الأنظمة الصحية بالمغرب - قيلولي محمد - بنلغازي عبد العالي


الأنظمة الصحية بالمغرب

Health systems in Morocco

قيلولي محمد -  بنلغازي عبد العالي / طالبان باحثان بسلك الدكتوراه - بكلية الحقوق بوجدة - شعبة القانون الخاص.

Qilouli Mohammad - Benghazi Abdelali




مقدمة :

إن حفظ الصحة وتعزيزها هو أمر أساسي لمعافاة الإنسان ولتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة، لذلك فإن صحة الإنسان تكتسي مكانة مهمة في الحياة، إذ تعتبر رأس المال البشري الذي يسعى كل فرد في المجتمع إلى حمايته[1]، حيث يعتبر الحق في الصحة حقا أساسيا من حقوق الإنسان التي لا يمكن العيش بدونها الشيء الذي يستشف من منطوق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[2].

وإذا كان الحق في الصحة يحتل مكانة أساسية على اعتباره أحد الحقوق الإنسان المتعارف عليها عالميا[3]، إذ ساهمت مجموعة من المراحل بشكل كبير في جعله أهم الحقوق التي أقرته المواثيق الدولية والجهوية، ونصت عليه كثير من الدساتير الأجنبية مما شكل دفعة قوية في جعل معظم الدول تولي أهمية في حمايته وجعل المواطنين يتمتعون بحقهم في الحصول على رعاية صحية تليق بهم على اعتبارهم رأس مال اللامادي لكل دولة، مما يساهم في تحسين قدراتهم على العطاء وخدمة البلاد[4].

وفي هذا الصدد عمد المغرب منذ عهد الحماية إلى العمل على إصلاح المنظومة الصحية، والسهر على الاعتناء بصحة المواطن رغم كل الإكراهات التي يعرفها القطاع الصحي والتي تكون دائما سببا في صعوبة تمكين المواطنين من الحصول على الرعاية  الصحية، ومن خلال ما سبق فإن المغرب لم ينص صراحة  على الحق في الصحة إلا من خلال دستور 2011[5]، فهذا الدستور يعترف بسبعة حقوق ترتبط بالصحة هي :

- الحق في الحياة والذي يشمل كذلك محاربة حالات الوفاة الممكن تفاديها[6].

- الحق في السلامة وفي حماية الصحة[7].

- الحق في العلاج وبيئة سليمة وفي التغطية الصحية[8].

 - الحق في الصحة بالنسبة للأشخاص والفئات من ذوي الاحتياجات الخاصة[9].

واستمر المغرب في العناية بالقطاع الصحي من خلال سنه مجموعة من القوانين المتعلقة بالصحة بدأ بقانون 65.00 المتعلق بالتغطية الصحية الأساسية[10]، والذي يعد أساس الحماية الاجتماعية في مجال الصحة؛ إذ تجسد التزام الدولة بضمان الحق في الصحة التي عززت من الترسانة القانونية من خلال سن القوانين المرتبطة بالصحة منها قانون رقم 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب[11]، وقانون رقم 116.12 المتعلق بنظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بالطلبة[12]، ونظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بفئات المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء الذي يزاولون نشاطا خاص تحت قانون رقم 98.15[13]، كما عملت الدولة على تنظيم قطاع الأدوية من خلال إصدار مدونة الأدوية والصيدلة قانون رقم 17.04[14]، وفي إطار الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالصحة لاسيما العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتعلقة بالصحة ودستور المنظمة العالمية ودستور المملكة عملت الدولة على سن قانون رقم 34.09 المتعلقة بالمنظومة الصحية وعرض العلاجات[15]، ومن جانب آخر سعى المشرع المغربي إلى الاهتمام بتوسيع الحماية الاجتماعية من خلال سنه القانون رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية[16].

ومما سبق يتضح بأن البحث في أغوار الأنظمة الصحية بالمغرب يطرح العديد من التساؤلات لها بعد اجتماعي ، لذلك فإنه من الضروري تسليط الضوء على الأنظمة الصحية المغربية، من خلال الإجابة على الإشكالية التالية : هل استطاعت الأنظمة الصحية المغربية  توفير الحماية للمواطن المغربي ؟ ومن أجل الإجابة عن هذه الاشكالية نقترح التصميم التالي :

 المطلب الأول : أنظمة التغطية الصحية بالمغرب

المطلب الثاني : الهيئات المدبرة للأنظمة الصحية بالمغرب

المطلب الأول : الأنظمة الصحية بالمغرب

اتضح على أن مدونة التغطية الصحية الأساسية تحمل في طياتها أنظمة صحية مهمة تأسس من منطلق تأمين صحي ازدواجي ينبني الأول على نظام تأمين إجباري أساسي عن المرض والقائم على مجموعة من المبادئ وتقنيات التأمين الاجتماعي يعكس الرغبة الملحة في تغطية شريحة عريضة من ساكنة البلاد، وتوفير حماية لذوي حقوقها؛ وذلك بضمانه مجموعة من الخدمات في إطار هذا النظام وإن كان قد استثني مجموعة من الخدمات، لكنه يبقى نظام فعال يرتكز على مبدأ التضامن والعدالة[17]، من أجل تحقيق هدف أساسي ومركزي داخل كل النظم الصحية، وهو ضمان ولوج العلاجات لمجموعة من السكان وتحقيق تغطية صحية شاملة لكل الشرائح الاجتماعية وتستجيب لما نصت عليه القوانين الدولية دون محاباة أو تمييز.

وإلى جانب ذلك نصت مدونة التغطية الصحية على نظام  المساعدة الطبية الذي يرتكز على مبادئ المساعدة الاجتماعية والتضامن الوطني لفائدة الفئات المستضعفة والأكثر هشاشة وفقيرة، وإذ يروم هذا النظام إلى إقرار تغطية اجتماعية صحية متكاملة، لترسيخ الأمن الصحي الذي يشكل أحد أهم أركان ومبادئ الأمن الاجتماعي، من أجل مساعدة هذه الفئة على تجاوز كل ما يمكن أن يؤثر على المستوى المعيشي والصحي[18].

وبهذا فإن صدور مدونة التغطية الصحية عزز من فرص الحفاظ على الحقوق المكتسبة للمواطن المغربي في مجال الصحي من خلال إقرار نظام التغطية الصحية الإجبارية بهدف تعميم الولوج إلى العلاجات الطبية، وبجانب آخر أقر نظام المساعدة الطبية " راميد " الموجه إلى الفئات المعوزة وذوي الدخل المحدود. وبذلك فتعميم هاتين التجربتين سيساهم في بلوغ التغطية الصحية في المغرب مكانة مهمة ستساعد على تجاوز كل الصعوبات والإكراهات التي تؤثر على المنظومة الصحية المغربية. وعليه يقتضي منا هذا المطلب دراسة  نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض (الفقرة الأولى ) ثم نظام المساعدة الطبية "راميد" (الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى : نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض

يـعد تطبيق نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض عملية مهمة ومعقدة، تتطلب حذرا متناهيا من أجل الحد من الآثار  السيئة التي لا يمكن تفاديها  في التأمين العام عن المرض ، كما أن وضع نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض شكل ثورة في الميدان الصحي[19].

ويعتبر التأمين الإجباري الأساسي عن المرض نقطة ارتكاز  قوية في مدونة التغطية الصحية على اعتبار المشرع المغربي تبنى نظام صحي إجباري بعد ما كان في السابق يعتمد على نظام صحي اختياري، وهذا ما يبين على كون السياسة الصحية بالمغرب تتجه إلى تغطية شريحة عريضة من المواطنين وذوي حقوقهم، كما يخول نظام التأمين الإجباري الاستفادة للموظفين وأعوان الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والأشخاص الخاضعين للقانون العام[20]، كما يمكن أيضا للأشخاص الخاضعين لنظام الضمان الاجتماعي المعمول به في القطاع الخاص الاستفادة، والاشخاص المستفيدين من معاشهم وجميع الأشخاص الآخرين الذين يزاولون نشاطا غير مأجور وقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير والطلبة بالتعليم العالي والخاص.

ومن جانب آخر فإن نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض يضمن العديد من الخدمات تتمثل في تغطية مصاريف الاستشفاء وكذا الأدوية المكلفة والأمراض المزمنة الطويلة الأمد المشمولة بالتغطية[21]، مع أنه استثنى مجموعة من الخدمات التي لا يشملها التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.

وانسجاما مع المعطيات السالفة يتضح أن دراسة نطاق تطبيق التأمين الإجباري الأساسي عن المرض عملية مهمة، من حيت تحديد الفئات المستفيدة (أولا)، ثم دراسة الخدمات المضمونة والمستثناة من الضمان (ثانيا).

أولا : الفئات المستفيدة من نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض

يخضع لنظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الموظفون وأعوان الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والأشخاص المعنويين والخاضعين للقانون العام والأشخاص المستفيدين من معاشات في القطاع العام والخاص، كما يخضع لهذا النظام العمال المستقلون والأشخاص الذين يزاولون نشاطا غير مأجور وقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير والطلبة بالتعليم العالي والخاص بالإضافة إلى القيمين الدينيين إلى جانب هؤلاء الاشخاص المشار إليهم أعلاه، يستفيد  كذلك من نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض أفراد عائلتهم الموجودين تحت كفالتهم غير المستفيدين من تأمين مماثل[22].



[1]   الوردي العباس، الحكامة الصحية بالمغرب، مقال منشور بمجلة دراسات ووقائع دستورية العدد 10، سنة 2010، الصفحة 171.

[2]  تنص المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن " لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولإسرته وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية..."

[3]  أحمد ادريوش، القضاء وثقافة حقوق الإنسان، مطبعة الأمنية، الطبعة الأولى، الرباط 2014، الصفحة 107.

[4] Abdellah Boudahrain, Droit social marocain, Sochepress-université, Casablanca 1984, page 20.

[5]  المملكة المغربية، دستور 2011، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، الصادرة بتاريخ 28 شعبان (30 يوليوز 2011)، الصفحة 3016.

[6]  ينص الفصل 20 من الدستور المغربي على أن " الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان. ويحمي القانون هذا الحق."

[7]  ينص الفصل 21 من الدستور المغربي على أن " لكل فرد الحق في سلامة شخصه وأقرباؤه وحماية ممتلكاته..."

[8]  ينص الفصل 31 من الدستور المغربي على أن "عمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في:

- العلاج والعناية الصحية؛

-  الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة.

[9]  ينص الفصل 34 من الدستور المغربي على أن " تقوم السلطات العمومية بوضع وتفعيل سياسات موجهة إلى الأشخاص والفئات من ذوي الاحتياجات الخاصة. ولهذا الغرض، تسهر على ما يلي:

-   إعادة تأهيل الأشخاص الذين يعانون من إعاقة جسدية، أو حسية حركية، أو عقلية، وإدماجهم في الحياة الاجتماعية والمدنية، وتيسير تمتعهم بالحقوق والحريات المعترف بها للجميع."

[10]  ظهير شريف رقم 296-02-1 الصادر في 25 من رجب 1423 (3 أكتوبر 2002) بتنفيذ القانون رقم 65.00 بمثابة مدونة التغطية الصحية الأساسية، منشور في الجريدة الرسمية عدد 5058 بتاريخ 16 رمضان 1423 (21 نونبر2002) الصفحة 3449.

[11]  ظهير شريف رقم 26-15-1 الصادر في 29 ربيع الآخر ( 19 فبراير 2015) بتنفيذ قانون رقم 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب، منشور في الجريدة الرسمية عدد 6342، الصادر بتاريخ 21 جمادى الأول 1436 ( 12 مارس 2015) الصفحة 1607.

[12]  ظهير شريف رقم 105-15-1 الصادر في 18 شوال 1436 ( 4 غشت 2015) بتنفيذ القانون رقم 116.12  المتعلق بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بالطلبة، منشور في الجريدة الرسمية عدد 6384 بتاريخ 20 شوال 1436 ( 6 غشت 2015)، الصفحة 6902.

[13]  ظهير شريف 15-17-1 الصادر في 28 رمضان 1438 ( 23 يونيو 2017) بتنفيذ القانون رقم 98.15 المتعلق بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بفئات المهنين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء الذي يزاولون نشاطا خاص، منشور في الجريدة الرسمية عدد  6586 بتاريخ 18 شوال 1438 ( 13 يوليوز 2017)، الصفحة 3960.

[14]  ظهير شريف رقم 151-06-1 الصادر في 30 شوال 1427 (22 نونبر 2006) بتنفيذ القانون رقم 17.04 بمثابة مدونة الأدوية والصيدلية، منشور في الجريدة الرسمية عدد 5480، بتاريخ 15 دو القعدة 1427 (7 دجنبر 2006)، الصفحة 3726.

[15]  ظهير شريف رقم 83-11-1 الصادر في 29 من رجب 1432 (2 يوليوز 2011) بتنفيذ قانون إطار رقم 34.09 المتعلق بالمنظومة الصحية وبعرض العلاجات، منشور في الجريدة الرسمية عدد 5690 بتاريخ 19 شعبان 1432 (21 يوليوز 2011)، الصفحة 3469.

[16]  ظهير شريف رقم 1.21.30 الصادر في 9 شعبان 1443 (23 مارس 2021)، بتنفيذ القانون الإطار المتعلق بالحماية الاجتماعية، منشور بالجريدة الرسمية عدد 6975 بتاريخ 22 شعبان 1442 (5 أبريل 2021)، الصفحة 2178.

[17]  لمياء أزران، تطور السياسة الصحية بالمغرب، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، اكدال، الرباط، السنة الجامعية 2012/2011،الصفحة 60.

[18]  بشرى قجعيو، الاحتياط الاجتماعي أنظمة التغطية الصحية بالمغرب، رسالة لنيل دبلوم الماستر في منهجية وأدوات تدبير المساعدة الاجتماعية، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية وجدة، السنة الجامعية 2014/2013، الصفحة 22.

[19]  نادية النحلي، النظام الصحي المغربي ونظام التأمين الإجباري عن المرض بين القانون والواقع والبدائل، مجلة محاكمة العدد 5، يناير 2008-2009، الصفحة 162.

[20]  عبد اللطيف خزرون، محاولة لتحليل السياسة الصحية في المغرب، دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الرباط- أكدال، السنة الجامعية 2001/2000، الصفحة 19.

 [21]  تحدد بقرار لوزير الصحة رقم 05-2518، بتاريخ 5 شتنبر 2005 لائحة الأمراض الطويلة الأمد التي تخول الحق في الإعفاء إما جزئيا أو كليا في جزء المتبقي على عاتق المؤمن.، تتكون هذه اللائحة من 41 نوع من الأمراض الطويلة الأمد تم تحديدها طبقا للمعايير الواردة في المادة 9 من المرسوم رقم 733-05-2، الصادر في 11 جمادى الآخر 1426(18 يوليوز 2005)، بتطبيق القانون رقم 65.00 بمثابة مدونة التغطية الصحية الأساسية، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5344، الصادر بتاريخ 12 رجب 1426(18 يوليوز 2005) الصفحة 2309.

[22]  محمد بنحساين، قانون الضمان الاجتماعي، مطبعة الرباط نيت المغرب، الطبعة الأولى 2006، الصفحة 135.



من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله على الصورة


قانونك


من أجل تحميل هذا العدد الثالث عشر - إضغط هنا أو أسفاه على الصورة

مجلة قانونك - العدد الثالث

إرسال تعليق

0 تعليقات