تقدير
التعويض في المسؤولية التعاقدية
محمد
محمود صمب محمد العبد
أستاذ
متعاون بجامعة العلوم الإسلامية بلعيون نواكشوط
Estimation of compensation in
contractual liability
Mohamed MAHMOUD SAMB MOHAMED EL ABED
تلخيص
لقد تطرقنا في هذا البحث للتمييز بين المسؤولية التقصيرية والمسؤولية العقدية
فتبين من خلال ذلك أنه لقيام هذه الأخيرة يلزم توفر شروط أساسية أو نسميها أركان
والتي يعتبر من أهمها وجود عقد صحيح رتب التزامات متبادلة أخل أحد الأطراف بها
بعدم التنفيذ أو التأخر فيه أو إنجازه بشكل معيب وهذا ما يسمى بالخطأ العقدي ثم
وقوع ضرر ثم علاقة سببية تسند هذا الضرر الذي تحقق بالفعل أو محقق الوقوع لذلك
الإخلال إسنادا مباشرا،
وهذه الأركان هي ما سمي بشروط استحقاق التعويض إذ
بدونها فلا مجال للحديث عن التعويض لأنه يعتبر جبرا للضرر الذي لحق الطرف المضرور،
ولما كان قاضي الموضوع هو الأقدر على تحديد طريقة التعويض إذا لم يتفق الأطراف
مسبقا على تحديده فله سلطته التقديرية الواسعة والتي تكون أصلح من غيرها حسب كل
قضية وعلى هذا الأساس تبين أن التعويض قد يكون نقديا يتم تقديره بالنقود وهي
الطريقة الأكثر شيوعا كما قد يكون التعويض عينيا إذا أمكن التنفيذ العيني وطلبه
المضرور.
الكلمات المفاتيح: المسؤولية العقدية
الأركان الإخلال الالتزامات التعويض القاضي الضرر معيار التوقع التنفيذ الاساسي
القانوني الاثبات الضرر المادي الضرر المعنوي المدين الدائن الخطأ
المقدمة
تحتل
المسؤولية المدنية مكانة جوهرية في المنظومة القانونية إذ تمثل الإطار الذي ينظم
الحقوق والالتزامات بين أفراد المجتمع، وتقوم فكرة المسؤولية المدنية على مبدأ
أساسي وهو عدم جواز الإضرار بالغير، فإذا ألحق شخص بغيره ضررا ماديا أو معنويا كام
لزاما عليه من الناحية القانونية جبر هذا الضرر سواء نجم فعله عن عمد أو إهمال أو
تقصير وينصرف هذا الالتزام إلى إعادة التوازن الذي اختل نتيجة الفعل الضار، من
خلال تعويض المتضرر بما يكفي لإعادته إلى الحالة التي كان عليها قبل وقوع الضرر
قدر الإمكان.
وأمام
تنوع مصادر الالتزامات وتعدد الروابط القانونية بين الأفراد انقسمت المسؤولية
المدنية إلى مسؤولية تعاقدية أساسها العقد ومسؤولية تقصيرية أساسها إخلال بالتزام
عام، فتقوم المسؤولية العقدية عند ما يخل المتعاقد بتنفيذ
الالتزام الذي رتبه عليه العقد أو أن يقوم بتنفيذه على وجه معيب والعقد هو الذي
يحدد مسؤولية المتعاقدين من حيث الالتزامات والشروط لأن العقد شريعة المتعاقدين.
أما
المسؤولية التقصيرية فهي الإخلال بالتزام قانوني عام أساسه عدم إلحاق الضر ر
بالغير وهذا يعني أنهما تختلفان في أن ما يحدد الخطأ في المسؤولية العقدية هو
العقد أما ما يحدده في المسؤولية التقصيرية هو القانون، كما تختلفان من حيث
الأهلية إذ يلزم أن يكون الشخص متمتعا بالأهلية الكاملة[1]
أما
في المسؤولية التقصيرية فإنه يكفي سن التمييز الذي يدرك الضار و النافع والتمييز
بينهما، ومن حيث التضامن إذ يفترض في المسؤولية التقصيرية بينما لا يفترض في
العقدية بل يلزم أن يكون بمقتضى نص صريح في الاتفاق كما تتميز المسؤولية العقدية
عن التقصيرية من حيث الإثبات ومن حيث الإعذار يشترط إعذار المدين قبل مطالبته بالأداء ومن حيث المبدأ، إذ أن
المسؤولية العقدية لا تتحقق إلا بعد وضع
المدين في حالة مطل ولا يتحقق ذلك إلا إذا تم إنذاره من طرف الدائن[2] وقد أقر المشرع الموريتاني ذلك في المادة 272 ق إ ع .[3]
وتتفق
المسؤولية العقدية مع المسؤولية التقصيرية في أن كلتاهما تقوم على أساس الخطأ
لكنهما تختلفان في طبيعة هذا الخطأ فالمسؤولية العقدية تقوم على أساس الإخلال بكل
أو بعض ما نص عليه في العقد وبتوفر الشروط الأخرى يتحتم التعويض فما هو الأساس
القانوني والمعايير العامة لتقدير التعويض؟ وما هي حدود السلطة التقديرية للقاضي
في تحديد التعويض لحل هذه الإشكالات سنتبع الخطة التالية:
المبحث الأول: الأساس القانوني والمعايير العامة
لتقدير التعويض في المسؤولية التعاقدية
المطلب
الأول: شروط استحقاق التعويض
المطلب الثاني: معيار التوقع والتعويض
الفرع
الأول: نظرية التوقع المعقول
الفرع الثاني: أثر العلم الخاص بالظروف عند إبرام
العقد
المبحث الثاني: تقدير التعويض وحدود السلطة التقديرية للقاضي
المطلب
الأول: وسائل تقدير التعويض
الفرع الأول: التعويض النقدي
الفرع الثاني: التعويض العيني
المطلب الثاني: حدود تدخل القاضي واتفاق الأطراف
الفرع
الأول: سلطة القاضي في تعديل أو تقدير التعويض
الفرع
الثاني: الشرط الجزائي كوسيلة لتحديد التعويض مسبقا
المبحث الأول: الأساس القانوني والمعايير
العامة لتقدير التعويض في المسؤولية التعاقدية
يقوم
الأساس القانوني لتقدير التعويض في المسؤولية التعاقدية على جبر الضرر أو نقل هو
جبر الضرر الذي لحق الدائن نتيجة إخلال المدين بالتزامه التعاقدي وجبر الضرر يعتبر
الهدف الأساسية الذي تسعى قواعد القانون المدني إلى تحقيقه على عكس قواعد القانون
الجنائي الذي يعتبر هدفه الأساسي هو الردع والزجر، ولقيام المسؤولية لا بد من توفر
الأركان الاساسية والتي يسميها البعض شروطا وتتمثل أساسا في ووجود عقد صحيح ترتبت
عنه التزامات متبادلة بين الأطراف فيخل أحدهم بالتزاماته تجاه الطرف الآخر ترتب
على ذلك الإخلال ضرر للطرف الآخر وكان هذا الضرر نتيجة ذلك الإخلال بصفة مباشرة
وهو ما يسمى بالعلاقة السببية وعند توفر هذه الأركان يلزم المخل بالتعويض الذي قد
يكون متفقا في العقد على تقديره، وقد لا يكون، فيتم تقديره بشكل مباشر مع مراعاة الخسارة
التي لحقت المضرور وما فاته من كسب مع مراعاة السلطة التقديرية للقاضي وحسن نية
المدين والظروف المحيطة مع التركي على التعويض عن الضرر المتوقع في الأصل إلا عند
وجود غش أو خطأ جسيم حينها يلزم أن يشمل التعويض الضرر المتوقع وغير المتوقع، إلا
أنه وقبل الحديث عن التعويض يلزم قيام المسؤولية العقدية، وهذا ما سنبينه في
الإجابة عن الإشكالات التالية، ماهي شروط وأركان المسؤولية التعاقدية، مطلب أول،
ثم ماهي المعايير العامة لتعويض الضرر مطلب ثاني
المطلب الأول: شروط قيام
المسؤولية العقدية
لقيام
المسؤولية العقدية يلزم وود عقد صحيح واجب التنفيذ ولم يقم الطرف المدين بهذا
الالتزام غير أن المسؤولية التعاقدية لا تقوم إذا أمكن التنفيذ العيني وطلبه
الدائن فإن المدين يجبر على التنفيذ إذ المسؤولية لا تقوم إلا عند ما لا يمكن
التنفيذ العيني أو أمكن لكن الدائن طلب التعويض ولم يبد المدين استعداده للتنفيذ
العيني [4]
فهنا
يتدخل القاضي ويحكم بالتعويض للمضرور عند التحقق من توفر الشروط اللازمة لذلك وهذا
ما سندرسه في الفروع التالية نخصص الفرع الأول وجود عقد
صحيح تم الاخلال به بينما ندرس في الفرع الثاني الضرر والعلاقة السببية.
الفرع الأول: وجود عقد صحيح تم
الاخلال به
لقيام
المسؤولية التعاقدية لا بد من توفر جملة من الشروط والتي يعتبر من أبرزها وجود عقد
فقرة أولى، ثم إخلال من أحد الأطراف بالالتزامات الناشئة عن العقد أو نقل وجود خطأ
عقدي فقرة ثانية
الفقرة الأولى: وجود عقد صحيح
يعتبر
وجود عقد صحيح من أهم الشروط التي يلزم توفها لأن العقد الصحيح هو الرابط بين
الأطراف وبسببه كانت هناك التزامات متبادلة بين المتعاقدين ولا مسؤولية عقدية إذا
لم يقم عقد بين شخصين أخل أحدهما بتلك الالتزامات فنتج عن ذلك الإخلال ضرر للطرف
الآخر
والعقد
المقصود هنا هو العقد الذي ينشأ التزامات وحقوقا متبادلة بين الأطراف يعني هو الذي
يرتب أثرا قانونيا بخلاف ما إذا نشأت علاقة بين طرفين على أن يؤدي أحدهما للآخر
خدمة مجانية ووقع خطأ في تنفيذ هذا الخدمة أو نفذها تنفيذا معيبا ففي هذه الحالة
لا تقوم أي مسؤولية عقدية وإن بقي الاحتمال قائما بالسبة لقيام المسؤولية
التقصيرية.
كما إذا حصل ضرر لطرف في المرحلة التمهيدية للعقد
أو المهيئة له وكان مرد هذا الضرر إلى فعل الطرف الآخر الخاطئ فإن المسؤولية عن
الضرر لا تكون عقدية، إذ لم يتكون بعد عقد بين الطرفين بل تبقى المسؤولية تقصيرية
فمن يحرض آخر على عدم تنفيذ التزامه العقدي يكون مسؤولا قبل المتضرر مسؤولية
تقصيرية لأنه لا توجد رابطة عقدية بينهما في حين يكون المتعاقد الذي أخل بهذه
الالتزامات مسؤولا أمام المتضرر مسؤولة عقدية.
ووجود العقد هنا ولاعتباره عقدا يلزم أن كون صحيحا
كاملة أركانه ـ الرضا والمحل والسبب ـ وأن تتوفر شروط الرضا المتمثلة أساسا في
كمال الأهلية وخلوه من عيوب الإرادة ـ الغلط، التدليس، الإكراه، والغبن ـ فإذا
تخلف ركن من هذه الأركان فإن العقد يكون باطلا كما يكون قابلا للإبطال إذا تخلف
شرط من شروطه وتقرر بطلانه فلا تقوم المسؤولية العقدية.
الفقرة الثانية: الخطأ العقدي
ويقصد
به الإخلال بالتزام عقدي وهذه الالتزامات تتمثل في نوعين أساسين وهما الالتزام
ببذل عناية والالتزام بتحقيق غاية وهذا النوع لا يتم إلا بتحقيق الغاية المعينة
فمثلا الالتزام بنقل الملك والحقوق العينية الأخرى والالتزام بتسليم عين أو إقامة
مبنى والالتزام بالامتناع عن عمل معين كلها التزامات يقصد بها تحقيق غاية معينة هي
نقل الحق أو القيام بالتسليم أو بإقامة المبنى أو الامتناع عن العمل فتنفيذها لا
يكون إلا بتحقيق هذه الغاية فإذا لم تتحقق بقي الالتزام غير منفذ[5]
وأما
الالتزام ببذل عناية فهو الذي لا يقوم فيه المدين بتحقيق الهدف النهائي الذي يسعى
إليه الدائن بل يكون مضمون أدائه للالتزام وسيلة للوصول إلى الهدف النهائي مثال ذلك أن لا يلتزم الطبيب بشفاء
المريض بل يلتزم ببذل عناية ويكون العلاج وسيلة لتحقيق هدف المريض وهو الشفاء ففي
هذا النوع من الالتزام يجب على المدين أن يبذل مقدارا معينا من العناية التي
يبذلها الشخص العادي وقد تزيد أو تقل هذه العناية طبقا لما يقرر القانون أو
الاتفاق ويكون المدين قد نفذ التزامه التعاقدي إذا بذل العناية المطلوبة منه حتى
لو لم يتحقق الهدف أو الغاية من الالتزام [6]
كما
أن مسؤولية الطبيب لا تقوم قانونا إلا إذا اثبت المريض أن الضرر الذي أصابه كان
نتيجة إهمال او تقصير في العلاج فلا يكفي من الدائن هنا وهو المريض إثبات عدم
تنفيذ الالتزام بل عليه إثبات الخطأ المتمثل في أن المدين وهو الطبيب لم يبذل في
تنفيذ التزامه العناية المطلوبة وعلى المدين إذا أراد نفي مسؤوليته إقامة دليل على
وجود سبب أجنبي [7]
الفرع الثاني الضرر والعلاقة
السببية
يعتبر
الضرر والعلاقة السببية ركنان أساسيان في المسؤولية التعاقدية فلا يكفي لقيامها
واستحقاق التعويض المترتب أن يقع خطأ من طرف المدين بل لابد لقيامها بالإضافة إلى
ركن الاخلال المتقدم ركنين أساسيين وهو أن يسفر عن هذا الإخلال ضرر للدائن وأن
يكون هذا الضرر نتيجة مباشرة لهذا الإخلال، وهو ما يعني تحقق ركن العلاقة السببية
بين الضرر والخطأ الذي حصل من المدين، ولذا سندرس ركن الضرر فقرة أولى، ثم العلاقة
السببية فقرة ثانية.
الفقرة الأولى: الضرر كركن من
أركان المسؤولية العقدية
الضرر
هو الركن الثاني في المسؤولية العقدية وهو الأذى الذي يصيب الشخص في حق من حقوقه
أو في مصلحة مشروعة له وقد تكون المصلحة متعلقة بجسده أو عاطفته أو ماله أو حريته
أو شرفه، ولما كان الضرر يعتبر ركنا أساسيا لقيام المسؤولية العقدية فقد قيل لا
مسؤولية بغير ضرر وبناء على أن الضرر هو الأذى الذي يصيب الشخص في مصلحة مشروعة قد
تكون متعلقة بماله أو بعاطفته وشرفه فإنه بذلك ينقسم إلى ضرر مادي وضرر أدبي ولذا
فإننا سندرس أنواع الضرر أولا، وشروطه ثانيا.
أولا: أنواع الضرر
الضرر
ينقسم إلى قسمين مادي أو أدبي أو نقل معنوي وسنتطرق إلى كل من الضرر المادي
"1" والضرر الأدبي أو المعنوي "2"
1ـ الضرر المادي
الضرر
المادي في المسؤولية التعاقدية هو ما يصيب الدائن في ماله بسبب خطأ المدين وهو ما
يمكن تقويمه بالنقود ومثاله الضرر الذي يصيب التاجر في حالة عدم تسليم البضاعة أو
التأخر في تسليمها إذا ترتب عن ذلك فوات صفقة رابحة، والضرر الذي يصيب المسافر
بسبب حادث أثناء الطريق مما سبب عجزا جزئيا أو كليا في قدرته على العمل أو الكسب[8]
2 ـ الضرر الأدبي "المعنوي "
وهو
الأذى الذي يصيب الشخص في ناحية غير مادية فيسبب له ألما ويعتبر من قبيل الضرر
المعنوي كل ما يمس شرف الشخص أو كرامته أو شعوره أو عاطفته أو مكانته الاجتماعية [9]
مثال
الضرر الأدبي، الناشر إذا نشر كتابا لمؤلف فشوهه قد لا يصيب المؤلف بضرر مادي ولكن
المحقق أن يصيبه بضرر أدبي[10]
ويعتبر هذا النوع من الضرر قليل الوقوع في المسؤولية العقدية إذ الأصل أن الانسان
يتعاقد على شيء ذي قيمة مادية
ثانيا:
شروط الضرر
ولقيام
الضرر واعتباره ركنا أساسيا في المسؤولية العقدية يلزم توفر شروط أساسية من قبيل
أن يكون الضر ر متحققا في الوقت الحالي أو محقق الوقوع في المستقبل وأن يكون
مباشرا.
أولا:
أن يكون الضرر محقق الوقوع
يشترط
في الضرر الذي يطالب الدائن بالتعويض عنه سواء كان ماديا أو أدبيا أن يكون محقق
الوقوع بحيث يكون قد أصاب الدائن، كإصابة المسافر بخطأ أمين النقل فالإصابة هنا
تمثل الضرر الواقع فعلا ومن ثم يستحق التعويض[11]
والضرر
كما يشترط أن يكون محققا فإنه يمكن أن يكون مستقبلا لكنه محقق الوقوع في المستقبل
وفي هذه الحالة يعتبر كالضرر المتحقق، كأن يتعاقد مدير مصنع على استيراد خدمات
يدخرها للمستقبل من الأيام فيخل المورد بالتزامه نحوه، فالضرر هنا لا يلحق المصنع
في الحال إذ عندهم خدمات كافية ولكن يلحق به ضرر مستقبلا عند ما ينفذ ما عنده
ويصبح بحاجة إلى الجديد الذي تعاقد على استيراده[12]
ثانيا: أن يكون الضرر مباشرا
يلزم
أن يكون الضرر مباشرا وهو ما كان نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام وتتحدد
النتيجة الطبيعية بما لم يكن باستطاعة الدائن أن يتوقاه ببذل جهد معقول [13]
أما
الضرر غير المباشر فلا تعويض فيه في أي من المسؤولتين العقدية أو التقصيرية إلا
أنه في المسؤولية التقصيرية يكون التعويض عن الضرر المباشر متوقعا كان أو غير
متوقع أما في المسؤولية العقدية فلا يعوض إلا عن الضرر المباشر المتوقع [14]
الفقرة الثانية: العلاقة
السببية بين الخطأ والضرر
لقيام المسؤولية العقدية يلزم أن يكون هناك خطأ
من المدين ترتب عنه ضرر و أن يكون هذا الخطأ هو السبب المباشر لحصول هذا الضرر أي
أن يكون الضرر نتيجة مباشرة لهذا الخطأ وهو ما يعني قيام العلاقة السببية بين
الخطأ والضرر، فقد يكون هناك خطأ من المدين وهناك ضرر أصاب الدائن و لا يلزم
المدين تعويض هذا الضرر، مثال ذلك أن يقود سائق أجرة السيارة التي ينقل فيها
البضاعة بسرعة أكبر مما يجب، وكانت البضاعة عبارة عن أوان زجاجية قابلة للكسر وغير
مرتبة في وضعها في السيارة بحيث كانت ستكسر حتى ولو قادة السائق المركبة بسرعة
عادية فتكسير الزجاج يكون الضرر الذي أصاب الدائن في هذه الحالة ولكنه غير ناشئ عن
خطأ المدين بل ناشئ عن خطأ الدائن نفسه[15]
ويمكن
أن نتساءل عمن يقع عليه عبء إثبات العلاقة السببية أو نفيها هذا ما سنبينه في
النقاط التالية:
أولا: عبء إثبات
العلاقة السببية
يقع
عبء إثبات العلاقة السببية على عاتق الدائن فالقانون يلزم الدائن بإثبات العلاقة
السببية بين عدم تنفيذ الالتزام الذي هو الخطأ والضرر الذي لحقه حتي يحكم له
بالتعويض، أما علاقة السببية بين عدم تنفيذ الالتزام وسلوك المدين فهي مفترضة في
نظر المشرع الجزائري الذي يفترض أن الخطأ راجع إلى الضرر وعلى المدين إذا يدعي عكس
ذلك أن يقوم بنفي السببية بين عدم التنفيذ وسلوكه[16]
ثانيا: نفي العلاقة
السببية
إن
المدين لا يمكنه دفع المسؤولية العقدية إلا بنفي العلاقة السببية بين عدم تنفيذ
الالتزام وسلوكه بإثبات السبب الأجنبي الذي يعني كل أمر غير منسوب إلى المدين أدى
إلى حدوث الضرر الذي لحق الدائن والسبب الأجنبي الذي يجعل التنفيذ مستحيلا قد يكون
قوة قاهرة أو حادثا فجائيا أو يكون فعل الدائن أو فعل الغير.
المطلب الثاني: معيار التوقع
والتعويض
لا يقتصر تحقق المسؤولية العقدية على ثبوت الإخلال
بالعقد فحسب بل يمتد إلى تحديد نطاق التعويض المستحق عن الضر الناتج عن هذا
الإخلال وفي الإطار يبرز معيار التوقع كضابط أساسي يحدد مدى التعويض في المسؤولية
العقدية، وهذا المعيار يقوم على فكرة مفادها أن المدين لا يسأل إلا عن الأضرار
التي كانت متوقعة وقت إبرام العقد باعتبار أن إرادة المتعاقدين لا تنصرف إلا إلى
تحمل النتائج التي يمكن توقعها عادة عند العقد وبذلك يوازن المشرع بين حماية
الدائن من جهة وعدم تحميل المدين أعباء غير متوقعة أو مبالغ فيها من جهة أخرى، إلا
في حالات خاصة كالغش والخطأ الجسيم حيث
يتسع نطاق التعويض ليشمل الضرر غير المتوقع، ولمعيار التوقع أهمية بالغة في
التطبيق القضائي حيث يساهم في تحقيق العدالة العقدية واستقرار المعاملات من خلال
وضع حد معقول للتعويض يراعي طبيعة الالتزام وظروف التعاقد ولذا فإن دراسة معيار التوقع في مجال التعويض في المسؤولية
العقدية تعد مدخلا أساسيا لفهم فلسفة التعويض ولتوضيح هذا المعيار سنتطرق لنظرية
التوقع المعقول فرع أول، ثم أثر العلم الخاص بالظروف عند إبرام العقد فرع
ثاني
الفرع الأول: نظرية التوقع
المعقول
تعتبر نظرية التوقع في المسؤولية العقدية هي ما
يحدد نطاق التعويض للمدين عن الأضرار التي تلحق به حيث يسأل المدين عن الأضرار
المباشرة المتوقعة وقت إبرام العقد وهذا ما نصت عليه المادة 221 من القانون المدني
المصري إذ تقول " ومع ذلك إذا كان الالتزام مصدره العقد فلا يلتزم المدين
الذي لم يرتكب غشا أو خطأ جسيما إلا بتعويض الضرر الذي كان يمكن توقعه عادة وقت
التعاقد"
وهذا
ما يقضي به القانون الفرنسي لا يلزم المدين في المسؤولية العقدية إلا بتعويض الضر
ر الذي كان متوقعا وقت إبرام العقد أما الضر غير المتوقع فلا يعوض عنه إلا في
حالات خصة من قبيل الغش والخطأ الجسيم والمعيار يعتمد على ما كان يمكن ان يتوقه
الشخص العادي في نفس الظروف ، وتهدف نظرية التوقع إلى تقييد مسؤولية المدين لضمان
أن تكون التعويضات متناسبة مع حجم العقد والمخاطر المتوقعة، منعا للمبالغة في
التعويضات عن الأضرار غير المتوقع إذ الأصل أنه لا يعوض عن الضرر غير المباشر إلا
إذا كان المدين قد توقع حدوثه أو توقع وجود ظرف عند التعاقد كما في عقود الخدمات
المهنية أو العقود التي تتضمن معلومات عن ظروف خاصة،
نختم
هذا الفرع بهذا المثال من القانون الفرنسي شخص يبيع لآخر بقرة مريضة فتنقل العدوى
إلى بقية المواشي المشتري فتهلك جميعا فلم يتمكن المشتري من زراعة أرضه فلم يجد
المال اللازم للوفاء بديونه فحجز الدائنون على مزرعته وباعوها بثمن بخس فهذه كلها
أضرار متعاقبة يجر بعضها البعض، والبائع لا يسأل إلا عن الضرر المباشر المتوقع
فالبقرة المريضة بعد أن نقلت العدوى إلى باقي المواشي نفقت جميعها وهذا الضرر
المباشر المتوقع كان بإمكان المشتري تجنبها ببذل جهد معقول لأنه كان يعلم بالداء
الذي كان في البقرة التي اشتراها، أما الضرر غير المباشر وغير المتوقع وهو العجز
عن الزراعة و من ثم عدم القدرة على الوفاء بالديون مما أدى إلى الخسارة للاحقة حيث
كان بإمكان المشتري المزارع تجنها ببذل جهد معقول بأن يستأجر مواشي أخرى.
الفرع الثاني: أثر العلم الخاص
بالظروف عند إبرام العقد
ظهرت
نظرية الظروف الطارئة في العقود الإدارية "مجلس الدولة الفرنسي " لإعادة
التوان المالي للعقد وتسمح بتعديل أو انهاء العقد إذا أصبحت ظروف تنفيذه مرهقة
بشكل غير معقول بسبب عوارض خارجية عن إرادة الطرفين ولم تكن متوقعة وتطبق مبادئ
مشابهة في بعض العقود المدنية بحيث تسمح
الظروف الطارئة للقاضي بتعديل العقد أو انهائه بسبب تلك الظروف الاستثنائية غير
المتوقعة "حادثة كرونا أو الأوبئة " بعد العقد مما يجعل تنفيذه مرهقا
جدا إذ يتدخل القاضي لتقاسم الأعباء وتعديل الالتزام لتخفيفه بدلا من إلغاء
المسؤولية تماما، خاصة في عقود الزمن المتراخي بهدف تحقيق العدالة والتوازن وتجنب
الخسارة الفادحة إذ لم يكن أحد الطرفين يتوقه هذه الظروف وقت إبرام العقد، وإلا
كان عليه تحملها نتيجة العلم بالظروف الطارئة عند التعاقد حيث يعتبر مما يعدل
المسؤولية التعاقدية لأن الشرط الأساسي في الأخذ بالظروف الطارئة عدم التوقع وقت
إبرام العقد بيد أن العلم اللاحق بحدوث الظروف يوجب على القاضي التدخل لتعديل
العقد بدلا من إهمال المسؤولية وهذا ملخص ما في القضية ونختم بالحديث عن بعض آثار
الظروف الطارئة "التي لم تكن متوقعة من أي من الطرفين" على الالتزامات
التعاقدية:
أولا: الاعفاء من المسؤولية
بناء
على أنه لا يكلف الشخص إلا بما يستطيع، فإذا حلت ظروف قاهرة استحال معها تنفيذ
الالتزام ترتب على ذلك إعفاء المتضرر من تحمل المسؤولية العقدية الناتجة عن عدم
تنفيذ الالتزامات التعاقدية وبالتالي لا يطلب منه تعويض الطرف الآخر عن أي ضرر
ناتج عن الاخلال بالعقد بسبب الظروف القاهرة الخارجة عن السيطرة، كما أن القانون
لا يمنع من الاتفاق على الاعفاء من المسؤولية لأن الاعفاء من المسؤولية عن الخطأ
العقدي جائز ويجب في هذه الحالة احترام شروط الاعفاء التي يدرجها الطرفان بالاتفاق[17]
ثانيا: تخفيض أعباء تنفيذ العقد
إن
العدالة تفرض تخفيف الالتزام عن المدين من أجل رفع الارهاق عنه فقد يرى القاضي
تخفيض الالتزام عن الطرف المرهق. مثال ذلك أن يتعهد شخص بتوريد كمية من الصلب ثم
يرتفع سعره ارتفاعا باهظا بسبب جائحة كورنا أو ظرف آخر جعل استيراده متعذرا وهنا
تنقص الكميات الموجودة منه في السوق وفي هذه الحالة يجوز للقاضي أن ينقص الكمية
التي يلتزم المدين بتوريدها وذلك في الحدود التي تجعل تنفيذ الالتزام ميسورا غير
مرهق [18]
وتكون للقاضي السلطة المطلقة في اختيار الطريقة التي يحد بها من الارهاق في تنفيذ
الالتزام ومنها أن ينقص الالتزام إلى الحد المعقول[19]
ثالثا: تعليق العقد
قد يؤدي الظرف الطارئ كما هو الحال في جائحة
كورنا أيضا إلى تعليق تنفيذ العقد مؤقتا رجاء زوال الجائحة القهرية فعند انتهاء
السبب يستأنف تنفيذ الالتزامات بنفس الشروط السابقة أو على حسب ما يتم الاتفاق
عليه بين الأطراف من جديد.
المبحث الثاني: تقدير التعويض
وحدود السلطة التقديرية للقاضي
يعتبر
التعويض العنصر الأساسية الذي تدور حوله المسؤوليــــــــــــــة العقدية من
بدايتها إلى أن تتوج بتعويض عادل للمضرور وهو ما يمنح القاضي حرية في تقديره[20]
كما يعتبر الأداة القانونية لجبر الضرر المترتب عن الإخلال بالالتزامات التعاقدية
حيث يهدف إلى إعادة التوازن الذي اختل بسبب عـــــدم التنفيذ العقد أو التأخر في
تنفيذه أو تم التنفيذ بشكل معيب وهو ما أدى إلى قيام المسؤولية العقدية بعد توفر
العناصر الأساسية الأخرى وفي إطار قد يتفق المتعاقدان على تحديد التعويض أثناء
إبرام العقد وقد لا يتفقان وهــــــــــــو ما جعل المشر ع يمنح القاضي سلطة تقدير
التعويض بما يتناسب مع طبيعة الضرر وظروف كل حالة علـــــى حدة إلا أن هذه السلطة
ليست مطلقة بل تخضع لحدود وضوابط قانونية تهدف إلى تحقيق العــــــــــــــدالة
ومنع التعسف والتي منها مبدأ التعويض الكامل للضرر واحترام ما اتفق عليه المتعاقدان كحالات الشــــــــــرط
الجزائي وبناء على ما تقدم تبرز أهمية دراسة موضوع تقدير التعويض وحدود السلطة
التقديرية في المسؤولية التعاقدية لما لذلك من أثر مباشر في تحقيق التوازن .
وهذا
ما سندرسه في المطالب التالية حيث نخصص الأول منهما للإشكال المتعلق بوسائل تقدير
التعويض، بنما نخصص الثاني لحدود تدخل القاضي واتفاق الأطراف.
المطلب الأول: وسائل تقدير
التعويض وأنواعه
إن
وسائل تقدير التعويض تشمل التقدير القانوني بواسطة المشرع تحديدا والتقدير الاتفاق
بين الأطراف والتقدير القضائي سلطة القاضي التقديرية بناء على أدلة وحيثيات الضرر وتختلف أنواعه بين
التعويض النقدي والتعويض العيني بالمثل مع الأخذ في الاعتبار جسامة الضرر والظروف
المحيطة ونوع الضرر وتبرز أهمية هذه الأنواع
في كونها تحقق التوازن بين حماية الدائن من جهة وعدم تحميل المدين عبئا
يفوق الضرر الحقيقي من جهة أخرى فضلا عن دورها في تحقيق الأمر التعاقدي واستقرار
المعاملات وسنتطرق للتعويض النقدي فرع أول، ثم العيني فرع ثاني
الفرع
الأول: التعويض النقدي
لقد
أشارت المادة 171 من القانون المدني المصري إلى أنه "يقدر التعويض بالنقد على
أنه يجوز للقاضي تبعا للظروف وبناء على طلب المضرور أن يأمر بإعادة الحالة إلى ما
كانت عليه"
والتعويض
النقدي هو الاكثر شيوعا في العقود التجارية إذ يعد الأصل في تقدير التعويض عن
الضرر بأنواعه وصوره كافة لكونه أكثر الطرق ملاءمة لجبر الضرر في نطاق المسؤولية[21]
ويقصد به إلزام الطرف المخل بدفع مبلغ مالي للطرف المتضرر يعادل قيمة الضرر الذي
لحق به ويستخدم هذا النوع غالبا في حالات التأخير في التسليم أو الإخلال
بالالتزامات المالية، ولذا يعتبر التعويض النقدي في المسؤولية التعاقدية هو المبلغ
المالي الذي يدفع لجبر الضرر المباشر والمتوقع الذي لحق بالدائن نتيجة إخلال
المدين بالتزاماته العقدية كعدم التنفيذ او التأخر في التنفيذ أو التنفيذ المعيب كما
يعتبر التعويض النقدي القاعدة العامة لتعويض الأضرار خاصة عندما يكون التعويض
العيني مستحيلا أو غير مجد ويشمل ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب ويقع
تقديره من القاضي أو يكون متفقا عليه من قبل الأطراف مسبقا،
وقد
نص المشرع العراقي في المادة 109من القانون المدني العراقي علي
أن التعويض النقدي الطريق الأصلي لدى الحكم بالتعويض وأن التعويض العيني طريق
استثنائي لا يمكن للمحكمة أن تحكم به إلا بناء على طلب المتضرر وحسب ظروف الدعوى،
وهذا ما يستخلص منه أن للمحكمة تقضي به من تلقاء نفسها بالتعويض النقدي بدلا من
التعويض العيني الذي طلبه المتضرر إذا رأت أن ظروف القضية تقتضي ذلك[22]
الفرع
الثاني: التعويض العيني
يقصد
بالتعويض العيني "الزام المدعى عليه بتنفيذ الالتزام الذي تأخر في تنفيذه أو
امتنع عن تنفيذه من أجل إعادة الحالة إلى ما كانت عليها قبل وقوع هذا الإخلال أو
الفعل الضار [23]
والتعويض العيني في القانون هو الذي يتخذ التعويض فيه شكل التنفيذ العيني أو
الوفاء بالتعويض عينا وهذا النوع من التعويض وإن كان كثير الوقوع في مجال
المسؤولية العقدية[24]
فإنه
قليل الوقوع في المسؤولية التقصـــــــــــيرية، ولذا يرى كثيرون أن طريقة التعويض
العينــــــــي ليست غريبة على المسؤولية التقصــــــــــــيرية وإنها تلائمها
أكثر مـــــــــــن ملاءمتها للمسؤولية العقــــــــــــدية ولاسيما إذا كان الضرر
ماديا [25]
إن
المتضرر يسعى من خلال الحصول على التعويــــــــــــض إلى إزالة الضــــــــــــرر
الذي أصابه أو تخفيفه قدر الإمكان ويتعبر التعويض العيني أفضل وسيلة لجبر الضرر
لأن هذا النوع من التعـــــــــــــويض "العيني "يعتبر مـــــــــن أهم
أنواع التعويض حيث يهدف إلى جبر الضرر عن طريق
إعادة الحالة إلى ما كانت عليه قبل وقوع الإخلال مثل إصلاح المنتج أو
استبداله أو تنفيذ الالتـــــــــــزام كما تم الاتفاق عليه، ويفضل النظام السعودي[26]
هذا النوع مـــــــــــتى كان ممكنا لأنه يحقق مصلحة المتضرر بشكل مباشر ويعيد
الثقة في العلاقة التعاقديــــــــــــة وهو يهدف إلى الغاء آثار العقد وإعادة كل
طرف لما كان عليه قبل العقد سواء كان ذلك برد الثمن أو برد العين، من أفضل الوسائل لجبر الضرر.
المطلب الثاني: حدود تدخل
القاضي في اتفاق الأطراف
إن
التعويض الاتفاقي يعتبر من الآليات القانونية التي تكرس مبدأ سلطان الإرادة إذ
يتيح للأطراف تحديد مقدار التعويض مسبقا في حال الإخلال بالالتزام التعاقدي بما
يحقق الاستقرار في المعاملات ويحد من النزاعات القضائية إلا أن التعويض رغم طابعه
الاتفاقي لا يترك على إطلاقه بل يخضع لرقابة القضاء حماية للتوازن العقدي ومنعا
للتعسف أو الاضرار بأحد المتعاقدين.
ولذا تبرز أهمية دراسة حدود تدخل القاضي في
التعويض الاتفاقي باعتباره استثناء على مبدأ حرية التعاقد يهدف إلى تحقيق العدالة
العقدية وضمان التناسب بين الضرر اللاحق وقيمة التعويض المتفق عليه لأن القاضي
يملك في إطار ضوابط قانونية محددة سلطة تعديل التعويض بالنقص أو الزيادة متى ثبت
أن التقدير مبالغ فيه وهذا ما يثير الإشكالية المتعلقة في السلطة القضائية في
تعديل أو تقدير التعويض فرع أول، ثم ما مفهوم الشرط الجزائي،
الفرع الاول: سلطة القاضي في
تعديل أو تقدير التعويض
للقاضي
سلطات متعددة في تعديل أو تقدير التعويض ومن أهم مظاهر دور القاضي في تحقيق
العدالة حيث لا يقتصر دوره على التطبيق الحرفي للنصوص بل يمتد إلى مراعاة كل قضية
بعينها ورقابة بنودها بما يتطلب ذلك من التزام الأطراف بما اتفقوا عليه، وتدخله
لسد الفراغ في حالة ما إذا لم يكن هناك اتفاق من أجل تقدير التعويض وهذا يجعلنا
نتطرق لرقابة القاضي على بنود الاعفاء من المسؤولية أو تخفيف التعويض فقرة أولى وتدخل القاضي في حالة عدم الاتفاق أو غموض بنوده فقرة ثانية
الفقرة الأولى: الرقابة على
بنود الإعفاء من المسؤولية أو تخفيف التعويض
تهدف
هذه الرقابة إلى حماية الطرف الأضعف في العقد حيث يقبل القضاء مبدأ الإعفاء من
المسؤولية العقدية لأنها ليست من النظام العام الذي لا يمكن الاتفاق على ما يخافه
إلا أنه يضع قيودا صارمة خاصة عند الغش أو الخطأ الجسيم أو الضرر بالسلامة فلا
يجوز الاتفاق على إعفاء المدين من مسؤوليته عن الأضرار الجسدية لأن جسم
الانسان يخرج عن دائرة التعامل المالي ولأنه ليس شيئا قابلا للتصرف به[27]
ومن
أهم بنود الإعفاء من المسؤولية العقدية ما يتعلق بجوازها في الاصل، فيجوز
للمتعاقدين الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية العقدية لأنها ليست من النظام العام
كما أشرنا سابقا حيث تكون الاتفاقيات المتعلقة بالإعفاء من المسؤولية أو الإعفاء
من أحد الالتزامات الناشئة عن العقد باطلة إذا خالفت النظام العام فمثلا لا يجوز
للمدين بمقتضى بند في العقد أن يرفع مقدما عن عاتقه المسؤولية المترتبة على الغش
الذي يرتكبه في تنفيذ التزام ناشئ عنه بالنص، لأن الاعتراف بصحة هذا البند يسمح
للعاقد بأن يخالف عملا مبدأ أساسيا في
قانون الجماعة يجعل العقد شريعة طرفيه ويزعزع الثقة في المعاملات ويبث الفوضى في
الر وابط بين لناس [28]
كما قد يكون من آثار الرقابة على بنود العقد تخفيض التعويض في حالة ما إذا
تم التنفيذ الجزئي للعقد اسنادا على نص المادة 1231 من القانون المدني الفرنسي
"يحق للقاضي في حالة التعهد تنفيذا جزئيا يخفض الجزاء المتفق عليه من تلقاء
نفسه استفاد الدائن من تنفيذ الجزئي ودون الإخلال بتطبيق أحكام المادة 1231 وكل نص
مخالف يعتبر كأن لم يكن" [29]
الفقرة الثانية: تدخل القاضي في
حالة عدم الاتفاق أو غموض بنوده
في
حالة عدم الاتفاق على الشرط الجزائي أو غموضه يتدخل القاضي لتقدير التعويض وفقا
للقواعد العامة للمسؤولية العقدية حيث يعود تقدير الضرر ومقدار التعويض للدائن
وللقاضي سلطة تقديرية في تحديد التعويض كما يعتبر من الضروري تدخل القاضي لضمان
العدالة حيث له سلطة تفسير البنود الغامضة وتحديد المعنى الحقيقي وله الحق في
تعديل التعويض "الشرط الجزائي" إذا كان مبالغا فيه أو أقل من الضرر
الفعلي حتى لو لم يتفق على ذلك خصوصا عند إثبات المدين عدم وقوع ضرر أو المبالغة
فيه أو في حالة فسخ العقد حيث يسقط الشرط ويقدر القاضي التعويض وفقا للقواعد
العامة، كما يرجع للقواعد العامة إذا كان الغموض يجعل الشرط غير قابل للتطبيق أو
مبالغا فيه بشكل كبير قدر يرفضه القاضي ومع ذا للقاضي زيادة الشرط إذا كان يقل عن
الضرر الفعلي الذي لحق بالدائن.
الفرع الثاني: الشرط الجزائي كوسيلة لتحديد التعويض
يعد
تقدير التعويض عن الإخلال بالالتزامات العقدية منوط بقاضي الموضوع إلا أنه ليس ثمة
ما يمنع من أن ينفق طرفا العلاقة التعاقدية على تقدير هذا التعويض مقدما سواء بالنص
عليه في العقد أو باتفاق لا حق فيحدد المتعاقدان مقدار ما يلتزم به المدين بأدائه
جبرا للضرر الذي لحق بالدائن إذا لم ينفذ التزامه أو تأخر في تنفيذه وسنتطرق
لمفهوم الشرط الجزائي فقرة أولى، ثم سلطة القاضي في تخفيف أو زيادة الشرط الجزائي
الفقرة الأولى: مفهوم الشرط الجزائي
يطلق
الشرط الجزائي على التعويض الذي يتفق عليه الأطراف أثناء إبرام العقد أو في اتفاق
لاحق سمي شرطا جزائيا لأنه مشروط بين الطرفين سواء ضمن شروط العقد الأصلي أو في
اتفاق مستقل وهو جزائي لأنه يعد جزاء لعدم تنفيذ المدين لالتزامه أو لتأخره في تنفيذه
فالشرط الجزائي بهذا المعنى هو تقدير اتفاقي وجزافي للتعويض يدفع من قبل المدين
المخل بالالتزام التعاقدي.[30]
وهذا ما يلاحظ مما تنص عليه الفقرة الثانية من الفصل 264 من قانون الالتزامات
والعقود المغربي حيث جاء فيها" يجوز للمتعاقدين أن يتفقا على التعويض عن الأضرار
التي قد تلحق الدائن من جراء عدم الوفاء بالالتزام الأصلي كليا أو جزئيا أو تأخير
في التنفيذ "[31]
وهذا
قريب مما جاء في المادة 223 من القانون المدني المصري "يجوز للمتعاقدين أن
يحددا مقدما قيمة التعويض بالنص عليها في العقد أو في اتفاق لاحق ويراعي في هذه
الحالة أحكام المواد من 215ـ220 "[32]
كما تنص على المادة 36 الفقرة 1 من القانون المدني على أنه "يجوز للمتعاقدين
أن يحددا مقدما قيمة الضمان بالنص عليها في العقد أو في اتفاق لا حق مع مراعاة
أحكام القانون " فنجد أن المادتين مطابقتين إذا ما استثنينا مصطلح التعويض
والضمان حيث يطلق القانون المصري لفظ التعويض بينما يسميه القانون الأردني الضمان
وهذا التطابق يعني أن الشرط الجزائي فكرة سائدة في أغلب التشريعات
الفقرة الثانية: سلطة القاضي في تعديل شرط الجزاء
يتمتع
شرط الجزاء باحترام كبير لأنه يعتبر نتيجة اتفاق بين الأطراف إلا أنه ومن أجل
تحقيق التوازن والعدالة بين أطراف العقد يمنح القانون القاضي سلطة واسعة في تعديل
شرط الجزاء إما بالنقص أو الزيادة ففي حالة ما إذا كان الاخلال بالالتزام جزئيا أو
إذا كانت قيمة الشرط أكبر من بكثير من الضرر الفعلي للمتضرر أو في حال إثبات
المدين أن الضرر أقل بكثير من الشر ط المتفق عليه فللقاضي أن يتدخل في هذه الحالات
من أجل حماية الطرف الضعيف وتحقيق التوازن العقدي ومن هذه الحالات:
أولا:
تخفيف الشرط الجزائي
ففي
حالة ما إذا كان الإخلال جزئيا وليس كليا فإن للقاضي أن يتدخل من أجل تخفيض المبلغ
المتفق عليه ليتناسب مع الإخلال الجزئي، اسنادا على نص المادة 1231 من القانون
المدني الفرنسي "يحق للقاضي في حالة تنفيذا التعهد تنفيذا جزئيا يخفض الجزاء
المتفق عليه من تلقاء نفسه استفاد الدائن من تنفيذ الجزئي ودون الإخلال بتطبيق
أحكام المادة 1231 وكل نص مخالف يعتبر كأن لم يكن [33]
وكذا
في حالة ما إذا كان التعويض الاتفاقي يعني قيمة الشرط الجزائي أكبر بكثير من الضرر
الذي أصاب المضرور فإن للقاضي دورا مهما في هذه الحالة وهو التدخل من أجل أن ينقص
الشرط إلى الحد المعقول لتعويض الضرر الفعلي.
ثانيا:
زيادة الشرط الجزائي
وفقا
لبعض التشريعات الدائن إذا أثبت أن المدين قد ارتكب غشا أو خطأ جسيما أدى إلى ضرر
أكبر فإنه يمكن زيادة مبلغ التعويض، متى تبين لقاضي الموضوع أن مقدار التعويض
المتفق عليه لا يتناسب مع الضرر الواقع فعلا.[34]
ثالثا:
الغاء الشرط الجزائي
كما
يعتبر من حالات تدخل القاضي تدخله من أجل إلغاء الشرط الجزائي إذا لم يلحق الدائن
أي ضرر نتيجة الإخلال بالالتزام، فهنا لا مجال للمطالبة بالتعويض حتى ولوكان شرطا
جزائيا. انظر هذه الحالات في المواد من 215 إلى 220 من القانون المدني المصري. [35]
الخاتمة
تتحقق
المسؤولية العقدية عند ما يخل المتعاقد بتنفيذ الالتزام الذي رتبه عليه العقد أو
أن يقوم بتنفيذه على وجه معيب والعقد هو الذي يحدد مسؤولية المتعاقدين من حيث
الالتزامات والشروط لأن العقد شريعة المتعاقدين ولذا تعد المسؤولية العقدية من أهم
المواضيع التي تتعلق بالمعاملات بين الأفراد والحرص على تحقيق التوازن المتعاقدين
فهي تهدف إلى جبر اللاحق بأحد الأطراف عن طريق التعويض المناسب بعد تقديره من طرف
القاضي لأن تقدير التعويض يتم بعدة طرق فإما أن يكون قانونيا أو قضائيا أو اتفاقيا
يفق عليه الأطراف وقت إبرام العقد أو في وقت لاحق، فتقدير التعويض من طرف القضاء
حيث يكون للقاضي سلطاته واسعة في تقدير التعويض ولذا فيتخذ هذا الأخير عدة صور من
أهمها التعويض النقدي الذي يعتبر الأكثر شيوعا وأنه هو الطريق الأصلي لدى الحكم
بالتعويض وأن التعويض العيني طريق استثنائي لا يمكن للمحكمة أن تحكم به إلا بناء
على طلب المتضرر وحسب ظروف الدعوى في المسؤولية من خلال البحث يمكن أن نبرز النقاط
التالية :
1 ـ أن الضرر يعتبر الركن الأساسية في المسؤولية
العقدية إذ بدون تحققه فلا مجال للمطالبة بالتعويض
2 ـ أن تقدير التعويض قد يكون قانونيا أو قضائيا أو
اتفاقيا أي ما يعرف بالشرط الجزائي
3 ـ أن التعويض النقدي هو الأصل والأكثر شيوعا من
التعويض العيني
4 ـ أن التعويض يقتصر على الضرر المتوقع وقت إبرام
العقد ما لم يرجع إلى غش المدين أو خطئه الجسيم.
[1] حددتها المادة 15 من
قانون الالتزامات والعقود الموريتاني ببلوع 18
[2] عبد القادر قرموش المبادئ
العامة للمسؤولية المدنية ج 1،
التاريخ 2020-2021،ص 23
[3] لأمر القانوني مرجع سابق،
ص 30
[4] الدكتور مأمون الكزبري النظرية العامة للالتزام ص 252
[5] مأمون الكزبري مرجع سابق ص
254
[6] محمد صبري السعدي الواضح
في شرح القانون المدني الجزائري النظرية العامة للالتزام مصادر الالتزام العقد
والإرادة المنفردة دراسة مقارنة في القوانين الوضعية دار الهدى للنشر والتوزيع ط4
الزائر 2006 م ج 1 ص 313
[7] العربي بلحاج النظرية
العامة للالتزام في القانون المدني الجزائري المصادر الإرادية ديوان المطبوعات
الامعية الجزائر 2015 ص 677ـ 679
[8] محمد صبري السعدي مرجع
سابق ص 315ـ316
[9] بلحاج العربي مرجع سابق ص
285
[10] عبد الرزاق السنهوري
الوجيز في النظرية العامة للالتزام ص 264
[11] بلحاج العربي مرجع سابق ص
287
[12] ـ عبد الرزاق السنهوري مرجع سابق ص 765
[13] ـ أنور سلطان الوجيز في
النظرية العامة للالتزام مصادر الالتزام دار المطبوعات الجامعية اسكندرية، ص 262
[14] ـ عبد الرزاق السنهوري
مرجع سابق ص 262
[15] ـ عبد القادر الفار، بشار عدنان مكاوي، مصادر الالتزام، مصادر
الحق الشخصي في القانون المدني؛ الطبعة الرابعة، دار الثقافة للنشر و التوزيع،
الأردن، 2012 . 14
[16] بلحاج العربي مرجع سابق ص
290
[17] عباس الحسيني الاعفاء من
المسؤولية محاضرات لطلبة الدكتوراه القسم الخاص ص 46
[19] د سليمان مرقس الوافي في شرح القانون المدني في الالتزامات في الفعل
الضار والمسؤولية المدنية المجلد الأول الطبعة الخامسة 1992 ص 420
[20] آمال علي عبد الحسين
الموسوي التعويض العادل دراسة مقارنة 2021 ص 26
[21] علاء جريان تركي الحمداني
إلغاء العقد بالإرادة المنفردة دراسة مقارنة في القانون المدني ط1 المركز العربي
مصر 2019 ص 277
[22] مجلة كلية العلوم
القانونية والسياسية المجلد 13 العدد 46 العام 2023 ص 206
[23] سعدون العامري تعويض الضرر في المسؤولية التقصيرية وزارة
العدل بغداد 1981 ص 149
[24] عبد الرزاق الأحمد مرجع
سابق ص 966
[25] سعد العامري مرجع سابق ص
149
[26] المادة 139 من النظام
المعاملات المدنية السعودي
[27] ـ أجمد مفلح خوالدة شرط
الإعفاء من المسؤولية العقدية دراسة مقارنة دار الثقافة والنشر والتوزيع الأردن
2011 ص 167
[28] زكي محمود جمال الدين 1990
مشكلات المسؤولية المدنية مطبعة القاهرةج2 ص 52
[30] سعيد
الدغيمري تنفيذ الالتزام بمقابل أو بطريق التعويض قضائيا في التشريع المدني
المغربي أطروحة لنيل دكتوراه في القانون الخاص جامعة محمد الخامس كلية العلوم
القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط السنة الجامعية 1981/1982 ص 429
[31] قانون الالتزامات والعقود
المغربي ظهير 11أغسطس 1913
[32] القانون المدني المصري
القانون رقم 131 لسنة 1948 وهو القانون الرئيسي الذي ينظم المسائل المدنية
والمعمول به منذ 15 أكتوبر1949
[33] القانون المدني الفرنسي
تقنين نابليون 21 آذار 1804 ترجمة عربية للنص الرسمي
[34] فؤاد محمود معوض دور
القاضي في تعديل العقد دار الجامعة الجديدة الاسكندرية طبعة 2004 ص 325
[35] القانون المدني المصري القانون رقم 131 لسنة 1948 وهو القانون الرئيسي الذي ينظم
المسائل المدنية والمعمول به منذ 15 أكتوبر 1949
من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله
