الإشكاليات
العملية التي تعترض المحافظ على الأملاك العقارية في تنفيذ الأحكام القضائية
يوسف
جلال - ربيع عنان
دكتور
في قانون الأعمال - دكتور في
قانون الأعمال
Practical problems that the governor
objects to Real Estate in the implementation of judicial rulings
Youssef JALLAL – Rabie AANAN
مقدمة
إذا كان تنفيذ الأحكام القضائية يعتبر مرحلة مهمة من
مراحل الحماية التي خولها المشرع للسلطة العامة في إيصال الحقوق لأصحابها
بعد الحكم في القضايا العادية، من طرف كتابة ضبط المحكمة التي أصدرت الحكم وفقا
للفصل 429 من قانون المسطرة المدنية، بناء على طلب المستفيد من الحكم أومن ينوب
عنه، فإن الأمر يختلف عن تنفيذ الأحكام الصادرة في دعاوى التحفيظ العقاري، حيث يتم
تنفيذها من طرف المحافظ العقاري بعد اكتسابها لقوة الشيء المقضي به، وهذا إن دل
على شيء فإنما يدل على تأكيد الصفة الإدارية لمسطرة التحفيظ ونزع الاختصاص
عن كتابة الضبط في تنفيذ هذا النوع من الأحكام.
فكون المحافظ
العقاري هو الجهة المعنية بتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مجال عمله، يبقى
مقيدا في تعامله معها بما تقضيه نصوص ظهير التحفيظ العقاري المعدل بموجب القانون
14.07، و التي تلزمه كلما عرض عليه سند تنفيذي أن يتأكد من مدى
مطابقته للظهير المذكور وكذا النصوص المكملة له.
والمقررات القضائية الصادرة في قضايا التحفيظ العقاري
شأنها شأن باقي المقررات التي تصدر عن القضاء بصفة عامة، تطرح صعوبات في التنفيذ،
خصوصا وأن الرقابة التي يمارسها المحافظ عليها تكشف عن العديد من الصعوبات التي
تحول دون تنفيذها، إذ يثير المحافظ هذه الصعوبات رافضا بذلك تنفيذ الأحكام.
والمشرع المغربي لم يعرف صعوبة التنفيذ، وقد تحدث المشرع عن صعوبة تنفيذ الأحكام
في الفصول 26 و 149 و 436 من قانون المسطرة المدنية.
كما أن المشرع المغربي قد جعل شرط الصفة من شروط
التقاضي، بحيث يؤدي تخلفها إلى عدم سماع الدعوى، إذ نص الفصل الأول من قانون
المسطرة المدنية، في الفقرة الأولى منه أنه "لا يصح التقاضي إلا ممن له الصفة...."
كما اعتبر شرط الصفة من النظام العام، إذ يمكن للمحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها.
وإذا كان المنفذ والمنفذ عليه لا يثيرا أي إشكال في
إثارة صعوبة التنفيذ باعتبارهما طرفين أصليين، فإن الخلاف قائم حول إمكانية إثارة
الصعوبة من طرف عون التنفيذ وكذلك من طرف المحافظ على الأملاك العقارية.
فالمحافظ على الأملاك العقارية يعتبر غيرا في التنفيذ
بسبب وظيفته، ولقد ألزمه القانون بالاشتراك في إجراءات خصومة التنفيذ دون أن يكون
من أطراف الحق في التنفيذ، ودون أن تكون له مصلحة شخصية بموضوع الحق المراد
اقتضاؤه، ولا يعود عليه نفع أو ضرر من جراء التنفيذ[1].
ومن كل ما سبق نتساءل حول:
أي صلاحية
المحافظ على الأملاك العقارية في إثارة صعوبة التنفيذ؟ وما هي الإشكاليات العملية التي تعترض المحافظ
على الأملاك العقارية في تنفيذ الأحكام القضائية؟
ولمناقشة هذا الموضوع بالشرح والتحليل، سنتطرق له من
خلال محورين وفق الشكل الآتي:
- المحور الأول: صلاحية المحافظ على الأملاك العقارية في إثارة صعوبة
التنفيذ
- المحور الثاني: الصعوبات التي تعترض المحافظ على الأملاك العقارية
المحور الأول: صلاحية المحافظ على الأملاك العقارية في إثارة صعوبة التنفيذ
بالرجوع
للفصل 436 من قانون المسطرة المدنية، نجده حدد الأشخاص الذين لهم الحق والصفة في
إثارة الصعوبة في التنفيذ، وهم المنفذ له والمحكوم عليه، وكذا أعوان التبليغ أو تنفيذ
الحكم القضائي، لذلك لا يوجد في النص ما يفيد كون المحافظ العقاري يملك حق إثارة
الصعوبة، وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام تضارب المواقف، حيث هناك اتجاه يرى
بأن المحافظ لا يمكنه إثارة الصعوبة (أولا) واتجاه آخر يرى بإمكانية إثارتها من
طرف المحافظ (ثانيا).
أولا: الاتجاه الرافض لإمكانية إثارة الصعوبة من قبل المحافظ
الأصل أن الأحكام نسبية ولا يتعدى أثرها إلى غير أطرافها،
ولكن تنفيذها قد يمس أحيانا مصالح الغير[2].
ومن هذا المنطلق يرى أنصار هذا الاتجاه، أن الأشخاص الذين يجوز لهم إثارة الصعوبة
هم المنفذ له والمنفذ عليه وعون التنفيذ، مع الإشارة إن هذا الأخير يقتصر دوره على
تحرير محضر الصعوبة ويحيله على الرئيس.
فالمحافظ على الأملاك العقارية حسب هذا الرأي لا يحق
له إثارة الصعوبة باعتباره غيرا في الدعوى، بسبب وظيفته الإدارية بالرغم من
مشاركته في إجراءات خصومة التنفيذ، فهو لا يعتبر طرفا من أطراف الحق في التنفيذ
حتى يمكنه طلب إيقاف التنفيذ لوجود صعوبة في تنفيذ الحكم لأن ذمته المالية لا
تتضرر من جرائه.
وفي نفس الاتجاه يرى بعض الباحثين[3] أن
المحافظ على الأملاك العقارية ليست له مصلحة شخصية في موضوع الحق المراد تنفيذه،
وبالتالي لا صفة له في إثارة الصعوبة في التنفيذ أمام القضاء، ومبررهم في ذلك كون
الفصل 436 من قانون المسطرة المدنية كان واضحا في تحديد الأشخاص الذين يحق لم
إثارة الصعوبة في التنفيذ.
كما أن أنصار هذا الاتجاه يؤسسون موقفهم هذا اعتمادا
على اجتهادات محكمة النقض، والتي تمنع الغير في الدعوى من إثارة صعوبات في
التنفيذ، وبناء عليه لا يجوز للمحافظ باعتباره غيرا أن يثير صعوبة تنفيذ الحكم
العقاري، وهو ما أكده قرار محكمة النقض[4] الذي
جاء فيه "حيث تبين صحة ما عابه الطالب على القرار ذلك أنه بناء على مبدأ
نسبية الأحكام، فالمطلوبة له في الأمر عدد 267/83 الذي لم يصدر في مواجهتها، وبذلك
لم تكن لها الصفة في إثارة الصعوبة في التنفيذ والتي أناطها الفصل 436 من قانون
المسطرة المدنية بالأطراف دون غيرهم".
في نفس التوجه صدر قرار عن
محكمة الاستئناف بالرباط[5] والذي
جاء فيه "إذا كان المحافظ هو الذي يقوم بمهمة المنفذ للحكم القاضي بصحة
التعرض كليا أو جزئيا تحت مسؤوليته طبقا للفصل 37 من ظهير التحفيظ العقاري، فإن
إثارة صعوبة التنفيذ يثبت الحق فيها لأطراف الحكم في التنفيذ، وليس لعون التنفيذ
أو المحافظ الذي يقوم بدور المنفذ..."
كما جاء في حكم صادر عن ابتدائية بركان[6] "وحيث
إن الصعوبة في التنفيذ طبقا للفصل 436 من قانون المسطرة المدنية يثيرها أطراف
النزاع وأن المراجعة والطعون تكون فيها بينهما وأن السيد المحافظ ليس طرفا في
النزاع القائم حتى يستطيع أن يثير صعوبة التنفيذ ... وأن المحافظ حين يجد صعوبة في
الحكم القاضي بصحة التعرض او عدم صحته أن يرفض التنفيذ وحينذاك ستنشأ الصعوبة
ويستطيع المنتفع من قرار التحفيظ ... أن يطعن في قرار الرفض طبقا للفصل 96 من ظ ت
ع..."
يتضح من خلال هذا التوجه الفقهي أن القرارات
القضائية المشار إليها أعلاه، قد قطعت الطريق في وجه الغير وكذا المحافظ
العقاري في إثارة الصعوبة في التنفيذ، مما يجعل أي قرار اتخذ من طرف المحافظ
بذلك عديم الشرعية، ذلك أن المحافظ لا يحق له حسب بعض الباحثين ممارسة الرقابة على
الأحكام القضائية، إذ أن دوره يقتصر على التأكد من اكتساب الحكم حجية الشيء المقضي
به ومن صيغته التنفيذية، كما أن المحافظ له الحق في طلب إحالة الحكم الغامض
للمحكمة مصدرة الحكم من أجل تفسيره حسب مقتضيات الفصل 26 من قانون المسطرة المدنية[7]،
فيخلص هذا التوجه إلى أن المحافظ يكون ملزما بتنفيذ الأحكام بعد التأكد من الطابع
النهائي لها، والقول بغير ذلك فيه مساس بقدسية الأحكام، وهو ما كرسه قرار صادر عن
محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط[8] والذي
أكد أن الأحكام النهائية تشكل عنوانا للحقيقة وتعتبر واجهة التنفيذ، وأن امتناع
المحافظ عن تنفيذها يعتبر مسا بحجية الشيء المقضي به، واعتداء على قدسية الأحكام
القضائية.
مقابل هذا التوجه، هناك
جانب من الفقه يرى أن المحافظ له صلاحية إثارة الصعوبة في التنفيذ ويستند في ذلك
لعدة مبررات.
ثانيا: الاتجاه المؤيد لإمكانية إثارة الصعوبة من طرف المحافظ
انتقد هذا الاتجاه ما نحاه الأول، معتمدا في ذلك على
الفصل 436 من قانون المسطرة المدنية الذي لا يتضمن أية إشارة صريحة أو ضمنية تفيد
حرمان الغير من إثارة الصعوبة، وما دام أن الأصل في الأشياء الإباحة، فإنه لا يمكن
أن نستنتج المنع من عبارات الفصل 436 من قانون المسطرة المدنية، وذلك كيفما كانت
الطريقة المعتمدة في تفسيره، فعبارات النص ليست بالدالة على الحصر، كما أن تأويل
مدلول فحوى النص أو مفهوم المخالفة لا يفيد المنع[9]
فيرى أحد الباحثين[10] أنه
يمكن للغير إثارة الصعوبة الوقتية استنادا لمقتضيات الفصل 149 من قانون المسطرة
المدنية، بما في ذلك المحافظ على الأملاك العقارية، باعتباره المشرف على تنفيذ
الأحكام خلال جريان مسطرة التحفيظ أو بمناسبة التقييد على الرسوم العقارية وكذا
التشطيبات الواردة عليها.
كما يرى آخر[11] أن
المحافظ يمكنه أن يلجأ إلى تطبيق مقتضيات الفصل 26 من قانون المسطرة المدنية التي جاءت
بمقتضيات عامة، ولم يحدد الجهات التي من حقها أن تطلب تأويل أو تفسير الحكم، و
يؤيد بذلك هذا الرأي إمكانية إثارة صعوبة التنفيذ من طرف المحافظ على الأملاك
العقارية.
و ترى إحدى الباحثات[12]،
أن المحافظ على الأملاك العقارية له صلاحية إثارة الصعوبة في تنفيذ الأحكام
الصادرة في نزاع التحفيظ بالرغم من أنه ليس طرفا في الدعوى، لأن الممارسة العملية
أفرزت عن العديد من الصعوبات في تنفيذ الأحكام كعدم تحديد المساحة المحكوم بصحة
تعرضها أو عدم تحديد القطعة بشكل واضح[13]
في نفس السياق وبناء على مبررات مختلفة يرى أحد
الباحثين[14] أن
المحافظ له الصفة والمصلحة لإثارة الصعوبة في تنفيذ الأحكام الصادرة في
دعاوى التعرض، وذلك نظرا لخصوصية دعوى التعرض، ويضيف نفس الرأي أن المحافظ له
صلاحية إثارة الصعوبة بناء على مقتضيات الفصل 26 من قانون المسطرة المدنية وذلك
للاعتبارات التالية:
أن مصلحة إثارة الصعوبة
تتجلى في تصفية مطلب التحفيظ المعروض أمامه والذي صدرت بشأنه أحكام حائزة لقوة
الشيء المقضي به، والمحافظ مطالب بعد إحالة الملف عليه من طرف القضاء طبقا للفصل
37 من ظهير التحفيظ العقاري المعدل بموجب القانون 14.07 إما بقبول الطلب أورفضه،
واتخاذ هذين القرارين يتوقف على تذليل الصعوبة المعروضة عليه.
أن متابعة المسطرة وتتبع
إجراءاتها اختصاص أصيل للمحافظ، وجزء من عمله وتوقيف مسطرة تحفيظ عقار معين بسبب
وجود صعوبة ما هو إلا تعطيل لعمل المحافظ واختصاصاته.
أن دعوى التعرض لها خصوصية
في نظام التحفيظ العقاري وفي المنظومة الإجرائية المغربية، والمحافظ يلعب دورا
محوريا في شروط تحريك دعوى التعرض، والبت فيها، حيث يتم تحديد أطرافها وموضوعها
أمامه، كما يحال الملف على القضاء عن طريق المحافظ، ودون وجود مقال افتتاحي
للدعوى، ويستمر هذا الدور حتى بعد صدور الأحكام فيها، فهو الذي يتولى تنفيذها
باتخاذ اجراءات خاصة نص عليها القانون 14.07 المعدل والمتمم لظهير التحفيظ
العقاري، كل هذه الخصوصيات تفرض على المحافظ إثارة الصعوبة عند وجودها من تلقاء
نفسه باعتباره المسؤول الوحيد عن اتخاذ قرار التحفيظ.
ومن وجهة نظري المتواضعة، فالرأي القائل بأحقية
المحافظ في إثارة الصعوبة هو الأقرب إلى الصواب نظرا لجسامة المسؤولية الملقاة على
عاتق المحافظ من جهة، ولكونه هو الساهر على سير المسطرة وتنفيذ الأحكام العقارية،
وكذلك لكون مقتضيات الفصل 26 من قانون المسطرة المدنية جاءت عامة من جهة ثانية،
مما يفهم من خلاله بأحقية المحافظ بإثارة صعوبة التنفيذ.
المحور الثاني: الصعوبات التي تعترض المحافظ
على الأملاك العقارية
يقوم المحافظ العقاري بدور مهم في تنفيذ الأحكام القضائية، لأنه هو الذي
يترجم هذه الأخيرة إلى واقع ملموس، غير أن هذا الدور قد تعترضه مجموعة من الصعوبات
تحول دون تنفيذ الأحكام القضائية المعروضة عليه، وهي صعوبات متعددة منها ما هو
قانوني ومنها ما هو مادي، الامر الذي يستدعي الوقوف على بعض هذه الصعوبات، وعليه
ستتم دراسة الصعوبات القانونية التي تحول دون تنفيض الأحكام القضائية (أولا) على
أن يتم الحديث عن للصعوبات المادية (ثانيا).
أولا:
الصعوبات القانونية التي
تعترض المحافظ على الأملاك العقارية
سبق القول أن المحافظ على الأملاك العقارية يعتبر جهة
تنفيذية تحال عليها الأحكام والقرارات القضائية قصد العمل على تقييدها بالسجلات
العقارية، غير أن المحافظ كثيرا ما يرفض تنفيذ تلك القرارات لأسباب متعدد ومنها ما
يكون مصدره القانون كما هو الشأن لتعارض الأحكام القضائية الصادرة باسم جلالة
الملك مع النصوص القانونية الأمر الذي يتعذر معه تقييد تلك القرارات بالسجلات
العقارية[15]
وهذا النوع من الصعوبات يرتبط أساسا بكثرة وتشعب
التشريعات المنظمة للحقل العقاري، بحيث تصدر في عدة أحيان أحكام قضائية مخالفة
لبعض التشريعات الخاصة، مما قد يصعب الإحاطة بها في بعض الاحيان الامر الذي يؤدي
إلى صدور أحكام قضائية لا مجال لتنفيذها، ولصعوبة الإلمام بجميع القوانين سوف يتم
الاقتصار هنا على بعض الحالات فقط.
1-
مخالفة الحكم لقانون التجزئات العقارية:
طبقا للفصل 58 من القانون 25.90 المتعلق بالتجزئات
العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات[16]،
فإن كل بيع أو قسمة يكون هدفها أو يترتب عليها تقسيم عقار إلى بقعتين أو أكثر غير
معدة لإقامة بناء عليها، وكل بيع عقار لعدة أشخاص على أن يكون شائعا بينهم يتوقف
على الحصول على إذن سابق بالتقسيم.
وحسب الفصل 61 من نفس القانون فإنه لا يجوز للعدول
الموثقين والمحافظين على الأملاك العقارية ومأموري مصلحة التسجيل أن يحرروا أو
يتلقو أو يسجلوا أي عقد يتعلق بعملية من عمليات البيع والقسمة مالم يكن مشفوعا
بالإذن المنصوص عليه في الفصل 58 من نفس القانون أو شهادة إدارية تثبت أن العملية
لا تدخل في نطاق تطبيق هذا القانون الذي رتب عقوبات جنائية في حالة مخالفة
هذه المقتضيات حسب الفصل 63 وما يليه من نفس القانون. حرصا على احترام هذه
المقتضيات، فإن المحافظ على الأملاك العقارية ملزم بعدم إضفاء وضعية قانونية على
بعض التجزئات المخالفة لهذا القانون ولو كانت مبنية على أحكام قضائية مالم يتم
الادلاء بإذن سابق بالتقسيم، كما هو منصوص عليه في المادة 58 من القانون المذكور.
بناء على ما سبق فإذا ورد على المحافظ حكم قضائي يقضي
بقسمة أو بيع عقار يدخل ضمن هذه التجزئات فهو لا يقبل تنفيذه إلا إذا كان هذا
الحكم مرفقا بإذن سابق بالتقسيم وذلك تماشيا مع ما يقضي به القانون 25.90 المذكور.
2-
الحد من تقسيم الأراضي الفلاحية الواقعة داخل دوائر الري:
ولعل الاشكال يطرح فيما يتعلق بمدى جواز ممارسة دعوى
القسمة على عموميتها، ذلك أن الفصل 978 من قانون الالتزامات والعقود نص على أنه
" لا يجبر أحد على البقاء في الشياع ويسوغ دائما لأي واحد
من المالكين أن يطلب القسمة وكل شرط يخالف ذلك يكون عديم الأثر". غير أن هذا
الفصل لا يجب أن ينظر إليه بمعزل عن بعض القوانين الخاصة، كما هو الشأن بالنسبة
لظهير 11 غشت 1995 [17]الخاص
بالحد من تقسيم الاراضي الفلاحية غير المسقية حيث أوجب هذا الظهير في المادة
الثانية منه، ألا تقل القطع المجزأة في دوائر الري عن خمس هكتارات. فالحكم القضائي
الصادر بصحة تعرض دون مراعاة المادة أعلاه، سيرفض المحافظ تنفيذه نظرا لمخالفته
للقانون، كأن يصدر حكم يقضي بصحة تعرض جزئي لقطعة أرضية فيها 4 هكتارات مما يطرح
صعوبة تحول دون تنفيذ الحكم من طرف المحافظ العقاري.
يطرح نفس الاشكال بالنسبة لظهير المنظم لضم الاراضي
الفلاحية[18]
وذلك أنه إذا كانت المادة 22 من الظهير المذكور تؤكد على أن القطع التي تخضع لهذا
النظام غير قابلة للتقسيم إلا بموافقة لجنة ضم الاراضي الفلاحية، فإنه مع ذلك نجد
بعض الأحكام القضائية تقضي بقطع مفرزة في مناطق الضم بالرغم من أن الملف المحال
عليها لا يتضمن تعرضات على واجبات مشاعة، كما هو الشأن بالنسبة للحكم الصادر عن
المحكمة الابتدائية بمكناس بتاريخ 1995/02/13 الذي قضى بقطعة أٍرضية مفرزة في
منطقة ضم الاراضي الفلاحية رغم أن التعرض انصب على واجبات مشاعة، والذي تم تأييده
استئنافيا بواسطة القرار المؤرخ في 1995/02/08 [19]وفي
مثل هذه الحالة فالمحافظ يمتنع عن تنفيذ الحكم القضائي باعتباره مخالف للتشريع
العقاري من جهة، ومن جهة ثانية المحكمة لم تلتزم بما هو مضمن في ملف التحفيظ.
ثانيا: الصعوبات المادية والواقعية التي تعترض المحافظ على الأملاك العقارية
إن صعوبات التنفيذ التي تعرقل عمل المحافظ على الأملاك
العقارية لا يكون مصدرها دائما هو مخالفة نصوص قانونية، بل هي صعوبات أحيانا ترجع
لوجود أخطاء مادية في الحكم أو اغفالات معينة في منطوق الحكم وهي كثيرة ومتعددة،
لكن سيتم الاقتصار على ذكر بعضها فقط.
إذن هذه الصعوبات تتعلق بسند التنفيذ نفسه كحالة وجود
خطأ أو تناقض بين حيثياته، كما أن هذه الصعوبات قد تكون واقعية، إن حالات الصعوبات
الواقعية التي تعترض المحافظ على الأملاك العقارية في تنفيذ الأحكام القضائية
كثيرة يصعب حصرها غير أن أغلبها يكون مرده الحكم القضائي نفسه من هذه الحالات ما
يلي:
1- حالة عدم وضوح الحكم أو تناقضه:
فمنطوق الحكم القضائي
ينبغي أن يكون واضحا صريحا وكاملا، وإن كان متناقضا في أجزائه أو غير واضح أو لم
يكن للحكم منطوق بالمرة سواء في الحيز المعد له من صحيفة الحكم أو غيرها فإنه يكون
قابلا للإبطال[20].
ومن تطبيقات حالة غموض الحكم القضائي نجد ما قضت به إدارية مكناس[21]،
والذي جاء فيه: " وبناء على المذكرة الجوابية للسيد المحافظ على الأملاك
العقارية بمكناس الاسماعيلية، والذي جاء فيها أنه نظرا لوقوع عدة تعرضات على مسطرة
التحفيظ الملك المذكور أحيل على المحكمة الابتدائية إلا أنه نظرا للغموض في منطوق
الحكم الصادر في النازلة ورفع الملف من جديد إلى نفس المحكمة بتصحيح
حكمها..."
2-
حالة وجود خطأ مادي في الحكم.
قد يصدر عن القضاء حكما بشأن موضوع عقار معين يحمل رقم
مطلب تحفيظ معين وعند طلب تنفيذه من طرف المحافظ يتبين أن العقار المعني يحمل رقما
أخر، أو أن يخلط الحكم بين هوية المتعرضين فالمحافظ في هذه الحالة يمتنع عن
تنفيد الحكم لأن هناك خطأ مادي.
ومن أمثلة الأحكام الصادرة بتصحيح خطأ مادي ما قضت به
استئنافية مكناس[22] حيث
جاء فيه" حيث أن الخطأ لا يتعدى كونه مجرد خطأ مادي لا مساس له بالحق أو
بموضوع ما قضى به اقرار الاستئنافي فإن المحكمة لا ترى مانعا من الاستجابة للطلب و
إصلاح الخطأ المذكور مع إبقاء الصائر على الطالب "
كذلك ما جاء في قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالدار
البيضاء[23] والذي
جاء فيه "... وحيث إنه من المعلوم وعملا بأحكام الفصل 26 من قانون المسطرة
المدنية فإن كل محكمة تختص بالنظر في الصعوبات المتعلقة بتأويل أو تفسير أحكامها
مع مراعاة مقتضيات الفصل 149 من القانون نفسه، وحيث إنه ولما كانت الطالبة ترمي من
طلبها تفسير الحكم الابتدائي قد بينت في الاستئناف الحكم المطلوب تأويله فإنه لا
يسوغ لها أن تنظر في طلب التأويل وكان على الطالبة اللجوء إلى المحكمة مصدرة الحكم
المطلوب تفسيره لرفع اللبس الذي تدعيه..."
ومن خلال الامثلة أعلاه يتضح أنه كلما كان الحكم يتضمن
أخطاء مادية يرفض المحافظ تنفيذه و يطلب تصحيح الخطأ، إلا أنه وحسب القرار الاخير
فالتصحيح يكون أمام نفس المحكمة المصدرة للحكم الذي يتضمن الخطأ.
3-
حالة عدم الحسم في موضوع النزاع:
أحيانا تكون الأحكام القضائية الصادرة في موضع
التعرضات لا تبت في النزاع إذ تحيل الملف على المحافظ الذي يجد نفسه في موقف متردد
وحرج يمنعه من اتخاذ أي قرار، ففي حالة تعدد التعرضات على مطلب التحفيظ غالبا ما
تصدر أحكاما تقضي بنفس الوعاء العقاري لمتعرضين أو أكثر مما يجعل المحافظ على
الأملاك العقارية أمام صعوبة في تنفيذ الحكم، وكمثال على هذه الحالة ما جاء
في قرار للمجلس الاعلى[24] حيث
جاء فيه " حيث صح ما عابته الطاعنة على القرار ذلك أنه من جهة قضى بصحة جميع
التعرضات المشار إليها بصفة إجمالية، وأن هذا من شأنه الاضرار بحقوقها مادام
العقار موضوع مطلبها عدد .... مقدم على أساس أنه مشاع بينها وبين ورثة الامير
مولاي عبد الرحمان العلوي بنسبة النصف وأن عقود البيع المعتمدة في التعرضات أعلاه
صادرة فقط عن شركائها ورثة...وليست صادرة عنها... الامر الذي يعتبر معه هذا الاخير
معلا تعليلا ناقصا وفاسدا يوازي انعدامه مما عرضه للنقض و الابطال...."
إن البت في موضوع التعرضات والحكم بصحتها جميعا من شأن
أن يشكل صعوبة أمام المحافظ، خاصة وأن بعض هذه التعرضات قد تنصب على نفس الوعاء
العقاري مما يؤدي إلى رفض المحافظ لتنفيذ هذا النوع من الأحكام.
4-
الصعوبات الناتجة عن وقائع مادية وقعت بعد صدور الحكم
قد يحدث أن تتغير وقائع مادية بعد صدور الحكم
وهنا يجد المحافظ على الأملاك العقارية نفسه أمام صعوبة في التنفيذ، وقد
يحصل وبعد صدور الحكم وسيرورته نهائيا وإحالته على المحافظ على الأملاك
العقارية قصد تنفيذه ،أن يوفى أحد أطراف النزاع وفي هذه الحالة فإن المحافظ على
الأملاك العقارية ينفذ الحكم و لا ينتظر إدلاء الورثة بما يفيد ارثهم، كما
أنه في اسم الشخص المتوفى المحكوم له أو المحكوم عليه، لأن المحافظ على
الأملاك العقارية ملزم بتنفيذ الحكم مثلما أحيل عليه و ليست له صلاحية تغيير
منطوقه كما لا يمكنه الامتناع عن تنفيذه بسبب وفاة أحد الاطراف أثناء تنفيد الحكم،
لكن يمكن للورثة أن يحلوا محل مورثهم شريطة الادلاء برسم الإراثة
وختاما، يمكن القول أن موضوع إثارة الصعوبة بشأن تنفيذ
المقررات القضائية من طرف المحافظ العقاري له أهمية كبيرة سواء من الناحية
القانونية والمتمثلة في القصور التشريعي المنظم لها، أومن الناحية العملية
المتمثلة في كيفية تعامل المحافظ على الأملاك العقارية مع المقررات القضائية التي
تنطوي على صعوبات في التنفيذ وكيف يمكن للأطراف حماية حقوقهم خاصة في حالة رفض
المحافظ العقاري تقييد طلباتهم الرامية إلى تقييد المقررات القضائية الصادرة
لفائدتهم بدعوى وجود صعوبة في التقييد.
كما أن الإشكاليات العملية لإثارة الصعوبة من قبل
المحافظ العقاري هي إشكاليات ليست بالهينة، على اعتبار التداخل الذي يعرفه الموضوع
على مستوى قانون المسطرة المدنية وظهير التحفيظ العقاري .فالمحافظ
على الأملاك العقارية حينما يثير صعوبة في الحالة التي يكون فيها طرفا فإن ذلك في
حقيقة الأمر يشكل نوع من الرقابة التي يجريها على المحررات بشكل عام والمقررات
القضائية بشكل خاص، فهو يعمل على ضمان حقوق المتعاملين من جهة، وتجنب مسؤوليته
الجسيمة من جهة أخرى.
[1] حسن زرداني، وجهة
نظر حول مدى إثارة الصعوبة في التنفيذ من طرف المحافظ على الأملاك العقارية،
مجلة المحاكمة، عدد 2 مارس/ ماي، 2007 ص 135.
[2] محمد صغير، تنفيذ
المقررات القضائية في ميدان التحفيظ العقاري،
مجلة المناظرة العدد الثامن يونيو 2003، ص 70.
[3] عبد اللطيف الحسناوي،
صعوبات تنفيذ الأحكام، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة محمد
الأول كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة لسنة 2010-2011، ص 49.
[4] قرار عدد 615 بتاريخ
6/3/1991 في الملف المدني عدد 271/86 المنشور في مجلة قضاء المجلس الأعلى العدد 45
ص 27.
[5] قرار عدد 41 بتاريخ
09/02/2005 في الملف المدني عدد 684/04/06 منشور بمجلة المحاكة عدد 6 أبريل يونيو
2009 ص 191.
[6] حكم رقم 317 بتاريخ
28/01/2003 ملف رقم 1844/2001 أوردته أمال جداوي، المؤسسات المتدخلة في مسطرة
التحفيظ العقاري، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون مختبر التكوين والبحث في
القانون العقود والعقار، جامعة محمد الأول كلية العلوم القانونية والاقتصادية
والاجتماعية وجدة لسنة 2012- 2013، ص 166.
[7] عبد العالي دقوقي،
المسطرة القضائية للتحفيظ العقاري بين القانون الحالي ومشروع قانون التحفيظ
العقاري 14.07، مداخلة في أعمال الندوة الوطنية التي نظمها مختبر الدراسات
القانونية والمدنية والعقارية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية،
جامعة القاضي عياض، مراكش يومي 18-19 أبريل 2008، المجلة المغربية للاقتصاد
والقانون المقارن العدد 50 ص 250.
[8] قرار عدد 6160 المؤرخ في
09/12/2019 الملف عدد 596/7205/2019.
[9] محمد لديدي، هل يجوز لغير
أطراف الحكم بإثارة الصعوبة في التنفيذ، منشور بمجلة المحاماة العدد 2 ص 34.
[10] عبد الرحمان مزور، مناط
تطبيق الفصلين 436-149 من قانون المسطرة المدنية بشأن إثارة الصعوبة في التنفيذ
الأحكام، مجلة القضاء والقانون العدد 153 سنة 2006، ص41.
[11] البكاي المعزوز، عبد
العالي دقوقي، قانون التحفيظ العقاري، مطبعة سجلماسة مكناس، سنة 2016 ص 113،
ويذهب في نفس الاتجاه أيضا:
- محمد الخراز، الصعوبات المثارة حول تنفيذ الأحكام أمام القضاء
المستعجل، مجلة القسطاس، العدد الثالث 2004، ص59.
[12] كنزة الغنام، مسطرة
التعرض على ضوء القانون العقاري والمساطر الخاصة، أطروحة لنيل الدكتوراه في قانون
الخاص، جامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مراكش
2015-2016، ص 174.
[13] وهذا التوجه كرسته محكمة
النقض في قرار لها صدر بتاريخ 21 يونيو 2016 في الملف المدني 7183/1/8/2015 قرار
عدد 355 أورده سعيد مغار، الملكية العقارية بين الأمن القانوني وتحصين
الاقتصاد الوطني، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الأول كلية
العلوم القانونية و الاقتصادية والاجتماعية وجدة، سنة 2018-2019، ص 523.
[14] كمال عونة، تنفيذ المحافظ
على الأملاك العقارية للمقررات القضائية،
أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم
القانونية و الاقتصادية والاجتماعية وجدة 2012-2013، ص 251-252.
[15] حسن بن شاكر و أحمد
الساخي، إشكالية تنفيذ المقررات القضائية من قبل المحافظ العقاري" مداخلة في
أشغال الندوة التي نظمها المنبر القانوني تحت عنوان" قانون التحفيظ
العقاري بين روح ظهير 1913 ومستجدات قانون 14.07"، مطبعة المعارف
الجديدة، الرباط 2012 ص 160.
[16] ظهير رقم 1.92.7 صادر
بتاريخ 15 من ذي الحجة 1412 (17 يونيو 1992) بتنفيذ القانون 25.90 المتعلق
بالتجزئات العقارية و المجموعات السكنية و تقسيم العقارات، الجريدة الرسمية عدد
4159 بتاريخ 1992/7/15 ص 880
[17] ظهير شريف رقم 1-95-152
بشأن تنفيد القانون 94.34 المتعلق بالحد من تقسيم الاراضي الفلاحية الواقعة داخل
دوائر الري ودوائر استثمار بالأراضي الفلاحية غير المسقية بتاريخ 11 عشت 1995
منشور بالجريدة الرسمية عدد 4323 بتاريخ 1995/09/06 ص 2441
[18] الظهير الشريف رقم 1/62/105 بشأن ضم
الاراضي الفلاحية بعضها إلى بعض المؤرخ في 20/07/1962 المنشور بالجريدة الرسمية
عدد 2595 ص 1705.
[19] الحكم رقم 53 الصادر عن
المحكمة الابتدائية بمكناس بتاريخ 13/02/1995 ملف رقم 92/90 والمؤيد استئنافيا
بواسطة القرار رقم 3344 الصادر بتاريخ 28/02/1995 ملف عدد 2012/95/6.
[20] الطيب برادة، التنفيذ الجبري في التشريع المغربي بين النظرية
والتطبيق، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع الرباط 1988 ص 411.
[21] حكم إدارية مكناس رقم
3/2005/8 بتاريخ 2006/11/22 في الملف رقم 2006/92
[22] قرار رقم 58 صادر بتاريخ
2017/2/16 في الملف رقم 1403/17/13 غير منشور
[23] قرار رقم 456 بتاريخ
2005/6/9 ملف رقم 04/87 غير منشور.
[24] قرار محكمة النقض عدد 2417 بتاريخ 2003/7/29 ملف مدني عدد 2002/1/1/937
من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله
