزة له.[14]

     ج - التوقيع بالقلم الالكتروني

يتميز هذا التوقيع بعدة ميزات أولها أنه يثبت الشخص الموقع وثانيها أنه يحدد الوثيقة التي تم توقيعها بحيث يصعب تزويره فيما بعد وثالثها أنه يخدم التوقيع بالقلم نفسه ويحقق وظيفة التوقيع العادي بل قد يفضله لأنه يصعب تزويره عمليا وهو يثبت شخص الموقع والوثيقة الموقعة ، وهو في حقيقته عبارة عن استعمال لمفاتيح مجهولة إلا من صاحبه تترجم من رسالة يمكن قراءتها إلى رسالة رقمية لا يمكن فكها إلا بتشفيرها.[15]

الفقرة الثالثة : الوظائف القانونية للتوقيع الالكتروني.

يقدم التوقيع الالكتروني ضمانة حمائية للمتعاملين عبر وسائل الاتصال الحديثة ، فإذا كانت غالبية التعاقدات العادية تنبني على أساس معين وذلك بين أطراف يعرف  بعضهم البعض حق المعرفة ، فإنه من الواجب توفر تلك الثقة والشعور بالمسؤولية في التعاقدات التي تتم عن بعد، بين أطراف يفتقد بعضهم المعرفة الحقيقة بالبعض الأخر.[16]

إلا انه وبالنظر للوظائف الحمائية للتوقيع الالكتروني فقد استطاع تبديد تخوفات المتعاملين عن بعد لما يتضمنه من وظائف يصعب تقليده ، وفق ما سيتبين من خلال وظيفتين أساسيتين: 

الوظيفة الأولى :  التوقيع وسيلة لكشف هوية الموقع

إن الوظيفة الأساسية للتوقيع تتمثل في أن التوقيع وضع من أجل تحديد هوية شخص الموقع، كما أنه دليل كامل على مشاركته عملية التوقيع والربط بين مضمون السند والشخص الموقع، ولهذا فإن التوقيع يمكن أن يؤدي مجموعة متنوعة من الوظائف حسب طبيعة السند،

فقد يكون شاهدا على نية الطرف بالالتزام بمضمون المحرر أو تأييد  مضمون مستند كتبه لشخص آخر أو إقرار بواقعة ما ، بالإضافة إلى استعانة أطراف العلاقة بجهات التصديق تؤدي إلى تحقيق وظيفة التوقيع بتحديد هوية الشخص الموقع الذي يستخدم شهادة التوقيع المصدق لاحتوائها على معلومات هامة عن صاحبها . كما أن التوقيع بصوره المتعددة قادر على تحديد هوية الشخص الموقع إن كان يتمتع بقدر كبير من الثقة في إجراءات توثيقه  واستخدامه في تحديد هوية الموقع.[17]

إن غاية التوقيع ، كوسيلة للكشف عن هوية صاحبه ودليل على حضوره مجلس العقد ، لا يمكن أن تتحقق إلا اذا تمكننا بواسطته من معرفة صاحبه من دون الحاجة إلى إجراء تحريات عنه خارج إطار المحرر الوارد فيه ، فهده الغاية تفترض بان يكون التوقيع بمثابة ناطق باسم صاحبه أو ورقة تعريف تبين هويته.[18]

الوظيفة الثانية : التوقيع الالكتروني من خلال ارتباطه بالشخص صاحب العلاقة

إن غياب التقابل الجسدي للأطراف في التصرفات الالكترونية ، يطرح مشكل الثقة بين الأطراف المتعاقدة ، إلا أن للتوقيع الرقمي وسيلة لحل هذا المشكل ، تتلخص هذه الوسيلة في أنه يتم إرسال نموذج للعقد إلى المرسل إليه حتى يتمكن من الاطلاع على بنود العقد الذي يحتوي على عبارة تفيد قبوله للتعاقد أو رفضه، وبمجرد قبول المرسل إليه فإنه يضغط على مفتاح الإيجاب في لوحة مفاتيح الحاسوب  أو لدى الخانة المخصصة للقبول .

إن غياب التقابل الجسدي للأطراف في التصرفات الالكترونية ، يطرح مشكل الثقة بين الأطراف المتعاقدة ، إلا أن للتوقيع الرقمي وسيلة لحل هذا المشكل ، تتلخص هذه الوسيلة في أنه يتم إرسال نموذج للعقد الى المرسل إليه حتى يتمكن من الاطلاع على بنود العقد الذي يحتوي على عبارة تفيد قبوله للتعاقد أو رفضه ، وبمجرد قبول المرسل إليه فإنه يضغط على مفتاح الإيجاب في لوحة مفاتيح الحاسوب  او لدى الخانة المخصصة للقبول ، حيث يحرك المؤشر على الشاشة ويضغط عليها في الخانة المخصصة للقبول على الشاشة إن مقتضيات التعامل الالكتروني توجب ضرورة أن يضع المتعاقد مفتاحه الخاص في الخانة المخصصة لذلك حتى يرسله الى المتعاقد الآخر . اذ يعتبر هذا دليلا على موافقة الطرف الآخر لأن المفتاح الخاص لا يعلمه إلا  المتعاقد وحده دون غيره.[19]



[1] ذ مصطفى فارس ،"إلا ثبات الرقمي"، الطبعة الأولى 2015 ، ص 67.

[2] القانون رقم 05-53 المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية نشر بالجريدة الرسمية عدد 5584 بتاريخ 25 ذو القعدة 1428 موافق ل 06 ديسمبر 2007 المتمم والمعدل لقانون الالتزامات والعقود المغربي.

[3]  يوسف اوبعير، الطبيعة القانونية للعقد التجاري الالكتروني وتاثيره على وسائل الاثبات، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص سنة 2008-2009 ص 80 .

[4] عبد الفتاح صبري،القيمة القانونية للمحررات الالكترونية ، رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون والمقاولة ، جامعة المولى اسماعيل كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مكناس ن السنة الجامعية : 2010-2011 .

[5] القانون المدني الكندي الصادر في 1998 والذي صودق عليه ونشر في الجريدة الرسمية في 19 يناير 1999 .

[6] ذ مصطفى فارس ، مرجع سابق ص 70 .

[7] المادة 2 من الفقرة 1 من القانون النموذجي ل : الاونيسترال حول التوقيع الالكتروني الذي يتم تبنيه في 5 يوليوز 2001 (القانون الجديد ) .

8- يوسف اوبعير مرجع سابق ص 85 .

[8] طارق البختي، دراسة تحت عنوان :" مدى حجية المحررات الالكترونية والتوقيع الالكتروني في الإثبات " المجلة المغربية لقانون الأعمال والمقاولات، العدد 14 ، ماي 2008 ص95 .

[9] ذ زينب غريب ،"النظام القانوني للبريد الالكتروني" ، الطبعة الأولى 2016 ص324 .

[10] عبد العزيز المرسي حمود ، مرجع سابق ، ص35 .

[11] فحصول العميل في عمليات السحب مثلا على المبلغ الذي اراده فانه يحصل على شريط ورقي يثبت فيه المبلغ الذي تم سحبه والتاريخ والساعة والمبلغ المسحوب والرصيد المتبقي ، حيث حلت هذه الإجراءات جميعا محل التوقيع التقليد لما تتميز به من الأمان والثقة وتميز صاحب البطاقة الذي يحمل الرقم .

[12] عبد العزيز المرسي حمود ، مرجع سابق ، ص35 .

[13] المحامي يونس عرب،" البنوك الالكترونية "، الجزء التاني مجلة البنوك ،المجلد 19 العدد  ايار 2009، ص6 . 

ذ المحتار احمد بن  العطار،" العقد الالكتروني"،الطبعة الأولى 2010 ،ص 57 .-15

[14]  ذ مصطفى فارس ، الإثبات الرقمي ،ص 76 .

[15] غانم إيمان ،" حجية المحررات الالكترونية في الإثبات"،مذكرة تكميلية لنيل شهادة الماستر،كلية الحقوق جامعة المسيلة 2013 ، ص 26.

[16] ذ مصطفى فارس ، مرجع سابق ، ص 77 .

[17] ذ زينب غريب ، مرجع سابق ص 345 .

[18] ذ زينب غريب ، مرجع سابق ص 346 .

[19] f). Chameau: " l’information au regard du droit des affaires" J. C. P. 1975، p. 73.



من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله على الصورة

قانونك


من أجل تحميل هذا العدد العاشر -إضغط هنا أو أسفله على الصورة

مجلة قانونك - العدد الثالث

إرسال تعليق

0 تعليقات