وقف التنفيذ بين القضاء الاستعجالي الإداري وقضاء الموضوع - إيمان البوزيدي

 وقف التنفيذ بين القضاء الاستعجالي الإداري وقضاء الموضوع

Suspension of execution between the administrative emergency judiciary and the matter judiciary

إيمان البوزيدي / طالبة باحثة بجامعة محمد الأول- وجدة.

IMANE Elbouzidy

 


مقدمة

تحتم الطبيعة الخاصة لبعض المنازعات الإدارية تدخلا سريعا وفعالا لضمان حقوق الأفراد أمام جهة الإدارة في علاقة غير متكافئة بينهما، ترجح فيها كفة القوة للإدارة على حساب الأفراد، فكان لزاما أن تتم حمايتهم وإحاطتهم بضمانة تؤمن التوازن ولو بشكل مؤقت ودون المساس بأصل الحقوق للتخفيف من الحالات التي يحدث فيها التنفيذ أضرارا بليغة بالمنفذ ضده لا يمكن للحكم بالإلغاء اللاحق ولا التعويض أن يتداركاها، وذلك من خلال إحداث المشرع لمسطرة وقف التنفيذ. إلا أنه لما نص على هذا الإيقاف بشكل متناثر بين قانون المسطرة المدنية[1] ضمن الفصول 132 و134 و147 و361 منه والمادة 24 من القانون رقم 41.90 المحدثة بموجبه المحاكم الإدارية[2]، فإنه قد أحدث نوعا من التداخل واللبس بين ما إذ كان هذا الطلب يقدم أمام رئيس المحكمة الإدارية بصفته قاضيا للمستعجلات أو أنه يقدم أمام هيئة الحكم الجماعية بقضاء الإلغاء.

وعلى اعتبار مؤسسة وقف التنفيذ أمام محكمة الموضوع ومؤسسة القضاء المستعجل في المادة الإدارية مؤسستان بالغتا الأهمية، فإنهما تتطلبان من الممارس الكثير من المهارة والدقة حتى يتأتى له تطبيق مفهومهما تطبيقا سليما، ووضع كل واحدة منهما في مكانها الصحيح تجنبا للالتباس الكبير الذي يقع فيه البعض في هذا الباب نتيجة تداخل وتشابك وتشابه بعض القواعد والضوابط التي تحكم هاتين المؤسستين[3].

وفي خضم التجاذبات المفاهيمية التي تعرفها المؤسستان بين الباحثين وبعض الفقه، رغم استقرار العمل القضائي على تمييزهما دون خلط ارتأينا بسط أوجه التشابه والاختلاف بينهما، سواء من حيث الجهة القضائية المختصة(المطلب الأول)، أو من حيث شروط ممارستهما وآثار الحكم فيهما (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الخلط المفاهيمي بين مسطرتي وقف التنفيذ والاستعجال والجهة القضائية المختصة

إن دراسة هذا المطلب يقتضي لزاما الوقوف عند ذلك الخلط المفاهيمي  الحاصل بين مسطرتي وقف التنفيذ والاستعجال على مستوى الفقه والتشريع المقارن والفقه الوطني (الفقرة الأولى)، مع رسم معالم التمييز بين مؤسستي القضاء المستعجل وإيقاف تنفيذ القرار الإداري من حيث جهة الاختصاص (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الخلط المفاهيمي بين مسطرتي وقف التنفيذ والاستعجال

يشمل الخلط المفاهيمي الحاصل على مستوى الفقه بين مسطرتي وقف التنفيذ والاستعجال، جل الأنظمة القانونية التي تأخذ بهما ضمن ترسانتها القانونية. فقد أطلق أغلب الفقه المصري على مؤلفاتهم المتعلقة بوقف تنفيذ القرار الإداري "قضاء الأمور الإدارية المستعجلة"، والسبب أن كلا من طلب الإيقاف ونظر الدعوى على سبيل الاستعجال، يتطلبان توفر شرط الاستعجال، بل إن البعض[4] يرى بأن قضاء وقف تنفيذ القرار الإداري يندرج ضمن القضاء الاستعجالي، حتى وإن أنيط الاختصاص بهيئة من الهيئات كالمحكمة التي تنظر في طلب إلغاء القرار الإداري.

 نفس التوجه، تبناه بعض الفقه الجزائري الذي أكد أن قضاء وقف تنفيذ القرارات الإدارية هو نفسه القضاء الاستعجالي، حتى وإن تم بأمر من الجهة القضائية الفاصلة في دعوى الإلغاء[5]، وذلك حسب المادة 117-3 مكرر من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الجزائري[6]  التي تخول القاضي الاستعجالي الإداري سلطة الأمر بوقف تنفيذ القرارات الإدارية كلما توفرت حالات التعدي أو الغصب أو الغلق الإداري.

 إلا أن هذا الرأي سرعان ما قوبل بالاعتراض، حيث أنكر أحد الباحثين اعتبار إيقاف التنفيذ هو نفسه القضاء الاستعجالي، وإن كان يشبه القضاء الاستعجالي في كون أوامره مؤقتة، فإن ذلك لا يمكن أن يحول ماهيته وطبيعته، بسبب عدم قيامه على نفس الأسس التي يقوم عليها القضاء المستعجل، وعدم امتلاكه للصلاحيات المخولة لقاضي الاستعجال، فضلا عن أن المشرع الجزائري   لم يدرجه ضمن القسم الخاص بالقضاء الاستعجالي، وتبقى الحالات الواردة في المادة السابقة استثناء لا يقاس عليه[7].

أما الفقه الفرنسي فقد حاول تلافي الخلط بين القضاء الاستعجالي الإداري وقضاء وقف تنفيذ القرار الإداري باستعماله لعبارة sursis d’exécution des décisions administratives لتمييزها عن عبارة juge du référé  ورغم ذلك نجد بعض الباحثين الفرنسيين يخلطون بين النظامين، حيث وإن كانوا يميزون بينهما من ناحية المضمون، إلا أن التعريف المعطى لنظام وقف التنفيذ، يوحي أن هناك خلطا بين النظامين[8]، ولعل ذلك راجع بالأساس إلى تخويل القاضي الاستعجالي كقاض منفرد صلاحية وقف تنفيذ القرارات الإدارية قضائيا بعد تعديل المادة 4 من القانون رقم 2000/597 التي أدرجت المادة 521-1 في مدونة القضاء الإداري الفرنسي[9].

ولا يختلف التشريع والفقه المغربيان هما الآخران عن سابقيهما، رغم تنصيص المشرع على المسطرتين معا في كل من القانون رقم 41.90 وقانون المسطرة المدنية، حيث أورد مسطرة الاستعجال بمقتضى المادة 19 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية وخص النظر في الطلبات الوقتية والتحفظية برئيس المحكمة الإدارية أو من ينيبه بصفته قاضيا للمستعجلات والأوامر القضائية، ونص على مسطرة إيقاف تنفيذ القرار الإداري في موضعين مختلفين؛ الأول في الفقرة 2 من الفصل 361 من ق. م. م الذي أكد فيه أنه "يمكن علاوة على ذلك للمحكمة بطلب صريح من رافع الدعوى وبصفة استثنائية أن تأمر بإيقاف تنفيذ القرارات والأحكام الصادرة في القضايا الإدارية ومقررات السلطات الإدارية التي وقع ضدها طلب الإلغاء"، والثاني في المادة 24 من القانون رقم 41.90 التي جاء فيها أنه "للمحكمة الإدارية أن تأمر بصورة استثنائية بوقف قرار إداري رفع إليها طلب يهدف إلى إلغائه إذا التمس ذلك منها طالب الإلغاء صراحة".

غير أن القراءة الفردية لبعض الفقه للمادة 24، تجعل نظام وقف تنفيذ القرار الإداري ذا طبيعة مزدوجة تتأرجح بين قضاء الموضوع والقضاء الاستعجالي، وذلك وفق الصياغة القانونية التي صاغ بها المشرع هذه المادة، إذ يوحي مصطلح "المحكمة" كفاتحة لنظام وقف تنفيذ القرار الإداري الوارد في المادة 24 للوهلة الأولى أن الأمر يدخل في اختصاص قاضي الموضوع، وهي العبارة المؤكدة في أغلب القوانين التي تتحدث عن اختصاص قاضي الموضوع، بشكل جعل الاجتهاد القضائي الإداري المغربي يتواتر على تلك السنة في مجموعة من الأحكام القضائية والأوامر الاستعجالية، وينفي تبعا لذلك اختصاص قاضي المستعجلات بإيقاف تنفيذ القرارات مادامت المادة 24 من القانون 41.90 تمنح هذا الاختصاص لقاضي الموضوع[10].

في المقابل، يستحضر المشرع ضمن نفس المادة عبارة "أن تأمر بصورة استثنائية بوقف قرار إداري" والتي تثير بعض الالتباس، خصوصا ما يتعلق بمصطلح "الأمر" الذي درج المشرع المغربي على الحديث عنه كلما تعلق الأمر بالقضاء الاستعجالي، أي أن الخطاب يوجه إلى رؤساء المحاكم وقضاء الموضوع في نفس الآن، فهناك توافق في الصياغة الاستعجالية بين ما ورد في المادة 24 والأصل المعتمد من قبل المشرع المغربي في المادة الاستعجالية، بشكل جعل بعض المحاكم الإدارية تتبنى التصنيف الاستعجالي لنظام وقف تنفيذ القرار الإداري. ومن ثمة، فهذه الازدواجية في التصنيف تجد ضالتها في التعارض المصطلحي غير الدقيق الوارد في المادة 24 بين كل من مصطلح الأمر، الذي يعتبر في غالب الأحيان النتيجة الحتمية لعملية البت في القضايا الاستعجالية وبين مصطلح المحكمة الذي يفيد أن الاختصاص يرجع لمحكمة الموضوع.

ويرجع الأستاذ عبد القادر مساعد هذا التضارب في التشريع الوطني، إلى تأثير الاختلاف الفقهي السائد سواء في مصر أو في فرنسا في ذات الموضوع، مما يدعو إلى إعادة النظر في صياغة المادة 24 الذي كان تحريرها يغلب عليه الطابع العملي أكثر منه الطابع النظري المميز للقانون العام بصفة عامة والقرار الإداري بصفة خاصة، إذ كان من الأولى على المشرع أن يكتفي بعبارة "المحكمة"، أو أن يستعمل بالموازاة معها مصطلح "الحكم"، وليس "الأمر"، للدلالة على اختصاص قضاء الموضوع، مما يعكس ترددا تشريعيا في تصنیف نظام وقف التنفيذ ضمن القضاء الاستعجالي أو ضمن قضاء الموضوع.

ومرد هذا التردد، هو طبيعة الشروط التي ينبغي أن تتوفر في نظام وقف تنفيذ القرار الإداري، والتي تتداخل مع شروط القضاء الاستعجالي خصوصا ما يتعلق بالطبيعة الخاصة الوقتية والاستثنائية المميزة لكل منهما، وأيضا فيما يتعلق بشرط الاستعجال المتمثل في أن تنفيذ القرار المطعون فيه تترتب عنه نتائج يتعذر تداركها، وهو ما استقرت الاجتهادات القضائية على ترديده واصفة بذلك وقف التنفيذ بالنظام الاستعجالي الذي يتم البت فيه في إطار قضاء الموضوع[11].

الفقرة الثانية: التمييز بين مؤسستي القضاء المستعجل وإيقاف تنفيذ القرار الإداري من حيث جهة الاختصاص

أسند المشرع صراحة مهام القضاء الاستعجالي أمام المحاكم الإدارية إلى رؤساء المحاكم أو من ينوب عنهم وفق المادة 19 من القانون 41.90. وهكذا يتم النظر دوما في الدعاوى الاستعجالية بقاض منفرد هو رئيس المحكمة الإدارية أو الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الإدارية متى كان النزاع في الموضوع معروضا على محكمته.

 أما بالنسبة لوقف تنفيذ القرارات الإدارية، فقد كان موكولا إلى المجلس الأعلى بمفرده باعتباره المحكمة الوحيدة التي كانت مختصة بالبت في دعاوى الإلغاء، إلا أنه ومع إحداث المحاكم الإدارية أصبح هذا الاختصاص بشقيه الإلغاء ووقف التنفيذ موزعا أساسا بين المجلس الأعلى وبين تلك المحاكم المحدثة[12]، وبالتالي يكون دوما بيد هيئة جماعية مكونة من ثلاث قضاة حسب المادتين 24 و 25 من القانون رقم 41.90 والفصل 345 من ق. م. م  وخماسية أمام محكمة النقض طبقا للفصل 371 من ق. م. م.

على خلاف الوضع في فرنسا، إذ منح قانون 5 فبراير 1995 الاختصاص لرئيس المحكمة الإدارية أو من يفوض لهذا الغرض من أعضاء المحكمة للبت في طلبات إيقاف التنفيذ المؤقت طبقا للمادة 26 من قانون المحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية المضافة بالمادة 69 من قانون 8 فبراير 1995، وقد تدخل المشرع بعدها بقانون 30 يونيو 2000 ومنح الاختصاص بشأن إيقاف تنفيذ القرارات الإدارية إلى رئيس المحكمة الإدارية بصفته قاضيا للمستعجلات سواء تعلق الأمر بالقرارات التي تنظرها المحكمة في إطار القضاء الشامل أو قضاء الإلغاء[13]، إذ جاءت المادة 4 المعدلة بالصياغة التالية:

 L’article 4 de la loi n° 2000-597 du 30 juin 2000 relative au référé devant les juridictions administratives dispose que:" quand  une décision administrative fait l’objet d’une requête en annulation  ou en réformation, le juge des référés, saisi d'une demande en ce sens, peut ordonner la suspension de l’exécution de cette décision, ou certains de ses effets, lorsque l’urgence le justifie et qu’il est fait  état d’un moyen  propre à créer, l’état de l’instruction, un doute sérieux quant à la légalité de la décision."

 ولعل منح المشرع الفرنسي سلطة إيقاف تنفيذ القرارات الإدارية لرئيس المحكمة بصفته قاضيا للمستعجلات، هو ما يؤثر في التفرقة بين مؤسستي  إيقاف التنفيذ والاستعجال في فرنسا، وفي الأنظمة القانونية الأخرى التي رغم كونها قد فرقت بين الجهات المسند إليها البت في كل واحدة على حدة؛ إلا أن معالم تأثرها بالتوجه التشريعي الفرنسي بادية بوضوح. ويبقى التساؤل الذي يطرح نفسه في خضم هذا الخلط هو فيما إذا قدم طلب إيقاف تنفيذ مقرر إداري إلى رئيس المحكمة الإدارية بصفته قاضيا للمستعجلات، وكان القرار المطعون فيه بالإلغاء معروضا على محكمة الموضوع، فهل ينعقد الاختصاص لرئيس المحكمة؟

 أجاب بعض الفقه أنه من خلال استقراء القانون رقم 41.90 يتضح أنه لم يمنح الاختصاص لرئيس المحكمة الإدارية في أن يبت في طلب إيقاف التنفيذ، بدعوى أن المحكمة المعروض عليها النزاع الأصلي المتعلق بالإلغاء هي المختصة وهي المؤهلة لفحص طلب إيقاف التنفيذ وتقدير مدى جدية طلب الإلغاء، باعتبار أن النزاع في الجوهر معروض أمامها، وذلك تطبيقا لقاعدة قاضي الأصل هو قاضي الفرع[14].

وهو ما ذهب إليه نائب رئيس المحكمة الإدارية بوجدة بصفته قاضيا للمستعجلات، حيث قضى برفض طلب إيقاف تنفيذ قرار الهدم الصادر عن عامل إقليم الناظور بناء على التعليل التالي: "لكن حيث إن المادة 24 من القانون 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية تعطي الاختصاص للمحكمة الإدارية كمحكمة موضوع للأمر بصورة استثنائية بوقف تنفيذ قرار إداري، مما يكون الطلب الحالي الرامي إلى إيقاف تنفيذ المقرر المذكور المقدم إلى رئيس المحكمة الإدارية بوصفه قاضيا للمستعجلات مقدما إلى جهة غير مختصة.

 حيث أنه وإن كانت القواعد العامة للاستعجال لا تمنع قاضي المستعجلات من النظر في النزاعات الوقتية متى توفرت حالة الاستعجال ولو كانت محكمة الموضوع مختصة أصلا في إطار القواعد العامة، إلا أن ذلك لا ينطبق على النازلة مادام أن مقتضيات المادة 24 أعلاه حصرت الاختصاص في جهة معينة ألا وهي المحكمة الإدارية كمحكمة موضوع، وحيث بذلك يكون رئيس المحكمة الإدارية بصفته قاضيا للمستعجلات غير مختص للنظر في الطلب"[15].

نفس التوجه أكدته ذات المحكمة حين قضت بأن "الفصل 24 من القانون 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية يعطي الاختصاص للمحكمة الإدارية كمحكمة موضوع للأمر بصورة استثنائية بوقف تنفيذ قرار إداري، مما يكون الطلب الحالي الرامي إلى إيقاف تنفيذ مقرر جماعي المقدم إلى رئيس المحكمة الإدارية بوصفه قاضيا للمستعجلات، مقدما إلى جهة غير مختصة، وأنه وإن كانت القواعد العامة للاستعجال لا تمنع قاضي المستعجلات من النظر في القواعد العامة، فإن ذلك لا ينطبق على النازلة، مادام أن مقتضيات الفصل 24 حصرت الاختصاص في جهة معينة، ألا وهي  المحكمة الإدارية كمحكمة موضوع وبذلك يكون المشرع واستثناء من القواعد العامة للاستعجال، خص محكمة الموضوع بالنظر في مثل هذا الطلب، ولو توفرت حالة الاستعجال"[16].

أما بخصوص الحالة التي لا يكون فيها نزاع ضد قرار إداري بالإلغاء كقرار الهدم على سبيل المثال، وقدم طلب إيقاف التنفيذ أمام رئيس المحكمة الإدارية ليبت فيه على وجه مستقل، فإنه أمام غياب نص تشريعي اعتبر بعض  الباحثين[17] أنه من حيث المبدأ يجوز لقاضي المستعجلات أن يبت في الطلب، على اعتبار أنه مختص إما بقبول الطلب أو برفضه، وإلا نكون أمام ما يسمى بإنكار العدالة، ولكن يتعين عليه أن يتأكد من بعض الأمور، وهي:

§       أولا: ألا تكون  هناك دعوى في الموضوع تهدف إلى مخاصمة القرار الإداري؛

§       ثانيا: وجود ركن الجدية أو المشروعية؛

§       ثالثا: وهذا هو الشرط الأهم حيث يجب توفر حالة الاستعجال القصوى تطبيقا لروح المادة 19 من القانون 41.90 المحدثة للمحاكم الإدارية والمادة 7 من نفس القانون التي تحيل على مقتضيات  الفصلين 149 و 159 من ق. م. م، وبهذه الوسيلة يمكن لكل متضرر أن يبادر إلى رفع دعوى استعجالية تحد من تنفيذ قرار الهدم هذا، لما له من خطورة على ممتلكات الأفراد.

إلا أننا نؤيد رأي الأستاذ عبد القادر مساعد[18] المعارض لهذا التوجه، إذ يرى أن وقف تنفيذ القرار الإداري منظم بنص خاص وهو المادة 24 من القانون رقم 41.90، ومادام الفصل 149 من ق. م. م أحال على الفصل 148 من نفس القانون، الذي نص صراحة على عدم اختصاص قاضي المستعجلات بالبت في الطلب، ولو كان مستعجلا، إذا كان منظما بنص خاص، فإنه سيكون من الخطأ فتح إمكانية للطاعنين بالإلغاء ليتقدموا بطلبات وقف تنفيذ القرارات الإدارية أمام قاضي المستعجلات الإداري ويحصلوا على أوامر بإيقاف التنفيذ، وهي مشمولة بالنفاذ المعجل بقوة القانون، ومن دون حاجة إلى تقديم دعوى الإلغاء في نفس الوقت، الأمر الذي لا يستقيم وتوجه المشرع، لهذا السبب وردت المادة 24 على الشكل الذي عليه الآن.

 ثم إننا نرى أن إسناد اختصاص البت في دعوى إيقاف تنفيذ القرار الإداري لرئيس المحكمة بصفته قاضيا للمستعجلات، إنما هو توسيع لاختصاص الأخير بشكل لا طائل منه، مادامت دعوى الإيقاف استثناء واردا على قاعدة قرينة مشروعية القرار الإداري  présomption de légalité  التي توسمه ضمنيا[19]، فمن شأن فتح باب الإيقاف أمام رئيس المحكمة خلق طعون قد تكون أحيانا كيدية لا يراد منها سوى المماطلة والتسويف مادامت غير مقرونة بطعن جدي لإلغاء القرار المراد إيقافه، وبالتالي  لا يمكن التوسع في هذا الاستثناء وتجاوز المادة 24 من القانون 41.90.

وهو عين ما أكدته المحكمة الإدارية بالرباط حين قضت بأن "الاستجابة لطلبات إيقاف تنفيذ القرارات الصادرة عن السلطات الإدارية كما تنص المادة 24 رهين بتوفر ظروف استثنائية تبرر الخروج على قاعدة الأثر الفوري للقرارات الإدارية وقابليتها للتنفيذ فور اتخاذها باعتبارها القاعدة الأصل، وهي الظروف التي استقر الفقه والقضاء على تجسيدها في عنصري الجدية والاستعجال"[20].

المطلب الثاني: التمييز بين مؤسستي القضاء المستعجل وإيقاف تنفيذ القرار الإداري من حيث شروط وآثار الحكم فيهما

يقتضي التمييز بين القضاء المستعجل وإيقاف تنفيذ القرار الإداري بحث أوجه التشابه والتعارض بينهما من زاويتين؛ زاوية الشروط الموضوعية والشكلية (الفقرة الأولى)، وزاوية آثار الحكم فيهما (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الشروط الموضوعية والشكلية في طلب إيقاف تنفيذ القرار الإداري

إن ما تقوم به المحكمة التي تنظر في دعوى الإيقاف يكاد يماثل وظيفة قاضي الأمور المستعجلة، وهو ما يجعل المؤسستان تتشابهان في سماتهما، مادامت الشروط الموضوعية (أولا) المتطلبة هي نفسها، مع بعض الفروقات من حيث الشروط الشكلية (ثانيا).



[1]- ظهير شريف بمثابة قانون رقم 447-74-1 صادر في 11 رمضان 1394 (28 شتنبر 1974) بالمصادقة على نص قانون المسطرة المدنية، جريدة رسمية، عدد 3230 مكرر، بتاريخ 13 رمضان 1394 (30 شتنبر 1974)، ص. 2741.

[2]- ظهيـر شريف رقم 1.91.225 صادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) بتنفيذ القانون رقم 41.90 المحدث بموجبه محاكم إدارية، جريدة رسمية، عدد 4227 بتاريخ (03 نونبر1993)، ص. 2168.

[3]- إبراهيم زعيم، "مسطرة وقف التنفيذ ومسطرة الاستعجال في المادة الإدارية أي ترابط بينهما؟"، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 12، يوليوز-شتنبر 1995، ص. 57.

[4]- شريف محمود سعد الدين، "وقف تنفيذ القرارات الإدارية"، مجلة مجلس الدولة المصري، عدد مزدوج 5-6، فبراير 1956، ص. 60، أورده بلعيد بشير، القضاء المستعجل في الأمور الإدارية، مطابع عمار قرفي، باتنة، الجزائر، الطبعة الأولى 1993، ص. 26.

[5]- شيهوب مسعود، المبادئ العامة للمنازعات الإدارية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، الجزء الثالث، 1999، ص. 511 وما بعدها.

[6]- قانون رقم 09.08 المؤرخ في 18 من صفر 1429 (25 فبراير 2008)، يتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية، جريدة رسمية، عدد 21، بتاريخ 17 ربيع الثاني 1429 (23 أبريل 2008)، ص. 3.

[7]- خراز محمد صالح، طبيعة قضاء وقف تنفيذ القرارات الإدارية، مجلة دراسات قانونية، عدد 02، سبتمبر 2002، ص. 45؛ خراز محمد صالح، ضوابط الاختصاص النوعي لقاضي الاستعجال الإداري في النظام القضائي الجزائري، رسالة ماجيستير دراسات قانونية، كلية الحقوق، جامعة الجزائر، السنة الجامعية 2001-2002، ص. 157.

[8]- Yves gaudemet,  "les procédures d'urgence dans le contentieux administratif", Revue française de droit administratif, double 3-4 mai-juin 1988, p. 422.

أورده عبد القادر مساعد، "نظام وقف تنفيذ القرارات الإدارية في الاجتهاد القضائي الإداري المغربي"، المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، عدد 5، يناير 2005، ص. 55.

[9] -loi no 2000-597 du 30/06/2000 Relative au réfère devant les juridictions administratives; JORF n0 31 du 03/08/2000. p. 1777.

[10]- من ذلك ما جاء في أمر استعجالي صادر عن رئيس المحكمة الإدارية بوجدة الذي يؤكد أن المادة 24 من قانون 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية تعطي الاختصاص للمحكمة الإدارية كمحكمة موضوع للأمر بصورة استثنائية بوقف تنفيذ قرار إداري، مما يكون معه الطلب الرامي إلى إيقاف تنفيذ مقرر الهدم الصادر عن عامل الإقليم المقدم إلى رئيس المحكمة الإدارية بوصفه قاضيا للمستعجلات مقدما إلى جهة غير مختصة. م. إد، وجدة، أمر استعجالي عدد 58/95 بتاريخ 03/08/1995، الهيلالي ميمون ضد عامل إقليم الناظور، أورده أحمد الدراري، مسطرة إيقاف تنفيذ القرارات الإدارية –دراسة فقهية قضائية مقارنة-، مطبعة الأمنية الرباط، ط الأولى، 2012، ص. 229؛ الشريف البقالي، طلب وقف تنفيذ قرارات هدم البنايات المخالفة لقوانين التعمير،  المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 64، شتنبر-أكتوبر 2005، ص. 84.

[11]- عبد القادر مساعد، "نظام وقف تنفيذ القرارات الإدارية في الاجتهاد القضائي الإداري المغربي"، المرجع السابق، ص. 55 وما بعدها.

[12]- إبراهيم زعيم، "مسطرة وقف التنفيذ ومسطرة الاستعجال في المادة الإدارية أي ترابط بينهما؟"، المرجع السابق، ص. 79؛ أحمد الدراري، مسطرة إيقاف تنفيذ القرارات الإدارية –دراسة فقهية قضائية مقارنة-، المرجع السابق، ص. 62.

[13] - Chauvaux D, "Les nouveaux référés administratifs". Revue français du droit administratif, no 3, mai-juin 2001, p. 669 et S.

[14] - محمد فركت، "القضاء الاستعجالي أمام المحاكم الإدارية"، منشورات ضمن الإجراءات المتبعة أمام المحاكم الإدارية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة "مواضيع الساعة"، عدد 9، 1996، ص. 135.

[15]- م. إد، وجدة، أمر عدد 95/58 بتاريخ 03/08/1995، ميمون الهيلالي ضد عامل إقليم الناظور، سبق ذكره.

[16]- م. إد، وجدة، أمر عدد 95/94 بتاريخ 08/05/1995، ملف إداري عدد 95/1، الزهري عبد الله ومن معه ضد رئيس المجلس القروي لجماعة أمجاو الناظور، أورده عبدالقادر مساعد، "نظام وقف تنفيذ القرارات الإدارية في الاجتهاد القضائي الإداري المغربي"، المرجع السابق، ص. 53.

[17]- عزيز البودالي، " إيقاف تنفيذ القرارات الإدارية"، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد مزدوج 14-15، يناير- يونيو 1996، ص. 78.

[18]- عبدالقادر مساعد، "نظام وقف تنفيذ القرارات الإدارية في الاجتهاد القضائي الإداري المغربي"، المرجع السابق، ص. 53 وما بعدها.

[19]- تلخص فكرة قرينة مشروعية القرارات الإدارية في أنها تصدر متمتعة بقرينة الصحة والسلامة المفترضتين، وهذا ما يعني مشروعية القرار قانونا، ودون أن يتوقف الأمر في ذلك على إقرار من القضاء، مادامت الإدارة تهدف دوما من وراء أعمالها تحقيق الصالح العام، فيولد القرار الإداري بقوة تنفيذ ذاتية بمجرد نشره أو تبليغه للمعنيين به على الرغم من الطعن فيه فتكون  قوته تلك مرتبطة بقرينة المشروعية  وجودا وعدما. عبد القادر غيتاوي ، "القرار الإداري بين نفاذه وجواز وقف تنفيذه"- دراسة مقارنة-،  دفاتر السياسة والقانون، عدد 9، يونيو 2013، ص. 194.

[20]- م. إد، الرباط، حكم عدد 267 بتاريخ 6/2/2008، ملف إداري عدد 3/08، الجهة المدعية ضد قائد المقاطعة الحضرية الأولى بالناظور ومن معه، منشورات الاجتهاد القضائي للمحكمة الإدارية بالرباط -قضاء الإلغاء- ص. 2. منشور على الموقع الإلكتروني Adala.justice.gov.ma، تاريخ الولوج 12/05/2020.


من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله على الصورة

قانونك


من أجل تحميل هذا العدد العاشر -إضغط هنا أو أسفله على الصورة

مجلة قانونك - العدد الثالث

إرسال تعليق

0 تعليقات