لجنة المقاولة بين مدونة الشغل والقانون المقارن
من إعداد:
- إلياس أزويزن
- المهدي كبري
- سعد البحرى
![]() |
| Comité d'entreprise Entre le code du travail et de droit comparé |
لجنة المقاولة بين مدونة الشغل والقانون المقارن
مقدمة عامة:
لقد جاءت مدونة الشغل الصادرة بتاريخ 14 رجب 1424 الموافق ل11/9/2004، بمجموعة من المستجدات، بل الأكثر من هذا أنها قامت بلم مجموعة من النصوص القانونية التي كانت مفرقة ومشتتة بين عدة ظهائر ومراسيم، ومنه أصبح للمغرب كباقي الدول مدونة للشغل، هذه الأخيرة بالاظافة إلى مجموعة من القوانين الأخرى التي تم سنها في العقد الأخير يعول عليها في جلب الاستثمارات الخارجية، وتسهيل وسائل عمل واشتغال المستثمر سواء الأجنبي أو الوطني، وذلك استحضارا للدور الهام والفاعل الذي يضطلع به الاستثمار في التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال تشغيل فئات واسعة من المعطلين "ولن نتمكن من تشغيل الفئات الواسعة من شبابنا إلا بتحقيق التنمية الاقتصادية التي تظل رهينة بحفز الاستثمار، ثم الاستثمار، ثم الاستثمار"[1].وإبرازا لأهمية مدونة الشغل فإنها تعتبر ذلك الميثاق أو الدستور المنظم والمحدد لطبيعة العلاقة الشغلية التي تجمع بين الأجير والمشغل والتزامات وواجبات كل واحد منهما.
ومما تجب الإشارة إليه أن مثل هذه المدونات عادة ما يكون لها انعكاس ايجابي على مستوى علاقات الشغل الفردية والجماعية وتحسين مناخ العمل وذلك بتحصين حقوق وامتيازات الطرف الضعيف في العلاقة الشغلية، و بذل الجهد من أجل تنافسية أكبر للمقاولة وبالتالي استمرارية هذه الأخيرة في أدائها لنشاطها على أحسن ما يرام، إن مدونة الشغل لم تكتف فقط بلم وتجميع مجموعة من الظهائر والمراسيم المتفرقة والتي لها ارتباط بعلاقات الشغل سواء الفردية أو الجماعية بل إنها جاءت بمجموعة من المستجدات التي سيكون لها الأثر الكبير على مناخ المقاولة، ومن بين هذه المستجدات هناك مؤسسة تمثيلية جديدة أضيفت إلى ممثلي الأجراء بالمقاولة أطلق عليها اسم "لجنة المقاولة"، والتي أصبحت شريكا لرئيس المقاولة تدرس وتبدي رأيها في الخطة الإنتاجية للمقاولة ووسائل رفع المردودية، ووضع مشاريع اجتماعية لفائدة الأجراء والسهر على تنفيذها، والاعتناء بالتكوين المستمر للأجراء من خلال التدريب من أجل الإدماج المهني وعقد التدرج المهني، ونتيجة لهذا فهي مؤسسة شريكة لرب العمل في كل ما يهم مسار المقاولة وآفاقها المستقبلية، والدفاع عن مصالح العاملين بها.
وقد تم النص على هذه اللجنة أول الأمر في مشروع مدونة 1998، حيث شكل حينها قفزة نوعية في إطار تنظيم العلاقات المهنية، كما هو واضح فالمشرع من خلال النص على لجنة المقاولة قد حاول الاستجابة للطلبات الملحة، والصيحات المتعددة التي نادت بها مختلف الفعاليات المعنية بالتشريع الاجتماعي، من أساتذة باحثين و ممارسين ونقابين، وبعد انتقال المغرب من منطق طلب المساعدة إلى طلب الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بعد مؤتمر الأورومتوسطي وتشجيع نظام التشارك "patenariat" بين المغرب ودول السوق الأوروبية المشتركة، وما تلزمه المادة 39 من معاهدة روما من ضمان حماية فعالة وحقيقية للحقوق المتعلقة بالملكية الفكرية والصناعية والتجارية وذلك باعتماد المعايير الدولية المعتمدة في هذا الشأن، والمادة الخامسة من الإعلان العالمي المتعلق بالتقدم والتنمية في المجال الاجتماعي "من المشاركة النشيطة لكل مكونات المجتمع، فرديا أو عبر المنظمات والجمعيات، في تحديد وتحقيق الأهداف المشتركة للتنمية، في إطار الاحترام للحريات الأساسية المكرسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادر عن هيئة الأمم المتحدة بتاريخ 11_ 12_69"، وما تنص عليه المادة 15 من نفس الإتفاقية "من ضرورة اعتماد تدابير كفيلة بضمان مشاركة فعالة لجميع عناصر المجتمع في إعداد وتنفيذ خطط وبرامج التنمية الاقتصادية"[2].
كما أنه إذا كان إحداث لجنة المقاولة من أجل خلق نوع من الحوار الهادف والهادئ بشأن النقاط الخلافية والمثار بشأنها نزاع بين الأجراء من جهة والمشغل من جهة أخرى، فإنه تم إحداثها كذلك في إطار مفهوم المشاركة العمالية في تدبير شأن المقاولة، والمحاولة ما أمكن الحفاظ عليها و تدعيمها، لأنه كيفما كان الحال فإن الأجير يعتبر مواطنا داخل المقاولة، وبالتالي فإن استمرارية المقاولة في الإنتاج يعني استمرارية الأجير في العمل، وتباعا لذلك تحصين الأجير من البطالة وضمان حقه في الشغل وتحصين مكتسباته من الضياع، هذا وقد جاء النص على إحداث لجنة المقاولة لمواكبة ما يعرفه عالم الشغل من تغير وتقلب بفعل التطورات المتنامية في المجال التكنولوجي، وإقدام بلادنا بتوجيه من صندوق النقد الدولي على تحويل المنشأة العمومية إلى الخواص كبديل لحل المشاكل التي تتخبط فيها المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية، وبذلك فإنه من شأن هذه اللجنة التي تعتبر مجمع الأضداد سواء تعلق الأمر بالمشغل أو الأجراء أن تعطي دفعة قوية للمقاولة، وتهيئها لتكون في مستوى التطلعات وتصمد أمام الضربات القوية الآتية من الشركات الكبرى والعملاقة، وبالتالي تحقيق مستوى محترم من التنافسية خصوصا إذا استحضرنا توقيع المغرب لإتفاقية التبادل الحر مع مجموعة من الدول وما يعرفه العالم من تغير في إطار العولمة.
وانسجاما مع ما تتطلبه الكتابة القانونية، والأمانة العلمية فإنه يقتضي منا ضرورة أن نتطرق في هذا التقديم وذلك في مقام أول إلى إبراز مظاهر أهمية الموضوع (أولا)، ثم الوقوف على الإشكالية التي يطرحها (ثانيا)، وأخيرا لخطة البحث نعلن من خلالها عن محاور الموضوع (ثالثا).
أولا: مظاهر أهمية الموضوع.
بداية، إذا كان الأمر يتعلق بالقيام ببحث في موضوع لجنة المقاولة بين مدونة الشغل والقانون المقارن هو ربما شيء ليس بالأمر اليسير، وذلك لحداثة تجربتنا، وأيضا في اعتبار أن لجنة المقاولة تم إستحداثها مؤخرا، وبالتالي عدم وجود المراجع الكافية المتعلقة بالموضوع، إلا أنه ورغم بعض الصعوبات فإن إجراء البحث والدراسة في مواضيع مدونة الشغل كان دوما من متمنياتنا ومحل تطلعاتنا، اعتبارا للأهمية التشريع الاجتماعي عموما، ولأهمية لجنة المقاولة باعتبارها من الأجهزة التمثيلية للعمال على وجه الخصوص، وتباعا لذلك فإن أهمية هذا الموضوع تتجلى من خلال المستويات التالية:
على المستوى الاقتصادي: تتجلى أهمية لجنة المقاولة في هذا المستوى من خلال محاولة الحفاظ على بقاء المقاولة واستمرارية أدائها لنشاطها المتمثل في الإنتاج لما في ذلك من إيجابيات إقتصادية وإجتماعية خصوص منها توفير منتوج جيد وبأقل تكلفة، والمحافظة ما أمكن على مناصب الشغل تفاديا لظاهرة الإعفاء الجماعي التي مست هذا المجال الحيوي، وبصفة عامة؛ فإن النص على لجنة المقاولة سيكون له انعكاس إيجابي على مناخ المقاولة، وبالتالي استئصال كل ما من شأنه أن يعرقل العمل العادي للمقاولة كخلية إقتصادية لإنتاج السلع والخدمات وأداة للاستقرار الاجتماعي، زيادة على تدعيم تنافسيتها من خلال النهوض بالمقاولة وجعلها قادرة على المنافسة وذلك بتغيير التفكير السلبي لكل من المشغل والأجير.
على المستوى الاجتماعي: إن المهام الاستشارية المخولة للجنة المقاولة قانونا والمتمثلة في ضرورة إستشارتها في مسائل من قبيل (الحصيلة الاجتماعية للمقاولة، والإستراتيجية الإنتاجية، ووسائل رفع المردودية، ووضع مشاريع اجتماعية لفائدة الأجراء و السهر على تنفيذها).كل هذه الاختصاصات وغيرها من شأنها أن تشكل إحدى مظاهر الأهمية الاجتماعية للأجراء، ومساعدتهم إجتماعيا وإقتصاديا على تجاوز المشاكل التي من الممكن أن تؤثر على تنافسيتهم وتأهيلهم معرفيا وتقنيا، خصوصا إذا استحضرنا مؤهلات الأجير وكفاءاته من خلال عملية الإنتاج ومدى مصداقية منتجات المقاولة المتسمة بالجودة. وبصفة عامة فإن مظاهر أهمية لجنة المقاولة تترجمها الإختصاصات الإجتماعية المعترف بها قانونا لهذه اللجنة.
على المستوي السياسي: إن إحداث لجنة المقاولة في المقاولات التي يتعدى عدد الأجراء فيها الخمسين أجيرا، من شأنها أن تقوم بدور فاعل وحقيقي من أجل حل المشاكل العمالية والمسائل المثار بشأنها نزاع بين الأجراء والمشغل، وبالتالي المساهمة في إرساء دعائم السلم الاجتماعي داخل المقاولة خصوصا وفي البلاد عموما، حيث أنه أثبتت التجربة أن تجميد آليات وأجهزة الحوار الإجتماعي غالبا ما تؤدي إلى تصاعد التوترات الإجتماعية أخذت أحيانا أبعاد سياسية، مع الأخذ بعين الاعتبار حجم القوة السياسية للطبقة الشغيلة[3].
ثانيا:إشكالية موضوع البحث.
تتجسد إشكالية الموضوع الذي نحن في إطار دراسته؛ في أن لجنة المقاولة تطرح مجموعة الإشكالات القانونية والعملية، و هذه الإشكالات هي كالأتي:
· ما هي المقاولات التي تحدث فيها هذه اللجنة؟
· ما هي وضعية المقولات التي تتوفر على عدة مؤسسات أو عدة فروع تشغل في كل فرع أكثر من 50 أجيرا، وهل تخضع هذه الفروع للشركة الأم أو لشخص واحد وينظمها قانون واحد؟
· و هل تحدث هذه اللجنة في كل فرع أو على مستوى الشركة الأم؟
· لماذا لم تشر المدونة إلى انتخاب أعضاء ممثلي الأجراء بهذه اللجنة من طرف العمال عوضا عن انتخابهم من قبل المندوبين المنتخبين بنفس المقاولة؟
· هل يدخل ضمنه العاملون في المقاولة وقت الإنتخاب بما فيهم الذين يوجدون في حالة مرض مهني أو في حالة رخصة الولادة أو المرخص لهم بالتغيب أم أن العبرة بالعدد بغض النظر عن وضعية هؤلاء الذين يوجدون في حالة توقف؟
· ثم إنه قد يحدث بعد انتخاب أعضاء هذه اللجنة أن أحدهم قد يحال على التقاعد لبلوغه سن الستين أو قد يكون مرتبطا مع المقاولة بعقد محدد المدة لا تنتهي إلا بعد مرور مدة على فوزه في هذه الانتخابات، أو قد يفصل الأجير الممثل بهذه اللجنة لارتكابه خطا جسيما أو قد يفضل عضو هذه اللجنة تقديم استقالته الخ…..بحيث لا يعود هناك العدد القانوني لتشكيل هذه اللجنة فما مصيرها وهل ستصبح غير قانونية؟
· ما هي المدة الزمنية التي ينبغي لرئيس المقاولة استدعاء هذه اللجنة للإجتماع معها، وما هي شكليات هذه الإستدعاءات، وكيفية تسليمها لهؤلاء الأعضاء؟
· وهل يحق لرئيسها حلها من تلقاء نفسه، أم أن الأمر يتطلب اتفاقا بين أعضائها، أم أن الأمر يتطلب اللجوء إلى مفتش الشغل، أم إلى القضاء، فما هو الحل المناسب أمام سكوت النص؟
· ما هي مدة التمثيل بالنسبة لأعضاء لجنة المقاولة؟
· وارتباطا بمدة التمثيل؛ ما هو الوضع في حالة ما إذا نقص عدد أعضاء هذه اللجنة لأي سبب من الأسباب التي سبقت الإشارة إليها ؟
· متى يتم إعادة المقعد أو المقعدين الشاغرين؟
· وما هو الحل إذا رفض أعضاء ممثلي الأجراء بالمقاولة ترشيح أنفسهم لعضوية هذه اللجنة ما الذي ينبغي للمشغل القيام به؟
· وما هو الحل أيضا إذا لم يوجد بالمقاولة ممثلين للعمال بالمرة، حتى ينتخبوا منهم أعضاء هذه اللجنة؟
· في أي وقت يحمل المرشح لهذا المنصب هذه الصفة؟
· وما هي المدة الزمنية التي تستمر فيها الحماية بالنسبة للمرشح الذي لم يفز في هذه الانتخابات؟
· وهل المرشح الذي يوجد في وضعية قضاء فترة سابق الإعلام تنطبق عليه صفة مرشح؟
· لكن ما هو الوضع بالنسبة للأجراء الذين ترشحوا لعضوية هذه اللجنة وهم يتوفرون على عقد عمل محدد المدة؟
· ما هو الوضع في الحالة، التي تتوقف فيها عملية التمثيل قبل نهاية مدتها العادية، بسبب استقالة الأجير من التمثيل بهذه اللجنة، أو إنتقاله إلى مؤسسة أخرى؟
· كيف تتدخل لجنة المقاولة في إطار الإختصاصات المنوطة بها؟
· وما هي الوسائل المادية واللوجيستكية التي تسمح للجنة بالقيام بمهامها؟
· ما هو مصير الإستشارات التي أوجب المشرع رئيس المقاولة بالقيام بها؟
كل هذه الإشكالات وأخرى سنحاول الإجابة عنها وذلك من خلال الربط بين ما تنص عليه مدونة الشغل المغربية وما ينص عليه القانون المقارن.
ثالثا: خطة البحث:
لأجل معالجة الإشكاليات التي يطرحها موضوع لجنة المقاولة، والإحاطة قدر الإمكان بجميع جوانبه، فإنه من اللازم علينا وضع خطة بحث، يتسنى لنا من خلالها الإعلان عن المحاور الكبرى التي ستشكل اللبنات الأساسية لموضوعنا، لذلك فخطتنا في تناول موضوع لجنة المقاولة بين مدونة الشغل والقانون المقارن ستكون وفق التصميم التالي:
v الفصل الأول: المقاولات المعنية والأجراء المعنيون بلجنة المقاولة.
v الفصل الثاني: تكوين لجنة المقاولة.
v الفصل الثالث: صلاحيات لجنة المقاولة.
----------------------------------------
في ختام هذه الدراسة، لا يسعنا إلا أن نؤكد مرة أخرى على الدور الذي من الممكن أن تلعبه لجنة المقاولة على مستوى المقاولة، وذلك بالنظر إلى قوة الإختصاصات المعترف بها قانونا للجنة المقاولة، وهذا من شأنه أن يقوي الروابط التي تجمع بين الأجير والمشغل، والحفاظ ما أمكن على إستقرار المقاولة ودوام استمراريتها في أدائها للمهام الإقتصادية والإجتماعية المنوطة بها، كما يجب التأكيد مرة أخرى؛ أن النص على لجنة المقاولة في ظل التشريع المغربي يعتبر شيئا جيدا، وذلك انسجاما مع الخطاب الذي يتردد على المستوى الرسمي من قبيل حكامة المقاولة ودورها في تسوية نزاعات العمل، والمقاولة المواطنة، والمفهوم الجديد للمقاولة.إلا أنه ورغم إيجابيات النص على لجنة المقاولة في ظل التشريع المغربي فإنه يبقى من المستحسن أن نورد بعض الملاحظات والإستنتاجات التي توصلنا إليها بمناسبة قيامنا بهذه الدراسة:
1. إن المشرع المغربي حين تحدث عن لجنة المقاولة حصرها فقط على مستوى المقاولة التي يتعدى عدد الأجراء فيها خمسين أجيرا، ولم يعمل على تمديدها للمؤسسات التابعة لهذه المقاولة والتي يتعدى فيها عدد الأجراء نفس العدد، وهذا من شأنه ألا يعكس التمثيلية الحقيقية للأجراء، وارتباطا بالموضوع، فإذا كان المشرع الفرنسي قد حدد عدد الأجراء كحد أدنى لإنشاء لجنة المقاولة في الخمسين أجيرا؛ وهو ما نص عليه المشرع المغربي بشكل آلي، فإن المشرع المغربي للأسف الشديد لم يراعي البنية الإقتصادية التي سيطبق عليها هذا النظام على اعتبار أن أغلب المقاولات الموجودة في المغرب فهي إما مقاولات صغرى أو متوسطة، وبالتالي كان من الأفضل أن يعمل المشرع على تحديد السقف الأدنى في مستويات تحترم الهيكل العام للإقتصاد الوطني، و ذلك على غرار ما نص عليه المشرع التونسي والمشرع القطري.
2. بالإضافة إلى ما سبق؛ نلاحظ أن عدد النصوص المخصصة لتنظيم لجنة المقاولة والمحددة فقط في ستة فصول غير كافية، على اعتبار أن لجنة المقاولة بما هي مؤسسة تمثيلية للأجراء ولها إختصاصات متنوعة تهم أغلب جوانب المقاولة، تحتاج إلى تنظيم دقيق وحقيقي، وهذا ما لم نلمسه من المشرع المغربي، ذلك أنه لم يشر إلى طريقة انتخاب أعضاء لجنة المقاولة، بل لم يحمل نفسه حتى عناء الإحالة إلى المقتضيات المتعلقة بانتخاب مندوب الأجراء، بالإضافة إلى عدم تحديد مدة الإنتداب سواء بالنسبة لمندوب الأجراء أو بالنسبة لأعضاء لجنة المقاولة.
3. إن المشرع المغربي وإن كان قد نص على عدد الأجراء المتطلب قانونا لإنشاء لجنة المقاولة، فإنه بالمقابل لم ينص على كيفية تحديد هذا العدد، والمدة الزمنية التي يحسب فيها هذا العدد.عكس المشرع الفرنسي الذي اقتبس منه المشرع المغربي هذا التنظيم.وارتباطا بعدد الأجراء فإن المشرع المغربي، وذلك عكس كل من المشرع التونسي والمشرع الفرنسي لم يعمل على زيادة عدد أعضاء لجنة المقاولة على أساس عدد العاملين بالمقاولة، وهو الشيء الذي تطرق له المشرع حينما نظم مندوبوا الأجراء في المادة 433 من مدونة الشغل.
4. إن المشرع المغربي نص على أنه يتم انتخاب الأعضاء الممثلين للأجراء في لجنة المقاولة من طرف المندوبين المنتخبين، والحال أنه كان يجب أن يكون الإنتخاب من قبل العمال أنفسهم على غرار ما هو معمول به في ظل التشريع الفرنسي؛ وذلك بهدف عدم الوقوع في ازدواجية التمثيل.
5. إذا كان المشرع الفرنسي والجزائري والتونسي، قد نصوا على كيفية استدعاء اللجنة للإجتماع والشكليات التي تتم بها هذه الإستدعاءات، وطرق تسليمها لهؤلاء الأعضاء، فإن المشرع المغربي لم يشر إلى أي من هذه المقتضيات، وذلك بالرغم مما يمكن أن يترتب عليها من نتائج.
6. كما تجب الإشارة إلى وجوب تدخل المشرع في المسائل المتعلقة بمدة الإنتداب وتسديد الشغورات الناتجة عن فقدان إحدى المقاعد لأي سبب من الأسباب، بالإضافة إلى وجوب معالجة الإشكال المتعلق برفض مندوب الأجراء الترشح لعضوية لجنة المقاولة ما دام المشرع ينص على أنها تتكون من مندوب الأجراء و الممثل النقابي، أو حالة عدم وجود مندوبوا العمال بالمرة.
7. إن المشرع المغربي لم يشر إلى أي نوع من أنواع الحماية بالنسبة لأعضاء لجنة المقاولة، بخلاف ما نص عليه كل من التشريع الفرنسي والتونسي والجزائري، والحال أنه كان يؤمل من المشرع المغربي أن يتم التنصيص على حماية أعضاء اللجنة بشكل صريح أو على الأقل الإحالة إلى ما تم النص عليه فيما يخص مندوبوا الأجراء.
8. كما يمكن التسجيل أن المشرع المغربي لم يتطرق إلى مصير أعضاء لجنة المقاولة في الحالة التي تضطر المقاولة إلى تغيير الوضع القانوني الذي توجد عليه، وذلك كإقدامها على الإتحاد مع شركة أخرى أو خضوعها لمسطرة التسوية أو التصفية القضائية، ومنه فإن المشرع كان عليه أن ينص بشكل صريح عن مآل هؤلاء الأعضاء في هذه الحالة على غرار ما نص عليه المشرع الفرنسي.
9. أما فيما يخص الإختصاصات المعترف بها قانونا للجنة المقاولة، فإنه يمكن اعتبارها إختصاصات جيدة وواسعة تمكن اللجنة من التدخل في جميع الميادين سواء الإجتماعية، أو المهنية، أو الهيكلية، بالإضافة إلى الميادين المتعلقة بالنشاط الإقتصادي للمقاولة.إلا أن هذا غير كافي على اعتبار أن المشرع وإن كان قد نص على هذه الصلاحيات، فإنه لم يعمل وذلك خلافا للمشرع الفرنسي على ترجمة هذه الإختصاصات، بمعنى آخر أن المشرع المغربي لم يحدد في إطار النصوص المنظمة لهذه اللجنة؛ ما المقصود بالأعمال الاجتماعية، كما أنه لم يشر بالبث والمطلق إلى كيفية تمويل، وتدبير، وتسيير هذه الأعمال، والحال أنه كان عليه أن يوسع من مجال النصوص المؤطرة لهذه اللجنة، أو العمل على إصدار مرسوم يعالج هذه النقط.
10. إن المشرع وهو يعدد الجهات التي لها الحق في تحريك مسطرة معالجة صعوبات المقاولة في إطار مدونة التجارة، لم يعمل على ذكر لجنة المقاولة كجهة يمكن لها أن تتقدم بطلب فتح المسطرة، وهو عكس ما ذهب إليه المشرع الفرنسي.
11. إن المشرع المغربي وهو في إطار حصره لإختصاصات لجنة المقاولة قد أغفل جانبا مهما وهو المتمثل في المجال التأديبي؛ بحيث يجب أن يسند إلى هذه اللجنة، النظر في القرارات التأديبية، خاصة وأن المادة 64 من مدونة الشغل المغربية، تنص على ضرورة الإستماع إلى الأجير قبل فصله تأديبيا من عمله وذلك من طرف المشغل أو من ينوب عنه، وسيكون من الملائم جدا عوض إنشاء مجلس تأديبي، أن تتكلف لجنة المقاولة أو المؤسسة فضلا عن اختصاصاتها السابقة بممارسة مهمة المجلس التأديبي.
12. أن لجنة المقاولة باعتبارها هيئة تمثيلية للأجراء داخل المقاولة، يمكن لها أن تلعب أدورا هامة خاصة حينما نص المشرع في المادتان 66 و 186 من مدونة الشغل؛ على أن لجنة المقاولة تحل محل مندوب الأجراء و الممثل النقابي، وخاصة في الحالات التي يكون فيها من الممكن أن تصطدم إختصاصات كل من مندوب الأجراء من جهة، و الممثل النقابي من جهة أخرى.
إن نجاح هذه المؤسسة رهين بكيفية فهم الطرفين لهذه الشراكة الإجتماعية، وفي تقبل اختصاص كل طرف، وفي الإنسجام الذي يمكن أن يسود أطراف هذه العلاقة بشان الأهداف، والتي نراها في الدفاع قبل كل شيء عن المصلحة المشتركة للمقاولة على غرار ما أقدم عليه المشرع المغربي في مدونة التجارة عندما أحدث المسطرة الودية والتسوية والتصفية القضائية والتي راعى فيها الحفاظ على مناصب الشغل ومد المقاولة بالعلاج اللازم، لأن في الحفاظ عليها حفاظ على مناصب الشغل والإقتصاد الوطني في نفس الوقت، ولذلك ينبغي أن لا يفهم من إحداث هذه اللجنة أنها جاءت للمس بسلطة رب العمل، أو خلق جو من الصراع بينه وبين العاملين عنده، بل ينبغي النظر إليها كمتنفس جديد، وشراكة من نوع خاص لتحفيز العاملين في المقاولة وإشراكهم في كل ما يهم المقاولة من ربح أو خسارة، وأن يكونوا على علم بكل ما يجري بها، والتعايش مع رب العمل، بنوع من الشفافية والنصح والإرشاد، وتقديم الخبرة التي يتوفرون عليها لشغلهم الذي بنجاحه ينجحون ويحققون الرفاهية ( Bien être) التي ينشدونها.
