الــجــرائــم
الــبحــريــة وآلــيــات الــحــد مــنــها
محمد عبد الرحمن أحمدو أبو
دكتور في
القانون الخاص، أستاذ متعاون مع جامعة انواكشوط – كلية العلوم القانونية والسياسي.
Maritime
crimes and reduction mechanisms, including
Mohammed ABD RAHMANE AHMADOU ABOU
مقدمة
تعتبر البحار والمحيطات
شريانا حيويا للتجارة العالمية ومصدرا غنيا للموارد الطبيعية، فضلا عن كونها مجالا
واسعا للأنشطة الاقتصادية والبيئية والعسكرية على حد سواء؛ غير أن هذا الامتداد
البحري الشاسع لم يسلم من مظاهر الجريمة والانتهاك، حيث شهدت العقود الأخيرة
تصاعدا ملحوظا في الجرائم البحرية بأنواعها، بدءاً من القرصنة وتهريب البشر
والمخدرات، مرورا بالصيد غير المشروع، ووصولا إلى الجرائم البيئية الخطيرة مثل
التلوث المتعمد والتخلص غير القانوني من النفايات؛ وتشكل هذه الجرائم تهديدا
مباشرا لأمن الملاحة البحرية، واستقرار الاقتصاد العالمي، وحماية البيئة البحرية،
وسلامة الأرواح والممتلكات.
لا شك أن خطورة الجرائم
البحرية تزداد بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية الخاصة للبحار، وصعوبة مراقبتها،
وتداخل الاختصاصات القضائية بين الدول، فضلا عن غياب آليات فعالة للتعاون الدولي
في بعض الأحيان، مما يوفر بيئة خصبة لنشاط الجماعات الإجرامية المنظمة؛ وقد دفعت
هذه التحديات المجتمع الدولي إلى إبرام مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية
مثل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 التي أرست إطارا قانونيا شاملا
لحوكمة البحار والحد من الجرائم المرتكبة في نطاقها.
تهدف هذه الدراسة إلى
تسليط الضوء على ماهية الجرائم البحرية، وتصنيفاتها، وأسباب انتشارها، بالإضافة
إلى تحليل الآليات الوطنية والدولية المستخدمة في مكافحتها والحد من آثارها.
تتجلى الأهمية النظرية
لهذه الدراسة في عدة نقاط يمكن إجمالها فيما يلي:
-
تصنيف وتحليل الظواهر الإجرامية البحرية
حيث تساعد هذه الدراسة في
تطوير التصنيفات الدقيقة للجرائم البحرية، سواء كانت ذات طابع جنائي تقليدي
كـالقرصنة والتهريب، أو بيئي كالتلوث البحري الجسيم، مما يمكّن الباحثين من
التأسيس لنماذج نظرية تساهم في فهم تطورها وانتشارها.
-
دعم الدراسات الأمنية
والإستراتيجية
يعزز هذا المقال البحوث
المرتبطة بالأمن البحري والسياسات الدفاعية للدول، من خلال ربط الظواهر الإجرامية
البحرية بأبعاد الأمن القومي والإقليمي والعالمي.
-
إثراء المعرفة القانونية
الدولية
تساهم هذه الدراسة في
تعميق الفهم الأكاديمي للإطار القانوني الذي يحكم الفضاء البحري، خاصة ما يتعلق
منه بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بهذا الموضوع ( اتفاقية الأمم المتحدة لقانون
البحار) ، كما تبرز التحديات القانونية المرتبطة بتحديد المسؤولية الجنائية في نطاقات
بحرية مشتركة أو متنازع عليها.
أما فيما يتعلق بالأهمية
العملية لهذا الموضوع فتتجلي في تعزيز
قدرات أجهزة الأمن والساحل حيث يوفر هذا المقال مرجعية علمية وميدانية يمكن
الاستفادة منها في تطوير استراتيجيات عمل الأجهزة الأمنية البحرية، وتحسين قدرات
الرقابة والمراقبة البحرية.
كما أن هذه الدراسة تساعد
في حماية البيئة البحرية والثروات الطبيعية من خلال تحليل الجرائم البيئية البحرية
وآليات مكافحتها، فضلا عن تعزيز جهود الحماية المستدامة للبيئة البحرية، والحد من
الاستنزاف غير المشروع للموارد البحرية؛ كما أن هذا المقال يشكل دعما للتعاون
الدولي والإقليمي حيث يوضح أهمية تنسيق الجهود الدولية وتفعيل آليات التعاون بين
الدول لمواجهة الجرائم البحرية التي غالبا ما تتجاوز الحدود الوطنية وهو ما يعزز
الأمن الجماعي والاستقرار الملاحي وزيادة الوعي المجتمعي بأهمية الأمن البحري، وخطورة الجرائم المرتكبة
في البحار.
وبما أنه لا يكاد يخلو أي
بحث أو دراسة علمية من منهج أو عدة مناهج فقد اعتمدنا في هذه الدراسة على المنهج
التحليلي من خلال تحليل النصوص القانونية الدولية ذات الصلة.
أما فيما يتعلق بالإشكالية
التي يمكن أن نثيرها في هذه الدراسة فتتمثل في:
ما مدى فعالية الجهود الدولية المبذولة في مكافحة
الجرائم البحرية؟
لتتفرع من
الأسئلة التالية:
§
ما هي الجرائم البحرية وما هي أهم أنواعها؟
§
وما هو الإطار القانوني لهذا النوع من الجرائم؟
§
وما هي أهم تحديات الجرائم البحرية؟
وسنحاول الإجابة على
الإشكالية والأسئلة المتفرعة عنها من خلال التصميم التالي:
المبحث الأول: مفهوم الجرائم البحرية
المبحث الثاني: الطبيعة القانونية للجرائم
البحرية
المبحث الأول: مفهوم الجرائم البحرية
تشكل الجرائم البحرية
تهديدا كبيرا للتجارة الدولية، والأمن القومي، وحماية البيئة البحرية؛ وتشمل هذه
الجرائم مجموعة واسعة من الأفعال غير القانونية التي تُرتكب في البحار أو المناطق
الساحلية، وتختلف في طبيعتها وحدتها؛ وبسبب الطبيعة العابرة للحدود للمياه الدولية،
تحظى هذه الجرائم باهتمام القانون الدولي والدول الساحلية؛ وفي هذا الصدد سنتطرق
لتعريف الجرائم البحرية في المطلب الأول؛ لنتطرق في المطلب الثاني الجهود الدولية
والإقليمية في مكافحة الجريمة البحرية.
المطلب الأول: تعريف الجرائم البحرية
الجرائم البحرية هي
الأفعال غير المشروعة التي تُرتكب في البحر أو في المياه الدولية أو الإقليمية
للدول، والتي تمثل انتهاكا للقوانين الوطنية أو الدولية[1]؛
وتشمل طيفا واسعا من الجرائم مثل القرصنة والتهريب وكذا الصيد غير المشروع والتلوث
البحري....؛ ويمكن القول إن الجرائم البحرية هي كل فعل يعاقب عليه القانون إذا
ارتكبه شخص أو عدة أشخاص في البحر أو المناطق التابعة له ( الموانئ ؛المياه
الإقليمية؛ السفن الراسية)، ويشكل انتهاكا للقوانين الوطنية أو الدولية، سواء كان
هذا الفعل يخص الأفراد أو السفن أو المؤسسات البحرية[2].
تتميز الجرائم البحرية بمجموعة من الخصائص يمكن
إجمالها في النقاط التالية:
تقع الجرائم البحرية في
مناطق نائية أو في بعض المناطق التي لا تخضع لسيادة دولة واحدة ( أعالي
البحار) مما يجعل تطبيق القانون أكثر
تعقيدا الأمر الذي يتطلب تنسيقا دوليا لمواجهة هذا النوع من الجرائم؛ وغالبا ما
تكون منظمة وتستفيد من ضعف الرقابة وهذا بخلاف الجرائم المرتكبة على اليابسة؛ وفي
هذا الصدد سنتطرق في الفقرة الأولى؛ لأنواع الجرائم البحرية؛ لنتطرق في الفقرة
الثانية للجهات المختصة في مكافحة الجريمة البحرية.
الفقرة الأولى: أنواع الجرائم البحرية.
هناك عدة أنواع
من الجرائم البحرية ومن بينها:
- القرصنة البحرية:
تعرف القرصنة البحرية بأنها أي عمل عنيف أو احتجاز ترتكبه طواقم
السفن ضد سفن أخرى في أعالي البحار بغرض السرقة أو الابتزاز[3]
وهي مجرمة دوليا؛ ويجيز القانون الدولي لكل دولة القبض على القراصنة ومحاكمتهم[4].
-أفعال العنف أو النهب التي تقوم بها
سفينة أو طاقمها ضد سفن أخرى في عرض البحر[5]؛
وتستهدف الاستيلاء على البضائع أو طلب الفدية[6].
- التهريب عبر البحر
تستغل الجماعات
الإجرامية البحر لتهريب مواد غير مشروعة مستفيدة من قلة الرقابة[7]،
خصوصا في المناطق الاقتصادية الخالصة[8]
أو أعالي البحار[9]
يشمل التهريب تهريب السلع الممنوعة (الوقود؛ البضائع )؛ أو تهريب المخدرات،
والأسلحة... عبر قوارب سريعة أو سفن شحن وهمية[10].
-
الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين
يتمثل هذا النوع من
الجرائم في نقل الأشخاص بطرق غير شرعية (الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر) ويكون في ظروف إنسانية قاسية[11]
في أغلب الأحيان، مما يؤدي أحيانا إلى وفيات في البحر[12]؛
وقد تزايدت هذه الجريمة في السنوات الأخيرة، حيث تستخدم شبكات التهريب في هذا
النوع من الجرائم القوارب لنقل المهاجرين مقابل مبالغ مالية ضخمة[13]
القرصنة الالكترونية ضد السفن
وهي كل استخدام غير مشروع
للتقنيات الرقمية بهدف اختراق أو تعطيل أنظمة التحكم أو الملاحة أو الاتصالات على
السفن أو في الموانئ أو لدى مشغلي النقل البحري[14]
بغرض التسبب في أضرار مادية أو مالية أو أمنية[15]؛
وتعتبر من أخطر الجرائم البحرية بسبب تهديدها لسلامة أرواح الطواقم والركاب
وممتلكاتهم[16]...
-
الصيد غير المشروع (IUU Fishing)
يعد من التحديات الخطيرة
للأمن الغذائي والبيئة البحرية، ويشمل ممارسة الصيد دون تراخيص، أو في مناطق
محظورة أو الصيد باستخدام وسائل ممنوعة في الصيد؛ أو خلال مواسم غير مسموح بالصيد
فيها[17].
جدير بالذكر أن الصيد غير المشروع يؤدي إلى
استنزاف الثروات البحرية ويهدد الاقتصاد المحلي والأمن الغذائي؛ كما أنه يؤثر على
البيئة البحرية[18]
ويهدد التنوع البيولوجي[19].
- الإرهاب البحري
يشمل الإرهاب البحري
مهاجمة السفن أو الموانئ أو منشآت الطاقة البحرية لأغراض سياسية، مثل الهجمات التي
تستهدف ناقلات النفط أو السفن الحربية[20].
الجرائم
البيئة البحرية( التلوث البحري)
تعتبر جرائم البيئة
البحرية من أكثر الجرائم البحرية خطورة نظرا لما ينتج عنها من آثار سلبية على
البيئة البحرية وسلامة الكائنات البحرية بشكل عام حيث يتم تخلص بعض السفن بطريقة
غير مشروعة من النفايات السامة أو النفط أو المواد السامة في المياه الدولية، أو
تفريغ مياه الصرف الصناعي بدون معالجة مما يضر بالبيئة البحرية والاقتصاد الساحلي[21].
- السرقة أو الاحتيال
البحري
تعتبر السرقة أو الاحتيال
البحري من أكثر الجرائم البحرية انتشارا وأشدها خطورة ومن بين هذا النوع من
الجرائم البحرية تزوير أوراق الشحن، سرقة البضائع أثناء النقل[22]،
أو الاحتيال في سجلات التأمين[23].
الفقرة الثانية: أسباب الجرائم البحرية
هناك مجموعة من الأسباب
التي تؤدي إلى وقوع الجرائم البحرية ومن أهم هذه الأسباب نذكر على سبيل المثال:
ü
ضعف الحوكمة البحرية في
بعض الدول.
ü
غياب الرقابة الكافية في
المياه الدولية[24].
ü
التفاوت الاقتصادي
والاجتماعي وهو يدفع بعض الأفراد إلى الأنشطة الإجرامية[25].
ü
الطبيعة المعقدة لتطبيق
القوانين في البحار، خاصة في المناطق المتنازع عليها[26].
ü
التكنولوجيا المتطورة تُستخدم لأغراض غير
قانونية[27].
المطلب الثاني: الجهود الدولية والإقليمية في مكافحة
الجريمة البحرية
تشمل الجرائم البحرية
مجموعة واسعة من الأنشطة غير القانونية التي تحدث في البحار والمحيطات، مثل
القرصنة، التهريب، الصيد غير المشروع، التلوث المتعمد، والاتجار بالبشر[28]
أو المخدرات[29]؛
ولمكافحة هذه الجرائم والحد منها تقوم الدول بمجموعة من الجهود الدولية والإقليمية
بهدف مكافحة الجريمة البحرية والحد منها حيث يتم الاعتماد على مجموعة من الآليات
القانونية، الأمنية، التقنية، والدولية، بناء على التنسيق المشترك بين الأجهزة
والجهات المختصة في مكافحة الجرائم البحرية سواء على المستوى الوطني ( بعض الهيئات
الوطنية) أو على المستوى الدولي (بعض الهيئات الدولية) وفي هذا الصدد سنتطرق
للجهود الدولية في مكافحة الجرائم البحرية في الفقرة الأولى؛ لنتطرق في الفقرة
الثانية للجهود الوطنية في مكافحة الجرائم البحرية
الفقرة الأولى: الجهود الدولية في مكافحة الجرائم
البحرية
تقوم الدول بمجموعة من
الآليات والأنشطة بهدف مكافحة الجرائم البحرية ومن أهم هذه الجهود الدولية نذكر
على سبيل المثال:
أولا:
الاتفاقيات الدولية
مثل اتفاقية الأمم المتحدة
لقانون البحار (UNCLOS 1982) التي
تجرم القرصنة البحرية وتلزم الدول بالتعاون على مكافحتها؛ كما أنها تمكن السفن
الحربية من ملاحقة القراصنة في أعالي البحار؛ وكذا اتفاقية قمع الأعمال غير
المشروعة ضد سلامة الملاحة البحرية (SUA 1988) تستهدف
هذه الاتفاقية الإرهاب البحري والاعتداء على السفن كما أنها تجرم الاستيلاء على
السفن وأعمال التخريب والتفجير؛ إلى جنب اتفاقية فيينا 1988 لمكافحة تهريب
المخدرات عبر البحر.
يضاف إلى هذا بعض المنظمات
والمبادرات الدولية مثل المنظمة البحرية الدولية (IMO) المتعلقة بتوجيه السياسات الدولية لمواجهة التهديدات البحرية.
جدير بالذكر أن هناك بعض
الهيئات الأخرى مثل الانتربول ولاندوك Interpol) وUNODC) اللتان تقدمان الدعم الفني والتقني في التحقيقات
المتعلقة بالجريمة البحرية.
وكذلك بعض أنظمة التتبع
والرصد كالأقمار الصناعية وأنظمة AIS لمراقبة
حركة السفن[30]
ومكافحة الصيد غير المشروع[31]؛ إلى غير ذلك من الجهود الدولية المتعلقة
بمكافحة الجريمة البحرية وخاصة بعض الآليات الأخرى كالتعاون الإقليمي والدولي
المتمثل في تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الشبكات الإجرامية البحرية[32]؛
والعمليات المشتركة بين الدول لملاحقة القراصنة أو المهربين[33]؛
وكذا المشاركة في مناورات بحرية دولية لتحسين الجاهزية والرد السريع[34]؛
فضلا عن استخدام الأقمار الصناعية لمراقبة الأنشطة المشبوهة في المناطق البعيدة[35].
الفقرة الثانية: الجهود الوطنية في مكافحة الجرائم
البحرية
تتمثل الجهود الوطنية في
مكافحة الجرائم البحرية في قيام الدول بمجموعة من الآليات من بينها:
أولا: إنشاء تشريعات وطنية
تعرف هذه الآليات بالسبل
القانونية وتتجلى في تحديث القوانين البحرية الوطنية لتجريم كافة أنواع الجرائم
البحرية مثل القرصنة والتهريب البحري وتكييف القوانين الوطنية مع مقتضيات
الاتفاقيات الدولية ذات الصلة والانضمام كذلك للاتفاقيات والمعاهدات الدولية، مثل:
اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)؛ وكذا اتفاقية مكافحة الأعمال غير المشروعة في البحار (SUA)؛ وتغليظ العقوبات على الجرائم
البحرية لردع المجرمين؛ ومحاكمة مرتكبي الجرائم البحرية محليا أو بالتعاون مع دول
أخرى[36].
ثانيا:الإجراءات الأمنية
تتمثل الإجراءات الأمنية
في مجموعة من الآليات يمكن إجمالها في النقاط التالية:
1 - إنشاء
وحدات متخصصة في مكافحة الجرائم البحرية داخل حرس السواحل أو البحرية[37]. بهدف تفتيش السفن المشتبه
بها ومراقبة تحركاتها[38].
2- نشر دوريات
بحرية دائمة لحماية المياه الإقليمية.
3- تأهيل
وتدريب الكوادر الأمنية والبحرية على كشف الجرائم والتعامل مع المجرمين[39]
4- محاكاة سيناريوهات
الجريمة البحرية ضمن مناورات تدريبية
ثالثا: الرقابة على الموانئ والسفن
تتمثل الرقابة على الموانئ والسفن في القيام
بمجموعة من الإجراءات منها:
ü
تطبيق نظام التفتيش على
السفن الأجنبية قبل دخول الموانئ.
ü
تدقيق أوراق الشحن والتأكد
من مطابقتها للحمولات الحقيقية[40].
ü
منع السفن التي تغلق أنظمة
التتبع من الرسو بالموانئ[41].
رابعا:
التوعية العامة
تساعد التوعية العامة في
تثقيف الصيادين والعاملين في البحر حول كيفية التعرف على النشاطات غير القانونية
والحد من الجرائم البحرية[42]بشكل
عام؛ كما تساعد في تشجيع التبليغ السري عن أي ممارسات مشبوهة[43].
المبحث الثاني: الطبيعة القانونية للجريمة البحرية
سنتطرق في هذا المبحث
للإطار القانوني للجرائم البحرية في المطلب الأول، لنتطرق في المطلب الثاني
لتحديات الجرائم البحرية والآثار المترتبة عليها.
المطلب
الأول: الإطار القانوني للجرائم البحرية
تعتبر الجرائم البحرية من
أخطر أنواع الجرائم العابرة للحدود، نظرا لطبيعة البيئة البحرية المفتوحة وصعوبة
السيطرة عليها؛ ومع تنامي أهمية البحار كممرات تجارية وإستراتيجية، ازدادت الحاجة
إلى وضع إطار قانوني محكم للحد من هذه الجرائم وملاحقة مرتكبيها؛ وفي هذا الصدد
سنعرج على الإطار القانوني الدولي للجرائم البحرية في الفقرة الأولى؛ لنتطرق في
الفقرة الثانية للإطار القانوني الوطني للجرائم البحرية.
الفقرة الأولى: الإطار القانوني الدولي للجرائم
البحرية
أولا: اتفاقية الأمم
المتحدة لقانون البحار (UNCLOS).
تعتبر اتفاقية الأمم
المتحدة لقانون البحار ( UNCLOS
1982) الإطار الدولي الرئيسي الذي ينظم الأنشطة في البحار، وتحدد هذه
الاتفاقية مختلف المناطق البحرية (المياه الإقليمية، المنطقة الاقتصادية الخالصة،
أعالي البحار)؛ كما تحدد قواعد مكافحة الجرائم مثل القرصنة (المواد 100-107)
والاتجار بالبشر والمواد المحظورة؛ فضلا عن الاختصاص القضائي للدول في مختلف
المناطق البحرية.
ثانيا:
الاتفاقيات الدولية الأخرى
1-
اتفاقية suppressing unlawful acts at sea) SUA) لعام 1988 لمكافحة الأفعال غير
القانونية ضد سلامة الملاحة البحرية.
2-
اتفاقية ماربول MARPOL لمكافحة التلوث البحري.
3-
اتفاقية صيد الأسماك لمحاربة الصيد الجائر وغير
القانوني.
4-
اتفاقيات مكافحة الاتجار بالبشر مثل بروتوكول
باليرمو 2000.
الفقرة الثانية الإطار القانوني الوطني
للجرائم البحرية
أولا: القوانين الوطنية المتعلقة بالجرائم
البحرية
تسن أغلب الدول تشريعات
خاصة بالجرائم البحرية في النصوص الوطنية مثل
قانون العقوبات (جرائم
القرصنة والقتل في البحر)؛ وقانون الجمارك (لمكافحة التهريب)؛ وكذا القوانين
البيئية (لمكافحة التلوث البحري) فضلا عن بعض القوانين الأخرى مثل قانون الهجرة
المتعلق بتنظيم عبور الأفراد والحد من الهجرة غير الشرعية)[44].
ثانيا: صلاحية المحاكم الوطنية
تختلف صلاحيات الدول في
ملاحقة الجرائم البحرية بحسب مكان وقوعها فإذا وقعت الجريمة في المياه الإقليمية
للدولة فإنها تملك صلاحيات كاملة في محاكمة المجرمين[45]
أما إذا وقعت الجريمة في أعالي البحار فإن الاختصاص في هذه الحالة يكون للدولة
التي ترفع السفينة علمها، باستثناء بعض
الحالات الخاصة مثل جريمة القرصنة البحرية[46]
.
المطلب
الثاني: تحديات الجرائم البحرية والآثار المترتبة عليها
سنتطرق في هذا المطلب
لتحديات مكافحة الجرائم البحرية في الفقرة الأولى لنتطرق في الفقرة الثانية للآثار
المترتبة على الجرائم البحرية.
الفقرة الأولى: تحديات مكافحة الجرائم البحرية
ü
ضعف التنسيق القانوني بين
الدول (ضعف التعاون الدولي)
رغم وجود
اتفاقيات دولية، فإن التعاون الفعلي بين الدول أحيانًا يفتقر إلى التنسيق أو
السرعة المطلوبة لمواجهة الجرائم البحرية المعقدة.
ü
تضارب الاختصاص القضائي
في حالة وقوع جريمة بحرية تتنازع عدة دول
الاختصاص في الجريمة البحرية خاصة إذا كانت السفينة تحمل علم دولة معينة، وطاقم
السفينة يحمل جنسية أخرى، والجريمة ضد ضحايا من دول ثالثة[47].
ü
المساحات الشاسعة للمياه
وصعوبة المراقبة الدائمة لهذه المساحات فضلا عن صعوبة تنفيذ القانون في أعالي
البحار لأن الدول لا تملك سيادة كاملة في
أعالي البحار، مما يعوق ملاحقة المجرمين ما لم تكون الجريمة ضمن الاستثناءات المنصوص
عليها في القانون الدولي..
ü
عدم توافر التكنولوجيا
البحرية لدى بعض الدول.
ü
التداخل بين القانون
الوطني والدولي.
الفقرة الثانية: الآثار المترتبة على
الجرائم البحرية
يترتب على وقوع
الجرائم البحرية مجموعة من الآثار التي تهدد أمن وسلامة الملاحة البحرية وتؤثر
بشكل سلبي على البيئة الاقتصادية والأمنية.
أولا: الآثار الاقتصادية والبيئية
1- الآثار الاقتصادية
تنتج عن الجرائم البحرية
خسائر مالية ضخمة بسبب الهجمات على السفن والتأمين والنقل؛ وكذلك ارتفاع تكاليف
الحماية والمراقبة البحرية.
2- الآثار البيئية:
يترتب عن الجرائم البحرية
بعض الآثار السلبية مثل التلوث البحري الذي يدمر الشعاب المرجانية والموائل[48]
البحرية التي تلجأ إليها الكائنات البحرية بهدف توفير المأوى والغذا؛ كما أنها
تعتبر بيئة لتكاثر الكائنات البحرية المختلفة.
ثانيا: الآثار الاجتماعية والأمنية
1- الآثار الاجتماعية:
تترتب على الجرائم البحرية
آثار اجتماعية سلبية تتمثل في تهديد حياة البحارة والمهاجرين مما ينتج عنه تفاقم
الأزمات الإنسانية في مناطق النزاعات.
2-
الآثار
الأمنية
تشكل الجريمة البحرية
تهديدا مباشرا للأمن البحري والإقليمي والدولي لما تنطوي عليه من أنشطة غير مشروعة
تتمثل في عدم أمن الملاحة البحرية وانتشار الهجمات على السفن التجارية فضلا عن
تعريض الطواقم البحرية للخطر وكذا انتهاك السيادة الوطنية للدول مما يسمح بتمادي
الشبكات الإجرامية في استغلال مناطقها الساحلية
الخاتمة:
يتضح من خلال ما تقدم أن
الجرائم البحرية ليست مجرد تحديات أمنية، بل تشكل خطرا حقيقيا وتهديدا شاملا
للبيئة البحرية والأمن العالمي على مختلف الأصعدة (الاقتصاد وحقوق الإنسان....)
ولا يمكن لدولة واحدة القضاء عليها بمفردها أو التصدي لها مما يعني أنه لا بد من
تضافر الجهود على المستويين المحلي والدولي، وتبني حلول متقدمة وآليات فعالة للحد
من هذه الجرائم.
تشمل هذه الآليات (التشريع،
الرقابة، التنمية المستدامة للمناطق الساحلية).
الأمر الذي يعني أن
الجرائم البحرية ظاهرة معقدة تتطلب تنسيقا دوليا وتشريعات محلية صارمة لحماية
السلم البحري والموارد الاقتصادية ويجب أن تكون هناك استراتيجيات متكاملة تشمل
الردع، والرصد، والتعاون، والتنمية الاقتصادية للمناطق الساحلية حتى تتضافر الجهود
الوطنية والدولية، ويتم تفعيل أدوار الجهات المختصة لمواجهة هذه الظاهرة العابرة
للحدود بفعالية.
الاقتراحات
بناء على ما تقدم ارتأينا
أن نقترح ما يلي:
ü
تحديث التشريعات الوطنية
لتشمل الجرائم الحديثة كالجريمة السبرانية المرتبطة بالملاحة؛ وكل التصرفات
الحديثة التي تقع في البحر وتعتبر جرائم خطرة
ü
إنشاء محاكم بحرية دولية
للنظر في الجرائم الكبرى التي تقع في أعالي البحار
ü
تعزيز التعاون الإقليمي
والدولي عبر مذكرات التفاهم، والتدريبات المشتركة.
ü
زيادة الاستثمارات في
التقنيات البحرية مثل الأقمار الاصطناعية والرادارات لمراقبة الحدود البحرية.
ü
تطوير القدرات التقنية
واللوجستية للدول النامية
[1] عبد اللطيف دحية: التعاون الدولي
لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر ؛ الطبعة الأولى ( دون ذكر تاريخ الطبعة) دار المعتز
للنشر ؛ والتوزيع – عمان ؛ ص: 128
[2] منشاوي محمد أحمد: النظرية العامة
للحماية الجنائية للبيئة البحرية – دراسة مقارنة – مكتبة القانون والاقتصاد للنشر
والتوزيع الطبعة الثالثة: 2014؛ ص: 204
[3] محمد الشناوي: استراتيجيه مكافحة
جرائم الاتجار بالبشر؛ المركز القومي للإصدارات القانونية- الإسكندرية الط الثانية 2024؛ ص:
207
[4] عبد اللطيف دحية؛ مرجع سابق؛ ص: 129
[5] عباس عودة بكال: القرصنة البحرية
كجريمة دولية وآليات مكافحتها؛ مجلة العلوم السياسية؛ العدد 67 يونيو 2024. ص:
271
[6] للمزيد من الايضاح يمكن مراجعة بن حمو
فتح الدين : القرصنة البحرية ومجلس الأمن الأممي ؛ مجلة العلوم القانونية
والاجتماعية؛ العدد الأول؛ مارس 2023 ص: 964
[7] العاطفي مصطفى: مكافحة الأعمال غير
المشروعة المرتكبة في البحر ؛ أطروحة لنيل دكتوراه ؛ جامعة محمد بوقرة بومرداس؛
كلية الحقوق والعلوم السياسية؛ السنة الجامعية:2020؛ ص: 56
[8] عبد المالك صايش: مكافحة تهريب
المهاجرين السريين ؛ أطروحة لنيل شهادة دكتوراه الجنائية؛ جامعة مولود معمري؛ كلية
الحقوق والعلوم السياسية ؛ السنة الجامعية: 2014؛ ص: 47
[9] حمادي هادي: الهجرة غير الشرعية
والآليات القانونية لمكافحتها – دراسة تحليلية مقارنة- رسالة مقدمة لنيل شهادة المجاستير؛ جامعة الشرق
الأدني؛ كلية الحقوق –قسم القانون العام؛ السنة الجامعية: 2021؛ ص: 48
[10] بتول جمال عبد المجيد أبو صبيح:
الحماية الدولية للبيئة البحرية من التلوث بالنفط؛ رسالة مقدمة استكمالا لمتطلبات
الحصول على درجة الماجستير في القانون العام؛ جامعة الشرق الأوسط؛ كلية الحقوق ؛
السنة الجامعية: 2021؛ ص: 278
[11]
محمد ناصر : التعاون الدولي والإقليمي في مكافحة جريمة الاتجار بالبشر؛
مجلة الفكر القانوني والسياسي؛ العدد الأول؛ 2021 ص: 127
[12] صبا فيصل العفيف: مكافحة جرائم
الاتجار بالبشر في النظام السعودي والقانون الدولي- دراسة تحليلية مقارنة- رسالة
مقدمة لاستكمال متطلبات الحصول على شهادة ما جستير في القانون العام؛ جامعة عبد
الملك عبد العزيز – جدة المملكة العربية السعودية- كلية الحقوق ؛ السنة الجامعية: 2022؛ ص: 46
[13] محمد الشناوي؛ مرجع سابق؛ ص: 210
[14] عباس عودة بكال؛ مرجع سابق؛ ص: 279
[15] عمراني نادية: القرصنة البحرية
وتمييزها عن الأعمال المشابهة لها؛ مجلة البحوث والدراسات القانونية والسياسية
العدد: السادس 2018؛ ص: 97
[16] صبا فيصل العفيف؛ مرجع سابق؛ ص: 49
[17] ياسين محمد حنون: التنظيم القانوني
لمكافحة جريمة القرصنة البحرية؛ مجلة دراسات البصرة؛ العدد: خمسون لسنة 2023؛ ص:
98
[18] قاسم فطيمة: المسئولية المدنية لمالك
السفينة عن أضرار التلوث البحري ؛ رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير ؛ جامعة
الجزائر كلية الحقوق بن عكنون؛ السنة الجامعية 2011؛ ص: 85
[19] عبد اللطيف دحية؛ مرجع سابق؛ ص: 132
[20] بتول جمال عبد المجيد أبو صبيح؛ مرجع
سابق؛ ص: 280
[21] قاسم فطيمة؛ مرجع سابق؛ ص: 88
[22] عبد المالك صايش؛ مرجع سابق؛ ص: 67
[23] عباس عودة بكال؛ مرجع سابق؛ ص: 273
[24] العاطفي مصطفى؛ مرجع سابق؛ ص: 59
[25] محمد الشناوي؛ مرجع سابق؛ ص: 218
[26] زرقاني نصيرة : الآليات الدولية
لحماية البيئة البحرية في المنطقة الاقتصادية الخالصة؛ رسالة مقدمة لنيل شهادة
الماجستير؛ جامعة مولاي الطاهر؛ كلية الحقوق والعلوم السياسية؛ السنة الجامعية
2020؛ ص: 65
[27] العاطفي مصطفى؛ مرجع سابق؛ ص: 60
[28] عبد اللطيف دحية؛ مرجع سابق؛ ص: 134
[29] زكرياء عبد الوهاب محمد زين: دور
القانون الدولي في مكافحة جريمة القرصنة في أعالي البحار؛ مجلة العلوم الاقتصادية
والإدارية والقانونية ؛ العدد 18 يوليو 2022؛ ص: 38
[30] هشام رمضان- أرشيدة عوض خلف: أحكام
التصادم البحري - دراسة مقارنة – الطبعة الأولى؛ 2011؛ دار جليس الزمان؛ ص: 132.
[31] بتول جمال عبد المجيد أبو صبيح؛ مرجع
سابق؛ ص: 82
[32] شبلي مختار: الجهاز العالمي لمكافحة
الجريمة المنظمة ؛ دار هومة الطبعة الثانية؛ 2013؛ ص: 197
[33] عبد المالك صايش؛ مرجع سابق؛ ص: 81
[34] محمد الشناوي؛ مرجع سابق؛ ص: 225
[35] ياسين محمد حنون؛ مرجع سابق؛ ص: 99
[36] زرقاني نصيرة؛ مرجع سابق؛ ص: 72
[37] شبلي مختار؛ مرجع سابق؛ ص: 199
[38] هشام رمضان- أرشيدة عوض خلف؛ مرجع
سابق؛ ص: 134
[39] حمادي هادي؛ مرجع سابق؛ ص: 85
[40] عمراني نادية؛ مرجع سابق؛ ص: 99
[41] العاطفي مصطفى؛ مرجع سابق؛ ص: 73
[42] زرقاني نصيرة؛ مرجع سابق؛ ص: 67
[43] قاسم فطيمة؛ مرجع سابق؛ ص: 89
[44] شبلي مختار؛ مرجع سابق؛ ص: 201
[45] زرقاني نصيرة؛ مرجع سابق؛ ص: 72
[46] قاسم فطيمة؛ مرجع سابق؛ ص: 94
[47] رزقاني نصيرة؛ مرجع سابق؛ 74
[48] الموائل:جمع موئل وهو المكان الذي تعيش فيه الكائنات البحرية في أعماق البحار والمحيطات
من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله
