قراءة في المادة 13 من القانون 38.15 - محمد بداز






قراءة في المادة 13 من القانون 38.15

محمد بداز

باحث بسلك الدكتوراه تخصص القانون الخاص - كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية - جامعة القاضي عياض مراكش

 

A Reading of Article 13 of Law No. 38.15

Mohammed BADAZ

 

مقدمة:

يعتبر التنظيم القضائي الإطار القانوني والهيكلي الذي ينظم سير العمل داخل المحاكم المغربية ، هذه الأخيرة التي أسند لها المشرع المغربي القدرة والصلاحية للنظر في كل النزاعات الناشئة بين الأفراد سواء فيما بينهم أو في علاقتهم بمؤسسات أخرى عامة كانت أو خاصة، فمنذ فجر الاستقلال و المشرع عادة ما يجعل مهمة حل النزاعات مقتصرة على المحاكم والأجهزة القضائية، لكن مع تطور المجتمع وتطور مفهوم التنظيم القضائي، ونظرا للإكراهات والعراقيل التي أضحت تواجه السير العادي للمحاكم أبروها العبء والضغط الكبير بسبب تراكم القضايا والملفات، الأمر الذي أثر سلبا على مدة النظر في هذه النزاعات من جهة وتعقد الإجراءات والمساطر وطولها من جهة ثانية، مما أصبح معه اللجوء لما يعرف بالوسائل البديلة لحل النزاعات ضرورة ملحة في الوقت الحاضر نظرا لما لهذه الوسائل من خصائص ومميزات، كالسرعة والفعالية، لذلك كان المشرع المغربي من الدول السباقة إلى اعتماد هذه الوسائل، بعيدا عن المحاكم في حل النزاعات. وعليه يمكن تعريف الوسائل البديلة لحل المنازعات بأنها مختلف الوسائل والآليات التي يلجأ إليها الأطراف في حالة وجود نزاع بينهم من أجل التوصل إلى حل لنزاعهم، دون سلك المساطر القضائية العادية للدعوى.

   والوسائل البديلة لحل المنازعات لم تقتصر على مجال محدد للقضايا التي تعرض على المحاكم بل همت جل القضايا بما فيها القضايا الأسرية، ونجد السند القانوني لاعتماد هذه الوسائل المتمثلة في الصلح والوساطة الاتفاقية والتحكيم في القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي[1] وكذا القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية[2].

   كل هذه المعطيات تجعلنا نتساءل عن الإطار العام والمفاهيمي للوسائل البديلة لحل النزاعات التي نص عليها التنظيم القضائي الجديد، خاصة آليتي الصلح والوساطة الاتفاقية؟ وكذا عن مضمون ومدلول المادة 13 من القانون رقم 38.15؟ وأخيرا عن مدى نجاعة آلية الصلح والوساطة الاتفاقية في حل النزاعات، خاصة النزاعات الأسرية؟

    لعل تحليل هذا الموضوع يفرض بالضرورة وضع آليتي الصلح والوساطة الاتفاقية في إطارهما العام من خلال القانون رقم 38.15 (المطلب الأول)، على أن يتم تحليل مضمون المادة 13 منه وإبراز مدى مساهمة هاتين الآليتين في حل الخلافات والنزاعات الأسرية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الإطار العام للوسائل البديلة لحل النزاعات في ضوء القانون 38.15

نص المشرع المغربي على مجموعة من الوسائل والآليات لفض النزاعات، حيث جعلها بديلة عن الإجراءات العادية للتقاضي ونجد في مقدمتها الصلح كآلية لحل النزاعات (الفقرة الأولى)، ثم هناك آلية أخرى لا تقل أهمية عن الصلح وهي الوساطة الاتفاقية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الصلح كآلية بديلة لحل النزاعات.

يعتبر الصلح من أكثر الوسائل نجاعة في رأب الخلاف والنزاع بين الأطراف المتخاصمة.

فالصلح في اللغة هو قطع النزاع. وفي الإصطلاح هو إجراء يحصل به قطع المنازعة وإنهاء الخصومة، ندب إليه لأن به يرتفع التشاجر والتنازع بين الخصوم باعتبارهما من منشأ الفساد، خاصة وأن فض المنازعات بين الناس غاية مثلى يسعى إلى تحقيقها العقلاء في كل زمان ومكان[3]، وقد عرف المشرع الصلح أيضا في قانون الالتزامات والعقود بأنه "الصلح عقد بمقتضاه يحسم الطرفان نزاعا قائما أو يتوقيان قيامه وذلك بتنازل كل منهما للآخر عن جزء مما يدعيه لنفسه أو بإعطائه مالا معينا أو حقا"[4].

لذلك فان آلية الصلح تعتبر من أكثر الوسائل نجاعة في رأب الخلاف والنزاع بين الأطراف المتخاصمة وإنهاء الخصومة ووضع حد للنزاع في أقصر الآجال وبأقل التكاليف فضلا عن كونه يرسخ ثقافة الحوار والتسامح وينمي العلاقات الاجتماعية والعائلية ويحافظ على أواصر المودة ويحقق الأمن والاستقرار على مستوى العائلة والمجتمع بصفة عامة والملاحظ أن المشرع المغربي قد نص على إمكانية حل النزاع عن طريق الصلح في بعض الحالات دون سلك المساطر العادية للتقاضي وذلك لما لهذه الآلية من خصائص ومميزات تساهم بشكل فعال وسريع في حل النزاع وتخفيف العبء على المحاكم. وعند الحديث عن الصلح لابد أن نميز بين الصلح كإجراء إلزامي في قضايا الأسرة عند حدوث نزاع بين الزوجان وبين الصلح في الأحوال العادية، فالصلح في قضايا الأسرة جعله المشرع الأسري إجراء جوهري ألزم فيه المحكمة بضرورة سلكه وإلا كانت إجراءات الطلاق والتطليق باطلة.

وبالرجوع إلى المقتضيات القانونية المنظمة لمسطرة الصلح في مدونة الأسرة[5] نجد المشرع استنبط هذه المقتضيات من الشريعة الإسلامية هذه الاخيرة التي عنيت بتعاليمها السمحة بالعلاقات الزوجية عبر الدعوة إلى إقامه الصلح بين الزوجين عندما يقع الخلاف بينهما[6]، وذلك من خلال الكتاب والسنة النبوية، فقد قال الله تعالى {وان امرأه خافت من بعلها نشوزا او اعراضا فلا جناح عليهما ان يصلح بينهما صلحا والصلح خير}[7]، وقال أيضا في كتابه العزيز {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا}[8]، أما فيما يخص السنة النبوية فهناك حديث رواه ابن حبان وصححه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا وموقوفا قال  {ّالصلح جائز بين المسلمين الا صلح احل حراما او حرم حلال}[9].

وعلى هذه الأدلة الشرعية فقد بني المشرع الأسري مسطرة الصلح وجعلها إجراء إجباري ألزم فيه الأطراف والمحكمة بسلكه خاصة في دعاوى الطلاق والتطليق ونظرا للأهمية هذه المسطرة، فقد أفرد لها المشرع حوالي 13 مادة وردت في الكتاب الثاني المتعلق بانحلال ميثاق الزوجية وآثاره وقد كانت هذه الأهمية نتاجا للخصائص والمميزات التي يتميز بها الصلح عن غيره من الآليات الأخرى والمتمثلة في:

 - وقوع نزاع بين الزوجين وسبقيه رفع دعوه الشقاق

-إلزاميه القيام بالصلح من طرف المحكمة

 - رضائية إجراء الصلح في دعوه الشقاق

لذلك فإن إجراء مسطرة الصلح من أولى الإجراءات التي قيد بها المشرع الأسري الأطراف والمحكمة وذلك تطبيقا للمادة 113 من مدونة الأسرة والتي جاء فيها "يبث في دعاوى التطليق المؤسسة على أحد الأسباب المنصوص عليها في المادة 98 أعلاه بعد القيام بمحاولة الإصلاح باستثناء حاله الغيبة... "[10].

فمحاوله الإصلاح إجراء اقتضته مصلحة الأسرة وهي مصلحة اجتماعية عامة بالأساس ومن ثم فقد جعلها المشرع إجراء من صميم النظام العام لذلك فهي ملازمة لكل حالة تعرض على القضاء تهدف إلى التفرقة بين الزوجين بالطلاق أو بالتطليق بكل أنواعهما باستثناء حالة التطليق للغيبة حيث يتعذر إجراؤها عمليا في هذه الحالة ذلك أن محاولة الاصلاح تقتضي الحضور الشخصي والفعلي للزوجين معا، ويضاف إلى ذلك حالة طلب التطليق لإصابة الزوج بجنون حيث تنعدم إرادته وبالتالي أهلية أدائه[11]. وقد نظم المشرع المغربي مسطرة الصلح في قضايا الأسرة من خلال المواد 81 و82 و83 من المدونة التي وردت في الباب المتعلق بالطلاق الذي يقع من طرف الزوج.

وعليه فالملاحظ أن مدونة الأسرة قد وحدت إجراءات الصلح بالنسبة للأطراف والتطليق والتعدد على حد سواء، وذلك عندما أحالت على المادة 82 من مدونة الأسرة في مسطرة التطليق بسبب الشقاق وكذلك عندما نصت في المادة 113 منها على أنه يبث في دعاوى التطليق المؤسسة على أحد الأسباب المنصوص عليها في المادة 98 أعلاه بعد القيام بمحاولة الاصلاح باستثناء حالة الغيبة.

وتجدر الإشارة إلى أن المادة 13 من القانون 38 15 المتعلق بالتنظيم القضائي الجديد، لم تقتصر على الصلح في القضايا الأسرية كآلية لحل النزاع بل جعلت قضايا الأسرة من القضايا التي يكون فيها الصلح إلزامي وبالتالي أخرجتها من مقتضياتها الجاعلة إمكانية اللجوء للمحكمة للصلح، كآلية بديلة لحل النزاع في كل القضايا التي لا يكون فيها الصلح إجباريا أو القضايا التي لا يمكن فيها إجراء صلح بنص القانون، فالصلح كآلية يمكن إعماله في الكثير من القضايا سواء المدنية أو التجارية أو الزجرية وغيرها، ما دام أن له من الفعالية والنجاعة لتحقيق الغاية الأسمى، وهي المصالحة دون اللجوء إلى القضاء، واتباع المساطر العادية للتقاضي .

الفقرة الثانية: الوساطة الاتفاقية كآلية لحل المنازعات.

تعد الوساطة الاتفاقية من بين الآليات والوسائل التي جعلها المشرع المغربي طريقا بديلا لفض النزاعات، دون سلك المساطر القضائية للنزاع، وتعتبر الوساطة من أهم الحلول البديلة التي عبرت عن فعاليتها في معالجة هذا النوع من القضايا داخل الأنظمة القانونية، التي تعتمدها كوسيلة لفض المنازعات، وخاصة المنازعات الأسرية وذلك لما تتمتع به من خصائص تجعلها أكثر ملاءمة في تدبير هذا النوع من النزاعات.

والوساطة في الدلالة اللغوية تعني الوسيط والتوسط بمعنى الاعتدال في القدر والفعل والفكر وأوسط الشيء أفضله والوسيط في القوم حسيبهم[12]، أما في الإصطلاح فهي عملية مهيكلة يسعى من خلالها طرفان أو أكثر في نزاع بأنفسهم وبمحض إرادتهم إلى الوصول إلى اتفاق لتسوية خلافتهم بمساعدة شخص ثالث يدعى الوسيط.

وقد نظم المشرع المغربي الوساطة الاتفاقية من خلال القانون الجديد رقم 95.17 من المادة 86 إلى 100 من هذا القانون الذي لم يرى النور إلا بعد 24 ماي 2022 وعرف من خلالها اتفاق الوساطة بأنه العقد الذي يتفق الأطراف بموجبه على تعيين وسيط يكلف بتسهيل إبرام صلح لأنهاء نزاع نشأ او قد ينشأ فيما بعد. [13]

لذلك فالوساطة في الغالب هي وسيلة طوعية غير ملزمة لحل الخلافات القائمة بين الأطراف من خلال اتفاقهم هم أنفسهم على تدخل طرف ثالث محايد وموضوع ثقه في إيجاد حل لخلافاتهم عن طريق الحوار، وهي تعتبر هنا عملية غير رسمية يتولى فيها الوسيط المحايد مساعدة طرفين متنازعين في الوصول إلى تسوية يقبلانها وقد تكون وسيلة الزامية لا محيد عن سلكها إذا تعلق الأمر بما اصطلح على تسميته بالوساطة القضائية كما هو الحال بالنسبة للنظام المصري الذي يستلزم عرض النزاع لزوما وبشكل قبلي على مكاتب تسويه النزاعات قبل تحويله إلى محكمة الموضوع عند فشل عملية الوساطة.[14]

إن جعل المشرع المغربي ينص على الوساطة الاتفاقية كآلية لحل النزاعات، نابع من الخصائص والمميزات التي تتميز بها عن غيرها من الوسائل الأخرى، ولعل أبرز الخصائص التي تتميز بهم الوساطة الاتفاقية نجد:

أولا: السرية : وذلك لأن جلسات الوساطة الأسرية تتسم بالسرية التامة في كل ما يروج خلالها، حرصا على المحافظة على أسرار الحياة الخاصة للأطراف المتنازعة، والتي قد يؤدي إفشاؤها أمام المحاكم إلى تعميق الخلاف وإذكاء الصراع بين هؤلاء الآخرين، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالتفاصيل الدقيقة للحياة الزوجية والتي يحرص الأطراف ما أمكن على عدم البوح بها، لذلك فالوساطة الأسرية توفر لطرفي العلاقة المتنازعين مجالا مريحا للتعبير بكل حريه واطمئنان عن مشاكلهما وأسباب الخلاف بينهما[15].

 ثانيا: المرونة: وتتجلى هذه الخاصية في غياب القيود المسطرية والقانونية التي من شأنها الحد من فعالية الوسيط ومبادرته، حيث يبقى هذا الأخير مع الأطراف المتنازعة أكثر حريه في اتخاذ أية مبادرة للتفاوض والصلح، وكذا الوصول إلى حلول واقتراحات لفض النزاع  الحاصل بينهم إلى أن يتم الوصول إلى حل مناسب ومرضي للجميع[16].

 ثالثا: السرعة: من بين الخصائص الأخرى للوساطة الاتفاقية أيضا نجد السرعة، هذا العنصر الفعال الذي يلعب دورا محوريا في تبسيط المساطر وسرعتها. فالأطراف يمكن لهم التوصل إلى حل ودي في وقت قياسي، قد لا يتعدى أحيانا يوما واحدا، بخلاف ما عليه الأمر في النزاعات التقليدية التي تعرض على المحاكم بطول إجراءاتها ومساطرها، خاصة في النزاعات الأسرية، فالسرعة مطلوبة في نفس الوقت لحل النزاعات الأسرية والعائلية، لذلك فالوساطة الأسرية وبما تتميز به من اختصار للوقت في حل الخلافات، تشكل حلا أكثر ملاءمة لطبيعة هذه النزاعات التي تصبح مستعصية وخارجة عن السيطرة أحيانا، إذا لم تعالج بالسرعة اللازمة وهو ما يعود على استقرار الأسرة ومستقبل الأبناء بأكبر الأضرار.

    كذلك عند الحديث عن الوساطة الاتفاقية خاصة في النزاعات الأسرية، لابد من التطرق لأنواع هذه الوساطة التي قد تكون إما وساطة أسرية قضائية وهي تلك الوساطة التي تمارس بإشراف من القضاء وتوجيهه وتتطلب بالضرورة وجود نزاع معروض أمام هذا الأخير، وفي هذا الإطار نميز بين حالتين من أنواع الوساطة القضائية فهي؛ إما أن تباشر من طرف قاض من القضاة المكلفين بقضايا الوساطة وهو القاضي الوسيط، وأما أن يقوم بها وسيط محترف تعينه المحكمة المعروض عليها النزاع من ضمن قائمة الوسطاء لديها. وإما أن تكون وساطة أسرية اتفاقية، وهي التي يتفق عليها الطرفان دون أن يكون هناك أي نزاع معروض بينهما على المحكمة من خلاله يسعيان بمحض إرادتهما إلى الوصول إلى اتفاق لتسوية خلافاتهم العائلية بمساعدة الوسيط الأسري الذي يشرف على عملية حل النزاع دون أن تكون له الصلاحية لصنع القرار وتكون هذه الصناعة باللجوء إلى الوساطة الأسرية وليدة الإرادة الحقيقية للأطراف المتنازعة، لذلك فهي تبقى اختيارية وطوعية وغير ملزمة، ويتم اختيار الوسيط الأسري في الوساطة الاتفاقية بناء على رضا الطرفين المشترك واعتمادا على ما يتمتع به الوسيط من قيم ومؤهلات عملية تؤهله للقيام بفتح الحوار بين الطرفين.[17]

   وبالتالي فان الوساطة الاتفاقية خاصة الوساطة الأسرية في حل النزاعات الأسرية لا تقل أهمية عن الصلح كآلية لفض النزاعات، لذلك نجد المشرع المغربي نص عليها في المادة 13 من قانون التنظيم القضائي وخص لها مقتضيات جديدة خاصة في القانون 95.17 نظرا للدور الهام التي تقوم به هذه الوسيلة في حل النزاعات، والوصول إلى اتفاق يرضي الأطراف المتنازعة ويساهم في تخفيف العبء عن المحاكم وتجاوز طول الاجراءات والمساطر وتعقيداتها.

المطلب الثاني: تحليل المادة 13 من القانون 38.15

جاء المشرع المغربي بمجموعة من المقتضيات المنظمة للوسائل البديلة لفض النزاعات، خاصة تلك المنصوص عليها في قانون التنظيم القضائي الجديد في المادة 13 منه مما يأخذنا الأمر إلى محاولة تحليل مضمون هذه المادة (الفقرة الأولى)، على أن نبين فيما بعد مدى فعالية ونجاعة هذه الآليات في حل المنازعات (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تحليل مضمون المادة 13 من القانون 38.15 

نص المشرع المغربي في المادة 13 من القانون الحامل الرقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي الجديد على ما يلي: " يمكن للمحكمة المعروض عليها النزاع، ما لم تكن محاولة الصلح إجبارية بنص قانوني، دعوة الأطراف لحل النزاع عن طريق الصلح أو الوساطة الاتفاقية، في الحالات التي لا يمنع فيها القانون ذلك "[18].

لابد لتحليل هذا المقتضى القانوني من إتباع مجموعة من الخطوات، بدءا بالجانب الشكلي للنص القانوني لإبراز هوية النص وطبيعته وبنيته (أولا)، وصولا إلى تحليل الجانب الموضوعي منه (ثانيا).

أولا : التحليل الشكلي للنص

عند القراءة الأولية لنص المادة 13 من قانون التنظيم القضائي، يظهر جليا أن هذه المادة تتكون من فقرة واحدة. ويندرج هذا النص القانوني في الفصل الثالث المتعلق بقواعد تنظيم عمل الهيئات القضائية، ضمن الباب الأول المتعلق بمبادئ التنظيم القضائي وقواعد تنظيم عمل الهيئات القضائية، ضمن القسم الأول المتعلق بمبادئ وقواعد التنظيم وحقوق المتقاضين من قانون التنظيم القضائي.

     أما الطبيعة القانونية للنص فإن هذه المادة تناولت بالتحديد موضوع الوسائل البديلة لحل المنازعات، أي أنها تناقش مختلف الوسائل والآليات البديلة التي يمكن بواسطتها حل مجموعة من النزاعات دون اللجوء إلى القضاء وإتباع مساطره وإجراءاته المعقدة، أما من الناحية البنيوية للنص القانوني فإنه كما أسلفنا، يتكون من فقرة واحدة تظم مجموعة من الكلمات والمفاتيح اللغوية، تبتدئ بكلمة "يمكن" وتنتهي بكلمة "القانون ذلك"، وكلمة يمكن تفيد الإمكانية  والتخيير وليس الإلزام، بمعنى أن المحكمة يمكن لها سلك هذه الإمكانية أو قد لا يمكن لها ذلك، ما دام المشرع المغربي في هذا القانون لم يرتب جزاء عن عدم سلك المحكمة لهذا الإجراء.

    فالغاية الأسمى من وضع المشرع لهذا النص هي انفتاحه على مجموعة من الوسائل التي جعلها بديلة لحل النزاعات، بدل اللجوء إلى المحاكم وإتباع المساطر العادية للتقاضي، وذلك إيمانا منه، أن هذه الآليات البديلة ستحل الكثير من الإشكالات والمعيقات، من بينها تخفيف العبء على المحاكم والسرعة في البت والقدرة على حل القضايا.

ثانيا: التحليل الموضوعي للنص

إن وضع هذا النص اقتضى بالمشرع الانفتاح على جل الوسائل والآليات التي تساعد المنظومة القضائية في تجاوز المعيقات والصعوبات التي تقف حاجزا وراء تحقيق نجاعتها. لذلك جاء المشرع المغربي بهذا المقتضى التشريعي الذي مكن من خلاله المحاكم من إمكانية اللجوء إلى إحالة النزاع على هيئات ومؤسسات غير قضائية، من أجل حل النزاع نظرا لتراكم القضايا والملفات في رفوف المحاكم، والمتمثل في المادة 13 من القانون 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي.

وتحليلا لمضمون هذه المادة الفريدة، فيمكن اعتبارها انتصارا هاما للمنظومة القضائية بالمغرب، ذلك أنه عندما نصت على إمكانية جعل بعض القضايا تحال على وسائل أخرى تحل بمقتضاها النزاع كالصلح والوساطة الأسرية. فالمشرع المغربي بوضعه لهذا المقتضى القانوني، قد سن قاعدة قانونية جديدة، مفادها أن هناك بعض الآليات والوسائل والهيئات أسند إليها المشرع صلاحية البت في مجموعة من القضايا والملفات، بدل اللجوء إلى المحاكم وإتباع المساطر القضائية العادية، التي قد تطول أكثر، وذلك وفق شروط محددة ضمنها المشرع في نفس المادة أعلاه، وهي ألا تكون محاولة الصلح إجبارية بنص قانوني كما هو الحال في القضايا الأسرية وبعض القضايا الأخرى. وفي الحالات التي لا يمنع فيها القانون ذلك، أي يمنع فيها القانون اللجوء إلى الوسائل البديلة لحل النزاعات، كما هو الحال في الميدان الجنائي وغيره من المجالات الأخرى.

إن الغاية من التنصيص في المادة 13 من قانون التنظيم القضائي على الصلح والوساطة الاتفاقية كآليتين لحل المنازعات، نابع من الدور الهام الذي تقوم به هذه الوسائل في فض النزاعات، وكذا نظرا للخصائص والمميزات التي تتميز بها هذه الوسائل، من سرعة البت وسرية المناقشة وغيرها من الخصائص الأخرى، ولعل الإشكالية التي يثيرها هذا النص وهي إلى أي حد استطاعت أو تستطيع هذه الوسائل البديلة حل المنازعات عن طريق الصلح والوساطة الاتفاقية بالإضافة إلى آلية التحكيم؟ هذا الأخير الذي لم ينص عليه المشرع في المادة 13 لكن خص له قانون خاص، وهو القانون السالف الذكر 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية.

الفقرة الثانية: مدى فعالية ونجاعة الوسائل البديلة في حل المنازعات.

إن تطوير الوسائل البديلة لتسوية النزاعات هو أكثر من تطوير فــي الأسلوب، إنه يظهر في الواقع الحاجة إلى تغيير عميق في النظام القضائي المعاصر ينقلنا هذا التغيير من القانون المفروض إلى القانون القابل للمفاوضة، وهذا يعتبر نهاية للدولة صاحبة النفوذ القوي التي تكون فيها القوانين والأنظمة الوسائل الوحيدة والمفضلة لتسوية النزاعات فنحن أصبحنا نعيش في عالم يعطي أهمية كبرى للعقد.  

وجدير بالذكر أن الوسائل البديلة لحل المنازعات، قد أصبحت من الوسائل الملائمة للفصل في مجموعة هامة من المنازعات، كما هو الشأن في منازعات التجارة الدولية وحماية المستهلك، والمنازعات الناشئة في بيئة الإنترنت، والتجارة الإلكترونية، والملكية الفكرية في العصر الرقمي وغيرها من المنازعات، حتى أصبح يطلق على هذه الوسائل بالنظر لطابعها العملي” الطرق المناسبة لفض المنازعات”. بل لقد أصبح اللجوء إلى التحكيم مشروطا في غالب الأحيان بضرورة اللجوء مسبقا إلى الوساطة أو التوفيق.

فالنظرة الموضوعية تكشف على أن بطء إجراءات التقاضي وتعدد درجاته وارتفاع تكاليفه في الدول المتقدمة بوجه خاص، يجعل الوسائل البديلة أكثر ملاءمة، فالقضاء أثقلوا كاهله بعدد من القضايا التي تطرح عليه وفتح باب الوسائل البديلة يسهم في حل المشكلة على الصعيد الوطني، خاصة مع توقع ازدياد الوعي بهذا النظام ومزاياه التي تكمن في الآتي:

1-   تقليل عدد الدعاوى التي تحال على القضاء، فقد أثبتت تجارب البلدان التي أخذت بهذا النظام بأنها ساهمت بشكل مباشر في تخفيف العبء على المحاكم.

2 - محدودية التكاليف واستغلال الوقت. تؤدي الوسائل البديلة لتوفير الوقت والجهد والنفقات على الخصوم ووكلائهم من خلال إنهاء الدعاوى في مراحلها الأولى، فالوصول إلى حل خارج القضاء يكون من دون شك أسرع وأوفر.

3 - خلق بيئـة استثمـارية جاذبـة.

4 - يمثل نظام الوسائل البديلة مفعول أكثر من قرار المحكمة، لأنها تكون مبنية على الواقع الحقيقي للأحداث، بينما يشوه هذا الواقع عندما يعرض أمام القاضي، لذا يمكننا القول بأن هذا النظام أقرب إلى الواقع من القضاء.

5- الخصوصيـة: يكفل هذا النظام محافظة طرفي النزاع على خصوصية النزاع القائم بينهما، وذلك بغية خلق روابط جيدة بين الأشخاص أو المؤسسات، كما هو الشأن في الوساطة العائلية، فهذا النظام يتيح للزوجين تقييم الأمور والبحث عن مصلحة الأبناء، وإيجاد طرق أفضل للمستقبل بالحوار والاحترام المتبادل، مما يساهم في المحافظة على الروابط الاجتماعية.

6- تحقيق مكاسب مشتركة لطرفي النزاع: فالتسوية النهائية لهذا النظام (خاصة الوساطة) قائمة على حل مرض لطرفي النزاع.

7-  المرونـة:  تتسم إجراءات هذا النظام بالمرونة لعدم وجود إجراءات وقواعد مرسومة محددة.

8- المحافظة على العلاقات الوديـة بين الخصوم: تبقى العلاقات الودية بين الخصوم قائمة في الوساطة بعكس الخصومة القضائية التي تؤدي في الغالب إلى قطع مثل تلك العلاقات.

9- توفير ملتقى لأطراف النزاع قبل بدء المحاكمة: تسـاعـد جلسات الوساطة على توفيـر ملتقـى أخير بين الخصـوم قد يساهـم في حل النزاع.

10- الحلول الخلاقـة التي يمكن التوصل إليها: تساعد جلسات نظام الوسائل البديلة على تجاوز العقبات وتوفير الحلول الخلافة والإبداعية لحل النزاع، فلقد عرضت الوساطة أفكارا جديدة لحل الخلافات العائلية تعطي فيها الأولوية لإعداد مشترك للقرارات الضرورية في إعادة تنظيم الأسرة أكثر من الاهتمام بالمطالبة بالحقوق الفردية.

11-   تنفيـذ اتفاقيـة التسويـة رضائيـا: لما كانت اتفاقية التسوية في الوساطة من صنع أطراف النزاع فإن تنفيذها على الأغلب سيتم برضائهم بعكس حكم القضاء الذي يتم تنفيـذه جبـرا[19].

لذلك أصبح اللجوء للوسائل البديلة لحل المنازعات في وقتنا الحالي أمرا ملحا لتلبية متطلبات العصر ولتحقيق التوفيق بدل التفريق، وابتغاء التراضي بدل التقاضي، حماية لاستقرار واستمرار أهم وأنجع مؤسسة في المجتمع، ولتخفيف العبء على القضاء، حيث أصبحت المحاكم غير قادرة على التصدي لها بشكل منفرد.

خاتمة:

ختاما لما، سبق يمكن اعتبار الوسائل البديلة في حل المنازعات والتي في مقدمتها الصلح والوساطة، آليات مثالية لتسوية النزاعات عموما، والنزاعات الأسرية خصوصا، وذلك للرقي بالأسرة والنظام القضائي إلى مكانة سامية، فالملاحظ أنه مهما بلغت درجة وأهمية المجهودات الصلحية المبذولة من طرف الجهات القضائية وغير القضائية، فإنها تبقى غير كافية لوحدها لحماية الأسرة وصيانتها من التفكك والتصدع نظرا لوجود بعض الحالات التي يستعصي فيها الصلح والتوفيق بفعل تراكم بعض المشاكل كالأمية والفقر وضعف الوازع الديني والأخلاقي التي يتطلب حلها وضع استراتيجية شاملة تراعي المعطيات الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، بالإضافة إلى أن مدونة الأسرة قد نظمت إجراءات مسطرة الصلح مؤكدة على ضرورة سلوكها قبل الفصل في النزاع قضائيا، وأنه ليس هناك ما يمنع القاضي من أي إجراء تصالحي أو توفيقي بين الطرفين ما دام أنه لا يضر بمصالح الأطفال.



[1] ظهير شريف رقم 1.22.38 صادر في 30 من ذي القعدة 1443 (30 يونيو 2022) بتنفيذ القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي، عدد الجريدة الرسمية 7108 بتاريخ 14 يوليوز 2022، ص 4586.

[2] ظهير شريف رقم 1.22.34 صادر في 23 شوال 1443 (24 ماي 2022) بتنفيذ القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، عدد الجريدة الرسمية 7099 بتاريخ 13 يونيو 2022

[3] محمد المهدي، المرجع العلمي في شرح مدونة الأسرة المغربي، الطبعة الأولى، 2021، دار الآفاق للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ص 99

[4] الفصل 1098 من قانون الالتزامات والعقود.

[5] ظهير شريف رقم 1.04.22 صادر في 12 من ذي الحجة 1424 (3 فبراير 2004) بتنفيذ القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، عدد الجريدة الرسمية 5184 بتاريخ 05/02/2004.

[6] محمد محروك، محمد مومن، ظاهرة الطلاق بين إكراهات الواقع والممارسة القضائية، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص 219.

[7] الآية 128 من سورة النساء.

[8] الآية 35 من سورة النساء.

[9] رواه أحمد في مستنده، وأبو داوود والحاكم في المستدرك.

[10] المادة 113 من مدونة الأسرة.

[11] محمد الكشبور، الوسيط في شرح مدونة الأسرة، انحلال ميثاق الزوجية، الجزء الثاني، الطبعة الثالثة، 2013، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص 240.

[12] إبن منظور، لسان العرب، المجلد الخامس عشر، 2004، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، ص 208.

[13] المادة 87 من القانون 95.17.

[14] أحمد الجباري، الوساطة كوسيلة لحل المنازعات الأسرية، رسالة لنيل دبلوم الماستر، جامعة عبد المالك السعدي، 2015/2016، المغرب، ص17.

[15] المرجع نفسه، ص 24

[16] الحسن بوقين، مدى إمكانية تطبيق نظام الوساطة بالمغرب، مجلة المرافعة، العدد المزدوج 14.15، دجنبر 2004، المغرب، ص 17.

[17] أحمد الجباري، مرجع سابق، ص 32.

[18] المادة 13 من القانون 38.15.

[19] أحمد أنوار ناجي، مدى فعالية الوسائل البديلة لحل المنازعات وعلاقتها بالقضاء، مجلة القانون والأعمال الدولية، 6 نونبر 2014، المغرب.



من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله

قانونك


 من أجل تحميل العدد 26  - إضغط هنا أو أسفله


مجلة قانونك - العدد الثالث