تقنيات
جبر ضرر الطفل الضحية
لبنى
شكراد
دكتورة
في القانون الخاص
Victim child reparation
techniques
Loubna CHAKRADE
تقديم
يُعتبر حق الطفل الضحية في محاكمة عادلة جزءًا لا يتجزأ من حقوق الإنسان،
ويعد من المبادئ التي تسعى العديد من الأنظمة القانونية إلى تعزيزها من خلال
تشريعات تهدف إلى حمايتهم وخاصة الطفل ضحية الجريمة وتقديم الدعم الشامل له.
في هذا السياق، فإن تحقيق العدالة لا يقتصر على محاسبة الجاني، بل يشمل
أيضًا جبر الضرر الذي لحق به، وهو ما يعكس العدالة الحقيقية والشاملة في النظام
القانوني والاجتماعي لتقديم دعم مناسب يعيد له جزءًا من حقوقه المسلوبة، وتعويض
يساعده على التخفيف من تداعيات الأضرار التي تعرض لها ويعيد له الثقة ويساعده على
التكيف مع صدماته، وتعزيز ثقته في النظام القضائي واستعادة حياته الطبيعية.
ولا يقتصر جبر الضرر فقط على تعويض الأضرار التي لحقت بالضحية، بل يمتد
ليشمل الجوانب القانونية التي تكفل محاسبة الجاني وتعزيز دور القانون في ردع
الجرائم المستقبلية معتمدا عبر تقنيات مختلفة هذا ما يدفعنا لطرح التساؤل الآتي :
إلى أي حد يحقق
الجبر القضائي لضرر الطفل الضحية الحماية الفعلية لمصلحته الفضلى، وما هو الأساس
القانوني الذي يخول اعتماد تقنية التسوية الحبية كآلية بديلة أو مكملة لجبر هذا
الضرر؟
المحور الاول: الجبر
القضائي لضرر الطفل الضحية.
التعويض لغة يعني "الخلف والبدل[1]"،
بمعني العوض، والجمع أعواض، وأعاضه كذا عوضا: أي أعطاه إياه بدل ما ذهب منه، فهو
عائض، وأعاضه منه: أخذ العوض، واعتاض فلان: سأله العوض؛
ويعتبر التعويض الجزاء المدني لجبر الضرر الذي أصاب المضرور ومحو آثاره أو
على الأقل التخفيف منها إذا توفرت أركان المسؤولية التقصيرية، وقد نظمه المشرع من
الفصل 77 إلى 100 فيما يخص التعويض المتعلق بالمسؤولية التقصيرية والفصول 263 و
264 فيما يخص التعويض المترتب عن الإخلال بالتزام عقدي وهذا التعويض قد يدفعه
المسؤول رضاء أو قضاء كان يتأثر بالاتفاقية التي قد تهدف إلى الإعفاء من المسؤولية
أو التخفيف منها أو التشديد من أثارها.
والتعويض القضائي هو الذي يتم تقديره بواسطة القاضي، ويسترشد في تقريره بما
نصت عليه المادة 98 قانون الالتزامات والعقود "الضرر في الجرائم وأشباه
الجرائم هو الخسارة التي لحقت المدعي فعلا و المصروفات الضرورية التي اضطر أو
سيضطر الى إنفاقها لإصلاح نتائج الفعل الذي ارتكب أضرار به كذلك ما حرم من نفع في
دائرة الحدود العادية لنتائج هدا الفعل " فالقاضي يأخذ في تقريره للتعويض ما
لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب من جراء عدم تنفيذ المدين لالتزاماته وفي
جميع الأحوال لا يستحق التعويض إلا الضرر المباشر أي الذي يعتبر نتيجة طبيعية لعدم
الوفاء بالالتزام أو التأخر فيه ، ويتخذ الصور التالية:
ـ الحكم برد الحال إلى ما كان عليه وهذا ما يسمى بالتعويض العيني
ـ الحكم بجبر الضرر وتعويض المضرور، وهذا ما يسمى بالتعويض بمقابل (نقدي أو
غير نقدي)
وتختلف الأضرار التي قد تصيب الطفل من جراء فعل مخالف للقانون بين ضرر مادي
يمس المتضرر في ذمته المالية، وضرر معنوي يصيبه في ذمته الأدبية من قبيل المس
بحياته أو سلامته الجسدية أو النفسية أو العاطفية إضافة إلى المس بشرفه وكرامته،
ولما كان الضرر المعنوي يتميز عن الضرر المادي بطبيعته الغير ملموسة، فإن هذا
الأمر يطرح إشكالا أساسيا يتعلق بقابلية هذا الضرر للتعويض من طرف القضاء، فضلا عن
مسألة كيفية تقدير هذا التعويض والقواعد الأساسية لاحتسابه.
وإذا كانت الأضرار المادية لا تثير أية عراقيل في تقديرها من قبل القضاء حيث
منح المشرع للقاضي سلطة واسعة لتقدير التعويض عن ذلك الضرر في المسؤولية
التقصيرية، نظرا لما له من سلطة مطلقة لتكييف الوقائع المادية وتقدير مقدار الضرر
الذي على أساس يتحدد مقدار التعويض، فمتى تبن للقاضي توافر شروط المسؤولية
التقصيرية، فإنه يحكم بالتعويض وله سلطة تقديرية واسعة في تحديد الطريقة الأمثل
ليتم بها التعويض، فإن هذا الأخير لا يقبل طلبات التعويض عن الضرر المعنوي إلا بعد
أن يتأكد من توفر مجموعة من الشروط الموضوعية، وهي أن يكون الضرر محققا وخاصا
ومباشرا ويصيب مصلحة مشروعة وأن يكون قابلا للتقدير النقدي، كما أن التعويض عن هذا
الضرر لا يستحقه إلا المتضرر الأصلي ومن يرتد إليهم من أهله وذويه الذين تتوفر في
ضررهم الشروط المذكورة أعلاه.
و قد شكل اعتراف القضاء بقابلية الضرر المعنوي للتعويض في حد ذاته مجالا
حقيقيا للخلاف و الجدل، حيث أن الطبيعة الغير مادية للضرر المعنوي تجعل من مسألة
تقدير قيمة التعويض عنه في شكل مبلغ مالي مناسب أمراً في غاية التعقيد و الصعوبة،
و لذلك فإنه يتعين على القاضي الذي يملك سلطة تقديرية واسعة في هذا المجال أن
يستعين بمجموعة من القواعد و الأسس من قبيل مراعاة ظروف و ملابسات النازلة، ضرورة
الحكم بتعويض كامل لجبر الضرر و عدم الاكتفاء بتعويض رمزي، الالتزام بطلبات
المضرور، البحث في مدى مسؤولية المضرور نفسه عن إحداث الضرر، فضلا عن الانتباه
لإمكانية تفاقم الضرر، و إلى جانب كل هذا، يكتسي الأساس الزمني لهذا التقدير أهمية
بالغة و جوهرية، حيث أن قيمة المبلغ المحكوم به قد تختلف كثيرا حسب ما إذا كان
القاضي قد استند إلى قيمة الضرر يوم حدوثه أو قيمته يوم صدور الحكم بالتعويض، علما
بأن القاضي المغربي يذهب نحو الاستناد إلى
قيمة الضرر ابتداء من تاريخ صدور الحكم، و هو توجه اعتبرناه محمودا و يستحق
التنويه نظرا لاستجابته لمتطلبات الواقعية في التقدير و الفعالية في حماية الحقوق
و الحريات. عنصر الضرر يبقى هو الدافع الأساسي لمقاضاة المعتدي ومطالبته بأداء
تعويض مناسب لفائدة المتضرر، وقد يكون هذا الضرر ماديا يمس المتضرر في أمواله أو
ممتلكاته ويؤثر على ذمته المالية، كما قد يكون ضررا معنويا يمسه في نفسه أو كرامته
أو عاطفته أو سمعته أو حريته.
و إذا كان الفصل 264 من قانون الالتزامات [2]والعقود
المغربي قد أعطى تعريفا للضرر بشكل عام، بأنه “هو ما لحق الدائن من خسارة حقيقية
وما فاته من كسب متى كانا ناتجين مباشرة عن عدم الوفاء بالالتزام”، فإن الضرر
المعنوي يفتقد لتعريف تشريعي دقيق، وهو ما يحتم علينا الرجوع إلى ما صدر بشأنه عن
القضاء من أحكام وقرارات لنستشف ماهيته وعناصره الأساسية، ومن ذلك يمكن القول بأن
الضرر المعنوي هو ذاك الضرر الذي يصيب حقا ثابتا من حقوق الإنسان غير المالية،
والذي يمسه في جسده أو شرفه أو شعوره.
الفقرة
الأولى: صور الضرر المعنوي قد يتخذ إحدى الصور
الأربعة التالية:
الضرر المعنوي قد يتخذ إحدى الصور الأربعة التالية:
الأضرار الجسدية:
تتجسد في إصابة الإنسان بعاهات أو أعطاب أو أمراض بدنية، أو فقدانه لعضو من أعضاء
جسده، أو حتى وفاته؛
الأضرار العاطفية:
وتتعلق أساسا بالتسبب في شعور الإنسان بالحزن والأسى والألم النفسي، خاصة في حالة
فقدانه لشخص عزيز؛
الأضرار الماسة بشرف الإنسان وسمعته وكرامته: كاتهام شخص ما بارتكاب أفعال مشينة أو غير مشروعة، أو التشهير به وإهانته؛
الأضرار الماسة بالحريات
الفردية والجماعية: كمنع شخص أو تنظيم معين من
ممارسة بعض حقوقه التي يضمنها له القانون ومنها حق التنقل مثلا.
وكيفما كانت الصورة التي يتخذها الضرر المعنوي، فإنه يبقى –من الناحية
المبدئية والمنطقية– مفسدة كبيرة ينبغي جبرها والتعويض عنها طبقا لقواعد الإنصاف
والعدالة واحتراما لمبادئ دولة الحق والقانون.
و لا نجد لمفهوم التعويض بدوره أي تعريف تشريعي يحدد معناه، غير أن الفقه
أعطى لهذا المفهوم عدة تعريفات، فهناك من عرفه مثلا على أنه “وسيلة القضاء لمحو
الضرر، أو تخفيف وطأته إذا لم يكن محوه ممكنا، و الغالب أن يكون مبلغا من المال
يُحكم به للمضرور على من أحدث الضرر، و لكنه قد يكون شيئا آخرا غير المال، كالنشر
في الصحف أو التنويه بحق المدعي في الحكم[3]”،
بينما ذهب البعض الآخر إلى أن “التعويض هو وسيلة جبر الضرر الذي لحق المصاب[4]،
و هو نفس الاتجاه الذي سار عليه القضاء الإداري المغربي، حيث صرحت المحكمة
الإدارية بالدار البيضاء بأن ” التعويض هو الوسيلة القانونية الوحيدة لجبر الضرر
الحاصل للمدعية[5].
صحيح أنه يوجد اتجاه فقهي و قضائي يقول بعدم جواز التعويض عن الضرر المعنوي،
بحجة أن الدموع و الحسرة و الألم لا يمكن تعويضها بالمال، و بأن ذلك يخالف
الأخلاق، و بأنه من الصعب تحديد الأطراف المتضررة معنويا، فضلا عن صعوبة إثبات هذا
الضرر المعنوي، و صحيح أيضا أن القضاء العادي المغربي كان قد تبنى بدوره هذا
الاتجاه في فترة معينة على غرار ما يتبين من خلال الحكم الصادر عن المحكمة
الابتدائية بالرباط بتاريخ /08.05.1957/، و الذي جاء فيه بأنه “يرتكز اجتهاد مجلس
الدولة على استحالة إصلاح الضرر المعنوي، و على الالتزام بعدم إصلاح سوى الضرر
المادي المباشر و المحقق، وضمن هذه الحدود و عندما يتعلق الأمر بوفاة طفل، فإن
الضرر المادي إنما يتفق مع الاضطراب الحاصل في ظروف العيش”[6]،
غير أن القضاء الإداري بالمغرب
استقر بصفة عامة على الحكم بالتعويض عن الضرر المعنوي دون الحاجة إلى إثبات وجود
ضرر مادي مواز، وهو ما نجده بوضوح في حكم المحكمة الإدارية بالرباط الصادر بتاريخ
16 يناير [7]2015،
حيث رفضت المحكمة طلب التعويض عن الضرر المادي لكنها قضت بمنح الطرف المدعي تعويضا
عن الضرر المعنوي، وجاء في حيثيات هذا الحكم بأنه “وحيث إن الأضرار المادية التي
ادعت المدعية أنها لحقتها بسبب المنع، بقيت بدون إثبات، لذا يتعين رفض طلب التعويض
عن هذه الأضرار.
و عموما، يمكن القول بأن المشرع المغربي قد حسم هذا الأمر بدوره، من خلال
تنصيصه في الفصل 78 من قانون الالتزامات و العقود، بأن “كل شخص مسؤول عن الضرر
المعنوي أو المادي الذي أحدثه، لا بفعله فقط ولكن بخطئه أيضا، وذلك عندما يثبت أن
هذا الخطأ هو السبب المباشر في ذلك الضرر”، و بذلك يكون قد سوى بين الضررين المادي
و المعنوي و أقر بضرورة منح التعويض في حالة حدوث كل منهما، و لاشك بأن القضاء
الإداري المغربي باتباعه في هذا المجال نفس المقاييس التي يتبعها القاضي العادي
يكون قد تفادى ذلك المد و الجزر الذي عرفه مسار القضاء الإداري الفرنسي بخصوص
الاعتراف بقابلية الضرر المعنوي للتعويض.
-
القواعد التي يخضع لها التعويض
ادا وقع عمل غير مشروع كان للمضرور حق في التعويض عما ألحقه به هدا العمل من
ضرر وقد أيد المشرع المغربي حق المضرور في التعويض في المادتين 77 و78و قرر في
المواد 98 و99 و100 من قانون الالتزامات والعقود بعض الأحكام الواجبة التطبيق في
حقل التعويض وتتلخص في أربعة قواعد كالتالي:
القاعدة الأولى: يجب أن يكون التعويض عن الضرر تعويضا كاملا بحيث يشمل الخسارة التي لحقت
المدعي والمصروفات الضرورية التي اضطر أو سيضطر إلى إنفاقها لإصلاح نتائج الفعل
الذي ارتكب أضرارا به وكذلك الكسب الذي فاته.
القاعدة الثانية:
يجب على المحكمة عند تقديرها لأضرار أن تدخل في
اعتبارها جسامة الخطأ الصادر من المسؤول وتراعي ما ادا كان الضرر الذي أصاب
المضرور قد نجم نتيجة خطأ عادي النتيجة تدليس من المسؤول.
القاعدة الثالثة: إذا وقع الضرر من أشخاص متعددين يعملون متوافقين كل منهم مسؤولا بالتضامن
عن النتائج لا فرق بين من كان منهم محرضا أو شريكا أو فاعلا أصليا المادة 99 من ق.
ل.ع.
القاعدة الرابعة: ويسري الحكم نفسه من حيث المسؤولية التضامنية ادا تعدد المسؤولون عن الضرر
وتعذر تحديد فاعله الأصلي من بينهم أو تعذر تحديد النسبة التي أسهموا بها في الضرر
المادة 100 من ق ل ع
الفقرة الثانية: الشروط الواجب توفرها في الضرر
المعنوي القابل للتعويض
يجمع الفقه والقضاء على أن
الضرر المعنوي لا يكون موجبا لأي تعويض إلا إذا توفرت فيه مجموعة من الشروط التي
تمنحه السند القانوني لكي يشكل ركنا أساسيا من أركان المسؤولية المدنية، وتتمثل
هذه الشروط أساسا في أن يكون هذا الضرر خاصا ومباشرا ومحققا ويخل بمصلحة يحميها
القانون، فضلا عن كونه قابلا للتعويض النقدي، وهي شروط دائما ما يؤكد القاضي على
ضرورة توفرها في الضرر المعنوي حتى يعتبره ضررا قابلا للتعويض القضائي[8].
-
أن يكون الضرر خاصا وشخصيا:
من شروط الضرر المعنوي القابل للتعويض أن يكون ضررا خاصا وشخصيا، ويقصد
بالضرر الخاص ذاك الذي يصيب شخصا واحدا أو عددا محددا من الأشخاص دون سواهم،
ويقابله الضرر العام الذي يلحق بجماعة غير محدودة العدد، و هو ضرر يعتبر من قبيل
الأعباء العامة التي يجب أن يتحمل تبعاتها الجميع على وجه المساواة حسب ما ينص
عليه الدستور المغربي لسنة 2011[9]،
فلا تقبل مثلا طلبات التعويض عن تفشي وباء معين أو عن استفحال ظاهرة التلوث
البيئي، لأن ذلك يمس الجميع أو يصيب أشخاص غير محددين بذواتهم أو صفاتهم.
و يتفرع عن شرط الخصوصية المطلوب للتعويض عن الضرر المعنوي أن يكون هذا
الضرر شخصيا أيضا، بمعنى أن يكون قد لحق المضرور بصفته الشخصية، و هو شرط يرتبط في
جوهره كذلك بشرط المصلحة المطلوب لقبول الدعوى عموما، غير أن الضرر قد يكون شخصيا
كذلك بالنسبة لمن يقربون للشخص المتضرر بالدرجة الأولى كوالديه مثلا ، فإذا أخذ
الضرر صورة المساس بالشرف أو السمعة مثلا، فإن هذا المس يلحق الأقارب كذلك ما
داموا يعيشون معه و يحملون اسمه، أما إذا تسبب الفعل في وفاة الشخص، فإن الضرر
المعنوي يكون قد لحق بأقاربه بشكل شخصي وهو الضرر المتمثل في الحزن و الأسى الذي
يصيبه من جراء فقدانه و فراقه.
-
أن يكون ضررا مباشرا:
ومفاده أن العلاقة السببية بين الضرر الذي يطالب المدعي بالتعويض عنه و تصرف
الفاعل الذي نتج عنه الضرر ينبغي أن تكون علاقة مباشرة و واضحة، سواء أكان هذا
التصرف مشروعا أو غير مشروع، و سواء أكان الفاعل قد ارتكب خطأ بالفعل أو لم يكن
مخطئا. و بناءً على هذا الشرط الأساسي، نجد أن القضاء لا يحكم على الفاعل بالتعويض
إلا بعد أن يتحقق من وجود رابطة العلاقة السببية المباشرة بين الضرر و سلوكه
كما أن القاضي لا يعتبر الضرر المعنوي مباشرا إذا نتج عن سبب آخر مرتبط
بوجود قوة قاهرة أو بخطأ المتضرر، و هنا تنتفي مسؤولية المشتكى به أو يتقلص
نطاقها.
-
أن يكون الضرر المعنوي قد أصاب
مصلحة مشروعة يحميها القانون:
يشترط في الضرر المعنوي لكي يكون قابلا للتعويض من طرف القاضي أن يكون قد
أصاب مصلحة مشروعة و يحميها القانون، و هذا يعني أن المركز الأدبي للشخص الذي
يطالب بالتعويض يجب أن يكون قانونيا و سليما، و أن يكون الأذى قد مسه في حق من
حقوقه الثابتة و الموجودة فعلا و المعترف بها من طرف القانون، يستوي في ذلك أن
يكون الضرر ماديا أو معنويا بحسب نوعية الحق الذي أصابه الضرر أو الأذى، و شرط أن
يكون ضررا ثابتا و محققا، شخصيا و مباشرا، و مس مصلحة قانونية مادية أو أدبية طبقا
لمقتضيات الفصلين 77 و 78 من قانون الالتزامات و العقود[10].
-
الأشخاص الذين يحق لهم الحصول
على التعويض عن الضرر المعنوي
يشترط للتعويض عن الضرر
المعنوي في إطار المسؤولية المدنية أن يكون هذا الضرر قد أصاب الشخص بصفة شخصية
وأصلية، مع اعتبار الضرر الذي يصل إلى أقارب هذا الشخص ومن يعيشون معه كذلك ضررا
شخصيا وكافيا لجبر ما لحقهم من خسائر معنوية وعليه، فإن الأشخاص الذي يحق لهم
المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي هم:
الطفل الذي كان موضوعا
لآثار عمل الفاعل الضار؛
ذويه من والدين وإخوة؛
كل هؤلاء يحق لهم أن يطالبوا بالتعويض عن الضرر الذي وصل إليهم من جراء تعرض
قريبهم للضرر الأصلي، ويسمى الضرر الذي يمس المتضرر بدرجة مباشرة بالضرر الأصلي،
أما الضرر الذي يصيب الأقارب فيعرف بالضرر المنتقل أو المرتد[11].
وينبغي التمييز بخصوص الضرر المعنوي المرتد بين الحالة التي يؤدي فيها الفعل الضار
إلى وفاة المتضرر الأصلي وتلك التي لا تنتج فيها وفاة المتضرر الأصلي.
ففي الحالة الأولى يعتبر الشعور بالحزن والأسى والألم من جراء فقدان الهالك
ضررا معنويا في حد ذاته ويستوجب التعويض المناسب لفائدة ذوي الضحية؛
أما في الحالة التي لا يؤدي فيها الضرر المعنوي إلى وفاة المتضرر، فإن
أقاربه لا يملكون الحق في المطالبة بالتعويض عن هذا الضرر الذي أصاب قريبهم مادام
لم يقم هو بنفسه برفع دعوى التعويض قيد حياته، أو وجد اتفاق مسبق بينه وبين
المتسبب في الضرر يحدد قيمة التعويض أو ينص على إمكانية انتقال هذا التعويض إلى
ورثته.
أما إذا أقام المتضرر الأصلي دعوى المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي ومات
قبل صدور حكم المحكمة، فيحق لورثته مواصلة الدعوى واقتسام التعويض حسب قواعد الإرث
المتعارف عليها والمعمول بها، ففي حكم صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط[12]
نجد القضاء يصرح بأن “موت المتضرر الطارئ أثناء النظر في الدعوى لسبب خارج عن
الحادث الذي أدى إلى إصابته يجب الاعتداد به عند تحديد التعويض الذي يتقرر لورثة
المتضرر بعد وفاته…”.
من هذا الحكم نفهم بأن
الحق في التعويض عن الضرر المعنوي يمكن أن ينتقل بالوراثة في حالة وفاة المتضرر
الأصلي قبل حصوله على الحكم بالتعويض، و بأنه يحق للورثة مواصلة الدعوى التي كان
مورثهم قد أقامها قبل وفاته قصد الحصول على التعويض عما أصابه من ضرر معنوي قيد
حياته.
تتمثل أنواع التعويض عن الضرر المعنوي وقواعد تحديد قيمته في الاتي:
-
التعويض النقدي:
إن التعويض الذي يحكم به القاضي عن الأضرار المعنوية في مجال المسؤولية
المدنية يأتي عادة في شكل مبلغ مالي محدد يتوجب على المسؤول عن إحداث الضرر أن
يؤديه للمتضرر قصد التخفيف عنه مما أصابه من مساس بجسمه أو كرامته أو إحساسه أو
حريته أو فقدان أحد أقاربه.
ويعرف هذا النوع من التعويض ب “التعويض النقدي”، وهو الشائع والمعمول به في
أغلب الدول بل إن التعويض النقدي يعتبر هو الطريقة الفضلى والأكثر فعالية لجبر
الضرر والمعنوي بشكل خاص، حيث أن هذا الأخير يتميز بطبيعة خاصة لا تسمح بإعمال أي
نوع آخر من أنواع التعويض، فلا يصلح مثلا أن يحكم القاضي بإرجاع الحالة إلى ما
كانت عليه، خصوصا إذا كان الضرر متمثلا في وفاة الشخص الذي أصابه الضرر الناتج عن
الفعل.
كما أن شكل التعويض النقدي قد يختلف بدوره بين الحكم بمبلغ مالي محدد يدفعه
المحكوم عليها إذا كان شخصا ذاتيا للمتضرر دفعة واحدة، وبين الحكم بتعويض على شكل
مرتب يتلقاه المتضرر بشكل دوري ومنظم يحدده القاضي في حالة إذا كان المشتكى به
شخصا معنويا، وذلك في حالة إذا أدى الضرر إلى عجز بدني دائم يجعل المتضرر غير قادر
على كسب قوته أو تحصيل أي دخل يكفيه لسد حاجياته المادية.
أما بالنسبة لكيفية تحديد قيمة التعويض المناسب لجبر الضرر المعنوي، نشير
إلى أن هناك ثلاث حالات رئيسية تتمثل في:
تعويض تتحدد قيمته بنص قانوني: حيث أن هناك حالات ينص فيها نص تشريعي أو تنظيمي معين على أنه إذا ثبت قيام
المسؤولية عن ضرر أصاب أحد الأفراد، فإن قيمة التعويض يجب ألا تتعدى أو تقل عن
النسبة أو المقدار المحدد بنص القانون.
حالة التعويض الاتفاقي: وهي الحالة التي يوجد فيها اتفاق مسبق بين طرفي الدعوى، بحيث يحدد هذا
الاتفاق مبلغ جزافي أو نسبة معينة يتعين دفعها في حالة ثبوت قيام المسؤولية عن
الضرر المعنوي.
حالة التعويض
القضائي: وهو الأصل والشائع و المعمول به في هذا المجال،
بحيث تعود –كأصل عام- لمحكمة الموضوع صلاحية و سلطة تحديد قيمة التعويض الذي
يستحقه المتضرر معنويا من الضرر الذي أصابه.
-
التعويض غير النقدي:
يقصد بالتعويض غير النقدي عموما الحكم بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه قبل
وقوع الضرر، حيث يأخذ التعويض شكل إلزام المتسبب في إحداث الضرر المعنوي بإعلان أو
نشر ما يفيد براءة المتضرر من بعض التهم التي وجهت إليه بدون وجه حق، مما تسبب له
في ضرر معنوي متمثل في المساس بكرامته، أو منحه حق الرد على بعض الادعاءات التي
قيلت في حقه بشكل تعسفي.
غير أن الملاحظ من الناحية العملية، هو أن القاضي لا يلجأ إلى الحكم
بالتعويض العيني أو الغير نقدي، وذلك نظرا لعدم جدواه في جبر الضرر الناشئ ، فمن
المستحيل عمليا أن يتم إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه إذا كان الضرر المعنوي قد
تجسد في وفاة شخص أو فقدانه لعضو من أعضاء جسده أو إصابته بمرض خطير.
-
قواعد تحديد قيمة التعويض عن
الضرر المادي :
يرتكز القاضي في إعماله للسلطة التقديرية بالنسبة للضرر المادي على قاعدة
تعويض المتضرر بناء على ما لحقه من خسائر و ما فاته من أرباح.
-
قواعد تحديد قيمة التعويض عن
الضرر المعنوي:
على غرار التعويض عن الضرر المادي، تخضع مسألة تقدير قيمة التعويض عن الضرر
المعنوي للسلطة التقديرية للقاضي غير أن الإعمال الصحيح و السليم لهذه السلطة
التقديرية يتطلب استحضار مجموعة من القواعد التي قد ترتبط بعناصر التقدير وهي
كالآتي:
ظروف وملابسات
الضرر: حيث يستند القاضي في تقديره لقيمة التعويض على
درجة جسامة الضرر وفداحته، وليس على جسامة الخطأ المرتكب من طرف الفاعل.
أن يكون التعويض
كاملا: يتشبث القاضي بأن جبر الضرر المعنوي لا يكون
بتعويض رمزي إلا إذا كان بناء على طلب الضحية، بل يجب أن يكون التعويض عنه كاملا
غير منقوص، وقد عبر عن هذا الموقف في قرارات وأحكام عديدة، منها قرار الغرفة
الإدارية بمحكمة النقض الصادر بتاريخ 10 يوليوز 1986الذي جاء فيه بأن “التعويض عن
الضرر المعنوي مثل التعويض عن الضرر المادي يجب أن يكون كاملا لا رمزيا[13].
تعويض المتضرر في
حدود طلباته: استنادا إلى مقتضيات الفصل 3 من قانون المسطرة
المدنية [14]التي
تنص على أنه “يتعين على القاضي أن يبت في حدود طلبات الأطراف ولا يسوغ له أن يغير
تلقائيا موضوع أو سبب هذه الطلبات…” لا يجوز للقاضي أن يقضي بمنح المتضرر تعويضا
يفوق ما طلبه في عرائضه ومقالاته.
-
أخذ
جانب مسؤولية المتضرر بعين الاعتبار.
-
مسؤولية
الفاعل عن الضرر قد يتقلص نطاقها حسب درجة اتصال هذا الضرر بفعل الضحية، بمعنى أن
القاضي يتحقق عند تقدير قيمة التعويض من مدى تحمل المتضرر لقسط من المسؤولية
مراعاة الضرر الثابت والضرر المتغير:
-
إذا
كان الضرر المعنوي الموجب للتعويض يشترط فيه أن يكون ضررا محققا، فإن هذا الضرر
المعنوي المحقق قد يكون ذو طبيعة ثابتة كما قد يكون ضررا معنويا متغيرا، ذلك أن
الضرر الثابت هو ذاك الذي يستقر على حالة واحدة ولا مجال لتغير مداه أو درجة
خطورته، و في هذه الحالة يكون التعويض المحكوم به لجبر هذا الضرر تعويضا نهائيا و
لا يجوز للمتضرر المطالبة بتعديله مستقبلا، و ذلك بعد أن يصبح الحكم انتهائيا وغير
قابل لأي نوع من أنواع الطعن القضائية.
أما الضرر المعنوي المتغير فهو الضرر الذي لا يبقى على نفس الحالة التي كان
عليها يوم حدوثه ويبقى مرشحا للتطور والتغير حتى بعد صدور الحكم، وذلك من قبيل
الضرر الجسدي الذي يتفاقم ويستفحل حتى يصل إلى درجة العاهة المستديمة مثلا، وفي
هذه الحالة يجوز للقاضي الإداري أن يحتفظ للمضرور بحق الرجوع للمطالبة بتعديل قيمة
التعويض إذا أثبت بأن هذا التعويض لم يعد يكفي لجبر ضرره المعنوي جزئيا أو كليا.
-
الأساس الزمني لتقدير قيمة
التعويض عن الضرر :
لا شك أنه خلال الفترة الزمنية الفاصلة بين تاريخ حدوث الضرر المعنوي وتاريخ
صدور حكم القضاء بالتعويض عنه تحدث تغيرات اقتصادية واجتماعية مهمة وعديدة، ويكون
لها أثر بالغ على مستوى المعيشة ومتطلباتها، كما أن هذا الضرر نفسه قد تتزايد
خطورته أو تتناقص وبالتالي، فإن قيمة التعويض عن هذا الضرر قد تتغير حسب ما إذا
استند القاضي في تحديده إلى وقت حدوث الضرر أو استند في ذلك إلى وقت صدور الحكم.
المحور الثاني :
تقنية التسوية الحبية لجبر الضرر
تجد تقنية التسوية الحبية لجبر الضرر من قبل الدولة أساسها القانوني في
العديد من الاتفاقيات العالمية - الدولية والإقليمية- لحقوق الإنسان، ويتنوع جبر
الضرر بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان إلى العديد من الصور أهمها: التعويض ورد
الاعتبار وإعادة التأهيل والترضية وضمان عدم التكرار، ولا يقتصر جبر الضرر على
الضحية فقط، وإنما يمتد إلى أقاربه وإلى الأشخاص الذين يعولهم. وتوصي معظم اللجان
والمحاكم الدولية المعنية بحقوق الإنسان، الدول ذات العلاقة، على جبر الضرر لضحايا
انتهاكات حقوق الإنسان، وتقوم بمراقبة مدى تنفيذ الدول لالتزاماتها في هذا المجال،
ويجب أن تضمن الدولة أن تحصل الأسر على مختلف أشكال الدعم، ويجب تقديم الدعم
اللازم للوالدين وأفراد الأسرة الآخرين والأوصياء غير المؤهلين أو غير الراغبين أو
الذين يحتاجون إلى مساعدة من أجل توفير الاحتياجات الأساسية البدنية والنفسية
والعاطفية والاجتماعية أو تقديم الرعاية المناسبة للطفل الضحية.
الفقرة الأولى:
تقنية هيئة التحكيم المستقلة لتعويض ضحايا الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي
أحدثت هيئة التحكيم المستقلة للتعويض عن الضررين المادي والمعنوي لضحايا
وأصحاب الحقوق ممن تعرضوا للاختفاء القسري والاعتقال التعسفي بتاريخ 16 غشت 1999،
للنظر في التعويضات المستحقة للضحايا وتأهيلهم صحيا ومعنويا بما في ذلك الأطفال
القاصرين وتم الإعلان عنها في بلاغ خاص
تلاه الناطق الرسمي باسم القصر الملكي. وذلك بناء على اقتراح المجلس الاستشاري
لحقوق الإنسان في توصيته بتاريخ 2 يوليوز 1999.
تشكلت هيئة التحكيم من شخصيات تم اختيارهم بناء على مؤهلاتهم الشخصية
وثقافتهم القانونية العالية ولما يحظون به من اعتبار خاص، ثلاثة قضاة في أعلى درجات
السلم الفضائي بصفتهم رؤساء غرف بالمجلس الأعلى، وأربعة حقوقيين أعضاء بالمجلس
الاستشاري لحقوق الإنسان يمثلون مختلف الانتماءات، ثلاثة منهم نقباء سابقون ومحام،
ممثل عن وزير العدل بدرجة رئيس غرفة بالمجلس الأعلى، ووالي ممثل عن وزير الداخلية
بصفته الوظيفية وكأستاذ جامعي متخصص في السياسة الجنائية وقانون الإجراءات.
تكونت الهيئة من تسع شخصيات، ثلاثة أعضاء من الهيئة القضائية (رئيس هيئة
التحكيم)، رئيس غرفة المجلس الأعلى، ورئيس غرفة أخرى ومستشار بنفس المجلس، عضوان
من الشخصيات الحقوقية (رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب والممثل لها بالمجلس
الاستشاري لحقوق الإنسان وممثل المنظمة المغربية لحقوق الإنسان به أيضا) وممثلان
عن القطاع الحكومي.
وضعت هيئة التحكيم بتاريخ 14 شتنبر1999 نظامها الداخلي، وحددت تاريخ 31
دجنبر 1999 كآخر أجل لتلقي طلبات التعويض. وشرعت الهيئة في عملها ابتداء من 11
نونبر 1999 وقدمت تقريرها النهائي في 30 نونبر 2003.
وقد أنهت الهيئة النظر في الملفات المعروضة علـيـهـا، والـبـالـغـة 5127
ملفا، فأصدرت بشأنها 3653 مقررا بمنح التعويضات النهائية المستحقة لفائدة 5300
شخصا، والتي بلغت ما يناهز 954.000.000 درهما، و885 برفض الطلب و139 مقررا بصرف
النظر لعدم استجابة أصحابها رغم الاستدعاءات المتكررة الموجهة إليهم أو لعدم
الإدلاء بالوثائق الضرورية لدعم طلباتهم، إضافة إلى 450 ملفا تم ضمها لوحدة
الأطراف.
وتمكنت الهيئة من التوصل إلى حل ما كان عالقا من القضايا التي كانت في حاجة
إلى دراسة معمقة من حيث وقائعها وإشكالاتها القانونية والحقوقية وتم البت فيها
بحسب معطياتها. كما تدارست الهيئة وضعية الطلبات الواردة على كتابتها بعد التاريخ
المحصور في متم دجنبر 1999 بمقتضى المذكرة المرفوعة إلى جلالة الملك من طرف المجلس
الاستشاري لحقوق الإنسان في 2 أبريل 1999م، والبالغ عددها 6500 طلبا فسجلت على
أنها قدمت خارج الأجل المحدد.
الفقرة الثانية :
تقنية إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة
تأسست هيئة الإنصاف والمصالحة بمقتضى قرار ملكي سامي بتاريخ 7 يناير 2004،
بالمصادقة على توصية للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان (المجلس الوطني لحقوق الإنسان
حاليا). وفي خطابه السامي بهذه المناسبة، منح جلالة الملك الهيئة بعدا تاريخيا،
وأناط بها مسؤوليات جلى، حينما اعتبرها جلالته بمثابة لجنة للحقيقة والإنصاف
والمصالحة.
وتعتبر هيئة الإنصاف والمصالحة، كآلية للعدالة الانتقالية، تتويجا لمسار
طوعي وتطور تدريجي لجهود تسوية المشاكل والملفات المرتبطة بماضي الانتهاكات
الجسيمة لحقوق الإنسان. كما شكل إحداث الهيئة ثمرة للتفاعلات والمناقشات التي تمت
على مستوى الطبقة السياسية والقوى الفاعلة في المجتمع المدني وضحايا الانتهاكات
وأسرهم، للبحث عن أحسن السبل التسوية نزاعات الماضي وحلها بشكل عادل ومنصف.
وجاء إحداث هذه الآلية سنوات قليلة بعد اختتام أشغال هيئة التحكيم المستقلة
التي عملت على تعويض ضحايا الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، وأنيطت بها مهام
طموحة وصعبة في الوقت نفسه، جوهرها معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في
قياساتها وإثبات نوعيتها ومدى جسامتها، في ضوء معايير وقيم حقوق الإنسان ومبادئ
الديمقراطية ودولة الحق والقانون، وصياغة توصيات من أجل ضمان عدم تكرار تلك
الانتهاكات. وشكل إحداثها تجسيدا لقرار جعل من المغرب أول دولة في منطقة الشرق
الأوسط وشمال إفريقيا تقرر اتخاذ خطوة من هذا النوع.
كانت هيئة الإنصاف والمصالحة عند إنشائها، أول لجنة للحقيقة في العالم توكل
إليها صلاحيات منح تعويضات مباشرة، وتميزت أيضا بطول الفترة موضوع اختصاصها الزمني
الممتدة من سنة 1956 إلى سنة 1999، أي 43 سنة، وهي من أطول الفترات في تاريخ تجارب
العدالة الانتقالية في العالم.
وقامت الهيئة بوضع نظامها الأساسي الذي يعتبر بمثابة وثيقة أساسية تتضمن
تدقيقا وتفصيلا للمهام المنوطة بها، وتعريفا للانتهاكات موضوع اختصاصاتها، وطرق
تنظيم سير أعمالها طبقا للمعايير والتوجهات الدولية. وحدد النظام الأساسي على وجه
الخصوص فترة ولايتها وطبيعتها واختصاصها الزمني. وقد تمت المصادقة على هذا النظام
الأساسي بموجب ظهير شريف يوم 10 أبريل 2004 نشر في الجريدة الرسمية عدد 5203 يوم
12 أبريل 2004.
تكونت تركيبة هيئة الإنصاف والمصالحة من رئيس وستة عشر عضوا، من خلفيات
متعددة، بما فيها المجتمع المدني والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، بشكل يؤمن
تمثيل مشارب وتجارب وتخصصات متنوعة موحدة المقاصد في مجال حماية حقوق الإنسان
والنهوض بها. وقد باشرت الهيئة مهامها وفق خطة عمل مدروسة، تستند إلى معايير وقيم
حقوق الإنسان، ومبادئ ومعايير القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني
الدولي المتعلقة بالحق في الانتصاف والحق في معرفة الحقيقة، والخلاصات الكبرى
لمختلف التجارب الوطنية عبر العالم التي انخرطت أممها في مسارات المصالحة
والمكاشفة مع الذات والتاريخ. وأولت الهيئة أهمية قصوى لتحليل الواقع المغربي بصفة
معمقة وحفظ الذاكرة وإنصاف الضحايا وتعزيز الوحدة الوطنية على كافة المستويات.
خاتمة
يتضح من خلال معالجة إشكالية الجبر القضائي لضرر الطفل الضحية وتقنية
التسوية الحبية، أن حماية الطفل لا يمكن أن تظل رهينة المقاربة الزجرية التقليدية
وحدها، بل تقتضي اعتماد رؤية شمولية تُوازن بين إنصاف الضحية وتحقيق العدالة، مع
إيلاء عناية خاصة لمبدأ المصلحة الفضلى للطفل. فالجبر القضائي، رغم أهميته في
الاعتراف بالضرر وتعويضه مادياً ومعنوياً، يظل في كثير من الحالات عاجزاً عن
استيعاب الأبعاد النفسية والاجتماعية العميقة التي يخلفها الاعتداء على الطفل.
وفي هذا السياق، تبرز تقنية التسوية الحبية كآلية قانونية بديلة أو مكملة،
قادرة ـ متى أُحسن تأطيرها قانونياً وقضائياً ـ على تحقيق جبر أكثر مرونة ونجاعة،
يراعي خصوصية وضعية الطفل الضحية ويجنبه آثار المسطرة القضائية التقليدية، شريطة
ألا تمس بحقوقه الأساسية أو تفرغ المسؤولية الجنائية من مضمونها. ويستند هذا
التوجه إلى كل من التشريع الوطني والمرجعيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق
الطفل، التي جعلت مصلحة الطفل الفضلى معياراً أساسياً في كل التدخلات القانونية
والقضائية المتعلقة به.
وعليه، فإن فعالية جبر ضرر الطفل الضحية تظل رهينة بمدى قدرة المشرّع
والقضاء على تطوير آليات الجبر القضائي، وتعزيز الإطار القانوني للتسوية الحبية
بضمانات واضحة، تكفل حماية الطفل من أي تعسف أو ضغط، وتحقق له الإنصاف الحقيقي لا
الشكلي. وهو ما يستدعي إعادة التفكير في السياسة الجنائية المتعلقة بالأطفال
الضحايا، بما يضمن الانتقال من منطق العقاب المجرد إلى منطق العدالة الإصلاحية ذات
البعد الإنساني.
[1] - الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ج2، مطبعة مصطفى البابي، مصر
1952، ص: 350 .
[2] - ظهير 09 رمضان 1331 الموافق ل 12 غشت 1913 بمثابة قانون
الالتزامات والعقود كما تم تعديله وتغييره وتتميمه بموجب عدة نصوص قانونية، كان
آخرها الظهير الشريف رقم 1.16.05 الصادر بتاريخ 23 ربيع الآخر 1437 (03
فبراير2016) بتنفيذ القانون 107.12 بتغيير وتتميم رقم 44.00 بشأن بيع العقارات في
طور الإنجاز، الجريدة الرسمية عدد 6440 بتاريخ 09 جمادى الأولى 1437 (18 فبراير
2016)، ص 932.
[3] - تعريف الأستاذ حسن حنتوش رشيد الحسناوي، التعويض القضائي في
نطاق المسؤولية العقدية –دراسة مقارنة-، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 1999،
ص 38، أورده هشام محمد علي سليمان، بحث مقدم استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة
الماجيستير في السياسة الجنائية، جامعة نايف للعلوم الأمنية، الرياض، 2005، ص 91.
[4] - تعريف الأستاذ سليمان مرقص، الوافي في شرح القانون المدني،
القاهرة، الطبعة الخامسة، 1992ج2، ص 507.
[5] - حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بتاريخ 10 فبراير
2010، ملف رقم 08/13/2009 ،حكم غير منشور.
[6] - أشار إليه الأستاذان نجاة خلدون والمكي السراجي في كتابهما
“دعوى التعويض أمام القضاء الإداري”، الطبعة الأولى، ص 195، و قد ذكره الأستاذ
إبراهيم زعيم الماسي في مرجعه العملي للاجتهاد القضائي الإداري، طبعة 1996، مطبعة
النجاح الجديدة، ص 336 و 337.
[7] - حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 114، الصادر بتاريخ 16
يناير2015، ملف رقم 2014/7112/988، في قضية الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ضد
الدولة المغربية، منشور بمجلة العلوم القانونية، سلسلة فقه القضاء الإداري، عدد
مزدوج 3 – 4، الجزء الثاني، ص 236.
[8] - حكم المحكمة الإدارية
بالدار البيضاء الصادر بتاريخ 03/12/2007، في قضية محمد العلمي ضد الجماعة الحضرية
لبني ملال، ملف رقم 584/2002، حكم غير منشور ، و الذي جاء بأنه “و حيث إنه من
المجمع عليه فقها و قضاء أن الضرر كركن لانعقاد المسؤولية الإدارية، إما أن يكون
ماديا متمثلا في الإخلال بمصلحة ذات قيمة مالية، و إما أن يكون أدبيا يصيب المضرور
في شعوره أو كرامته أو شرفه، و أنه ينبغي أن تتوفر فيه شروط لنشوء التزام في ذمة
المسؤول عنه، و هي أن يكون مباشرا بمعنى أن يكون تحققه بمثابة نتيجة طبيعية لسلوك
الإدارة الخاطئ، و أن يكون محققا أي وقع بالفعل أو كان وشيك الوقوع بصورة مؤكدة، و
على العكس من ذلك، فإن الضرر الاحتمالي لا يجوز التعويض عنه ما دام لم يقع بالفعل،
هذا فضلا على أنه ينبغي أن يصيب مصلحة مشروعة للمضرور يحميها القانون و أن يكون
خاصا و قابلا للتقدير النقدي، لأن التعويض في القانون الإداري لا يكون إلا نقدا”.
[9] - الصادر بتنفيذه الظهير
الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 شعبان 1432 الموافق ل 29 يوليوز 2011، الجريدة
الرسمية عدد 5964 مكرر، بتاريخ 28 شعبان 1432 الموافق ل 30 يوليوز 2011، ص 3600.
[10] - حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 5793، الصادر بتاريخ 21 نونبر
2014.
[11] - هيمن حسين حمد أمين، الضرر المعنوي و التعويض عنه في القانون و
القضاء الإداري المقارن، المركز العربي للنشر و التوزيع، الطبعة الأولى 2018، ص
207
[12] - حكم محكمة الاستئناف بالرباط، رقم 5555، صادر بتاريخ 12 نونبر
1963، أورده الأستاذ حسن صحيب، القضاء الإداري المغربي، سلسلة دراسات وأبحاث في
الإدارة والقانون، العدد الثالث، الطبعة الثانية، ماي 2019، ص 107، من مجموعة
قرارات المحاكم الاستئنافية بالمغرب، ص 169-170.
[13] - قرار الغرفة الإدارية
بمحكمة النقض رقم 125، الصادر بتاريخ 10 يوليوز 1986، في الملف الإداري رقم 89639،
غير منشور
[14] - قانون المسطرة المدنية المغربي المصادق عليه بمقتضى الظهير
الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.447 بتاريخ 11 رمضان 1394 (28 شتنبر 1974)، الجريدة
الرسمية عدد 3230 مكرر، بتاريخ 13 رمضان 1394 (30 شتنبر 1974)، ص 2741، كما تم
تعديله وتغييره وتتميمه بموجب عدة نصوص قانونية، كان آخرها الظهير الشريف رقم
1.14.14 بتاريخ 4 جمادى الأولى 1435 (6 مارس 2014)، الجريدة الرسمية عدد 6240
بتاريخ 18 جمادى الأولى 1435 (20 مارس 2014)، ص 3229.
من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله
