الوساطة الاتفاقية في المنازعات الرياضية - رحال ارحيمي





الوساطة الاتفاقية في المنازعات الرياضية

 

رحال ارحيمي: طالب بجامعة محمد الخامس ـ الرباط

 

Conventional Mediation in Sports Disputes

 

Rahhal Arhimi: Student, Mohammed V University, Rab

 

تشهد المنظومة الرياضية المعاصرة تلازما بنيويا مع ظاهرة المنازعات؛ إذ غدت النزاعات القانونية جزءا لا يتجزأ من واقع هذا المشهد، ممتدة من التجاذبات التعاقدية الناشئة بين الرياضيين المحترفين والأندية، وصولا إلى دعاوى الطعن المرفوعة ضد القرارات الصادرة عن هيئات التحكيم أو تلك المتعلقة بخرق الأنظمة الأساسية واللوائح الرياضية. وإزاء هذا الوضع، لم يعد حسم هذه النزاعات المعقدة يستوجب بالضرورة الولوج إلى القضاء كحل أوحد، بل أوجدت البيئة القانونية المعاصرة منظومة متكاملة من آليات تسوية المنازعات البديلة (Alternative Dispute Resolution – ADR)، وعلى رأسها التحكيم والوساطة، كحلول ناجعة، متخصصة، ومكيفة خصيصا لتلبية متطلبات الأسرة الرياضية. ومن هذا المنطلق، فإن التحول المحوري للرياضة من أبعادها التنافسية الصرفة إلى آفاق استثمارية وتجارية عابرة للحدود، فرض حتمية هجر الأساليب القضائية الكلاسيكية المتسمة بالبطء والعلنية، والاتجاه نحو "العدالة الاتفاقية اللينة" التي تجسدها الوساطة، باعتبارها تقنية تفاوضية مهيكلة تهدف إلى صياغة حلول مشتركة تحت رعاية طرف ثالث مستقل.

   لذا تكتسي دراسة الوساطة كآلية لحل المنازعات الرياضية أهمية بالغة تتجلى في مستويين، يكمن الجانب النظري في ضرورة سد الفراغ المفاهيمي في الأدبيات القانونية العربية التي دأبت على دمج الوساطة في ركاب التحكيم الرياضي دون إبراز استقلاليتها الإجرائية بالرغم من التمايز الجوهري بين الآليتين، مما يستدعي وضع تعريف دقيق لـ "عقد الوساطة الرياضية" وتحديد طبيعة الالتزام الواقع على عاتق الوسيط، وتحديد لنطاقها الموضوعي وحدود تقاطعها مع النظام العام الرياضي، أما الجانب العملي فيتجلى في تسليط الضوء على الفوائد الميدانية للوساطة في السياق الدولي والوطني، لا سيما ميزتي السرعة القياسية والسرية المطلقة، واللتين تشكلان طوق نجاة للمسار المهني القصير للرياضيين، وحماية للسمعة التجارية للأندية والشركات الراعية من التداول الإعلامي السلبي من الآثار الواقعية للأحكام القضائية العلنية، فضلا عن تكريس فلسفة "رابح-رابح" التي تضمن استمرار العلاقات العقدية مستقبلا.

   وبالتالي، إلى أي مدى تنجح الوساطة الرياضية في إبراز خصوصيتها المفهومية والتكييفية كآلية بديلة ذات طبيعة هجينة، وكيف تتحدد معالم ولايتها الإجرائية والموضوعية أمام صرامة النظام العام الرياضي الدولي؟

   لذلك، سنعتمد في هذه الدراسة على محورين على الشكل التالي:

المطلب الأول: مفهوم الوساطة الرياضية وتحديد طبيعتها القانونية

المطلب الثاني: نطاق تطبيق الوساطة الرياضية وحدودها

 

المطلب الأول: تعريف الوساطة الرياضية وتحديد طبيعتها القانونية

   تعد الوساطة تقنية تيسر عملية المفاوضات بين طرفين متنازعين، لذا أصبحت تعرف إقبالا متزيدا بالنظر إلى أهميتها وفعاليتها، بحيث ترمي إلى وضع حلول مبتكرة للنزاع، وقد تمكنت الوساطة أن تفرض وجودها في العديد من الدول المتقدمة كنظام قضائي حاز على ثقة الكثير كما أن القضاء ساهم في عدة دول بتكريس عدة ممارسات قضائية في العمل القضائي بشأن هذه الوسائل، إذ أصبح التوجه الآن يرمي إلى الانتقال من التحكيم إلى الوسائل الأخرى البديلة لحل النزاعات.

الفقرة الأولى: مفهوم الوساطة الرياضية

    يمكن تعريف الوساطة لغة أنها مشتقة من " وسط يوسط وساطة" وهي عمل الوسيط، وهذا الأخير هو الشخص المتوسط بين المتخاصمين.[1]

   أما اصطلاحا، فقد تعددت التعريفات التي قدمت للوساطة، فهناك من اعتبرها " آلية ترمي إلى الصلح بين طرفي النزاع تحتم تدخل طرف ثالث يسمى الوسيط الذي يقوم بمهمة تقريب وجهات النظر والتوفيق بين المتخاصمين للوصول إلى اتفاق يحسم به النزاع القائم"، كما تم تعريفها بأنها "طريقة جديدة الفض النزاعات تقتضي تعيين طرف محايد عن النزاع برضاء الطرفين لتقريب وجهات النظر بينهما ومساعدتهما على إيجاد حل للنزاع القائم بينهما".[2]

   كما يمكن القول بأن الوساطة " تلك المساعي التي يقوم بها شخص محايد بين أطراف النزاع من أجل الوصول إلى حل ودي لهذا النزاع ".[3]

   وبالتالي، فبالنظر لطبيعتها فهي تختلف عن التحكيم الذي يقوم به المحكم بناء على اتفاق مسبق بين الأطراف،[4] كما تختلف عن الصلح والتوفيق[5] والمفاوضات[6] ، فالوساطة تتوقف على إرادة الخصوم بمفردهم، فالوسيط لا يفصل في النزاع ولا يدلي برأيه فيه كما لا يملك أية سلطة لإلزام الطرفين بأي شيء ولكنه يقدم مساعدته لهما معا حتى يتأتى لكل منهما أن يقيم مركزه ووضعيته القانونية والواقعية ومكامن الضعف والقوة فيها وأن يكون على بينة من المكاسب التي يمكن تحقيقها أو الأضرار التي ستلحق به في حالة الاستمرار في النزاع ورفعه للتحكيم أو القضاء[7].

   وبالتالي، فإن الوساطة تعد آلية بديلة للقضاء، تهدف إلى إعادة هيكلة وتوجيه العملية التفاوضية بين أطراف المتنازعة، وتفعيلا لهذا الدور، تشهد البيئة القانونية المقارنة تحولا جدريا نحو هذه الآلية، مدفوعا بمرونتها البنيوية وقدرتها على صياغة "حلول ابتكارية مخصصة" تتجاوز جمود الأحكام القضائية الكلاسيكية، وقد نجحت الوساطة في فرض ذاتها ضمن النظم التشريعية المتقدمة بوصفها رافدا أصيلا من روافد "العدالة التصالحية الرضائية" التي حازت ثقة الفاعلين القانونيين والاقتصاديين. وفي هذا السياق، أسهم الاجتهاد القضائي المقارن في تكريس هذه الوسائل عبر تبنيه الممارسات التوفيقية دمجا وتضمينا في المنظومة الإجرائية الرسمية؛ وهو ما يعكس توجها استراتيجيا معاصرا يروم الانتقال من مركزية التحكيم كقضاء خاص، إلى رحابة الآليات البديلة الأخرى، وفي طليعتها الوساطة القائمة على استقلالية الإرادة.

   لذا تكيف الوساطة قانونا بأنها منظومة من المساعي الحميدة والموجهة التي يبذلها طرف ثالث يسمى " الوسيط" يتمتع بالحياد التام والاستقلالية، بهدف تقريب وجهات النظر وتذليل العقبات التفاوضية دون التدخل في جوهر القرار، تمكينا للأطراف من حسم خصومتهم ودا.

    وبناء على هذا التأصيل، فإن الوساطة تعتبر إحدى أهم الآليات البديلة لحل النزاعات الرياضية بالطرق الودية، حيث تتيح للأطراف الدخول في حوار مباشر تحت إشراف طرف محايد هو “الوسيط”، بهدف التوصل إلى تسوية ترضي جميع الأطراف وتحافظ على علاقاتهم الودية.

   وتأسيسا على ذلك يمكن تعريف الوساطة الرياضية بأنها " نمط إجرائي توافقي، وبديل عن القضاء والتحكيم، يرتكز على السيادة الإرادية لأطراف النزاع الرياضي (لاعبين، أندية، مدربين، اتحادات، أو شركات رعاية)، وبموجبه يتم تعيين طرف ثالث مستقل ومحايد يدعى (الوسيط الرياضي)، لا يملك ولاية الفصل أو مكنة فرض الحلول، بل تنحصر مأموريته الوظيفية في إدارة التواصل وتسهيل المفاوضات وتقريب المقاربات المتعارضة، تمكينا للأطراف من الابتكار الذاتي لتسوية ودية تعاقدية تحسم الخصومة، وتحمي مساراتهم المهنية والتمويلية وفقا لخصوصيات الميدان الرياضي ونظامه العام".[8]

   ومن خلال هذا التعريف، يتضح أن الوساطة الرياضية تتميز بذاتية مستقلة تتجلى في ثلاثة عناصر بنيوية:

  • الخصوصية الموضوعية: تقتصر على النزاعات القابلة للصلح ذات الأثر المالي أو التعاقدي في الوسط الرياضي، وتستبعد المسائل التأديبية أو المنشطات.
  • تجريد الوسيط من السلطة القضائية: تفترق عن التحكيم الرياضي في أن الوسيط لا يصدر "حكما" لصالح طرف ضد آخر، بل يظل دوره تيسيريا محضا.
  • المرجعية المؤسساتية: تخضع لإجراءات وقواعد مأسستها الهيئات الرياضية الدولية (مثل لائحة الوساطة بمحكمة التحكيم الرياضي بلوزان.[9]

الفقرة الثانية: الطبيعة القانونية للوساطة الرياضية

   تتخذ الطبيعة القانونية للوساطة الرياضية أبعادً أكثر تعقيدا من الوساطة المدنية أو التجارية التقليدية؛ إذ لم تعد مجرد "عقد إجرائي" محكوم بقواعد القانون الخاص وسلطان الإرادة فحسب،[10] بل أصبحت نظاما هجينا يصطدم بشكل مباشر بـ "النزعة التنظيمية والآمرة للقانون الرياضي الدولي" واللوائح المؤسساتية العابرة للقارات. لذا، فإن تكييف الطبيعة القانونية للوساطة الرياضية في الفقه الإجرائي المعاصر يتأرجح بين ثلاث مقاربات رئيسية:

1.        الاتجاه العقدي الرضائي (سلطان الإرادة الرياضية): يذهب هذا الاتجاه إلى تكييف الوساطة الرياضية باعتبارها تصرفا تعاقديا محضا في منشئها ومخرجاتها، إذ أن اللجوء إلى الوساطة لا يفرض بقوة القانون (إلا في استثناءات ضيقة)، بل يتأسس عن "بند وساطة" المدرج في عقود اللاعبين والمدربين أو عقود الاستشهار والرعاية بالنسبة للشركات، أو بموجب "مشارطة الوساطة" تبرم بشكل مستقل بعد نشوء النزاع، وبالتالي، فإن الوسيط الرياضي لا يتمتع بأي "ولاية قضائية" واتفاق التسوية الذي يوقعه الأطراف في النهاية يحمل طبيعة "العقد الإجرائي الملزم"، الذي يخضع لمبدأ "العقد شريعة المتعاقدين"، ولا يملك قوة السند التنفيذ الجبري إلا بعد سلوك مسطرة المصادقة عليه من قاضي الموضوع أو تذييله بالصيغة التنفيذية وفقا للقوانين الوطنية.[11]

2.       الاتجاه المؤسساتي اللائحي (التأطير التنظيمي العابر للحدود): يرى هذا الاتجاه أن الوساطة الرياضية تتمتع بطبيعة "مؤسساتية نظامية" تخرجها من دائرة حرية التعاقد المطلقة؛ نظرا لكونها محكومة بالمنظومة القانونية للاتحادات الرياضية الدولية. ويستند في ذلك أن إجراءات الوساطة الرياضية الدولية لا تترك لأهواء الخصوم، بل يجري إسقاط قواعد مسطرية تشريعية، مثل قواعد الوساطة الخاصة بمحكمة التحكيم الرياضي بـ لوزان أو لوائح غرفة فض النزاعات بالفيفا، و تفرض هذه البيئة المؤسساتية قيودا صارمة على الأطراف، مثل حصر اختيار الوسيط من "قوائم رسمية مغلقة ومحددة سلفا" من قبل المركز أو المحكمة الرياضية، والالتزام بمدد زمنية وجيزة جدا لتفادي تعطيل المواسم الرياضية، وفرض السرية المطلقة تحت طائلة العقوبات التأديبية؛ مما يمنحها صبغة "شبه قضائية" أو إجرائية منظمة.[12]

3.       الاتجاه الحديث (الطبيعة المختلطة والمركبة): وهو الاتجاه الفقهي الأكثر قبولا ورصانة؛ حيث يكيف الوساطة الرياضية بأنها نظام قانوني ذو طبيعة مختلطة (عقدية - تنظيمية)، فهي تلتحم في مرحلة الميلاد بالقانون المدني ونظرية العقد (حيث الرضائية هي المحرك الأساسي)، لكنها تكتسي في مرحلة السير والمخرجات حلة "القانون الإجرائي الرياضي"، وما يؤكد هذه الطبيعة المركبة هو آلية نفاذ اتفاق التسوية؛ فإذا أخل أحد الأطراف بالاتفاق المبرم أمام الوسيط، فإن جهة الإنفاذ لا تقتصر على المحاكم المدنية، بل تتدخل اللجان الانضباطية للاتحادات الرياضية (كالفيفا مثلا) لفرض عقوبات رياضية صارمة (مثل المنع من التعاقدات أو خصم النقاط) لإجبار الطرف المخل على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه ودا، مما يمنح مخرجات الوساطة الرياضية قوة تنفيذية "رياضية تخصصية" تتجاوز قوة العقود العادية.[13]

المطلب الثاني: نطاق تطبيق الوساطة الرياضية وحدودها

   لا يستقيم التقعيد الفقهي لآلية الوساطة الرياضية دون رسم حدود هندستها الموضوعية، وتحديد المعالم التي ترسم ولايتها، إذ بالرغم من كون سلطان الإرادة هو الركيزة التي يتأسس عليها العدالة الرضائية البديلة، فإن هذه الحرية التعاقدية لا تتحرك في فراغ تنظيمي، بل تصطدم بالضرورة بالبنية الحمائية لـ "النظام العام الرياضي" الذي وضعت لوائحه الاتحادات الدولية والهيئات الأولمبية العابرة للحدود. وبالتالي، فإن هذا التصادم بين حرية التفاوض الودي والنزعة الآمرة للقواعد الرياضية، يستوجب الأمر إخضاع نطاق تطبيق الوساطة لعملية موضوعية صارمة؛ وذلك لفرز الخصومات التي تقبل التنازل والمساومة الاقتصاديين عن تلك التي تستعصي على الصلح لتعلقها بنزاهة المنافسة وأخلاقيات المنظومة.

الفقرة الأولى: النطاق الموضوعي للمنازعات الرياضية القابلة للتسوية عن طريق الوساطة

   تتحدد مشروعية اللجوء إلى الوساطة في المادة الرياضية بالاستناد إلى معيار "قابلية الحق المتنازع عليه للصلح والتصرف"، وهو المعيار الذي يستبعد المنازعات التي تدخل في النظام العام الرياضي، ويفسح المجال رحبا أمام النزاعات التي تدور في فلك المعاملات المالية والروابط التعاقدية. وتجد هذه الآلية بيئتها الخصبة في العلاقات التي تتطلب استمرارية الشراكة الاقتصادية أو حماية المستقبل المهني لأطرافها.

أولا: النزاعات ذات الطابع المالي والتجاري (عقود الاستشهار، الرعاية، وحقوق البث)

   تخضع العقود التجارية في الميدان الرياضي مثل عقود الاستشهار (Sponsorship)، الرعاية، وحقوق البث التلفزيوني، لنظرية القانون العقدي العام، حيث تطغى المصالح الاستثمارية الكبرى للشركات متعددة الجنسيات والقنوات الفضائية والأندية المحترفة، وتطلع أهمية الوساطة في هذا النوع من النزاعات في كونها تمنع الانهيار المفاجئ للروابط الاقتصادية الحساسة؛ فإذا نشأ خلاف حول تفسير بنود الملاءمة المالية، أو شروط الترويج، أو الحصرية في البث التلفزي، فإن الولوج إلى القضاء العادي أو التحكيم قد ينتهي بفسخ العقد وإلزام أحد الأطراف بالتعويض، وهو ما يعني خسارة تجارية متبادلة وهدرا للأصول اللامادية (للطرفين كالعلامة التجارية والسمعة السوقية، وهنا يأتي دور الوساطة لتتدخل كآلية لإعادة التوازن الاقتصادي للعقد عبر إبراز حلول مرنة تضمن تدفق الموارد المالية دون انقطاع، فدور الوسيط يتمحور في توجيه الأطراف نحو مراجعة الالتزامات المتبادلة وتكييفها مع المتغيرات الاقتصادية الطارئة، بدلا من التنازع حول المسؤولية التقصيرية أو العقدية، وتسهم السرية المطلقة التي تحيط بإجراءات الوساطة في منع تسرب الخلافات إلى وسائل الإعلام، مما يحمي القيمة السوقية للأسهم وحقوق الرعاية من أي اهتزاز ارتدادي قد ينشأ عن علنية الخصومة القضائية.[14]

ثانيا: النزاعات التعاقدية بين الأندية واللاعبين/المدربين (مستحقات، فسخ العقود)

   تتميز الروابط العقدية التي تجمع الأندية باللاعبين أو المدربين بطبيعة قانونية مزدوجة؛ فهي مزيج من عقود الشغل ومستلزمات القانون الرياضي الدولي القائم على حماية الاستقرار التعاقدي، وتتمحور أغلب هذه النزاعات حول الإخلال بالالتزامات المالية كالمكافآت ورواتب اللاعبين، أو الفسخ التعسفي للعقد من طرف واحد دون مبرر مشروع. وتظهر نجاعة الوساطة في هذا الفضاء الإجرائي من خلال "تحييد عامل الزمن"؛ إذ إن عمر العطاء المهني للرياضي قصير جدا، وتجميد رخصته أو مسيرته الرياضية لعدة مواسم في انتظار حكم قضائي أو تحكيمي يعد بمثابة "إعدام رياضي" للاعب. لذلك، توفر الوساطة منصة ديناميكية لإنهاء النزاع في غضون أيام، مما يتيح للاعب الانتقال أو تسوية وضعيته القانونية والرياضية دون الإضرار بمصالحه الفنية أو المالية، كما تتيح للأندية تفادي العقوبات الانضباطية الصارمة التي تفرضها الهيئات الدولية كالفيفا في حال المماطلة في السداد (مثل المنع من قيد اللاعبين لفترات متتالية)، كما تتجاوز الوساطة منطق "الحق الفردي الجامد" لتصيغ تسويات مركبة، كجدولة الديون، أو الاتفاق على صيغ انتقال ودي تضمن للنادي الحصول على عائد مالي وللاعب توقيع عقد جديد، وهو ما يعزز ثقافة الحوار الإجرائي ويحفظ السلم الرياضي داخل المنظومة الرياضية.[15]

الفقرة الثانية: الحدود الموضوعية للوساطة الرياضية (موانع الوساطة)

                إذا كانت السيادة الإرادية للأطراف هي المحرك الأساسي للعدالة الرضائية، فإن هذه الحرية تصطدم بـ "مسائل حمائية" يفرضها النظام العام الرياضي، وتتجسد هذه الموانع في إخراج مجموعة من النزاعات من ولاية الوساطة بداعي عدم قابليتها للصلح أو التنازل، لتعلقها بالمشروعية الأخلاقية والقواعد الآمرة للمنافسة.

أولا: قضايا المنشطات وعلاقتها بالنظام العام الرياضي الدولي

   تمثل مكافحة المنشطات الركيزة الأبرز لـ "النظام العام الرياضي الدولي"، وتخضع لمقتضيات عالمية صارمة صفتها قواعد آمرة مطلقة وهي المدونة العالمية لمكافحة المنشطات (WADA Code). وتتأسس بنية هذه القضايا على فكرة "المسؤولية الموضوعية الصارمة" للرياضي، مما يستتبع استبعادها البنيوي من نطاق العدالة الاتفاقية اللينة أو التنازلية أو البديلة التي تمثلها الوساطة.

   فالخروقات المرتبطة بالمنشطات لا تفرز نزاعا تعاقديا قابلا للمساومة أو التقريب بين المصالح، بل تشكل "انتهاكا نظاميا" يستوجب بالضرورة تفعيل التدابير الردعية المفروضة سلفا لحماية نزاهة المنافسة والصحة العامة.

   وبناء عليه، فإن الهيئات الدولية والوطنية، وعلى رأسها محكمة التحكيم الرياضي بـ مدينة لوزان، تجرد الوسيط من أي مكنة للتدخل في هذا النوع من الخصومات؛ إذ لا يملك أطراف النزاع (الاتحاد واللاعب) الحق في الاتفاق على تخفيض العقوبة التوقيفية أو استبدالها بتسوية مالية عبر آلية الوساطة، إذ أن تفعيل التسوية الودية في مادة المنشطات يعد مساسا خطيرا بالمساواة بين الرياضيين وخرقا للالتزامات الدولية عابرة القارات، مما يجعل أي اتفاق ينبثق عن هذا الإجراء باطلا بطلانا مطلقا لعدم مشروعية محله، لتبقى هذه القضايا حكرا على اللجان القضائية الانضباطية وغرف التحكيم الصرفة الصادرة عنها أحكام إلزامية طعنا أو ابتداء.[16]

ثانيا: النزاعات التأديبية الصرفة والتلاعب بالنتائج (الجرائم الرياضية)

تنصرف النزاعات التأديبية الصرفة إلى المخالفات الرياضية المرتكبة من قبل الفاعلين الرياضيين أثناء المنافسات أو خارجها (كـ الاعتداءات الجسدية، البسق، أو توجيه عبارات عنصرية)، وتندرج ضمن "الولاية السيادية والزجرية" للاتحادات الرياضية.

إن غاية العقوبة التأديبية هي الردع العام والخاص وصيانة الأخلاقيات الأولمبية، وهي غايات تتنافى مطلقا مع الطبيعة النفعية التوافقية لعقد الوساطة، فلا يجوز للنادي أو اللاعب التفاوض وديا مع اللجنة التأديبية للاتحاد حول ماهية العقوبة أو تكييفها القانوني، لأن سلطة العقاب مستمدة من اللوائح التنظيمية الآمرة التي لا تملك الهيئات الرياضية نفسها حق التنازل عنها أو التوفيق بشأنها.

   وفي سياق أكثر خطورة، تبرز قضايا التلاعب بنقاط ومخرجات المباريات والفساد الرياضي المرتبط بالرهانات غير المشروعة بوصفها "جرائم رياضية" وجنائية موصوفة تعصف بعدالة المنافسة، إذ أن هذا النمط من النزاعات ينطوي على أفعال جرمية تمس جوهر الأخلاق الرياضية والسلم الاجتماعي، وتخضع للملاحقة المتوازية بين القضاء الزجري للدولة واللجان القضائية للاتحادات الدولية (مثل اللجنة الانضباطية للفيفا، وتبدو الوساطة هنا مستحيلة التطبيق ومحرمة قانونا، لأن النزاع تفقد طابعها المدني الخاص وتتحول إلى قضية حماية مصالح عامة. فأي تسوية اتفاقية في جرائم التلاعب بالنتائج تعد تواطؤا على طمس الحقيقة وإفلاتا من العقاب الرادع، مما يوجب سلوك المسار القضائي الصارم القائم على سلطة الفصل والإلزام لفرض عقوبات الشطب النهائي أو الهبوط للدرجات الدنيا.[17]

   وتأسيسا على ما تقدم بسطه عبر محوري هذا المقال، يمكن الخروج بخلاصة مفادها أن الوساطة الرياضية لم تعد مجرد ترف إجرائي، بل غدت ضرورة بنيوية فرضتها خصوصية النزاع الرياضي المتميز بالسرعة والحساسية الاستثمارية، وقد تبيين لنا أن التكييف القانوني لهذه الآلية ينأى عن القوالب العقدية التقليدية، لينصهر في بوتقة طبيعة هجينة تزاوج بمرونة بين البنية الرضائية التوافقية من جهة، والتأطير اللائحي المؤسساتي المفروض من الهيئات الرياضية الدولية من جهة أخرى، وهو ما أفرز تأطير الوساطة من ناحية نطاقها وحدود اللجوء لها في كافة المنازعات الرياضية، إذ تجد هذه الآلية بيئتها الخصبة في النزاعات ذات الطابع المالي والتعاقدي (كعقود الاستشهار وحقوق البث ومستحقات اللاعبين)، حيث السيادة المطلقة لسلطان الإرادة، وبالنقيض من ذلك، تصطدم بجدار من الموانع الإجرائية كلما لامس النزاع جوهر "النظام العام الرياضي الدولي" وأخلاقيات الرياضة (كقضايا المنشطات، العقوبات التأديبية الصرفة، وجرائم التلاعب بالنتائج)، وهي مجالات تخرج بنيويا عن دائرة الصلح والمساومة.

   وختاما، فإن نجاعة هذا النظام تظل رهينة بمدى اعتراف التشريعات الوطنية بمخرجات هذه العدالة البديلة وإكساب اتفاقات التسوية الصادرة عنها قوة تنفيذية مرنة، تضمن استقرار المراكز القانونية وتحمي منظومة الاستثمار الرياضي المعاصر




[1] ـ مبارك قاسم: الوساطة آلية لحل المنازعات وأثرها على الاستثمار، مجلة المعرفة، العدد التاسع عشر، شتنبر لسنة 2-24، ص: 513.

[2] ـ مبارك قاسم: مرجع سابق، ص: 513.

[3] ـ تعتبر الوساطة في القانون الدولي من أهم المصطلحات المتداولة عبر المحافل والاتفاقيات والمؤتمرات الدولية، لذا تحظى الوساطة بمكانة معتبرة في القانون الدولي، ففي ميثاق الامم المتحدة تنص المادة 33 الفقرة 01 من الميثاق على: "يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدوليين للخطر أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطرق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والنسوية القضائية، أو أن يلجؤوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها."

وتعتبر الوساطة في الفقه القانوني الدولي الوساطة (médiation) وهي الدور الإيجابي الذي يلعبه أحد الأطراف الطبيعية (رئيس دولة أو شخصية دولية مرموقة) أو أطراف معنوية (دولة، منظمة)، بغية تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة دون حتمية إعطاء الحق لطرف على حساب طرف، إذن فقراره غير ملزم للأطراف المتنازعة عكس قرار التحكيم الذي يعتبر ملزما.

ـ راجع هذا التعريف في: ـ عبد الكريم علوان: القانون الدولي العام، الكتاب الأول، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، الأردن، سنة 1997، ص: 197.

[4] ـ تتميز الوساطة جوهريا عن نظام التحكيم، بحيث يستمد الأخير وجوده من اتفاق بين الأطراف (بند أو شرط تحكيم) يتنازل بموجبه الأطراف عن ولاية القضاء الرسمي لصالح "هيئة تحكيمية" تخول سلطة الفصل في النزاع بموجب حكم تحكيمي ملزم يتمتع بحجية الشيء المقضي به والقوة التنفيذية بعد تذييله بالصيغة التنفيذية.

ـ هشام خالد، أوليات التحكيم التجاري الدولي، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، سنة 2004، ص: 45.

[5] ـ يعرف التوفيق (compromis): هو العمل على عرض نزاع معين على لجنة يطلق عليها لجنة التوفيق وذلك باتفاق الأطراف المتنازعة، وتهدف هذه اللجنة إلى التوفيق والتقريب بين آراء الأطراف المتنازعة، لا أن تصدر حكمها بأحقية طرف على طرف آخر وهو حال الوساطة الرياضية.

راجع بخصوص ذلك:

ـ ناريمان عبد القادر، الوسائل البديلة لفض المنازعات: دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، طبعة 2003، ص. 82.

ـ رشاد السيد: القانون الدولي العام في ثوبه الجديد، الطبعة الثانية، دار المكتبة الوطنية، عمان، سنة 2005، ص: 206.

ـ بوعلي خالد: آليات فض المنازعات الرياضية أمام محكمة التحكيم الرياضي الدولي أطروحة دكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة تلمسان، الجزائر، 2018، ص. 112

[6] ـ تعرف المفاوضات بأنها " لقاء وتقابل بين طرفين أو أكثر من أجل الوصول إلى حل لنزاعهم عن طريق تبادل وجهات النظر والآراء بخصوص النزاع بينهم، بغية الوصول إلى حل إلا أن المفاوضات قد تختلف عن الوساطة في أنها قد تتم بين طرفين لا يوجد نزاع بينهما بل يتفاوضون من أجل تدعيم الوصول إلى اتفاق بينهم كما أن المفاوضة قد تستغرق وقتا طويلا عكس الوساطة.

راجع بخصوص هذا التعريف:

ـ بن حليم محمد غالي، الآليات الودية لفض النزاعات في القانون المقارن، دار الهدى للطباعة والنشر، الجزائر، طبعة 2012، ص. 34.

ـ جمال عبد الناصر مانع: "الوساطة والتحكيم كآليات بديلة لفض النزاعات"، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة باجي مختار - عنابة (الجزائر)، العدد الثاني، ديسمبر 2000، ص: 11ـ29.

[7] ـ انطلاقا من هذه المفارقات تتميز الوساطة بالعديد من الخصائص يمكن إجمالها في النقاط التالية:

الطبيعة الودية وغير الملزمة: يقوم كل طرف بالتفاوض بحسن نية للوصول إلى حل مناسب، بينما يقتصر دور الوسيط على تيسير الحوار واقتراح الحلول دون أن يفرضها.

اتفاق الوساطة: يمكن أن يتم قبل النزاع فيما يعرف بـ “شرط الوساطة”، أو بعد نشوء النزاع فيما يعرف بـ “مشارطة الوساطة”.

مجال التطبيق: تقتصر الوساطة على المنازعات التعاقدية (مثل عقود اللاعبين أو الرعاية)، بينما تستبعد المنازعات التأديبية مثل قضايا المنشطات والتلاعب بنتائج المباريات.

التنفيذ: إذا نجح الأطراف في التوصل إلى اتفاق، يتم تدوينه وتوقيعه، ويصبح بمثابة سند يمكن الاحتجاج به أمام هيئات التحكيم أو القضاء عند الإخلال به.

مزايا الوساطة:

سرعة الفصل بما يتناسب مع خصوصية النشاط الرياضي.

السرية الكاملة التي تحمي سمعة الأطراف وتمنع الضغوط الإعلامية.

انخفاض التكلفة مقارنة بالتحكيم.

تعزيز الروابط والعلاقات الودية بين الأطراف.

راجع بخصوص ذلك: ـ محمد إبراهيم شراقى: الوساطة والتحكيم في المنازعات الرياضية، مقال منشور بالموقع الإلكتروني التالي:

https://www.soutalomam.net/

[8] ـ محمد وليد منصور: التحكيم والوساطة في منازعات الرياضة: دراسة مقارنة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، طبعة 2011، ص: 64.

[9] ـ أبوعلي خالد: آليات فض المنازعات الرياضية أمام محكمة التحكيم الرياضي الدولي، أطروحة دكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة تلمسان، الجزائر، السنة الجامعية 2017/ 2018، ص: 143.

[10] ـ تكيف الوساطة من منظور "النظرية العامة للالتزامات" بأنها عقد إجرائي تتلاقى فيه إرادات الأطراف المتنازعة على تفويض مكنة إدارة وتوجيه العملية التفاوضية إلى طرف ثالث (الوسيط). ويستند "الاتجاه العقدي" في الفقه إلى أن الوساطة تبدأ بعقد (اتفاق اللجوء إلى الوساطة) وتنتهي بعقد (اتفاق التسوية الودي)؛ فالوسيط لا يستمد مشروعية تدخله من ولاية القضاء أو من نص تشريعي آمر، بل من المرجعية العقدية وسلطان الإرادة. وتبعا لذلك، فإن القيمة القانونية للحل المتوصل إليه لا تعدو أن تكون عقدا شريعة للمتعاقدين، لا يحوز حجية الشيء المقضي به إلا بعد خضوعه لآلية "التصديق أو التذييل بالصيغة التنفيذية" من قبل القضاء الرسمي.

فتحي والي: الوسيط في قانون القضاء المدني، دار النهضة العربية، القاهرة، طبعة 2017، ص: 118.

[11] - Franck Latty, Le Conseil international de l'arbitrage en matière de sport (CIAS) et le Tribunal arbitral du sport (TAS), Revue Juridique et Economique du Sport, n° 75, Paris, 2005, p. 43.

[12] ـ بوعلي خالد: مرجع سابق، ص: 162.

فهذا الاتجاه الذي ينعت ب" الإجرائي القضائي" يهدف إلى إخراج الوساطة من عباءة القانون المدني وإدراجها ضمن "قانون الإجراءات"؛ لا سيما في النظم التي تأخذ بـ "الوساطة القضائية" حيث يأمر القاضي بإحالة النزاع إليها، ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الوساطة، وإن بدأت باتفاق، فإنها تخضع لضوابط مسطرية صارمة يحددها المشرع (مثل مدد الطعن، وقف تقادم الدعاوى، ومبادئ المواجهة وحياد الوسيط)؛ مما يضفي عليها طبيعة "مؤسساتية إجرائية" تجعلها امتدادا وظيفيا للعدالة الرسمية وليس مجرد عقد عادي.

ـ نبيل إسماعيل عمر: الوسائل البديلة لفض المنازعات المدنية والتجارية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2006، ص: 76.

[13] ـ محمد وليد منصور: التحكيم والوساطة في منازعات الرياضة: دراسة مقارنة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، طبعة 2011، ص: 98.

Loïc Cadiet et Thomas Clay, Les modes alternatifs de règlement des conflits, 2ème éd, Dalloz, Paris, 2017, p. 89.

[14] ـ محمد وليد منصور: مرجع سابق، ص: 112.

[15] ـ أحمد عبد الكريم سلامة: قانون الرياضة الدولي والوطني، دار النهضة العربية، القاهرة، طبعة 2015، ص: 320.

Michele Colucci, The FIFA Regulations on the Status and Transfer of Players and Mediation, International Sports Law Journal (ISLJ), Vol. 12, 2014, p. 45.

[16] ـ أحمد عبد الكريم سلامة، مرجع سابق،  ص: 412.

   ـ محمد وليد منصور، التحكيم والوساطة في منازعات الرياضة: دراسة مقارنة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، طبعة 2011، ص. 189.

Jean-Christophe Lapouble, Droit du dopage et ordre public sportif, Revue de Droit Sportif, n° 94, Paris, 2012, p. 105.

[17] ـ بوعلي خالد: مرجع سابق، ص: 224.

  ـ عبد الفتاح مراد: الجرائم الرياضية والمخالفات التأديبية للأندية واللاعبين، دار الكتب القانونية، الإسكندرية، طبعة 2009، ص: 87.

Antonio Rigozzi, The Enforcement of Sanctions for Match-Fixing and the Exclusion of ADR, International Sports Law Review (ISLR), Vol. 16, 2016, p. 73



من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله

مجلة قانونك - العدد الثالث