إشكالية الكراء التجاري على الوقف العام ومشاكله الجبائية - هاجر سلمي


إشكالية الكراء التجاري على الوقف العام ومشاكله الجبائية

The problem of commercial lease on the public endowment and its fiscal problems

هاجر سلمي / باحثة في القانون الخاص، خريجة ماستر قانون المنازعات بالكلية متعددة التخصصات بالرشيدية.

 HAJAR Salmi


مقدمة

  لما كان الوقف يقتضي وقف الأصل وتوزيع الريع، فلا يجوز تفويته كقاعدة عامة، وإن كان قابلا للاستغلال عن طريق الكراء، من هنا حظي عقد الكراء الوقفي[1] بعناية خاصة من طرف المشرع؛ بإيجاد جملة من الامتيازات لصالح الأوقاف، نظرا للمكانة التي تحتلها في كل الميادين والمجالات[2]، وخير دليل على ذلك إعفاؤها من أداء الضرائب، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، وإن كان هذا الامتياز لا يمتد إلى إعفاء المكترين للأملاك الوقفية المخصصة للاستغلال التجاري أو الصناعي أو الحرفي[3].

  بالإضافة إلى تنصيصه على عدم أحقية المكتري لاكتساب الحق في الكراء على المحلات الموقوفة والمخصصة للاستعمال التجاري أو الحرفي، مما يطرح التساؤل حول وجود إمكانية لتأسيس الأصول التجارية عليها من عدمها؟

وبالتالي مآل عقود كراء الأموال العقارية الوقفية العامة في إطار صعوبات المقاولة؟

  وعليه، وقصد معالجة الموضــــوع، سيتم التطرق لإشكالية الكراء التـــجاري على الوقف العام في (المطلب الأول)، على أن يتم معالجة المشاكل الجبائيــــة لعقد الكراء الوقفــــي في (المطلب الثاني).    

المطلب الأول: إشكالية الكراء التجاري على الوقف العام

يتنازع الأكرية التجارية عنــــصران من الأهمــــية بما كان، عنصر الملكية العقارية وعنصــــر الملكية التجارية، حيث يتجلى العنصر الأول في تشــــبث المكري بحماية ملكيتــــه العقارية من كل تصرف قد يرد عليها من طرف المكتري من شأنه أن يمــــس بحق الملكية، أما العنصــــر الثاني أي الملكية التـــــجارية، فلا يمكن لأي مؤسســــة تجارية أن تقوم إلا إذا توفر لها عنصــــر الاستقرار وضمان استمرارها، وحماية الحـــق فـــي الكراء وصيانتــــه مـــن الضياع والاندثار في مواجهة صاحـــب العقار[4].

فهل يمكن التسليم بحضور هذه الثنائية في مؤسسة عقد الكراء الوقفي بالنظر للطابع الديني للملكية العقارية في هذا العقد؟ وما مدى إمكانية إنشاء الأصل التجاري على الملك الوقفي؟

ولما كان عقد الكراء الوقفي ينصب على الأماكن المستعملة للتجارة أو الصناعة أو الحرف كباقي الأكرية العادية، نتساءل عن مصير عقد الكراء الوقفي في إطار مساطر صعوبات المقاولة؟

وعليه، سيتم معالجة مدى إمكانية إنــــشاء الأصل التجاري على الملك الوقفـــي في (الفقرة الأولى)، على أن يتم الحديث عن مآل عقد الكراء الوقفي فـــي إطار مساطر صعــوبات المقاولـــة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: إشكالية تأسيس الأصول التجارية على الملك الوقفي العام

  حاول المشرع المغربي من خلال مدونة التجارة لسنة 1996، إزالة الغموض الذي كان يكتنف مؤسسة الأصل التجاري، وهذا ما يظهر جليا من خلال مقتضيات هذه المدونة[5] التي قامت بتعريفه[6] بموجب المادة 79 بقولها: "الأصل التجاري مال منقول معنوي يشمل جميع الأموال المنقولة المخصصة لممارسة نشاط تجاري أو عدة أنشطة تجارية".

  بالإضافة إلى ذكرها للعناصر المكونة له في المادة 80 منها، والتي جاء فيها: "يشتمل الأصل التجاري وجوبا على زبناء وسمعة تجارية.

ويشمل أيضا كل الأموال الأخرى الضرورية لاستغلال الأصل كالاسم التجاري والشعار والحق في الكراء والأثاث التجاري والبضائع والمعدات والأدوات وبراءات الاختراع والرخص وعلامات الصنع والتجارة والخدمة والرسوم والنماذج الصناعية وبصفة عامة كل حقوق الملكية الصناعية أو الأدبية أو الفنية الملحقة بالأصل".

ومن هذا المنطلق، يتبين أن الأصل التجاري عبارة عن مجموعة من العناصر المادية والمعنوية[7] والتي تشكل مجتمعة وحدة قانونية مستقلة ومعدة للاستغلال التجاري[8] يعتبر الحق في الكراء أهمها[9]، لكونه يخول للتاجر المستأجر للعقار الذي يباشر فيه تجارته الحق في البقاء في هذا العقار، أو تمتيعه بتعويض عادل عن الإخلاء في حالة رفض المكري تجديد عقد الكراء عند انتهاء مدته، وكذلك التنازل عن الكراء للغير في الحالة التي يعمل على التصرف في الأصل التجاري بأي وجه من أوجه التصرف المنصوص عليها في المادة [10]81 من مدونة التجارة؛ كتقديم الأصل التجاري كحصة في شركة[11].

إلا أن التساؤل الذي يطرح في هذا الصدد؛ هو ما مدى إمكانية تأسيس الأصل التجاري على الملك الوقفي العام؟

بالرجوع إلى مدونة الأوقاف، نجدها تنص في البند الثاني من المادة 90 على أنه: "لا حق للمكتري في: ـ...؛

-  اكتساب الحق في الكراء على المحلات الموقوفة والمخصصة للاستعمال التجاري أو الحرفي"؛ وهو ما جاءت المادة الثانية من القانون رقم 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي، لتؤكده بقولها: "لا تخضع لمقتضيات هذا القانون:

1ـ...

3ـ عقود كراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي التي تدخل في نطاق الأوقاف..."[12].

  وعليه، فإن الاستفادة من الحقوق الناتجة عن تأسيس الأصول التجارية على هذه المحلات، لا تسري على تلك التي يكون موضوعها منصبا على عقد كراء محل وقفي سواء تعلق الأمر بوقف عام أو معقب، ما دام القانون رقم 49.16 في المادة الثانية منه الآنفة الذكر تحدث عن الأوقاف دون تقييد بوصف[13].

  وتأسيسا على ذلك، لا يمكن اكتساب الحق في الكراء على الأملاك الوقفية[14]، وبالتالي لا يمكن تأسيس أصول تجارية عليها، على اعتبار أن لهذه الأملاك طبيعتها واستقلاليتها الخاصة التي تستمدها من فلسفة المشرع[15] وتوجهه إلى حمايتها[16].



[1]ـ يمكن تعريف الكراء الوقفي على أنه: "عقد بمقتضاه تمنح إدارة الأوقاف منفعة عقار إلى آخر مزايد خلال مدة معينة مقابل وجيبة كرائية يؤديها مسبقا".

ــ زكرياء سويدي، الكراء الحبسي في التشريع المغربي بين امتيازات الأوقاف وحقوق المكتري، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة، السنة الجامعية 2006ـ2007، ص. 2.

وهو نفس التعريف الذي أورده: 

ــ ادريس الفاخوري، الحقوق العينية وفق القانون رقم 39.08، (دون الطبعة)، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2013، ص. 175.                                                                                                                

[2]ـ إذ أنها تعالج العديد من المشكلات، سواء في المجال الاجتماعي؛ من قبيل رعاية الضعفاء والمساكين وتأهيل العنصر البشري، أو في مجال التربية والتعليم من خلال نشر العلوم، والقضاء على الأمية وإقامة المدارس والمكتبات، أو في المجال الصحي عبر إنشاء المستشفيات وتوفير المعالجة الصحية للإنسان، أو في المجال الديني من خلال إسهامه الكبير في بناء المساجد والمعاهد والعمل على تكوين الشخصية المسلمة لحمل الأمانة والقيام بدورها الذي استخلفها الله لأجله، أو في المجال الاقتصادي عبر تنمية وتنشيط الدورة الاقتصادية، عن طريق تحريك المال واستثماره من خلال إقامة المشاريع وعقد الصفقات.

ــ سهام أوزين، دور الوقف في الاستثمار على ضوء مدونة الأوقاف الجديدة، مقال منشور بمجلة المتوسط للدراسات القانونية والقضائية، العدد 5، 2017، ص. 215.

[3]ـ بوجمعة الشبلاوي، منازعات الكراء الوقفي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة مولاي إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس، السنة الجامعية 2014ـ2015، ص. 94.

[4]ـ مراد دهام، إشكالية الكراء التجاري على الوقف في ضوء العمل القضائي، مقال منشور بمجلة المنارة للدراسات القانونية والإدارية، العدد الخاص بقانون الأعمال والاستثمار، ماي 2020، ص. 194.

[5]ـ صهيب الخاضر بلأشهب، الآليات القانونية لحماية الأصل التجاري، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، السنة الجامعية 2014ـ2015، ص. 8.

[6]ـ إذ أن غالبية التشريعات المقارنة؛ كالتشريع السويسري والفرنسي والإنجليزي والألماني والتشريع المغربي القديم (ظهير 31 ديسمبر 1914 المقتبس من القانون الفرنسي ل17 مارس 1909)، أحجمت عن تعريف الأصل التجاري، لكون مسألة التعريفات متروكة للفقه والاجتهاد القضائي، وقد يكون مرد هذا الإحجام ما يعرفه الأصل التجاري من حداثة وتعقيد.

ــ خالد بنتركي، عملية البيع القضائي للأصل التجاري، مقال منشور بمجلة المنارة للدراسات القانونية والإدارية، العدد 21، 2017، ص. 223.

[7]ـ فبالنسبة للأولى فتتجلى في البضائع والمعدات، وأما العناصر المعنوية، فهي العناصر غير المادية التي يتكون منها الأصل التجاري، وتشمل هذه العناصر حسب نص المادة 80 من مدونة التجارة، الزبناء، والحق في الكراء، والاسم التجاري، والشعار، وبراءات الاختراع، والرخص والعلامات، والرسوم، والنماذج، وجميع حقوق الملكية الصناعية أو الأدبية أو الفنية، التي لها ارتباط باستغلال الأصل التجاري.

ــ الهاشم أوهي، الحق في الكراء كعنصر من عناصر الأصل التجاري في ضوء القانون رقم 49.16، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة ابن زهر، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكادير، السنة الجامعية 2018ـ2019، ص. 10 وما بعدها.

[8]ـ محمد الأطرش، القانون التجاري المغربي، الطبعة الثانية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2018، ص. 161 وما بعدها.

[9]ـ وتجدر الإشارة، إلى أنه في حالة ممارسة التاجر لنشاطه التجاري في عقار يملكه، فلا يمكن الحديث عن الحق في الكراء لعدم وجود كراء أصلا.                                                                                                                                     

إلا أنه يعتبر عند وجوده من بين العناصر الجوهرية المكونة للأصل التجاري؛ ويتحقق ذلك في الحالة التي يمارس فيها التاجر نشاطه التجاري في عقار ليس في ملكيته، بل هو مجرد مكتر له.

ــ غزلان الفتوحي، العقود الواردة على الأصل التجاري، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، السنة الجامعية 2014ـ2015، ص. 31.

[10]ـ تنص المادة 81 من مدونة التجارة على أنه: "يتم بيع الأصل التجاري أو تفويته وكذا تقديمه حصة في شركة أو تخصيصه بالقسمة أو بالمزاد، بعقد رسمي أو عرفي...".

[11]ـ مراد دهام، الكراء التجاري على العقارات الوقفية بين إشكالية تأسيس الأصل التجاري عليه ومصيره في إطار مساطر صعوبات المقاولة، مقال منشور بمجلة القضاء التجاري، السلسلة 7، العدد 12، 2019، ص. 98.

[12]ـ وهو ما كرسه قرار لمحكمة الاستئناف بمراكش، وإن كان في ظل ظهير 1955 قبل نسخه بالقانون رقم 49.16، إلا أنهما تضمنا نفس المقتضيات حول عدم جواز تطبيق هذين القانونين على أملاك الأوقاف، وقد جاء في القرار ما يلي: "وحيث خلافا لما تمسك به المستأنف فإن المشرع في الفصل الرابع من ظهير 24/5/1955 استثنى أملاك الأوقاف من التطبيق". ــ قرار محكمة الاستئناف بمراكش رقم 219، في الملف رقم 3695/1303/13، صادر بتاريخ 6ـ2ـ2014، غير منشور.

[13]ـ جاء في قرار للمجلس الأعلى تحت عدد 4485، في الملف المدني عدد 2111/1/2/98، صادر بتاريخ 22/11/2000: "لكن حيث أجاب القرار المطعون فيه عما بهذين الفرعين لما علل قضاءه وعن صواب بقوله: "أن دفع المستأنف بوجوب تطبيق مقتضيات ظهير 24/5/1955 باعتباره يتوفر على أصل تجاري لا أساس له طبقا لمقتضيات ظهير 24/5/1955 وخاصة الفصل الرابع الذي ينص صراحة على عدم تطبيق الظهير على الأملاك التابعة للأحباس دون تحديد الأحباس العامة أم الخاصة...."، أشار إليه:

ــ محمد جرموني، الوقف المعقب بالمغرب بين المعيقات الواقعية ومحدودية الحماية القانونية، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، السنة الجامعية 2012ـ2013، ص. 240.

[14]ـ وهو ما أكده القاضي المنتدب بالمحكمة التجارية بمكناس في أمر قضائي جاء فيه: "...وبخصوص حق الكراء فهو غير ممكن مادام أن العقار هو ملك حبسي يعود حق التصرف فيه إلى إدارة الأوقاف".

ــ أمر القاضي المنتدب بالمحكمة التجارية بمكناس في ملف تصفية قضائية عدد 07/2010، صادر بتاريخ 11/07/2011، غير منشور.

[15]ـ فالمشرع، وبنصه على المقتضيات السالفة الذكر؛ أراد من جهة احترام إرادة الموقف لعدم تمليك ذلك العقار الموقف لشخص آخر ليحتكره ويضارب فيه ويؤسس عليه ملكية تجارية خالصة له، وهو ما سيؤدي في نفس الوقت إلى إفراغ مفهوم الوقف من محتواه. ومن جهة ثانية، فإن القوانين المنظمة للأملاك الوقفية منحت لإدارة الأوقاف صراحة الحق في إنهاء عقد الكراء للأسباب المنصوص عليها في المادة 96 من مدونة الأوقاف، أو بسبب انتهاء مدة الكراء الوقفي التي تكون محددة ومختلفة بحسب ما إذا تعلق الأمر بملك وقفي فلاحي أم غير فلاحي. ومن ثمة، فلو فرضنا أن العلاقة التعاقدية قد انتهت إما بناء على إنهائها من لدن إدارة الأوقاف أو انتهائها لحلول الأجل، فإن المكتري مدعي الأصل التجاري، والمؤسس على الملك الوقفي، سيطالب لا محالة بالتعويض عن فقدانه الحق في الكراء، والذي يعتبر أهم عنصر من عناصر الأصل التجاري إلى جانب الزبناء، وهو أمر لا يستقيم على اعتبار أن الأمر يتعلق بكراء وقفي أريد به جني مداخيل مالية واستثمارها، لا أن تفرض على إدارة الأوقاف أداء تعويضات لفائدة المكتري، والتي قد تكون في بعض الأحيان باهظة؛ وذلك حسب النشاط التجاري الممارس بالمحل الوقفي.

ــ جواد الرفاعي، الكراء التجاري الثابت والمتغير في ضوء القانون رقم 49.16 ـ دراسة نظرية تطبيقية للنصوص في ضوء قرارات محكمة النقض وأحكام محاكم الموضوع ـ، الطبعة الأولى، مطبعة الأمنية، الرباط، 2018، ص. 37.

[16]ـ لحسن العيوض، الأوقاف العامة بالمغرب: أي منظومة حمائية؟، مداخلة في إطار أشغال الندوة العلمية الوطنية: مدونة الحقوق العينية بين الواقع والمأمول التي نظمها مختبر الدراسات القانونية المدنية والعقارية لتكريم الأستاذ الدكتور إدريس الفاخوري يومي 04 و05 ماي 2018، منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، الجزء الأول، العدد 58، 2019، ص. 426. 


من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله على الصورة


قانونك

من أجل تحميل هذا العدد الثاني عشر - إضغط هنا أو أسفله على الصورة

مجلة قانونك - العدد الثالث

إرسال تعليق

0 تعليقات