القانون
الدولي الانساني - حماية المدنيين في النزاعات المسلحة بين النصوص والواقع
قراءة في النزاع
الروسي–الأوكراني
الشيخ
عبد الله المنجى
باحث
بمدرسة الدكتوراه بكلية العلوم القانونية والسياسية
International humanitarian
law-protection of civilians in armed conflicts between texts and reality read
in the Russian–Ukrainian conflict
Abdallah ELMANJJI
مقدمة
يشكل
القانون الدولي الإنساني إطارا للحد من ويلات الحرب عبر موازنة الضرورة العسكرية
مع حماية المدنيين، وقد كرسته اتفاقيات جنيف (1949) وبروتوكولاها لسنة 1977 في مبادئ
التمييز والتناسب والاحتياط. غير أن النزاعات المعاصرة تكشف فجوة بين النص
والتطبيق وضعفا في آليات المساءلة، ما يثير سؤالا عن قدرة هذه القواعد على الصمود
أمام منطق القوة. وقد أعادت الحرب الروسية–الأوكرانية (منذ فبراير/شباط 2022) هذا
السؤال إلى الواجهة، مع توثيق استهداف مناطق مأهولة واستخدام أسلحة واسعة التأثير
وتموضع قوات داخل أحياء ومنشآت مدنية؛ وترجح التقارير الأممية والحقوقية مسؤولية على
طرفي النزاع، كل فيما سجل عليه من انتهاكات.
الإشكالية
التي تطرحها هذه المقال تتلخص في السؤال: إلى أي مدى التزم الطرفان
المتنازعان – روسيا وأوكرانيا – بالقواعد الجوهرية للقانون الدولي الإنساني ؟.
هذه
الإشكالية تستدعي معالجة مزدوجة: نظرية معيارية من جهة، تروم استقراء النصوص
والقواعد التي تنظم حماية المدنيين في النزاعات المسلحة؛ وتطبيقية تحليلية من جهة
أخرى، ترصد مظاهر الانتهاكات المسجلة في النزاع الروسي الأوكراني وتكيفها قانونيا.
تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها لا تسعى فقط إلى
التوصيف، وإنما تتجاوز ذلك نحو اختبار فعالية المنظومة الإنسانية الدولية ذاتها.
فمن خلال دراسة هذا النزاع، يمكن الوقوف على أوجه القوة والقصور في القواعد
القائمة، واستخلاص ما إذا كانت قادرة على حماية المدنيين عمليا، أم أنها تبقى حبرا
على ورق عند مواجهة الجيوش الحديثة واستخدام مختلف أنواع الأسلحة. كما تكتسب أهمية
إضافية من كونها توفر مادة علمية يمكن أن تسهم في النقاشات الراهنة داخل الأوساط الأكاديمية
والسياسية بشأن مستقبل القانون الدولي الإنساني، وإمكانية تطويره لمواجهة التحديات
المستجدة، كالحروب الهجينة أو النزاعات غير المتماثلة.
تتحدد أهداف هذه الدراسة في ثلاث نقاط رئيسية:
- تحليل الإطار
القانوني الذي يضبط حماية المدنيين في النزاعات المسلحة، بالتركيز على مبدأي
التمييز والتناسب.
- رصد أنماط الانتهاكات
المنسوبة إلى القوات الروسية والأوكرانية، وتوثيقها في ضوء تقارير أممية
وحقوقية.
- تكييف الانتهاكات وفق
القانون الجنائي الدولي، ولا سيما من خلال نظام روما الأساسي والفقه القضائي
للمحاكم الدولية.
تعتمد
الدراسة منهجية تحليل قانوني تستند إلى اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول
ونظام روما، وتدعمها تقارير محايدة (مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان،
اللجنة الدولية للصليب الأحمر) ومنظمات مستقلة (العفو الدولية، هيومن رايتس ووتش)
وأحكام قضائية، خصوصا اجتهادات المحكمة الجنائية ليوغوسلافيا السابقة في تفسير
مبادئ التمييز والتناسب. وتضع التحليل ضمن سياقه الواقعي والسياسي توازنات القوة،
مواقف مجلس الأمن، والتحالفات مع الحفاظ على طابع قانوني محض يقيم أفعال الأطراف
وفق المعايير الإنسانية، بعيدا عن التبريرات السياسية والسرديات الإعلامية.
ومن
هنا يتضح أن بنية المقال ستجمع بين الشق التأصيلي الذي يبين يتناول الأساس
القانوني ويبين آليات الإنفاذ، والشق التطبيقي الذي يستعرض الحالة الأوكرانية
باعتبارها نموذجا حيا يختبر تلك القواعد. لذلك، سيتوزع المقال إلى مبحثين اثنين:
المبحث الأول: الإطار القانوني
لحماية المدنيين في النزاعات المسلحة
يتناول
هذا المبحث الإطار القانوني والآليات المؤسسية لحماية المدنيين، إذ يقوم القانون
الدولي الإنساني على ضبط سلوك القتال وصون الفئات غير المشاركة، وقد كرسته
اتفاقيات جنيف (1949) وبروتوكولا 1977 في مبادئ التمييز والتناسب وواجبات الاحتياط،
مع حظر الهجمات العشوائية وغير المتناسبة.
غير
أن فاعلية هذه القواعد رهينة بالتطبيق وآليات الرقابة؛ وقد كشفت النزاعات الحديثة،
ومنها الحرب الروسية الأوكرانية، إمكان تجاهلها بذريعة الضرورة أو بسبب قصور
المساءلة. لذلك يعتمد المبحث مقاربة ثنائية تبين كيف تتحول القواعد العامة إلى
التزامات قابلة للنفاذ وحدود صمودها في النزاعات المعاصرة.
بهذا
التقسيم، يسعى المبحث إلى بيان كيف يتأسس الإطار القانوني لحماية المدنيين على
مبادئ عامة صارمة من جهة، وكيف تترجم هذه المبادئ إلى التزامات قابلة للإنفاذ عبر
آليات متعددة من جهة أخرى، الأمر الذي يتيح فهما متكاملا لمدى صلابة هذه المنظومة
في مواجهة تحديات النزاعات المسلحة المعاصرة.
المطلب الأول: المبادئ الجوهرية
في القانون الدولي الإنساني
يقوم
القانون الدولي الإنساني على مبادئ تضبط سلوك أطراف النزاع، أبرزها: التمييز (قصر
الهجمات على الأهداف العسكرية وفصل المقاتلين عن المدنيين)، التناسب (حظر الأذى
المفرط بالمدنيين قياسا بالميزة العسكرية المتوقعة)، والاحتياط (اتخاذ كل التدابير
الممكنة لتقليل الخسائر، كاختيار الوسائل الأقل ضررا والإنذار المسبق). كرست هذه
القواعد اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول وطورتها اجتهادات دولية لا سيما ICTY. غير أن النزاعات الحديثة
وتداخل الأهداف المدنية والعسكرية واستخدام أسلحة واسعة التأثير تعقد التطبيق
العملي، ما يستدعي ضبطا تفسيريا دقيقا قبل التحليل التطبيقي.
وبناء
على ذلك، يتوزع هذا المطلب إلى فقرتين رئيسيتين، تتناول الأولى مبدأ التمييز،
باعتباره حجر الزاوية في حماية المدنيين، مع بيان نطاقه وضوابطه القانونية، بينما
تتناول الثانية مبدأ التناسب والاحتياط، بوصفهما قيودا إضافية على الوسائل
والأساليب القتالية، تعكسان الموازنة بين الاعتبارات الإنسانية والضرورات
العسكرية.
هذا
التقسيم يتيح مقاربة متدرجة، تبدأ ببيان الإلزام المطلق بعدم استهداف المدنيين، ثم
تنتقل إلى تحليل الموازنة الدقيقة التي تفرضها قواعد التناسب والاحتياط، بما يساهم
في بناء تصور متكامل عن الأساس القانوني لحماية المدنيين في أوقات النزاع المسلح.
الفقرة الأولى: مبدأ التمييز
يعد
مبدأ التمييز حجر الزاوية في القانون الدولي الإنساني: يلزم أطراف النزاع بتوجيه
العمليات إلى الأهداف العسكرية ويحظر الهجمات على السكان والأعيان المدنية (المادة
48 من البروتوكول الإضافي الأول، 1977). تتجاوز أهميته الإطار القانوني إلى بعد
إنساني وأخلاقي، وقد ترسخ كقاعدة عرفية عامة. غير أن تطبيقه يتعقد في حروب المدن
وتداخل المقاتلين بالمدنيين أو استخدام أعيان مدنية لأغراض عسكرية مؤقتة. لذا يلزم
التفريق بين شقين أساسيين يقتضي أولهما التمييز بين المقاتلين والمدنيين، بينما يستلزم
ثانيهما التمييز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية.
يتيح
هذا التقسيم تحليل مبدأ التمييز في إطار مقاربة متوازنة تبرز من جهة صرامة القواعد
القانونية، ومن جهة أخرى مرونتها التطبيقية عند مواجهة تعقيدات النزاعات المسلحة
المعاصرة.
المحور الأول: التمييز بين
المقاتلين والمدنيين
يجسد
التمييز بين المقاتلين والمدنيين التطبيق العملي لمبدأ التمييز؛ إذ يحظر استهداف
المدنيين في جميع الأوقات، ولا تزول حمايتهم إلا حين يشاركوا مباشرة في الأعمال
العدائية. ويعد مقاتلا من ينتمي إلى القوات المسلحة أو جماعة منظمة ذات وظيفة
قتالية مستمرة ويتميز عن السكان بحسب قواعد النزاع، وكل من عدا ذلك مدني[1].
وتشمل المشاركة المباشرة حمل السلاح أو الإسناد الاستخباري الفوري المؤثر في
العمليات، فترفع الحماية مؤقتا بقدر تلك المشاركة. وقد كرس القضاء الدولي وخاصة
اجتهادات ICTY هذا الفهم، وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر واجب القادة في التحقق من
صفة المستهدفين قبل أي هجوم.
ومن
خلال هذا الإطار، يتضح أن التمييز بين المقاتلين والمدنيين ليس مجرد مسألة نظرية،
بل هو التزام عملي يتطلب من القادة والمقاتلين إجراءات تحقق دقيقة، وفصلا صارما
بين الفئات، وإلا تحولت العمليات العسكرية إلى أعمال عشوائية تجرد المدنيين من
الحماية القانونية.
وإذا
كان التمييز بين الأفراد يمثل الشق الأول لمبدأ التمييز، فإن الشق الثاني لا يقل
أهمية، ويتعلق بالفصل بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. فهذا الجانب يبرز
البعد المادي للمبدأ، حيث لا يكفي الامتناع عن استهداف المدنيين كأشخاص، بل يتوجب
أيضا حماية ممتلكاتهم وأماكن عيشهم من أن تستهدف إلا إذا تحولت إلى أهداف عسكرية
بفعل الاستخدام المباشر.
من هنا تأتي أهمية الفقرة الثانية التي توضح تعريف
الهدف العسكري وحدود فقدان الأعيان المدنية للحماية القانونية.
المحور الثاني: التمييز بين
الأعيان المدنية والأهداف العسكرية
يكمل
التمييز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية حماية الأشخاص؛ فطبقا للمادة 52 من
البروتوكول الإضافي الأول (1977) لا تستهدف إلا الأهداف التي تسهم فعليا في العمل
الحربي ويتوقع أن يحقق تدميرها ميزة عسكرية أكيدة، وما عداها أعيان مدنية محمية[2].
وتفقد العين المدنية حمايتها فقط خلال فترة الاستخدام العسكري المباشر لها (كمدرسة
صارت مركز قيادة أو مستشفى خزنت فيه أسلحة)، مع بقاء واجب القادة في التحقق من
زوال الحماية قبل أي هجوم.
وحتى
عند زوال الحماية، يخضع الاستهداف لقيدي التناسب والاحتياط، وهو ما يتناوله المطلب
التالي.
الفقرة الثانية: مبدأ التناسب
والاحتياط
يرسخ
كل من مبدإ التناسب والاحتياط الموازنة بين الكلفة الإنسانية والجدوى العسكرية؛
فتحظر القاعدة أي هجوم يتوقع أن يحدث خسائر مدنية مفرطة قياسا بالميزة العسكرية
المباشرة والملموسة المتوقعة (المادة 51/5/ب من البروتوكول الإضافي الأول). ويلزم
الاحتياط القادة باتخاذ جميع التدابير الممكنة عمليا لتقليل الأضرار: التحقق
من الهدف، واختيار الوسائل والأساليب الأدق، وتعديل التوقيت والتكتيك، وتوجيه
إنذارات مسبقة متى أمكن، وإلغاء/إرجاء الهجوم إذا تغيرت المعطيات. وبذلك يغدو
التناسب معيارا قانونيا ملزما حتى عند استهداف هدف عسكري مشروع، فيما يحول
الاحتياط الالتزام إلى واجبات إيجابية خاضعة للمساءلة.
ومن
هذا المنطلق، يتوزع هذا المطلب إلى محورين متكاملين:
المحور الأول: معيار التناسب
يشكل
معيار التناسب الأداة التي تقاس بها مشروعية الهجوم عبر موازنة «الضرر العرضي»
بالمدنيين والأعيان المدنية مقابل «الميزة العسكرية المباشرة والملموسة» المتوقعة.
وهو شرط موضوعي يقتضي تقديرا مسبقا للخسائر المحتملة (في الأرواح والممتلكات)
قياسا بأهمية الهدف؛ فإذا كان الضرر المقدر مفرطا عد الهجوم غير مشروع ولو كان
الهدف عسكريا. ولا تعفي تعقيدات الميدان هذا الالتزام؛ إذ تقع على القادة مسؤولية
إجراء الموازنة استنادا إلى المعلومات المتاحة وقت القرار، ومراجعتها أو
إرجاء/إلغاء الهجوم كلما اختل التوازن.[3]
المحور الثاني: واجب الاحتياط
أثناء الهجوم
إلى
جانب معيار التناسب، يجسد واجب الاحتياط أثناء الهجوم الأداة التنفيذية لمبادئ
القانون الإنساني، إذ يلزم القادة باتخاذ جميع التدابير الممكنة عمليا لتفادي
الأضرار العرضية أو تقليلها: التحقق من الهدف، اختيار الوسائل والأساليب الأقل
ضررا والأدق، ضبط التوقيت والتكتيك، توجيه إنذارات مسبقة متى أمكن، وإلغاء/إرجاء
الهجوم إذا تغيرت المعطيات. ويترتب على الإخلال بهذه الواجبات مسؤولية قانونية
مباشرة تشمل الأوامر والإشراف وفق مبدأ القيادة والسيطرة، ولا يعتد بالتذرع
بالضرورة العسكرية مع وجود بدائل أقل كلفة إنسانيا. وبالاقتران مع معيار التناسب،
يتمم الاحتياط حماية مبدأ التمييز؛ غير أن فاعليته تظل رهينة بآليات الإنفاذ
والمساءلة، وهو ما يتناوله المطلب الثاني.
المطلب الثاني: آليات الإنفاذ
والمساءلة الدولية
لا
تكفي القواعد الموضوعية بلا أدوات إنفاذ؛ لذا يعالج هذا المطلب منظومة المساءلة
التي تردم الفجوة بين النص والواقع. إذ تقوم الآليات القضائية على محاكم ad hoc (يوغوسلافيا
ورواندا) ثم المحكمة الجنائية الدولية وفق مبدأ التكامل مع القضاء الوطني، مع
إمكان الإحالة من مجلس الأمن أو مباشرة من الدول والمدعي العام. ويكمل ذلك مسارات
داخلية تشمل الولاية القضائية العالمية وتجريم الانتهاكات الجسيمة وجبر الضرر. أما
الآليات غير القضائية فترصد وتوثق وتضغط: لجان
تقصي الحقائق، آليات مجلس حقوق الإنسان، تقارير الخبراء، وعقوبات مجلس الأمن. ورغم
ما يعتري المنظومة من تسييس وانتقائية وضعف تعاون، تظل هذه الآليات الأداة المتاحة
لردع الانتهاكات، وترسيخ سلوك امتثالي، وتقريب القانون الإنساني من حيز النفاذ
الفعلي.
وانسجاما
مع منطق هذا المطلب، ينقسم التحليل إلى فقرتين رئيسيتين، تتناول الأولى القضاء
الدولي ودوره في التطبيق، حيث يبحث دور المحاكم الجنائية الدولية في ملاحقة
الانتهاكات وتثبيت السوابق القضائية.
بينما
تتناول الثانية الآليات الأممية وغير القضائية، التي تعنى بالرقابة السياسية
والتحقيقية والإدارية، بعيدا عن مسار القضاء التقليدي.
الفقرة الأولى: القضاء الدولي
ودوره في التطبيق
يعد
القضاء الجنائي الدولي ركيزة لإنفاذ قواعد القانون الدولي الإنساني؛ إذ يحول
الالتزامات المعيارية إلى مسؤولية فردية تطبق على مرتكبي الانتهاكات بعيدا عن
حصانات الدول وحسابات السياسة. لا يقتصر دوره على توصيف الأفعال، بل يكيفها
كـجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية، منتجا سوابق تفعل مبادئ التمييز
والتناسب والاحتياط في قضاء عملي قابل للقياس. تاريخيا، بدأ المسار من نورمبرغ
وطوكيو، وتبلور بمحكمتي يوغوسلافيا ورواندا في التسعينيات، وتوج بإنشاء المحكمة
الجنائية الدولية بموجب نظام روما (1998) ومبدأ التكامل مع القضاء الوطني.
بناء
على ما سبق، ستقسم هذه الفقرة إلى محورين يتناول الأول المحكمة الجنائية الدولية
(نظام روما وقضايا مختارة) ودورها في ترسيخ المساءلة، بينما يتناول الثاني المحاكم
الخاصة (يوغوسلافيا ورواندا) وإسهامها التمهيدي لقيام المحكمة الدائمة.
المحور الأول: المحكمة الجنائية
الدولية (نظام روما – قضايا مختارة).
تمثل
المحكمة الجنائية الدولية، المنشأة بنظام روما (1998) والتي دخلت حيز التنفيذ منذ
تموز/يوليو 2002، تحولا نوعيا بإنشاء جهاز دائم لمساءلة الأفراد عن أخطر الجرائم
الدولية. وتكيف الانتهاكات المتصلة بمبادئ التمييز والتناسب والاحتياط ضمن جرائم
الحرب المنصوص عليها في المادة 8، وقد رسخت قضايا مختارة مثل لوبانغا (تجنيد
الأطفال) ونغودجولو (الهجمات على المدنيين)، توسيع التفسير القضائي ومسؤولية
القادة. ورغم قيود الاختصاص الزمني والإقليمي واعتماد بعض الحالات على إحالة مجلس
الأمن، تبقى المحكمة حجر الأساس في منظومة مكافحة الإفلات من العقاب والمرجع
الأبرز لمساءلة الانتهاكات الجسيمة في النزاعات المسلحة.[4]
المحور الثاني: نماذج القضاء
الجنائي الدولي الخاص (تجارب يوغوسلافيا ورواندا).
قبل
إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة اضطلع القضاء الجنائي الخاص يوغوسلافيا
السابقة (ICTY)
ورواندا (ICTR بدور «مختبر قضائي» طور القواعد الموضوعية والإجرائية وكرس مبادئ
التمييز والتناسب والاحتياط ضمن اجتهاد ملزم. في يوغوسلافيا، ساءل القادة عن
التطهير العرقي والهجمات العشوائية وغير المتناسبة وطور معيارها؛ وفي رواندا، ثبت
أركان الإبادة الجماعية والنية الخاصة ومساءلة القيادات العليا، مع ضمانات إجرائية
لحقوق المتهمين والضحايا. وقد مهد ذلك لقيام الـICC ورسخ عدم سقوط الانتهاكات
الجسيمة بالتقادم[5].
ومع ذلك، كشف الاعتماد على القضاء وحده عن حدود عملية وسياسية (بطء الإجراءات، ضيق
الاختصاص، التسييس)، ما يقتضي تكاملا مع آليات أممية وغير قضائية كلجان تقصي
الحقائق، آليات مجلس حقوق الإنسان والمقررين الخاصين، وإجراءات مجلس الأمن
(الإحالة/العقوبات) وهو ما ستتناوله الفقرة الثانية تقييما لفعاليتها وحدودها.
الفقرة الثانية: الآليات الدولية
غير القضائية
لا
يقتصر إنفاذ القانون الدولي الإنساني على القضاء، بل يشمل آليات أممية وغير قضائية
تؤدي أدوارا حاسمة في الرصد والتوثيق والضغط السياسي. ورغم افتقارها لقوة الإلزام
القضائي، فإن سرعة تحركها وكشفها للانتهاكات والعقوبات والإحالات توصلها أحيانا
لأثر رادع مماثل. وتبرز أهميتها خاصة حين يتعذر التعاون مع القضاء الدولي أو تتعطل
الإحالات بسبب اعتبارات مجلس الأمن. وتشمل هذه المنظومة: لجان تقصي الحقائق
والبعثات الأممية وآليات مجلس حقوق الإنسان والمقررين الخاصين، إلى جانب منظمات
دولية وإنسانية ذات حضور ميداني تمكنها من جمع الأدلة المستقلة وتقديم تقارير
دورية ودعم إنساني مباشر.
وعليه،
ستقسم هذه الفقرة إلى محورين رئيسيين يتناول الأول اللجنة الدولية لتقصي الحقائق
والآليات الأممية للرصد، باعتبارها الأداة الرسمية التي أنشأتها اتفاقيات جنيف
وتطورت عبر هيئات الأمم المتحدة. ويتناول الثاني المنظمات الدولية والإنسانية، وما تقوم به من
أدوار مكملة في التوثيق والضغط السياسي وتقديم الدعم الإنساني.
المحور الأول: اللجنة الدولية
لتقصي الحقائق والآليات الأممية للرصد.
تعد
اللجنة الدولية لتقصي الحقائق آلية دائمة ومحايدة أنشأها البروتوكول الإضافي الأول
(المادة 90) للتحقيق في انتهاكات القانون الدولي الإنساني خارج الإطار القضائي؛
ورغم محدودية تفعيلها بفعل تحفظات الدول وضعف الإرادة السياسية، فإن وجودها يكرس
حاجة مؤسسية إلى رصد مستقل.
وبموازاة
ذلك، فعلت الأمم المتحدة منظومة رصد شبه قضائية لجان تقصي خاصة، بعثات تحقيق،
مقررون خاصون وآليات مجلس حقوق الإنسان تصدر تقارير دورية أصبحت مرجعا أمام
المحاكم والهيئات الدبلوماسية وأسهمت في توثيق انتهاكات عدة، بينها النزاع
الروسي–الأوكراني. هذه القنوات غير القضائية تسد فجوات المساءلة بإنشاء سجل موضوعي
يمهد لإحالات قضائية أو عقوبات دولية، مع بقاء فعاليتها رهينة التعاون السياسي.
ولتجاوز بطء القيود الرسمية، يكملها الدور الميداني السريع للمنظمات الدولية
والإنسانية، وهو ما سيتناوله المحور التالي.
المحور الثاني: دور المنظمات
الدولية والإنسانية
تتبوأ
المنظمات الدولية والإنسانية موقعا محوريا بحضورها الميداني وقربها من الضحايا؛
فإلى جانب هيئات أممية كالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين ومكتب تنسيق الشؤون
الإنسانية، تضطلع منظمات غير حكومية مثل هيومن رايتس ووتش وأطباء بلا حدود برصد
الانتهاكات وجمع الأدلة ونشر تقارير مستقلة مرجعية. وتمتاز بمرونة وسرعة وصول تتيح
توثيقا مباشرا ودعما إنسانيا للفئات الأضعف، ومع الجمع بين العمل الميداني والضغط
السياسي والإعلامي تعزز امتثال الأطراف وتكمل الآليات الأممية والقضائية[6].
وعليه،
فإن الخلاصة المركزية لهذا المبحث هي أن حماية المدنيين ليست مسؤولية نصوص قانونية
جامدة بقدر ما هي اختبار لإرادة سياسية وأخلاقية دولية. ومن هنا، يبرز الانتقال
المنطقي إلى المبحث الثاني الذي يتناول النزاع الروسي الأوكراني بوصفه نموذجا تطبيقيا
يختبر هذه المنظومة في واحد من أعقد النزاعات المسلحة المعاصرة، ويكشف عن مدى
نجاحها أو تعثرها في مواجهة واقع الحرب.
المبحث الثاني: النزاع
الروسي–الأوكراني كنموذج تطبيقي
يمثل
النزاع الروسي–الأوكراني (منذ فبراير 2022) اختبارا صارما لصلابة قواعد القانون
الدولي الإنساني وآلياته؛ إذ شمل ضربات على مدن مكتظة، واستخدام أسلحة ذات أثر
واسع، وتكتيكات أثارت جدلا حول احترام مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط. وقد
أفرزت الوقائع مادة توثيقية واسعة لهيئات أممية وقضائية ومنظمات حقوقية، كاشفة
فجوة بين النص والواقع. وينتقل هذا المبحث من التأصيل إلى التطبيق عبر تقييم
امتثال الأطراف وكشف القصور البنيوي الذي يعيق حماية المدنيين.
وعليه،
ينقسم هذا المبحث إلى مطلبين رئيسيين، يتناول الأول الانتهاكات المنسوبة إلى
القوات الروسية، مع تحليل نماذج بارزة من استهداف المدنيين والبنى التحتية. بينما يتناول الثاني
الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الأوكرانية، مع التركيز على استخدام المدنيين
والأعيان المدنية لأغراض عسكرية، وما يترتب على ذلك من إشكالات قانونية وإنسانية.
المطلب الأول: الانتهاكات
المنسوبة إلى القوات الروسية
منذ فبراير 2022، تواترت تقارير أممية وحقوقية توثق
انتهاكات منسوبة للقوات الروسية تمس جوهر مبدأي التمييز والتناسب عبر فحص طبيعة
الأهداف المقصوفة، ونوع الوسائل المستخدمة، وأنماط قصف أفضت إلى خسائر مدنية
واسعة. وتوحي الشهادات الميدانية بتجاوزات متكررة لحدود الاستخدام المشروع للقوة، وهو
ما نتجت عنه معاناة إنسانية متزايدة. تكشف هذه الوقائع الفجوة بين الالتزامات
المعيارية والممارسة العملياتية، ويغدو توثيقها أساسا لبناء ملفات قانونية تستثمر
في المساءلة أمام القضاء الجنائي الدولي وآليات التحقيق الأممية.
وبناء على ذلك، يتوزع هذا المطلب إلى فقرتين رئيسيتين،
تتناول الأولى استهداف المدنيين والأعيان المدنية، وما يشمله من قصف عشوائي أو
استخدام أسلحة ذات أثر واسع في مناطق مأهولة، وتتناول الثانية تدمير البنى التحتية
الحيوية، مع التركيز على مرافق الصحة والتعليم والطاقة والمياه، باعتبارها أعيانا
محمية بموجب القانون الدولي الإنساني.
الفقرة الأولى: استهداف المدنيين والأعيان المدنية
يعد
استهداف المدنيين والأعيان المدنية أخطر انتهاكات النزاع الروسي الأوكراني،
لمخالفته جوهر القانون الدولي الإنساني؛ فالمادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول
لسنة 1977 تحصر العمليات على الأهداف العسكرية وتحظر مهاجمة السكان والأعيان غير
المشاركة. ومع ذلك، أظهرت الوقائع تصدر المدنيين لضحايا القصف العشوائي واستخدام
أسلحة ذات أثر واسع في بيئات حضرية مكتظة، إضافة إلى ضرب البنى الحيوية التي تقوم
عليها الحياة اليومية. ويضاعف استهداف المستشفيات والمدارس والملاجئ خرق
الالتزامات الخاصة بحمايتها، كما أن تكرار هذه الأنماط على نحو واسع أو منهجي يثير
شبهة الإخلال بمبدأي التمييز والتناسب (اتفاقية جنيف الرابعة، المادة 18؛
البروتوكول الإضافي الأول، المادتان 12 و52)، وقد يرقى إلى جرائم دولية موجبة
للمساءلة. وانطلاقا من ذلك، ينقسم هذه الفقرة إلى محورين أساسيين:
المحور الأول: القصف العشوائي
للمناطق السكنية
شهد النزاع استخداما واسعا للمدفعية الثقيلة
والصواريخ الباليستية والراجمات في بيئات حضرية مكتظة، وهي وسائل لا تمكن من تحديد
دقيق للأهداف، ما يثير شبهة خرق مبدأ التمييز وتضاعف المسؤولية عند التكرار أو
إهمال الاحتياطات[7].
وقد سجلت تقارير أممية (OHCHR، تقرير مارس 2022) ومنظمات حقوقية (هيومن رايتس ووتش، تقرير أبريل 2022) هجمات على ماريوبول
وخاركيف، خلفت خسائر مدنية ودمارا واسعا، مع رصد استخدام الذخائر العنقودية
(المحظورة بموجب اتفاقية 2008 بالنسبة للدول الأطراف). وتمثل هذه الأنماط خرقا
مزدوجا يشمل عدم احترام مبدأ التمييز لعدم الفصل بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية،
وتجاوز التناسب لكبر الضرر العرضي قياسا بالميزة المتوقعة؛ بما قد يرقى إلى جرائم
حرب تدخل في ولاية المحكمة الجنائية الدولية.
ومن
ثم، فإن استعراض هذه الانتهاكات يفتح المجال للانتقال إلى صورة أخرى مكملة، تتمثل
في قصف المرافق الخدمية مثل المستشفيات والمدارس والملاجئ، وهي أعيان تتمتع بحماية
مضاعفة، وسيتم تحليلها في المحور الثاني من هذه الفقرة.
المحور الثاني: قصف المرافق
الخدمية
يمثل
قصْف المرافق الخدمية (المستشفيات، المدارس، الملاجئ) انتهاكا جسيما لقواعد الحماية
الخاصة؛ إذ توجب اتفاقية جنيف الرابعة (المادة 18) والبروتوكول الإضافي الأول
(المادتان 12 و52) احترام هذه الأعيان وحمايتها، ولا تفقد حمايتها إلا عند
الاستخدام العسكري المباشر وبعد تحقق دقيق وإنذار مسبق متى أمكن. وقد وثقت في
أوكرانيا ضربات طالت مرافق صحية وتعليمية منها مستشفى الولادة في ماريوبول (مارس
2022) وحتى مدارس اتخذت ملاجئ للمدنيين. هذه الأفعال تمثل خرقا لمبدإ الحماية الخاصة،
وإخلالا بمبدأي التمييز والتناسب، وما ينجم عن ذلك من تعطيل الرعاية الصحية
والتعليم وإضعاف وسائل النجاة. وبحكم تكرارها وطابعها الواسع، قد ترقى، إذا ثبتت
منهجيتها، إلى جرائم حرب وربما جرائم ضد الإنسانية، مع قيام مسؤوليات فردية على
الآمرين والمنفذين لعدم التحقق أو لعدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة[8].
وبهذا
يتضح أن استهداف المرافق الخدمية يمثل وجها آخر لخرق التزامات أساسية، وهو ما يمهد
للانتقال إلى الفقرة الثانية: تدمير البنى التحتية الحيوية، باعتبارها صورة موازية
من الانتهاكات التي تعكس الأبعاد الاستراتيجية والإنسانية لهذا النزاع.
الفقرة الثانية: تدمير البنى
التحتية وعرقلة المساعدات الإنسانية
يمثل
استهداف البنى التحتية المدنية وعرقلة الإغاثة نمطا خطرا من الانتهاكات؛ إذ تحظر
المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول مهاجمة ما لا غنى عنه لبقاء المدنيين
(محطات الطاقة، المياه، الاتصالات)، وتقرر المادة 56 حماية خاصة لمنشآت القوى
الخطرة. كما تلزم اتفاقية جنيف الرابعة بالسماح بمرور المساعدات (المادة 23)
وتأمين الإجلاء الطبي (المادة 17). وقد وثقت الأمم المتحدة (تقرير الأمين العام
لمجلس الأمن، يونيو 2022) ضرب ممرات إنسانية وتعطيل وصول الإمدادات، ما يكشف
استهدافا غير مباشر للسكان عبر حرمانهم من الخدمات الأساسية وإطالة معاناتهم.
وتبعا لنية الفاعل ونمط الأفعال، قد يرقى ذلك إلى جرائم حرب إذا كان متعمدا أو
ممنهجا.
وانطلاقا من هذا السياق، ستتوزع هذه الفقرة إلى
محورين رئيسيين يتناول الأول منهما استهداف منشآت الطاقة والمياه والاتصالات، باعتبارها
شرايين الحياة اليومية للمجتمعات المدنية، فيما يتناول الثاني عرقلة عمليات
الإجلاء والمساعدات الإنسانية، بوصفها صورة موازية للانتهاكات تمس مباشرة الحق في
الحياة والكرامة الإنسانية.
المحور الأول: استهداف منشآت الطاقة والمياه والاتصالات.
تعد منشآت الطاقة والمياه والاتصالات أعيانا مدنية
محمية لكونها ضرورية لبقاء السكان؛ فالبروتوكول الإضافي الأول يحظر مهاجمة ما لا
غنى عنه لبقاء المدنيين (المادة 54) ويقرر حماية مضاعفة للمنشآت ذات الأهمية
البالغة كالسدود ومحطات الطاقة النووية (المادة 56). ورغم ذلك، وثقت تقارير أممية
وحقوقية ضربات ممنهجة طالت محطات وخطوط الكهرباء في كييف وخاركيف حرمت ملايين
المدنيين التدفئة شتاء، وقصفت مرافق ضخ المياه في زاباروجيا ونيكولايف، وتعرضت
شبكات الاتصالات للتدمير مما عزل السكان وأعاق التنسيق الإنساني.
هذا
النمط يكشف توظيف الحرمان الخدمي كأداة ضغط على المدنيين والقيادة السياسية معا،
وقد يرقى إن تبين قصديته أو اتساعه المنهجي إلى جرائم حرب لمسه المباشر بسبل
البقاء الإنساني. وبناء على ذلك، تبرز هذه الوقائع وجها مكملا يتمثل في عرقلة
الإجلاء والمساعدات الإنسانية، وهو ما تتناوله الفقرة التالية.[9]
المحور الثاني: عرقلة عمليات
الإجلاء والمساعدات الإنسانية.
تعد
عرقلة الإجلاء ومنع المساعدات خرقا مباشرا لالتزامات القانون الدولي الإنساني؛ إذ
تلزم اتفاقية جنيف الرابعة بتأمين إجلاء الجرحى والمرضى (المادة 17) والسماح بمرور
الإمدادات الطبية والغذائية إلى المدنيين (المادة 23). ورغم ذلك، وثقت تقارير
أممية وحقوقية قصف ممرات إنسانية معلنة، وتعطيلا متعمدا لقوافل الإجلاء، وحصارات
مطولة لا سيما في ماريوبول وتأخير إيصال الإغاثة، وهو ما فاقم المحنة الإنسانية.
وتكشف هذه الممارسات عن توظيف التجويع والعزل الإنساني كوسائل حرب، بما قد يرقى
إلى جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي (المادة 8/2/ب/24). لذا، فإن استهداف
الممرات أو تعطيل الإغاثة ليس مجرد تقصير إجرائي، بل تهديد مباشر للحق في الحياة
والكرامة.
وبذلك،
يظهر أن الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الروسية لم تقتصر على القصف العشوائي أو
تدمير البنى التحتية، بل امتدت لتشمل عرقلة الجهود الإنسانية ذاتها، وهو ما يمهد
لتحليل متكامل في المطلب الثاني حول الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الأوكرانية،
بوصفها طرفا آخر في هذا النزاع.
المطلب الثاني: الانتهاكات
المنسوبة إلى القوات الأوكرانية
على
الرغم من توثيق الانتهاكات المنسوبة للقوات الروسية، وبما أن القانون الدولي
الإنساني يلزم جميع الأطراف دون تمييز باحترام قواعده؛ فإنه يلزم فحص الانتهاكات
المنسوبة للقوات الأوكرانية لتكوين صورة شاملة عن مظاهر الانتهاكات المنسوبة
للطرفين. فقد أثارت تقارير حقوقية صادرة عن منظمة العفو الدولية مزاعم عن استخدام
منشآت مدنية (مدارس/مستشفيات) لأغراض عسكرية، إضافة إلى حالات إساءة معاملة أسرى
ومحتجزين في مناطق استعادتها أوكرانيا. ورغم أن حجم هذه الممارسات يبدو أقل نسبيا،
إلا أنها تطرح أسئلة جوهرية حول مدى الامتثال للمعايير الدولية[10].
وانطلاقا من هذا السياق، يتوزع هذا المطلب إلى فقرتين
رئيستين تتناول الأولى الانتهاكات المتعلقة باستخدام المدنيين والأعيان المدنية،
من خلال تحليل التموضع العسكري داخل المناطق السكنية وتحويل المنشآت المحمية إلى
أهداف عسكرية مؤقتة. أما الثانية فتسلط الضوء على ممارسات إساءة معاملة الأسرى
والمحتجزين، سواء كانوا من المقاتلين أو من المدنيين، في ضوء الضمانات التي تقررها
اتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة.
الفقرة الأولى: استخدام المدنيين والأعيان المدنية
يعد احترام مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين
من جهة، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية من جهة أخرى قاعدة محورية، لكن
حروب المدن تفضي إلى تداخل الجبهات وتحويل الأحياء والمرافق المدنية إلى ساحات
اشتباك. وقد وجهت انتقادات لممارسات منسوبة إلى قوات أوكرانية تمركزت داخل مناطق
مأهولة أو استخدمت منشآت مدنية لأغراض عسكرية، ما عرض السكان والأعيان المحمية
لمخاطر مباشرة. ورغم ذرائع «الضرورة العسكرية»، يلزم القانون الأطراف باتخاذ جميع
الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين؛ كما أن استخدام المدارس أو المستشفيات
استخداما عسكريا ولو مؤقتا يسقط حمايتها ويجعلها هدفا مشروعا للطرف الآخر، مضاعفا
الأخطار على المجتمع.
وانطلاقا
من هذه الإشكالية، يتوزع التحليل في هذه الفقرة إلى فرعين رئيسيين يتناول الأول
التموضع العسكري داخل التجمعات، بينما يتناول الثاني تحويل المنشآت المحمية إلى
مواقع عسكرية مؤقتة، مع إبراز الانعكاسات المترتبة على الحماية القانونية المقررة
لهذه الأعيان.
المحور الأول: التموضع العسكري
داخل التجمعات السكنية.
يعد
التموضع العسكري داخل المناطق السكنية معضلة مركزية للقانون الدولي الإنساني، إذ
يختلط المقاتلون بالمدنيين فتتآكل فاعلية مبدأ التمييز. وقد وجهت اتهامات لوحدات
أوكرانية بالتمركز في أحياء مأهولة أو قرب مرافق مدنية، ما جعلها عرضة لهجمات
مضادة أفضت إلى خسائر جسيمة. قانونا، يخل هذا السلوك بواجب تجنيب السكان آثار
الأعمال العدائية واتخاذ الاحتياطات الممكنة؛ ولا تعفي ذريعة «الضرورة العسكرية»
من المسؤولية، لأن التموضع في التجمعات السكنية يسقط صفتها المدنية مؤقتا ويحولها
إلى أهداف مشروعة بعواقب إنسانية خطيرة. وتظهر الأدبيات الحديثة صعوبة تطبيق
التمييز في النزاعات غير المتكافئة واستغلال البيئة المدنية، بما يستدعي تعزيز
الرقابة والمساءلة لردع استخدام المدنيين كـدروع بشرية غير مباشرة.[11]
وبهذا
التمهيد، يتضح أن التموضع العسكري داخل التجمعات السكنية لا يمثل مجرد خرق عارض
للقانون، بل هو نمط سلوكي يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل مبدأ التمييز ذاته. ومن هنا،
يمهد هذا التحليل للانتقال إلى المحور الثاني: تحويل المنشآت المحمية إلى مواقع
عسكرية مؤقتة، حيث يظهر جانب آخر من إشكالية التلاعب بالصفة المدنية للأعيان
المحمية..
المحور الثاني: تحويل المنشآت
المحمية إلى مواقع عسكرية مؤقتة.
يعد
تحويل المنشآت المدنية المحمية كالمدارس والمستشفيات ودور العبادة إلى مواقع
عسكرية مؤقتة من أخطر الانتهاكات؛ فمع أن اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية
تقرر لها حماية خاصة، فإن استخدامها العسكري يسقط هذه الحماية فقط أثناء فترة
الاستخدام ويجعلها هدفا مشروعا. وقد وجهت انتقادات لممارسات منسوبة إلى قوات
أوكرانية تمثلت في التمركز أو التخزين أو القيادة داخل مرافق مدنية، ما عرضها
لهجمات روسية وأوقع خسائر بين المدنيين. قانونيا، لا يعفي فقدان الحماية المستخدم
عسكريا من المسؤولية؛ إذ يلتزم بتجنيب الأعيان المدنية كل ما يجعلها عرضة
للاستهداف ما لم تفرض ضرورة عسكرية قصوى ولا بدائل أقل ضررا. وتظهر الدراسات أن
تكرار هذا النمط يضاعف معاناة المدنيين ويقوض الثقة بالحماية الدولية، بل يهدد
مبدأ التمييز ذاته.[12]
وبذلك،
يتبين أن تحويل المنشآت المحمية إلى مواقع عسكرية لا يمثل فقط انتهاكا نصيا
للقواعد القانونية، بل يترجم إلى تهديد مباشر للأمن الإنساني. ومن هنا، تمهد هذه
الخلاصة للانتقال إلى الفقرة الثانية التي ستناول إساءة معاملة
الأسرى والمحتجزين، باعتبارها مجالا آخر تتجلى فيه الانتهاكات المنسوبة إلى القوات
الأوكرانية، خاصة في ضوء الضمانات المقررة للأشخاص المحرومين من حريتهم في
النزاعات المسلحة.
الفقرة الثانية: إساءة معاملة
الأسرى والمحتجزين
تمثل
معاملة الأسرى والمحتجزين ركيزة للقانون الدولي الإنساني؛ إذ تلزم اتفاقيتا جنيف
الثالثة والرابعة (1949) بمعاملة إنسانية مطلقة لكل من أصبح خارج القتال، مع صون
الكرامة وحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة وتوفير الضمانات الإجرائية.
غير أن النزاعات المعاصرة ومنها النزاع الروسي الأوكراني شهدت احتجازا غير قانوني
وسوء معاملة موثقا. وهذه الخروقات لا تقتصر على إخلال تعاقدي، بل قد ترقى إلى
جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي، بما يستلزم تحقيقات مستقلة ومساءلة فردية
فعالة.
وانطلاقا
من ذلك، ستتناول هذه الفقرة محورين أساسيين:
المحور الأول: الضمانات المقررة
لأسرى الحرب (اتفاقية جنيف الثالثة).
تعد
اتفاقية جنيف الثالثة (1949) المرجع لوضع أسرى الحرب، وتقوم قاعدتها على اعتبار
فقدان الحرية لا يعني فقدان الكرامة، إذ تلزم الدولة الحاجزة بـمعاملة إنسانية
تحظر العنف والإهانة والانتقام، وتكفل إيواء لائقا بعيدا عن القتال، وغذاء ودواء
مناسبين، وممارسة الشعائر، ورعاية طبية كافية، مع حق التواصل الأسري وزيارات
اللجنة الدولية للصليب الأحمر للرقابة المستقلة. وتحظر الاستجواب القسري؛ ولا يطلب
من الأسير سوى الاسم والرتبة والرقم. ويعد الإخلال بهذه الضمانات خرقا جسيما قد
يرقى إلى جريمة حرب. واحترامها التزام قانوني بحكم المعاهدات والقواعد العرفية، مع
قيام المساءلة الفردية والدولية عند حدوث الانتهاك.
المحور الثاني: حماية المدنيين
المحتجزين (اتفاقية جنيف الرابعة).
توفر
اتفاقية جنيف الرابعة (1949) الإطار الأوسع لحماية المدنيين، ولا سيما المحتجزين
أو الواقعين تحت سلطة طرف في النزاع أو الاحتلال؛ فالأصل أنهم غير مشاركين مباشرة
ويجب معاملتهم معاملة إنسانية تحظر التعذيب، والاعتقال التعسفي والنقل القسري
والانتقام. وتكفل لهم ضمانات جوهرية كمحاكمة عادلة، وصون الكرامة، وتوفير الغذاء
والدواء والمأوى، ولا يجوز احتجازهم إلا لأسباب أمنية قهرية مع مراجعة دورية
وزيارات للجنة الدولية للصليب الأحمر للرقابة المستقلة. وفي النزاع الروسي الأوكراني،
تكشف التقارير عن اعتقالات غير قانونية ونقل قسري، وهي انتهاكات قد ترقى إن اتسمت
بالاتساع أو المنهجية إلى جرائم ضد الإنسانية[13].
وعليه،
فإن حماية المدنيين المحتجزين تمثل اختبارا لمدى صلابة القانون الدولي الإنساني في
مواجهة الممارسات العملية للنزاعات المسلحة المعاصرة، وتؤكد الحاجة إلى تفعيل
آليات الإنفاذ والمساءلة الدولية.
خاتمة
يتضح من خلال دراسة الإطار القانوني والممارسة
العملية في النزاع الروسي الأوكراني أن الفجوة بين النصوص الإنسانية والواقع
الميداني لا تزال واسعة. فقد أثبتت الوقائع أن المبادئ الجوهرية للقانون الدولي
الإنساني وفي مقدمتها مبدأ التمييز ومبدأ التناسب تعرضت لانتهاكات جسيمة، سواء
باستهداف المدنيين والمرافق الحيوية، أو باستخدام الأعيان المدنية لأغراض عسكرية،
أو عبر إساءة معاملة الأسرى والمحتجزين. هذه الخروقات لم تكن حوادث معزولة، بل
اتخذت طابعا متكررا ومنهجيا، ما يضعها في دائرة الجرائم الدولية التي تستوجب
المساءلة.
النتائج الرئيسة
انطلاقا مما سبق، يمكن استخلاص النتائج التالية:
1) وضوح الإطار القانوني الدولي لحماية المدنيين، لكنه
يظل رهينا بإرادة الأطراف المتحاربة ومدى التزامها.
2) الانتهاكات كانت من طرف الجانبين.
3)
آليات
الإنفاذ الدولية – القضائية وغير القضائية – أثبتت أهميتها، لكنها ظلت محدودة بفعل
التعقيدات السياسية وبطء الإجراءات.
التوصيات العملية
وبناء
عليه، تبرز الحاجة إلى جملة من التوصيات العملية:
1)
تعزيز
دور المحكمة الجنائية الدولية من خلال توسيع صلاحياتها وضمان استقلاليتها عن
الضغوط السياسية، بما يسمح بمساءلة حقيقية عن الجرائم المرتكبة.
2)
تفعيل
آليات التحقيق والرصد الأممية، وخاصة لجان تقصي الحقائق والمقررين الخاصين، وتوفير
الدعم المالي واللوجستي لاستقلاليتها.
3)
تقوية
التعاون مع المنظمات الإنسانية الدولية لتوثيق الانتهاكات وتقديم الدعم المباشر
للمدنيين المتضررين.
4)
إصلاح
منظومة مجلس الأمن عبر تقليص استخدام حق النقض في القضايا الإنسانية، بما يضمن
استجابة أكثر فعالية لحماية المدنيين.
5)
العمل
على تطوير قواعد القانون الدولي الإنساني لمواكبة التحديات المستجدة في النزاعات
غير المتماثلة والحروب الهجينة.
إن
حماية المدنيين في زمن الحرب ليست اختبارا لنصوص جامدة بقدر ما هي امتحان لإرادة
المجتمع الدولي في تحويل مبادئ العدالة والإنسانية إلى واقع ملموس. وفي سياق
النزاعات المسلحة، تتشدد الالتزامات: حظر تجويع المدنيين كسلاح )نظام
روما 8/2/ب (24، وصون
الأشياء الضرورية لبقائهم (البروتوكول الإضافي الأول م54) وحماية المنشآت ذات الأهمية
البالغة (م56)، وضمان المرور السريع وغير المقيد للمساعدات الطبية والغذائية
وإتاحة الممرات الآمنة، مع التقيد الصارم بمبادئ التمييز والتناسب والاحتياط. وقد أبرزت الحرب الدائرة اليوم أن صلابة النصوص تظل رهينة بفعالية الإنفاذ
ونزع التسييس عن قرارات الإغاثة والحماية. وعليه، فإن هذه الوقائع تشكل دعوة
متجددة لإصلاح المنظومة الإنسانية الدولية وتحصينها ضد الانتقائية، حتى تبقى قادرة
على حفظ الكرامة الإنسانية وسط ويلات الحروب.
[1] Sassòli, M. (2019). International humanitarian law: Rules,
controversies, and solutions to problems arising in warfare. Geneva: ICRC.
[3] Meron, T. (2000). The Humanization of Humanitarian
Law. American Journal of International Law, 94(2), 239–278
[4] Bosco, D. (2014). Rough Justice: The International
Criminal Court in a World of Power Politics. Oxford: Oxford University Press.
[5] Cassese, A. (2008). International Criminal Law (2nd
ed.). Oxford: Oxford University Press.
[6] الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار 46/182: تعزيز تنسيق
المساعدة الإنسانية في حالات الطوارئ، 19 كانون الأول/ديسمبر 1991.
[7] مرزوق، هالة.
(2020). الانتهاكات
الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والمسؤولية الجنائية الدولية. القاهرة: دار النهضة العربية.
[8] خليفة، حسن، مبدأ التناسب
في العمليات العسكرية بين الاعتبارات الإنسانية والمتطلبات العسكرية، مجلة
الدراسات القانونية والدولية، جامعة الجزائر،2021.
[9] مرزوق، هالة،
الانتهاكات
الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والمسؤولية الجنائية الدولية. القاهرة: دار النهضة العربية، 2000.
[10] منظمة العفو الدولية.
(2022). تكتيكات
القتال الأوكرانية تعرّض المدنيين للخطر وتخالف القانون الدولي الإنساني. تقرير، 4 أغسطس 2022.
[11] بن عيسى زايد، التمييز بين النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية،
أطروحة دكتوراه في القانون الدولي، جامعة محمد خيضر بسكرة، كلية الحقوق والعلوم
السياسية 2016.
[12] عواشرية رقية، حماية المدنيين والأعيان المدنية في النزاعات
المسلحة غير الدولية. أطروحة دكتوراه، كلية
الحقوق، جامعة عين شمس، 2001.
[13] تنصّ اتفاقية جنيف الرابعة (1949) على حماية المدنيين المحتجزين أو الواقعين تحت سلطة طرف في النزاع أو الاحتلال، حيث تحظر المادة 27 كل أشكال المعاملة غير الإنسانية، وتُلزم باحترام الكرامة والحقوق الأساسية، فيما تنظّم المواد 32–34 حظر التعذيب والعقوبات الجماعية والترحيل القسري. كما تفرض المادة 76 ضمانات المحاكمة العادلة، وتقرّر المواد 82–88 توفير ظروف إنسانية للاحتجاز.
من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله
