تفعيل العدالة التصالحية في المادة
الجنائية: الواقع والمأمول
رضوان رماش
طالب باحث بسلك الدكتوراة -قانون خاص- كلية
العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية.
جامعة القاضي عياض -مراكش
Activating
Restorative Justice in Criminal Law: Reality and Hope
Redouane RAMACH
مقدمة
من
مسلمات الوجود أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لا بد له من الانصهار داخل جماعة
معينة، يمتلك فيها حقوق ويلتزم تجاهها بواجبات، يستقي منها حاجيات ويؤدي تجاهها
التزامات. وفي ظل هذا التعايش الاجتماعي المعقد، فذلك من شأنه أن ينتِج علاقات
متبادلة بين مختلف الأصناف المكونة للمجتمع، التي في الأصل تتم وفق الاحترام
المتبادل والترابط القانوني اللازم، إلا أنه أحيانا تقع بعض التجاوزات في هذه
العلاقات تؤدي إلى إحداث أضرار بالغير يستدعي معها التدخل من طرف السلطات المختصة
لاستعادة الاستقرار الاجتماعي واستتباب الأمن. في سبيل الغاية الأخيرة، تتدخل
سلطات الدولة تدخلا مباشرا في محاربة الجريمة وحماية مصالح الأفراد وحقوقهم داخل
المجتمع، ويأتي هذا التدخل في شكل استباقي لمنع وقوع الجريمة من خلال الشرطة
الإدارية، أو بشكل بعدي من خلال السلطات القضائية وما تمتلكه من مؤسسات وموارد
بشرية وآليات قانونية للتحقيق في الجرائم ومتابعة المجرمين وإنفاذ العقوبة على من
ثبُت جرمهم. فبمجرد وقوع الجريمة تنشأ رابطة قانونية بين النيابة العامة ومرتكب
الفعل الجرمي، وتتجلى هذه الرابطة في تكريس حق الدولة في تطبيق العقوبة، ووسيلتها
في ذلك هي تحريك الدعوى العمومية.
باعتبار مؤسسة النيابة العامة ممثلة للمجتمع
فهي تحرك الدعوى العمومية نيابة عنه، وذلك بغية التوصل إلى نتيجة قانونية إما
البراءة أو الإدانة، وهي في ذلك ملزمة بالتوفيق ما بين محاربة الجريمة وبين احترام
تفعيل الإجراءات الجنائية شكلا ومضمونا، وبقدر نجاحها في تحقيق التوازن بين
المعطيين يتحدد مستوى نجاح العدالة الجنائية. إلا أنه في الآونة الأخيرة، ظهرت
معيقات موضوعية وإجرائية متعددة جعلت من العدالة الجنائية مجرد اسم دون تنزيل فعلي لها، فمن جهة ارتفع معدل الجريمة بشكل مهول وتطورت
أساليبها وتعقدت مكوناتها بفعل التقدم
التكنولوجي والانفتاح العابر للحدود حيث لم تستطع الوسائل الكلاسيكية مكافحة هذا المد الإجرامي، ومن جهة أخرى أبان النهج العقابي
المعتمد عن عدم القدرة نسبيا على مواجهة الجريمة، بل الأدهى من ذلك فهذا النهج يعتبر سببا
في تزايدها حسب البعض. أما من الناحية الإجرائية، فكثرة الجرائم أثرت على حسن سير الإجراءات الجنائية، فمعلوم مع كل جريمة
يتم تحريك دعوى عمومية، ومع كثرة الجرائم قلت فعاليتها وحسن التعامل معها، هذا إلى جانب طول إجراءاتها وتعقد شكلياتها، وبطبيعة
الحال انتقلت عدوى هذه الإشكالات إلى الجسم القضائي الذي أصبح مثقلا بالقضايا. كل هذه
التراكمات أدت إلى القول بأن العدالة
الجنائية تمر من أزمة على جميع المستويات الموضوعية منها والإجرائية.
أمام هذا الوضع، كان لا بد من التدخل والبحث عن
حلول وخيارات جديدة تبعث الروح في نظام العدالة الجنائية، وهنا تم الاهتداء إلى العدالة التصالحية كنظام
حديث يكمل ويساعد العدالة في شكلها التقليدي، ويقوم هذا النهج في فلسفته ومبادئه على حل
النزاعات الجنائية تحت طابع اجتماعي
وإنساني يتم خلاله الجمع بين الجاني والضحية لعرض الأضرار الناتجة ومحاولة التوصل إلى
حل توافقي حول الحلول الممكنة، وذلك تحت رقابة القضاء.
وقد انخرط المشرع المغربي في هذا التوجه إيمانا
منه بفعاليته وفاعليته، حيث اعتمد في هذا الطرح على بعض الآليات التصالحية في
الميدان الجنائي، يأتي في مقدمتها الصلح الجنائي المقرر بمقتضى المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية[1] (ق.م.ج)،
وأخرى لا تقل أهمية كالأمر القضائي في الجنح (المادة 383) والسند التنفيذي في المخالفات (المادة 375)، بالإضافة
إلى بعض مظاهر التصالح في بعض
القوانين الخاصة، ولكن يبقى التساؤل المطروح بخصوص هذه الآليات هو التطبيق السليم والتنزيل الفعلي
لمقتضياتها.
في هذا الصدد، يشكل موضوع العدالة الجنائية
التصالحية حلقة لا تكاد تنفصل عن سلسلة من الإشكاليات الهامة التي تسوغها مختلف
مواضيع القانون الجنائي، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السياسة الجنائية
المعاصرة مع مطلع القرن 21، ولاسيما أيضا في سياق يتميز بدراسات وتقارير تفيد عدم
تمكن نظام العدالة الجنائية الحالي
من مجاراة التطورات المتلاحقة للجريمة وفشله في التعاطي موضوعيا وإجرائيا مع
توابعها. وعليه، تأتي هذه المحاولة العلمية في سبيل دراسة وتشخيص واقع العدالة
التصالحية الجنائية داخل التشريع المغربي، وكذلك محاولة استشراف آفاق هذا النظام
باستجلاء ما يجب أن يكون.
بناء على ما سبق، يمكن صياغة مختلف المعطيات
المذكورة في قالب السؤال الإشكالي التالي: كيف يمكن تشخيص واقع نظام العدالة
التصالحية في الميدان الزجري بالتشريع المغربي، وما هي آفاق تجويدها؟ ويستتبع
هذا السؤال المركزي تساؤلات متعددة من قبيل: ما موقع نظام العدالة التصالحية
الجنائية بالنسبة للعدالة الجنائية؟ هل هو نهج بديل أم مساعد أم مكمل؟ ما هي
التحديات التي تقف أمام تفعيل العدالة التصالحية الجنائية بالتشريع المغربي؟ ما الممكن إضافته لتجويد هذا النظام؟
بغية الإجابة على الإشكال الرئيسي والتساؤلات
المتفرعة عنه، سيتم مقاربة هذه الورقة وفق مطلبين، بحيث المطلب الأول مخصص لواقع
العدالة التصالحية بالتشريع الجنائي المغربي، والمطلب الثاني للحديث عن مداخل التغيير الفاعل بالعدالة التصالحية في
التشريع الجنائي المغربي.
المطلب الأول: واقع العدالة
التصالحية بالتشريع الجنائي المغربي
لم تعد تعتمد السياسة الجنائية الحديثة على
المقاربة الزجرية كجواب رسمي وأوحد للرد عن الجريمة المرتكبة، وإنما أصبحت ترى في الميكانيزمات المجتمعية الجواب
المناسب والفعال لها، وذلك عن طريق
إفساح المجال للمجتمع لحل بعض نزاعاته ومشاكله بنفسه، والاستغناء عن اللجوء للنظم
القانونية التي تكون غالبا غير فعالة[2]،
والمشرع المغربي بدوره عمل على تبني بعض الآليات للعدالة التصالحية في ق.م.ج من
قبيل الصلح الزجري والسند التنفيذي في المخالفات... ويحاول جاهدا تبني بعض
التقنيات الأخرى من قبيل الوساطة
الجنائية،... ويتجلى ذلك من خلال بعض مشاريع القوانين الإجرائية التي لم يكتب لها الوجود. ويلاحظ
في الآونة الأخيرة أن المشرع المغربي عمل على صياغة فروع أو أبواب في بعض القوانين الخاصة تهتم بتبيان الأفعال المجرمة في هذا
المجال وتحديد عقوبات لها ويقوم أيضا بإضافة الحل التصالحي كطريق آخر لتفادي المتابعة
الجنائية[3].
إن
القول بفعالية نظام العدالة التصالحية لا يعني صلاحيته لكل سياسة جنائية في سياق
مجتمع معين، بل ذلك يفترض توافر ظروف ثقافية وسياسية واجتماعية وقضائية معينة،
لذلك نجد نجاح هذا النهج في نظام قضائي معين وفشله في آخر. ومن الممكن القول أن
السياق البنيوي المغربي لم يستطع بعد استيعاب هذا النظام بأبعاده الشاملة، حيث لا
زال الجسم القضائي بكل مكوناته يتخبط في أجرأة مقتضيات هذا النظام، ولا زال
المواطن القضائي غير واع بمميزات هذا النهج، وهو الأمر الذي يستدعي تحليل التحديات
والمعيقات المعتبرة في حكم الحاجز للتفعيل الأسلم والأنسب لمقتضيات هذا النظام.
تأسيسا
على ما سلف، سيتم في هذا المطلب الوقوف على تمظهرات
العدالة الجنائية التصالحية على ضوء ق.م.ج في الفقرة الأولى، على أن تُخصص
الفقرة الثانية لمعيقات تفعيل العدالة التصالحية بالتشريع
الجنائي المغربي.
الفقرة الأولى: تمظهرات
العدالة الجنائية التصالحية على ضوء ق.م.ج
يعتبر ق.م.ج المجال التطبيقي الأول لآليات
العدالة التصالحية، باعتباره القانون الناظم للدعوى الجنائية. وفي هذا السياق، جاء
ق.م.ج بتقنيات تصالحية هامة تروم إنهاء النزاع بطريقة ودية ودون الغوص في
الإجراءات المعقدة للدعوى العمومية وطول أمدها، ويأتي الصلح الزجري على رأس هرم
هذه الآليات، بالإضافة إلى كل من الأمر القضائي في الجنح والسند التنفيذي في
المخالفات، ومقتضى التنازل عن الدعوى.
بالنسبة للصلح الزجري، فقد نظمه المشرع المغربي
بمقتضى المادة 41 من ق.م.ج، وقد اختلف الفقه في تحديد طبيعته، لاسيما و أن المشرع
لم يتبنى نظرية عامة للصلح في المادة الجنائية وإنما أورد بعض تطبيقاته سواء في القانون
الجنائي العام أو القوانين الزجرية الخاصة، فهناك من يعتبر الصلح إجراء إداري كون الإدارة هي
من توقع محضر الصلح بناء على اتفاق
مسبق مع المتهم، وهناك من يعطيه خصوصية مدنية كونه ينطلق بعقد شفوي يفرغ محتواه في محضر قانوني، وهناك من يعتبره إجراء جنائيا
خالصا، كونه ينتِج عقوبة جنائية وهي التعويض المالي[4].
جاءت المادة 41 من ق.م.ج بإضافة مهمة للعدالة
الجنائية حيث ثمَّن الجميع القيمة القانونية لهذه المادة، وباعتبار النص القانوني
مهما بلغ حسن صياغته وأهمية محتواه فهو يبقى قاصر عن تحقيق الغاية المنشودة من وراء إقراره حتى تبعث فيه عناصر خارجية الروح
والديناميكية وترفع عنه طابع الجمود، ويقصد بالعناصر الخارجية التطبيق الميداني والدراسات
الفقهية والقضائية التي ترصد مكامن
الخلل وتحاول توجيه المشرع لتفاديها أو تصحيحها. وقد أفرزت هذه العناصر مجموعة من التساؤلات والانتقادات،
بحيث هناك من انتقد المادة من حيث الوجود والأساس، والبعض أثار أسئلة في الشق الشكلي والموضوعي والبعض الآخر أشار إلى الصعوبات
الجمة التي تعترض المادة من حيث التنزيل.
فمن حيث أساس المادة، فقد أثار البعض نقطة هامة
تتمثل في اعتبار الصلح تخليص للمتهم من العقوبة مقابل دفع مبلغ من النقود، وبناء على أسباب
تعتبر خارج القانون سواء اجتماعية أو
شخصية أو إدارية... حيث يعتبر الصلح كإجراء لشراء عدم العقاب، وهو بالتالي ترسيخ
لمبدأ مخالف للمبادئ الأساسية للقانون الجنائي[5]،
ونضيف أيضا على هذا الرأي ملاحظة مهمة، وباعتبار مجال العقاب هو حق للدولة وتكريس
لهيبتها وسلطتها، ألا يعتبر الصلح إضعاف لمفعول هذه السلطة وتغييب لخاصية الردع
العام والخاص؟ رغم ما يقال حول حصر الجرائم الممكن إجراء الصلح بشأنها.
ومن المؤاخذات أيضا المسجلة في خانة أسئلة الأساس،
نجد من يذهب للقول بأن إجراء الصلح من طرف النيابة العامة يشكل إهدارا لمبدأ الفصل بين سلطتي الاتهام
والحكم، حيث أن النيابة العامة تقوم باتهام ومتابعة المتهم وتتخذ فيما بعد حكم
بعقوبة مالية عليه وهو ما يتعارض جذريا مع مبادئ العدالة الجنائية، كما يعبر عن أن الصلح ينذر بنوع من
أنواع خصخصة القضاء، حيث تتخذ
إجراءات التفاوض والصلح بعيدا عن ساحات القضاء وبمعزل عن رقابته[6]،
سيما ومع مطالبة العديد من المتدخلين إلغاء مصادقة المحكمة على محضر الصلح
باعتبارها مصادقة شكلية لا غير. وإن كنا نتفق جزئيا مع الفكرة أعلاه، إلا أننا
نعارض في الجزء الآخر القائل بأن النيابة العامة تصدر حكما على المتهم، حيث أن إجراءات الصلح لا تهدف إلى البت في
القضية بقدر ما تهدف إلى تسريع إنهاء بعض القضايا البسيطة دون حكم لاسيما وأن العقوبة
المالية المفروضة على المتهم لا يشار
إليها بالسجل العدلي، ونضيف كذلك أن النيابة العامة لا تقوم باقتراح الصلح إلا في حالتين على سبيل الحصر وهما عدم حضور المتهم وتنازله
عن مطالبه أو في حالة عدم وجود ضحية من الأصل،
أما غير ذلك فالنيابة العامة لا تصالح بل توافق أو لا توافق على طلب المتضرر أو المتهم، حيث نقول أنها فقط تشرف وترعى إجراء
الصلح.
أما بالنسبة للانتقادات المسطرية، فيمكن تسجيل
بعض الملاحظات المقترنة بأجرأة الصلح:
-
لم ينص المشرع المغربي على شرط الاعتراف كمعطى ضروري لإجراء الصلح، فهل يجب الإقرار بالفعل الجرمي من قبل المتهم للبدء في
إجراءات الصلح أم لا حاجة لذلك؟
-
أحيانا قد يرتكب المشتكى به جنحة تفرز مجموعة من الضحايا فيتم فتح مسطرة واحدة،
فأحد الضحايا تنازل عن شكايته ويطلب إجراء مسطرة الصلح والضحية الأخرى تصر على المتابعة،
فكيف يمكن تطبيق مسطرة الصلح في مثل هذه الحالة؟ وفرضا تنازل الضحيتين في جنحتين مختلفتين عن المتابعة، فينبغي على المشتكى به أداء
غرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى، ففي
هذه الحالة هل يؤخذ بالغرامة القصوى والأشد إلى أحد الجنحتين، أم يتم جمع
الغرامتين معا؟
-
جاء في الفقرة الأخيرة من المادة 41 من ق.م.ج أنه: "يتأكد وكيل الملك من تنفيذ الالتزامات التي صادق
عليها الرئيس" ونتساءل هنا عن كيفية تتبع وكيل الملك لتنفيذ الالتزامات المصادق عليها،
فهذه المهمة من شأنها أن تحدث للنيابة العامة متاعب ومهام إضافية، بل كان بالأحرى منح هذه المهمة لمؤسسة أخرى كالمفوضين القضائيين، أو
كما ذهب البعض[7] للقول
بأنه كان من الأجدر على المشرع أن يقدم التنفيذ على مرحلة المصادقة، أي حتى يتم
المشتكى به تنفيذ الالتزامات المتعاقد عليها.
أما من الناحية العملية، فيمكن القول أن أهم
المعيقات التي تعترض تطبيق آلية الصلح الزجري هي كثرة القضايا الممكن إجراء الصلح بشأنها والتي تحال يوميا على
النيابة العامة، خصوصا في ظل عدد وكلاء الملك ونوابهم في كل محكمة ابتدائية، وسيما
أيضا وأن عدم تقرير مسطرة الصلح بكيفية إلزامية يشجع الأطراف وحتى النيابة العامة
على تجاوزها.
من جهة أخرى، تم إحداث مسطرة الأمر القضائي في
الجنح لفائدة الجنح البسيطة المعاقب عنها فقط بغرامة لا تتجاوز 5000 درهم ولا يظهر فيها مطالب بالحق
المدني مع ضرورة ثبوتها بمقتضى محضر أو
تقرير، بحيث تقدم النيابة العامة للقاضي ملتمس يقضي بإصدار أمر بأداء غرامة، ويتم ذلك في غيبة المتهم والمسؤول عن الحق المدني
اللذان لهما حق التعرض على هذا الأمر القضائي بعد تبليغه.
وتمتاز مسطرة الأمر القضائي في الجنح بالإيجاز
والتبسيط، بحيث تختزل على السلطات القضائية الوقت والجهد والنفقات، بالإضافة إلى كونها رضائية واختيارية حيث
تقتضي موافقة المتهم على الأمر القضائي صراحة، كما لا يجوز تطبيقها على المتهم وهو في
حالة اعتقال حتى لا يتم استغلال ذلك كوسيلة ضغط لقبول الأمر القضائي. ورغم الإيجابيات
التي تتميز بها هذه المسطرة، إلا أنها تعرضت لسيل من الانتقادات، حيث اعتبر البعض أن صدور الأمر الجنائي في غياب الخصوم ودون
علانية تقليل لفاعلية الردع، فتكون بذلك العقوبة أقرب إلى الضريبة منها إلى العقاب
وهو ما يسمح بإفلات المتهم من رصد حالات العود لديه كما أنه يخالف المبادئ الأساسية لإجراءات
المحاكمة من مرافعة وعلنية وحضور بالجلسة وباقي حقوق الدفاع الأخرى ذات الصلة بالمحاكمة العادلة التي من
شأن مسطرة الأمر الجنائي أن تسببها، ونخص بالذكر منها حرمان الفقراء من تطبيق الأمر الجنائي لعدم قدرتهم على أداء الغرامة، كما يمكن أن
يتضرر معها المطالب بالحق المدني[8].
يعتبر السند التنفيذي في المخالفات من الطرق
الحبية لتسوية بعض النزاعات دون اللجوء إلى إجراء المحاكمة، فهو عبارة عن مقترح محرر من قبل النيابة العامة توجهه
لمرتكب المخالفة بغية أداءه لغرامة
جزافية تبلغ نصف الحد الأقصى للغرامة المنصوص عليها قانونا، وفي حالة قبول المخالف
للأمر بالأداء يصبح هذا السند قابلا للتنفيذ، وفي حالة عدم قبوله يتم إحالة القضية
على المحكمة للبت فيها وفق القواعد العامة. ومن أجل سلوك هذه المسطرة، لا بد من
توافر ثلاث شروط دفعة واحدة: أولا ارتكاب مخالفة معاقب عليها بغرامة مالية فقط،
وثانيا ثبوت المخالفة في محضر رسمي ممن له صفة ذلك، وثالثا عدم وجود متضرر أو ضحية
أو عدم ظهوره، فانعدام أحد هذه الشروط يلغي هذه المسطرة.
الفقرة الثانية: معيقات
تفعيل العدالة التصالحية بالتشريع الجنائي المغربي
تبقى مبادرة المشرع المغربي للأخذ بآليات
العدالة التصالحية أمرا محمودا في سبيل الارتقاء بنجاعة ومردودية العمل القضائي، لكن تبقى النصوص القانونية مجرد إطار نظري لا يشكل أية إضافة
دون تنزيل فعلي وعملي لمقتضيات هذه النصوص، وكما أشرنا سابقا فالتفعيل الأنسب لهذه الآليات لم يعرف النجاح المتوقع، ويظهر
ذلك من خلال التقارير السنوية لرئاسة النيابة العامة وبعض المناشير والدوريات المؤكدة
على أهمية تفعيل المساطر التصالحية[9].
وبخصوص الموانع التي تحول دون التنزيل السليم لآليات
العدالة الجنائية التصالحية فهي تتمحور ما بين أسباب متعلقة بالمؤسسات المنظمة والمشرفة على تأطير مساطر هذه
الآليات، ونقصد هنا النيابة العامة والتشريع، وأسباب مرتبطة بأطراف النزاع
والمقصود هنا الخصوم ودفاعهم، وذلك بالتفصيل التالي:
1- النيابة العامة: كما هو معلوم فالنيابة العامة هي ممثلة الحق العام وحامية المجتمع والساهرة
على تطبيق القانون، وعلى أساس ذلك هي من
تقوم بتحريك الدعوى العمومية في الأصل وتمارسها وتراقبها، ليأتي المشرع ويوكل لها أدوار متناقضة ومتعارضة مع اختصاصها الأصيل،
ليُطرح تساؤل حول قدرة النيابة العامة على التأقلم مع هذه الأدوار. وفي نص الدورية
المشار إليها آنفا جاء الجواب، حيث نصت: " من خلال تتبع الإحصائيات الصادرة عن المحاكم الابتدائية
خلال السنتين الأخيرتين، يلاحظ عدم التطبيق الواسع لهذه المسطرة -الصلح- ووجود
تفاوت كبير بين النيابات العامة في مدى
تفعيلها. فبينما سجلت بعض المحاكم أكثر من مائة حالة صلح خلال سنة 2018
فإن محاكم أخرى لم تبادر إلى تطبيقه في أي قضية... "نفس المعطيات الإحصائية تبرز أن أمر تفعيل مسطرة
الصلح لا يرتبط بحجم المحكمة وعدد المحاضر الرائجة بها أو عدد الأشخاص المقدمين
أمامها، خاصة وأن أفضل النتائج المحققة سنة 2018 ترجع إلى محاكم صغرى أو متوسطة. مما
يؤكد أن طريقة تدبير المحاضر التي تتوفر فيها شروط مسطرة الصلح، خاصة عند تقديم الأشخاص،
تؤثر بشكل سلبي أو إيجابي في مدى إعمالها. حيث يقتضي تفعيل الصلح بالشكل المرضي أن
يتحلى قاضي النيابة العامة بالإيجابية، ويسعى إلى تطبيقه في كل مرة توفرت شروطه...". فيتبين من خلال
ما جاء في الدورية أن مسطرة الصلح لا تُفعل على النحو المطلوب من قِبل قضاة
النيابة العامة، ولعل العبارة الواردة في نص الدورية القائلة: " أن يتحلى
قاضي النيابة العامة بالإيجابية" تدل على إحجام ممثلي الحق العام عن سلوك
مسطرة الصلح واستمراريتهم في تفضيل تحريك الدعوى العمومية. فحسب البعض[10]
فإن آلية المتابعة -حسب وجهة نظر العديد من الممارسين- ضمانة حيادية لتجنب أية
انتقادات محتملة. كما نضيف أن الطابع الجوازي والاختياري لمسطرة الصلح يبرر لدى
النيابة العامة القناعة بعدم اللجوء إلى تفعيلها وتفضيلها للمتابعة في شكلها
التقليدي نظرا لإيلافها وبساطتها.
2- النص القانوني: تبذل
المؤسسات الفاعلة في مجال التشريع جهدا بالغا في صياغة القوانين
وسنِّها، ومقابل هذا الجهد والاجتهاد لا بد أن تراعي بعض المعطيات وتستحضر
بعض الوقائع الهامة بغية إنتاج نص قانوني رصين، وذلك من قبيل وجوبية مشاركة
الملامسين الأساسيين لمسطرة الصلح في العملية التشريعية من خلال تقاريرهم
ودراساتهم، كما يجب تفادي النصوص القانونية المستوردة والجاهزة والتي لا تتماشى مع
الواقع الفكري والقانوني بالمجتمع المغربي. حيث إنه وبالاطلاع وبالاطلاع على
النصوص الناظمة لمساطر العدالة التصالحية نرى أن المشرع وقع في أخطاء وثغرات
إجرائية متعددة، لم يكن ليسقط فيها لو أشرك في صياغته أصحاب الاختصاص والاحتكاك
بالموضوع، بالإضافة إلى ذلك نرى توجه المشرع نحو الغلو في الإجراءات المعقدة
والشكليات الزائدة. ونأخذ على سبيل المثال مسطرة الصلح التي يجمع الكل على تعقيدها
وارتباطها بإجراءات تكاد تكون مجانية، فمسلسل مسطرة الصلح الجنائي طويلة وشائكة ومعقدة
مسطريا ومتداخلة الاختصاص، وهي بدرجة لا يستهان بها سبب فاعل في الإحجام عن
تنفيذها.
3- المواطن القضائي: من الاعتقادات الراسخة في
المجتمع المغربي أنه لا سبيل للثقة والطمأنينة في العدالة دون رؤية الخصم الجاني
وراء القضبان وعدم تقبلهم للبدائل العقابية أو الإجرائية مهما كانت وجاهتها
وأهميتها، وفي هذا الصدد يقول الفقيه شكري السباعي: "الأغلبية الساحقة من
المغاربة المستهلكين والبسطاء لا زالت تتمسك بالقضاء العادي، لا لمجانيته فقط بل
للثقة في نفوذه وسلطانه"[11]،
حيث يلاحظ وجود نزعة للانتقام من الخصم لدى الأطراف المتنازعة وكذا تجاهل هؤلاء الأطراف
لمصالحهم الحقيقية وتشبتهم بالمواقف و المشاعر وعدم استعدادهم نفسيا للتنازلات
المتقابلة، مما يجعلهم يعتقدون بأن الحاجات المتنازع بشأنها لا يمكن الاستجابة لها
إلا على حساب الطرف الآخر، حتى يصلوا إلى وضعية " رابح / خاسر " في إطار
الدعوى القضائية، فيتم اللجوء إثر ذلك وبطريقة كيدية إلى الطعن في الحكم القضائي
الذي يؤدي إلى تأخير تنفيذه، ولعل الحكاية الشعبية المتداولة تعبر أحسن تعبير عن
العقلية العدائية السائدة في الواقع المغربي، ومفاد هذه الحكاية أن رجال باع عجلا
لمواجهة مصاريف الدعوى القضائية التي رفعها ضد جاره لأن هذا الأخير قتل له ديكا،
ويبدو أن هذه العقلية العدائية لا تجد سببها في الأمية التي تصيب فئة عريضة من
المجتمع المغربي، بل نجدها منتشرة لدى مختلف فئات المجتمع ذاتيين أو معنويين[12].
4- مؤسسة الدفاع: يضطلع المحامي بأدوار
رئيسية في النزاعات خصوصا منها الجنائية حيث غالبا ما يتخذ صفة متخذ القرار في
جميع الإجراءات المتعلقة بموكله، وفي سياقنا هذا جاء في القانون المنظم لمهنة
المحاماة[13]
في المادة 43 منه: " يحث المحامي موكله، على فض النزاع، عن طريق الصلح، أو
بواسطة الطرق البديلة الأخرى، قبل اللجوء إلى القضاء" ومن المعلوم
والمتعارف عليه من واقع مهنة المحاماة في المغرب أن هذه المادة لا تجد لها أذانا
صاغية ولا تنزيلا فعليا، فأغلب المحامين يرون عدم ِخدمة هذه المادة لمصالحهم
المهنية ومداخيلهم منها. ويبدو أن التصور السائد لدى المحامي -بأن اعتماد الوسائل
البديلة للتقاضي في القضايا المعروضة عليه سيؤدي إلى تراجع مصالح مهنته وتراجع حجم
مداخيله- هو تصور مجانب للصواب، لأن ما يهدد مصالحه ليس هو سلوك مسطرة العدالة
التصالحية، بل هو ضعف الكفاءة القانونية وعدم القدرة على مجابهة المنافسة سواء على
المستوى الداخلي أو الخارجي، خاصة وأنه يجب النظر إلى مهنة المحاماة على أنها خدمة
ومنتوج يخضع للتنافسية العالمية[14].
تتظافر كل هذه العوامل
لإعاقة تفعيل العدالة التصالحية على النحو السليم أو عدم تفعيلها مطلقا، وهو ما
يستدعي تبني مقاربة توعوية لمختلف الفاعلين في سبيل تعزيز اللجوء إلى العدالة
التصالحية لما يقدمه من خدمات ومزايا للمتقاضين والدولة. وفي حقيقة الأمر، فالبنية
القضائية بالمغرب قادرة على استيعاب أركان هذا النهج، وهو ما سنحاول التطرق له
المطلب الثاني.
المطلب الثاني: مداخل التغيير الفاعل للعدالة
التصالحية في التشريع الجنائي المغربي
على
هدي ما سبق، فالمشرع المغربي عمل على تبني بعض الآليات التصالحية في الميدان
الجنائي بغية تطوير عدالته الجنائية بشكل يتماشى مع متطلبات النسق القانوني
والقضائي، لكن هذه الآليات لم تقدم النتائج المرجوة ولم يعي المجتمع بعد مزايا هذا
النظام. ومن الممكن القول أن النسيج الاجتماعي المغربي يزخر بعناصر وحوافز مشجعة
على تبني الآليات التصالحية المتقدمة كالوساطة أو التسوية في المجال الزجري
وتفعيلها تفعيلا سليما.
تأسيسا
عليه، سيتم التطرق في هذا المطلب إلى العوامل المشجعة على
تبني آليات تصالحية حديثة في الفقرة الأولى، والوقوف على ممكنات التجويد والتحديث في العدالة التصالحية بالتشريع
الجنائي المغربي.
الفقرة الأولى: العوامل
المشجعة على تبني آليات تصالحية حديثة
انطلاقا
من الأساس والوازع الديني للمجتمع المغربي، فالعدالة التصالحية هي شكل متطور من
الوسائل القديمة التي اعتمدتها المجتمعات الإسلامية في حل نزاعاتها الأسرية أو
القبلية، فالشريعة الإسلامية الغراء اعتبرت المصالحة ومحاولة التوفيق بين الأطراف
أول الحلول لفض النزاعات كيفما كان شكلها ونطاقها، على خلاف التشريعات الوضعية
التي تعتمدها كوسائل بديلة وفي حدود ضيقة.
حيث سابقا، كان أعيان
القبيلة وشيوخها يتولون البت في الخلافات الناشبة بين أفراد قبائلهم، كما يتم
اللجوء إلى شيوخ قبيلة ثالثة عند نشوب النزاع بين قبـيلتيـن. ومن جهة أخرى كان
الناس خاصة في البوادي يطلبون الفتاوى الشرعية من علماء الدين وأئمة المساجد
ومدارس علوم الدين، لا في أمور دينهم فحسب، ولكن حتى فيما يتعلق بمعاملاتهم
الدنيوية وما ينشب من نزاعات حولها، وكانوا يسلمون بما تتضمنه الفتوى ويرضون به
كحكم نهائي فاصل في الموضوع، خاصة وأن مرجعية هؤلاء المفتين كانت هي الأحكام
الشرعية الواردة في القرآن الكريم، والسنة النبوية وباقي مصادر الشريعة الإسلامية،
ومن ثم كان للجانب الروحي والوازع الديني أكبر الأثر في القبول بالفتاوى الصادرة
منهم. واعتمدت المحاكم الشرعية في حلها للنزاعات على المساطر الشرعية التي تنص على
إجراء الصلح بين الناس[15].
زيادة
على ذلك، يذهب البعض[16]
للقول بأن عدم اعتماد المشرع المغربي على الوسائل التصالحية في المجال الزجري ينفي
عن القاعدة القانونية خاصية القاعدة الاجتماعية بسبب الهوة التي تفصل بين الواقع
الاجتماعي وبين الممارسة والقانون، وهو رأي وجيه في هذا السياق، فالقاعدة
القانونية تنبع من المجتمع وتنهل منه، ولذلك يجب أن تأتي متوافقة مع توجهاته
وخصائصه لا أن تتعارض وتتنافى معه، والعدالة التصالحية لطالما شكلت رصيدا تاريخيا
وثقافيا مهما للمجتمعات الإسلامية عموما والمجتمع المغربي خصوصا، ومنه فمن غير
السليم عدم إقرار واعتماد هذا النظام في منظومته القانونية.
من
جهة أخرى، يمكن القول أن الجامعات المغربية تشكل عنصرا هاما في بناء وتوجيه
التشريع والمشرع، نظرا لما تزخر به من كفاءات وقامات علمية في شتى المجالات، وفي
هذا الصدد تم عقد العديد من الندوات والأيام الدراسية التي تصب في تسليط الضوء على
الوسائل البديلة لفض المنازعات، تبقى أبرزها ندوة مكناس حول السياسة الجنائية[17]
التي شملت ضمن توصياتها ضرورة التفكير في إدراج بدائل للدعوى العمومية في النظام
القضائي الوطني، وكذلك حماية الضحايا ومساعدتهم عن طريق إشراكهم في التفاوض مع
المتهم مباشرة أو عبر وسيط.
إلى جانب ذلك، جاء في
ميثاق إصلاح منظومة العدالة[18]
في الهدف الأساسي الرابع منه المعنون بالارتقاء بفعالية ونجاعة القضاء الذي يضم في
طياته سبعة أهداف فرعية، جاء في الأخير منها تشجيع اللجوء إلى الوسائل البديلة لحل
المنازعات، عن طريق تطوير نظام الوساطة ومأسستها في المنظومة القانونية المغربية
وضرورة إقرار بدائل للدعوى العمومية خارج القضاء الزجري.
كما أن المجتمع المدني في
المغرب من بين الحوافز المهمة لإقرار بعض الآليات التصالحية على رأسها الوساطة
الجنائية، نظرا للدور الملموس والمهم الذي أصبح يقوم به اليوم سواء في مرحلة ما
قبل الجريمة، والذي يتجلى في الوقاية منها عن طريق التوعية، والتوسط لحماية الأسرة
من التفكك، والتوسط للمصالحة حالة ارتكاب بعض المخالفات التي قد يكون لها طابع
جنحي بسيط الخطورة. كما أن كما أن هناك مجموعة من التخصصات الاجتماعية التي توجد
اليوم في بعض الجامعات المغربية وكذلك مراكز التكوين المهني، حيث يتخرج منها
كفاءات قادرة على القيام بالوساطة الاجتماعية والأسرية وكذلك الجنائية، سواء ما
يعرف منها بتخصص المساعدة الاجتماعية أو تكوين الوسطاء الاجتماعيين في إطار ما يعرف بالإجازة المهنية[19].
فهذه العوامل الثقافية
والقانونية وغيرها تشكل حوافز مهمة للتشريع المغربي للتعاطي الإيجابي مع العدالة
التصالحية وإقرارها نصا وتفعيلا، فالمشرع لا ينبغي أن ينعزل عن محيطه الاجتماعي
والأكاديمي، بل من خلاله يمكن له صياغة قوانين محكمة تروم تحقيق المصلحة الاجتماعية،
وإنتاج نص قانوني يتلاءم مع المعايير السائدة في المجتمع.
الفقرة الثانية: ممكنات التجويد والتحديث في
العدالة التصالحية بالتشريع الجنائي المغربي
بعد
الوقوف عن
مختلف الإكراهات التي تقف حاجزا أمام تفعيل العدالة التصالحية بالشكل السليم، سيتم
في هذه الفقرة اقتراح بعض الأفكار التي من الممكن أن تساعد على تجاوز الإكراهات
المذكورة، وتنبني هذه المقترحات على الاستدلال المنطقي المأخوذ من المعيقات
الموجودة حاليا وعلى التشريع المقارن الرائد في هذا المجال.
أثار الصلح الزجري المقرر بمقتضى المادة 41 من
ق.م.ج العديد من الإشكالات وأبان عن جملة من الثغرات، وتحظى هذه الآلية بمعظم
الاهتمام باعتبارها تهم المتهم والضحية على السواء، على عكس السند التنفيذي والأمر
القضائي اللذان يعالجان القضايا التي لا يوجد بها متضرر. وفي هذا الصدد، يمكن طرح
المقترحات التالية:
1-بغية
التطبيق الفعلي لمسطرة الصلح الزجري يجب التنصيص على إلزامية سلوك وكلاء الملك
لهذه المسطرة عند توافق الأطراف وتوافر الشروط الموضوعية، فخلاف هذا الأمر يجعل
مؤسسة النيابة العامة تنأى عن استعمال هذه الآلية بحجة ضابط الاختيار وعدم الإلزام
في الأمر. من جهة أخرى، وبغية تيسير وتسريع مسطرة الصلح من الممكن إعفاء النيابة
العامة من إحالة محضر الصلح على رئيس المحكمة من أجل المصادقة عليه ومنحه الحجية
القانونية، وهذا الوضع لا يفيد البتة بقدر ما يزيد من أمد المسطرة واعتباره إجراء
إضافي لا ينفع ولا يضر.
2-
باعتبار أن الأضرار الواقعة في الجرائم المشمولة بالصلح لا تشكل أضرار وخيمة سواء
على الفرد أو المجتمع، من الأفيد إلزام المشتبه فيه أداء الغرامة حالا أو إصلاح
الأضرار فورا وتحت أنظار أحد ضباط الشرطة القضائية بإنابة من وكيل الملك، وهذا كله
قبل مصادقة هذا الأخير على محضر الصلح، وذلك من أجل التأكد التام والنهائي من
تنفيذ التزامات المحضر وعدم تقييد وكلاء الملك بتتبع هذا التنفيذ.
3-
أصبح الحديث عن نيابة عامة اجتماعية محور اهتمام مختلف المنابر القانونية
والفقهية، وبغية تفعيل هذه الصفة من اللازم مواكبة تكوين القضاة بأهمية المساطر
التصالحية في تصريف العمل القضائي وفعاليتها في حل النزاعات البسيطة وما ينتج عن
ذلك من مزايا وفوائد لكافة أطراف النزاع.
من جهة أخرى، تعد الوساطة الجنائية مظهر مستحدث
من مظاهر العدالة التصالحية، وتتمحور حول فتح قناة للتواصل بين الأطراف للوصول
لاتفاق مادي بالأساس، وتتم هذه العملية من طرف شخص ثالث محايد يدعى الوسيط في
جلسة واحدة أو أكثر تحت إشراف القضاء، فالوساطة الجنائية والصلح الزجري وجهان
لعملة واحدة، يهدفان لفض النزاعات بطريقة ودية وتحصيل تعويض مادي للمتضرر،
ويختلفان فقط من حيث القائم بمهمة رأب الصدع، بحيث يسهر وكيل الملك على مهمة الصلح
الزجري، بينما في الوساطة الجنائية يوجد شخص ثالث، محايد وبعيد عن النزاع.
يعتبر التشريع الفرنسي من التشريعات الرائدة في
مجال الوساطة الجنائية، بالرغم ما يعاب عنه من عدم تحديد نطاق الجرائم المشمولة
بالوساطة، وترك هذه المهمة للنيابة العامة تبعا لظروف الجريمة وملابساتها، وإن
كانت تُعتمد غالبا في الجنح البسيطة. بينما توجهت بعض التشريعات لتوسيع مجال ونطاق
الجرائم محل الوساطة، كالولايات المتحدة الأمريكية والتي منحت إمكانية خضوع
الجنايات لهذا النظام فضلا عن الجنح[20].
ومن خلال تتبع مسطرة الوساطة في التشريع
الفرنسي، يتبين أنها وسيلة فعالة في تدبير النزاعات الجنائية، سواء من خلال
إجراءاتها البسيطة أو من خلال نتائجها الإيجابية، وعلى النيابة العامة مراعاة بعض
النتائج الواجب تحقيقها في هذه المسطرة، وهي وضع الوساطة حد للاضطراب الناتج عن
الجريمة، وجبر الضرر بتعويض مالي مناسب ومعقول، وكذلك مساهمة الوساطة في إعادة
إدماج المجني عليه ضمن النسيج المجتمعي. أما على مستوى التشريع المغربي، فقد ظل
ولمدة ليست بالهينة في جدال حول تنزيل مقتضيات الوساطة الجنائية، وإن كان يناقشها
ويستعد لمأسستها بمقتضيات خجولة، ولا أدل على ذلك من مشروع ق.م.ج، الذي أشار إليها
بشكل مقتضب وضمن مادة الصلح الزجري، فهو لم يكلف نفسه عناء تفريد مادة مخصصة
لمسطرة الوساطة الجنائية، وعالجها تحت كنف المادة 41 المتعلقة بالصلح الزجري،
بتنصيصه: " كما يمكن لوكيل الملك أن يقترح الصلح بالوساطة على الطرفين قبل
تحريك الدعوى العمومية، تلقائيا أو بناء على طلب من أحدهما، يعهد به إلى وسيط أو
أكثر يقترحه الأطراف أو يختاره وكيل الملك أو يعهد به إلى محامي الطرفين...".
على أساس ذلك، نرى أن الوساطة الجنائية يمكن أن
تكون مدخلا أساسيا لتفعيل العدالة التصالحية بالنسق القضائي المغربي، شريطة
التعاطي الجدي اللازم للمشرع مع أحكامها وفلسفتها في تصريف النزاعات الجنائية بشكل
يخفف العبء عن القضاء الجالس ويحقق فوائد ومزايا لكافة الأطراف، مع العلم أن هذا
النظام لا يتطلب إضافات مالية كبيرة، بل يحتاج فقط إرادة من المشرع ووعي منه
بأهميتها.
على مستوى آخر، يمكن اعتماد التسوية الجنائية
كبديل عن الدعوى العمومية، وهو النهج الذي ينهجه التشريع الفرنسي، بحيث جاء في
المادة 2-41 من ق.إ.ج الفرنسي بالترجمة الحرفية: " تقترح النيابة العامة
قبل تحريك الدعوى العمومية على المتهم بنفسها
مباشرة أو عن طريق وسيط أو شخص مؤهل تسوية جزائية.." وتتمحور هذه التسوية حول دفع مبلغ مالي للدولة وتعويض للمتضرر مع ضرورة
الاعتراف بالجرم، فالتسوية بمثابة عقوبة مالية على المتهم دون الوصول إلى مرحلة
المحاكمة. وبذلك، يمكن أن يكون للتسوية الجنائية محل ومكانة بالتشريع المغربي، مع
ما يحققه ذلك من مداخيل مهمة لخزينة الدولة.
وفي
أخير هذه الورقة البحثية التي تم التطرق من خلالها لواقع العدالة التصالحية
بالتشريع المغربي ومعيقات تفعيلها، وكذلك مداخل التغيير المأمول في هذه المساطر مع
الأخذ بعين الاعتبار العوامل والبيئة التي تحتضن هذه المساطر. يتضح أن العدالة
التصالحية بالتشريع المغربي لازالت بعيدة كل البعد عن المستوى المرجو من تنزيل هذا
النهج، ويتشارك في هذا البعد التنزيلي مجموعة من العوامل كما تمت الإشارة إليه
سلفا، هذا فضلا عن التعامل التشريعي المتميز بغياب الوعي بأهمية هذ النظام في
تبسيط العمل القضائي، ومن ثم غياب الإرادة بالارتقاء بهذا النظام.
ما
يمكن قوله في هذا السياق، أن مساطر العدالة التصالحية في وقتنا الحالي أصبحت ضرورة
عملية حتمية، لاسيما في ظل الإكراهات والتحديات التي تطال العدالة الجنائية في
شكلها التقليدي على مختلف المستويات، فهذه الآليات من الممكن أن تحُل جزءا كبيرا
من هذه الإكراهات، لذلك وباعتبار أن العدالة التصالحية في المادة الجنائية نظام
بديل فيه وليس بديلا عنه، وباعتبار كذلك أن كل الجرائم ليست قابلة لآليات هذا
النهج، وليس كل الجناة أهلا لها، فإنه من الممكن وبخطى متدرجة استيعاب تقنيات هذا
النظام بالنسق القضائي المغربي، وذلك بالتركيز على إصلاح إشكالات الصلح الزجري
كخطوة أولية والتنزيل الميداني الفعلي له عن طريق تحفيزات قضائية لوكلاء الملك
لاعتماده عند توافر شروطه ونطاقه، وفي مرحلة ثانية اعتماد الوساطة الجنائية ومن ثم
التسوية الجنائية.
[1] - ظهير شريف رقم 1.02.255 صادر في 25
من رجب 1423 (3 أكتوبر 2002) بتنفيذ القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة
الجنائية، الجريدة الرسمية عدد 5078 بتاريخ 27 ذي القعدة 1423 (30 يناير 2003)، ص:
315.
[2] - محيي الدين أمزازي،
"العقوبة؟"، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية، مطبعة
الأمنية، الرباط، 1993، ص: 286.
[3] - رضوان رماش، "العدالة
الجنائية التصالحية بين التشريع المغربي والتشريع الفرنسي"، رسالة لنيل دبلوم
الماستر في القانون الخاص، جامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية والاقتصادية
والاجتماعية-مراكش-، السنة الجامعية 2021-2022، ص: 37.
[4]- للمزيد من الإيضاح، انظر إبراهيم شويعر،
التوجهات الحديثة للسياسة الجنائية في تكريس العدالة التصالحية، مقال منشور بمجلة
القانون المغربي، العدد 39، يناير ،2019 ص 169 إلى 178.
[5] - محمد بولمان، العدالة التصالحية
بين النص والواقع -قراءة نقدية للمادتين 41 و372 من ق.م.ج-، مقال منشور بمجلة
المرافعة، العدد 82، 16 أكتوبر 2005، ص: 122.
[6] - سليمان عبد المنعم، آلية الإقرار
بالجرم كمظهر لتطور مفهوم العدالة التصالحية، دار الجامعة الجديدة،
الإسكندرية،2007، ص: 53.
[7] - محمد بوفادي، المفهوم الجديد
للنيابة العامة في ق.م.ج 22.01، نشرة محكمة الاستئناف بالرباط عدد ،1 ،2004 ص: 64
[8] - ادريس لكريني، السلطة التقديرية
للقاضي الزجري، أطروحة دكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية
والاقتصادية والاجتماعية، فاس، السنة الجامعية ،2001-2000 ص: 136.
[9] - نذكر منها على سبيل المثال،
دورية عدد 24س/ رئاسة النيابة العامة بتاريخ 11 يوليو 2019 حول موضوع: تفعيل مسطرة
الصلح.
[10] - يوسف بنباصر، أزمة مسطرة الصلح في القانون والقضاء المغربي -رصد
ميداني لحصيلة التطبيق وقراءة في أسباب الأزمة والحلول المقترحة لمعالجتها-،
الموسوعة القانونية للقاضي يوسف بنباصر، بتاريخ 2006/02/22، المحكمة الابتدائية
بوادي الذهب، الداخلة، المملكة المغربية، العنوان الالكتروني: benbaceryoussef@menara.ma، ص: 17.
[11] - أحمد شكري السباعي: “الوسيط في
النظرية العامة في قانون التجارة والمقاولات التجارية والمدنية”، الجزء الأول، دار
نشر المعرفة الرباط، مطبعة المعارف الجديدة الرباط، طبعة 2011، ص: 308.
[12] - صدوق رشيد، استراتيجية تنمية
العدالة في المغرب، دار النشر المغربية، بدون ذكر الطبعة، الدار البيضاء، 2013، ص:
283.
[13] - ظهير شريف رقم 1.08.101 صادر في
20 من شوال 1429 (20 أكتوبر 2008) بتنفيذ القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل
القانون المنظم لمهنة المحاماة، الجريدة الرسمية عدد 5680 بتاريخ 7 ذو القعدة 1429
(6 نوفمبر 2008)، ص 4044.
[14] - بنسالم أوديجا،
"إدماج الوساطة في النظامين القانوني والقضائي بالمغرب" السياق العام:
الإشكاليات المطروحة، أي دور للمحامي في التجربة؟، مساهمة منشورة في الصلح
والتحكيم والوسائل البديلة لحل النزاعات من خلال اجتهاد المجلس الأعلى، تم النشر
من طرف جمعية التكافل الاجتماعي لقضاة وموظفي المجلس الأعلى، مطبعة الأمنية،
الرباط ،2007 ص: 408.
[15] - محمد سلام، دور الطرق البديلة لحل
النزاعات في إصلاح القضاء وتأهيله لمواجهة تحديات العولمة، مجلة الملحق القضائي،
العدد 37، ص: 46.
[16] - ابراهيم العسري، العدالة
التصالحية: مبررات بروزها وآفاقها بالمغرب، مجلة القبس المغربية، العدد3، يوليوز
2012، ص: 287.
[17] - المملكة المغربية، وزارة
العدل: "السياسة الجنائية بالمغرب: واقع وأفاق"، المجلد الثاني، أشغال
المناظرة الوطنية التي نظمتها وزارة العدل بمكناس أيام 9 و10 و11 2004، منشورات
جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، عدد 4،
سنة 2005.
[18] - الهيئة العليا للحوار الوطني حول
إصلاح منظومة العدالة، ميثاق إصلاح منظومة العدالة، يوليوز 2013، ص:
84.........................
[19] - عبد اللطيف كداي، العمل الجمعوي
والوساطة الاجتماعية: نحو تصور جديد لدور المجتمع المدني، المجلة المغربية
للسياسات العمومية، عدد 4، سنة 2009، ص: 205.
[20] - عماد الفقي، الاتجاهات الحديثة في إدارة الدعوى الجنائية (دراسة في النظام الإجرائي الفرنسي)، جامعة مدينة السادات، مصر، دون ذكر السنة أو الطبعة، ص: 50.
من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله
