القيمة القانونية للوظيفة التصالحية لمفتش الشغل - محمد حفو - عبد السلام الموخ

 القيمة القانونية للوظيفة التصالحية لمفتش الشغل

The legal value of the restorative job of the labor inspector

 محمد حفو / باحث في العلوم القانونية.

عبد السلام الموخ / رئيس دائرة الشغل بالجديدة.

MOHAMMED Haffou

ABD SALLAM Elmoukh



من أخطر وأهم ما ينشأ من نزاعات بين أفراد المجتمع في عصرنا الحالي هي نزاعات الشغل، وتعتبر هذه الأخيرة من أبرز المظاهر المميزة للمجتمعات المعاصرة، خصوصا مع التطورات الاقتصادية والسياسية التي عرفها العالم في العقود الأخيرة.

ولتفادي تطور هذه النزاعات مع ما يترتب عن ذلك من مساوئ اجتماعية واقتصادية بالنسبة لطرفي العلاقة الشغلية عهد المشرع في مدونة الشغل[1]، إلى مفتشي الشغل مهمة إجراء محاولات التصالح، سواء في مجال نزاعات الشغل الفردية أو الجماعية.

 وإذا كان المشرع المغربي وعلى غرار نظيره الفرنسي، قد خول لمفتش الشغل سلطات مهمة ووسائل وإمكانيات[2] حتى يتسن ه القيام بوظيفته في رقابة مدى تطبيق المؤسسات الخاضعة لرقابته لقواعد قانون الشغل، فإنه بالمقابل من ذلك قد أتقل كاهله بمجموعة من المهام التي يمكن القول أنها لا تخرج عن كونها إما رقابية أو ذات طبيعة إدارية أو تؤدي وظيفة تصالحية أو تحكمية.[3]

هذا وإن جهاز تفتيش الشغل يكتسي أهمية بالغة، وإن كان ذلك على المستوى الوطني أو على المستوى الدولي، فعلى المستوى الأول تظهر أهمية مفتشية من خلال كونها مؤسسة اجتماعية تعمل على تطبيق قانون الشغل وتسهر على استقرار العلاقة الشغلية، وتساهم في تحضير الاتفاقيات الجماعية[4] أما على المستوى الدولي، فتظهر أهمية جهاز تفتيش الشغل إذا علمنا أن منظمة العمل الدولية تعلق آمالا كبيرة على الجهاز المذكور من أجل الحفاظ على صحة وسلامة الأجراء وتحسين ظروف العمل[5]

فالملاحظ أن جهاز التفتيش الشغل الضارب في القدم، إذ كان مفتش الشغل في فرنسا يقوم بدور المراقب لجودة الإنتاج ومدى مطابقة هذا الأخير للمعايير التي تضعها وتحددها السلطة العامة. إلا أنه ومع التطور الصناعي الذي عرفه القرن التاسع عشر أصبح وظيفة مفتشي الشغل تتمثل في حماية العامل المنتج بعد أن كانت هي حماية المستهلك[6]وإذا كان المغرب لم يعرف جهاز التفتيش في مرحلة ما قبل الحماية، على اعتبار أن تنظيم الشغل داخل طوائف الصناعة التقليدية كان يقوم به المحتسب، فإنه ومع الحماية الفرنسية، برزت مجموعة من النصوص التي تشير إلى تفتيش الشغل[7] حيث صدر ظهير 1 مارس 1941 منذ ذلك الحين إلى الوقت الراهن مر جهاز التفتيش بالمغرب بمجموعة تطورات تمخض عنها بالخصوص لم شتات النصوص القانونية المنظمة للجهاز المذكور وتحديد اختصاصات القائمة عليه[8]

ورغم التحفظ الذي تثيره اتفاقيتي منظمة العمل الدولية81و129 بخصوص تكليف جهاز تفتيش الشغل بتسوية نزاعات الشغل، وذلك حفاظا على فعالية المهمة الأساسية المتعلقة بالمراقبة، وتطبيق أحكام قانون الشغل، فإن الممارسة العملية لهذا الجهاز، أقنعت المشرع بتكريس وتقنين تدخل مفتشية الشغل في تسوية نزاعات الشغل.

ومن كل ما سبق نتساءل حول موقف الفقه والقضاء من الوظيفة التصالحية لمفتش الشغل؟

للبحث في الموضوع نقترح تقسيمه على النحو التالي:

المطلب الأول : موقف القضاء من الوظيفة التصالحية لجهاز تفتيش الشغل

المطلب الثاني: الاختلاف الفقهي حول تدخل مفتش الشغل في نزاعات الشغل

 

المطلب الأول: موقف القضاء من الوظيفة التصالحية لجهاز تفتيش الشغل

يعتبر الصلح في المادة الاجتماعية العنصر المشترك بين جهازي مفتشية الشغل والقضاء الاجتماعي، مما يطرح التساؤل عن كون المهمة التصالحية لمفتش الشغل تعين القضاء الاجتماعي، وتخفق عليه عبء القضايا التي كان من الممكن أن تعرض عليه لولا تدخل مفتشي الشغل، مما يجعلها تلقى قبولا من لدن القضاء المذكور، رغم كونها مستمدة فقط من صميم الواقع العملي وغير مستندة لأي أساس قانوني[9].

وهل يمكن أن نعتبر تنظيم الصلح في مدونة الشغل مؤشرا دالا على مدى أهمية دور جهاز تفتيش الشغل على هذا المستوى. رغبة من المشرع المغربي لتأسيس تعاون قانوني بين مفتشية الشغل والقضاء الاجتماعي في مجال الصلح المبرم بين الأجير والمشغل تحت إشراف مفتش الشغل[10]

وإذا كانت الوظيفة الرقابية كثيرا ما كانت تقود مفتش الشغل إلى محاولة التوقيف بين طرفي العلاقة الشغلية من خلال  اقتراح حلول كفيلة بحسم النزاع القائم بينهما من أجل الحفاظ على استقرار العلاقات الشغلية، لتغدو بذلك المهمة التصالحية لمفتشية الشغل وسيلة وآلية غير مباشرة للرقابة على حسن تطبيق قانون الشغل[11] مما يطرح التساؤل حول موقف القضاء من الصلح المبرم تحت إشراف مفتش الشغل باعتباره اختصاصا واقعيا عرفيا. (أولا) وما موقفه في ظل التكريس القانوني للاختصاص المذكور (ثانيا).

الفقرة الأولى : موقف القضاء من الصلح كاختصاص عرفي

تجدر الإشارة إلى أن إسناد مهمة الصلح التمهيدي لأعوان تفتيش الشغل؛ لا يعتبر من المستجدات التي عرفها اختصاص هؤلاء، فقد كانوا يمارسون هذه الوظيفة في عملهم اليومي قبل صدور مدونة الشغل، وبدون سند قانوني[12]

إلا أنه رغم كون الدور التصالحي لجهاز تفتيش الشغل أتبت فعاليته في التوفيق بين المشغل والأجير، إثر قيام نزاع[13] فإن الاختصاص المذكور خلق جدلا فقهيا ما بين معارض ومؤيدا له[14]وأمام هذا الجدل الفقهي حول الاختصاص التصالحي لمفتش الشغل والذي حسمته مدونة الشغل، يمكن البحث عن موقف الجهاز القضائي إزاء الصلح الذي يبرم بمساعدة مفتش الشغل قبل صدور مدونة الشغل، باعتباره اختصاصا واقعيا عرفيا، غير مستند إلى أساس قانون يقتضي منا البحت في مدى صحة وشرعية الصلح المبرم بين المشغل وأجيره عن طريق التفاوض المباشر ودون تدخل أي وسيط.[15]

ويذهب بعض الفقه[16] إلى القول بأن إحداث المشرع المغربي لتقنية التوصيل عن صافي كل الحساب عند أي إعفاء، يعني أن المشرع قد تخلى عن الصلح المدني في إطار المنازعات الشغلية.

إلا أن ما يمكن ملاحظته هو أن المشرع من خلال الفصل 745[17] من قانون الالتزامات والعقود، حاول أن يضيف شيئا آخر فيما يخص توصيل تصفية كل حساب بالتنصيص صراحة على أنه يعتبر وصل بسيط. وبالتالي فالصلح المبرم بين الأجير والمشغل قصد إنهاء نزاع قائم بينهما صحيحا وسلميا، من الناحية القانونية، حيث يفترض أن يكون نابع من إرادتين حرتين مشتركتين وإلا أمكن الطعن فيه طبقا للفصل 1111 من قانون الالتزامات والعقود[18].

وإذا كان الصلح المدني تتجسد فيه العدالة بين الطرفين ويفرض فيه نوع من التوازن بين الطرفين، وذلك لعدم وجود التبعية بينهما[19] وذلك ما لا ينطبق على طرفي عقد الشغل ورغم مناداة بعض الفقه بعدم الأخذ به؛ لكونه قد يؤدي إلى الانتقاص من حقوق الأجير التي تعتبر من النظام العام.

لذلك يبقى التساؤل مطروحا؛ كيف تعامل القضاء فيما يخص مسألة الاتفاق الودي بين أطراف علاقة الشغل، هل أخد بها حيث يبرئ ذمة المؤاجر إطلاقا اعتمادا على قاعدة العقد شريعة المتعاقدين أم اعتمد اختلال المراكز في العلاقة الشغلية بين الطرفين؟

للإجابة عن هذا التساؤل لابد من الإشارة إلى أن العمل القضائي سار في اتجاه معاكس للفقه والنصوص التشريعية خاصة  الفصلين 754 و 1100 من قانون  الالتزامات والعقود، حيث قرر صحة الصلح المبرم بين الأجير ومشغله بشكل مباشر ودون أي وسيط، ومن باب أولي صحة الصلح المبرم بين الأجير والمشغل بمحضر مفتش الشغل.

وفي هذا الاتجاه ذهبت المحكمة الابتدائية بوجدة في أحد أحكامها[20] ما يلي:

" ... وحيث إنه بالرجوع إلى محضر الصلح المبرم بين الطرفين، ثبت للمحكمة بأنه قد وقع اتفاق بين الطرفين على إنهاء العقد القائم بينهما بعد توصل المدعية بحقوقها المترتبة في ذمة المدعى عليه...

وحيث إن اتفاق الطرفين على إنهاء العقد بعد توصل المدعية بالحقوق يؤدي إلى إبراء ذمة المدعى عليه من المبالغ، والتعويضات المستحقة للمدعية وهو ما يتماشى مع مقتضيات الفصل 1098 من قانون الالتزامات والعقود..."

وجاء في حكم ابتدائية القنيطرة، التي ذهبت في نفس المنحى[21] ما يلي:

"... وحيث إنه بالاطلاع على عقد الصلح المدلى به يتضح أنه ينص على أن المدعي والمدعى عليه يعقدان هذا الصلح حسما لكل نزاع، وذلك بصفة حبية وفي نطاق الفصل 1098 وما يليه هي قانون الالتزامات والعقود، وأنه لا يمكن الرجوع فيه وذلك عملا بمقتضيات الفصل 1106 من قانون الالتزامات والعقود، وحيث إن من التزم بشيء لزمه.

وحيث إن العقد شريعة المتعاقدين الأمر الذي يتوجب معه تبعا لما هو منصوص عليه في عقد الصلح التصريح برفض طلب المدعي".

كما جاء في حكم آخر صادر عن المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، بتاريخ 6 دجنبر 1988 بالصلح المبرم بين الأجير والمشغل معتمدة على الفصل 1106 من قانون الالتزامات والعقود، الذي ينص على أنه لا يجوز الرجوع في الصلح ولو باتفاق الطرفين ما لم يكن قد أبرم باعتباره مجرد عقد معاوضة[22]

وقد صدر عن المجلس الأعلى قرار بتاريخ 11/10/2002 جاء في إحدى حيثياته ما يلي: "حيث ثبت صحة ما عابته الوسيلة على القرار المطعون فيه؛ وذلك ما دفع في سائر مراحل الدعوى بأن النزاع تم حسمه بمقتضى الصلح المبرم أمام مفتش الشغل، والمشرع لما خول لمفتش الشغل إجراء محاولة التوفيق بين الأجير ومشغله لوضع حد للنزاع عن عقد العمل الرابط بينهما، فإن التجاء الأجير إلى مفتش الشغل كان من أجل تحقيق ذلك الهدف، وما دام مفتش الشغل قد أكد بمقتضى إشهاده المؤرخ في 20/05/1998 أنه بعد البحث الذي أجراه تبين له بأن الأجير كان قد تقدم بشكاية ضد مشغله، فقام مفتش الشغل باستدعاء الطرفين قصد التوفيق بينهما، فأسفرت مقابلة الصلح بقبول المشغل أداء تعويض جزافي للأجير، وتبين من وثائق الملف أن الأجير قام بالفعل بسحب المبلغ من البنك مما يدل على أنه أبرم صلحا نهائيا لجعل حد للنزاع القائم بينه وبين مشغله في نطاق مقتضيات الفصل 1098 من قانون الالتزامات والعقود وأن الفصل 1105 ينص على أنه يترتب على الصلح أن تنقضي نهائيا الحقوق والادعاءات التي كانت محلا له... والقرار المطعون فيه عندما قضى من جديد على المشغل بالأداء رغم الصلح الذي أبرمه مع أجيره يكون غير مرتكز على أساس ويعرض للنقض".[23]

وجاء في قرار آخر صادر عن المجلس الأعلى ما يلي[24] " ... تعيب الطالبة على القرار المطعون فيه التعليل الخاطئ، ذلك أنها تمسكت بالصلح الذي تم بين الطرفين على يد مفتش الشغل الذي أوكل إليه المشرع البت في النزاعات التي تطرأ بين المشغل والمستخدم، وأن محاولة السيد مفتش الشغل استمرت وتوصل المطعون الأجير بحقوقه كاملة، بل أكثر منها، عندما توصل بمبلغ إضافي قدره (كذا...) محتجة بمقتضيات الفصل 1098 من قانون الالتزامات والعقود. إلا أن محكمة الاستيناف استبعدت الصلح بعلة أن مقتضيات الفصل 1098 من قانون الالتزامات والعقود لا تسري على القضايا الاجتماعية، وأن هذا التعليل خاطئ... وبرد القرار المطعون فيه الدفع على النحو المذكور، يكون معللا تعليلا خاطئا، ينزل منزلة انعدامه وخارقا بذلك مقتضيات الفصل 1098 من قانون الالتزامات والعقود مما يعرضه للنقض".

وهكذا يتضح من خلال تطرقنا للنماذج المشار إليها من أهم الأحكام والقرارات القضائية، أن القضاء جسد من خلالها مظهرا من مظاهر التعاون بينه وبين جهاز تفتيش الشغل على مستوى الصلح، حيث يتعاون الأول مع الثاني من خلال الأخذ بالصلح المبرم تحت إشرافه، ويعين الثاني الأول من خلال الحسم في العديد من النزاعات الفردية عن طريق الصلح ليساهم في التخفيف من عبئ القضايا التي تثقل كاهله، وكل ذلك في سبيل تحقيق الهدف المشترك بينهما.

كما تجدر الإشارة أن بعض قرارات المجلس الأعلى راعت أهمية الاتفاق  الودي المبرم بين طرفي النزاع والذي يطبعه مبدأ العقد شريعة المتعاقدين كما أنه أخذ أحيانا بالصلح المبرم بمحضر مفتش الشغل، وبالتالي نعتقد أنه جانب الصواب عندما قرر بأن المشرع خول لمفتش  الشغل إجراء محاولات التوفيق بين الأجير ومشغله والحال أن القرار صدر لسنة 2002 قبل صدور مدونة الشغل. حيث كان الاختصاص التصالحي لمفتش الشغل نابعا من الممارسة اليومية وغير مستند إلى أساس قانوني، حيث لم يتم تكريسه بنص قانوني إلا بعد صدور مدونة الشغل التي أضافت مهمة المصالحة من خلال الفقرة الرابعة من المادة 532 منها إلى المهام التقليدية لمفتشي الشغل. ذلك ما يجعلنا نتساءل عن موقف القضاء من الصلح كاختصاص قانوني.

الفقرة الثانية: موقف القضاء من الصلح كاختصاص قانوني

لقد جاءت مقتضيات قانون 65.99 المتعلق بمدونة الشغل. لتوفر الإطار القانوني الذي يعمل داخله مفتشي الشغل أثناء حله لمختلف النزاعات الفردية، فلقد تم النص بصفة صريحة على دور المصالحة، وبالتالي انتقلت هذه الوظيفة من صفة الواقعية والعرفية إلى صفة القانونية، مما قد يتبادر معه إلى الذهن أن المشرع قد نظم علاقة مفتشية الشغل بالقضاء الاجتماعي على هذا المستوى، وحدد مركز كل منهما وحسم في قوة الصلح المبرم أمام مفتش الشغل ليسد الباب أمام تضارب الاجتهاد والتأويل.

كل ما سبق يجعلنا نطرح التساؤل حول دقة النظام القانوني للصلح؛ وفي حالة العكس مدى توفق العمل القضائي في البحث عن الإرادة الحقيقية للمشرع سواء على مستوى الصلح التمهيدي (أ) أو في إطار الصلح في حالة الفصل التعسفي (ب).

أ- الصلح التمهيدي:  اجراء محاولة التصالح

يعتبر مفهوم الصلح التمهيدي من بين المستجدات التي جاءت بها مدونة الشغل المغربية[25] وبالتالي سلك نفس توجه المشرع الموريتاني[26] ومن الناحية العملية يتم تدخل جهاز مفتشية الشغل لإجراء محاولات التصالح بمقتضى طلب أو شكاية تقدم من طرف الأجير لمفتش الشغل الذي يسلمه استدعاء قصد تبليغه إلى المشغل للحضور إلى جلسة الصلح.

لكن بالرجوع إلى المقتضيات القانونية الخاصة بمحاولات التصالح ومسطرة إجراؤها نجد غياب أي مقتضى قانوني يلزم المشغل بالاستجابة لاستدعاء مفتش الشغل حتى يواجه بينه وبين أجيره، ذلك ما يفرض على مفتش الشغل تكرار الاستدعاء أملا في استجابة المشغل له، وهو الوضع الذي دفع البعض إلى المطالبة بتجنيح واقعة عدم امتثال المشغل للاستدعاء الموجه  إليه من طرف مفتش الشغل قياسيا على تجنيح واقعة عرقلة قيام مفتش الشغل بمهامه[27] وسيرا على نهج المشرع الموريتاني.[28]في حين اكتفى المشرع المصري[29] بالتنصيص على وجوب استجابة المشغل لاستدعاء مفتش الشغل دون إقرار جزاء على عدم الاستجابة.

وبالتالي لجوء أحد طرفي النزاع، والذي يكون في الغالب هو الأجير، إلى مفتش الشغل وحيث يتم توجيه الاستدعاء إلى المشغل الذي حضر بدوره جلسة الصلح، وتمكن مفتش الشغل من التوفيق بينهما. فإنه يحرر محضرا بشأن الصلح التمهيدي المتوصل إليه ويوقعه بالعطف بعد توقيعه من قبل طرفي النزاع.

وجعلت المدونة من المحضر المبرم في هذا الصدد أمام مفتش الشغل ذا إبراء جزئي، حيث ورد في الفقرة الخامسة من المادة 532 من مدونة الشغل بأنه: " يحرر في شأن هذه المحاولات محضر يمضيه طرفا النزاع أو يوقعه بالعطف العون المكلف بتفتيش الشغل؛ وتكون لهذا المحضر قوة الإبراء في حدود المبالغ المبنية فيه."

الذي يستشف من هذه الفقرة أن النزاع بين الأجير والمؤاجر يعد منتهيا لكن في حدود ما هو متصالح عليه أمام مفتش الشغل- خلافا للصلح المدني- غير ذلك فإنه قابل للمنازعة فيه أمام القضاء.

كما أنه إذا ما رجعنا إلى مقتضى المادة 41 نجد أن كلمة " يمكن للأجير... توحي بشكل منطقي  أن عرض النزاع الفردي على جهاز تفتيش الشغل يبقى اختياريا ولا يترتب على اللجوء مباشرة إلى القضاء رفض الدعوى[30] ولهذا السبب يبقى التساؤل مطروحا: هل يمكن اعتبار محضر الصلح المنجز أمام مفتش الشغل يشكل قوة إيوائية أم وثيقة حاسمة تقطع النزاع وبصيغة أدق هل تتاح للمتضرر إمكانية الطعن في الصلح التمهيدي. خصوصا وأن المادتين 41 و532 من مدونة الشغل تثيران نوعا من التناقض وعدم الانسجام؟

جوابا على التساؤل المذكور أعلاه، يرى بعض الفقه[31] أن المشرع المغربي من خلال هذا المقتضى قد أطر بنص قانوني لعلاقة تعاون بين مفتش الشغل والقضاء الاجتماعي، وبالتالي وضع حدا للجدل الفقهي والقانوني الذي ظل سائدا حول حجية محاضر الصلح المبرمة بمحضر مفتش الشغل، والتي أصبحت ذات حجية تبوتية إلى أن يثبت عكس ما فيها.

بينما يرى أحد الباحثين[32] أنه على القضاء الاجتماعي بدل المزيد من الجهد في تقصي روح النص ومنح محاضر الصلح التي حررها مفتش الشغل حجية ثبوتية لا يمكن الطعن  فيها أمام المحاكم إلا بالزور. خصوصا وأن المشرع المغربي لم ينظم مضمون الصلح ولا إجراءاته ولا البيانات الواجب توفرها في محضر الصلح التمهيدي، وذلك على خلاف نظيره الموريتاني[33]



[1]  الظهير الشريف رقم 194. 03-1 المؤرخ ب 14 من رجب 1424(11 سبتمبر 2003) الصادر بتنفيذ القانون رقم 99-65 المتعلق المدونة الشغل.

[2] وتتجسد هذه الإمكانيات أساسا في الزيارات المخول لمفتشي الشغل القيام بها والتي عددت الوزارة العدد اللازم القيام به من طرف المفتش منها شهريا، إضافة إلى إمكانية توجيه المفتش الشغل الأسئلة للمشغل والإجراء، وكذا القيام بكافة التحريات والابحات التي تمكنه من التأكد من مدى التزام الشغل لقانون الشغل كما أن هذه الزيارات قد تتوج في صالة الوقوف على مخافة ما: من طرف العون المكلف بتفتيش الشغل بتحرير تقرير ومحضر من طرف هذا الأخير.

محمد الدكي تأملات في نظام تفتيش الشغل مجلة القصر العدد 6 السنة 2003 ص 113 

[3]   للتوسع فيما يتعلق بمهام مفتشي الشغل الرقابية والإدارية والتصالحية والتحكمية راجع بالخصوص:

-عبد اللطيف خالفي: الوسيط في مدونة الشغل الجزء الأول علاقات الشغل الفردية الطبعة الأولى المطبعة والوراقة الوطنية مراكش السنة 2004 ص 134 وما يليها

- محمد الكشبور: نظام تفتيش الشغل الواقع الحالي وآفاق المستقبل المرجع السابق ص 354 وما يليها

- الحاج الكوري: القانون الاجتماعي المغربي الطبعة الثانية منشورات دار القلم الرباط السنة 2005 ص 95 وما يليها.

-Véronique roy droit du travavail-dound paris 2004 p: 6 et suivantes.

- Bernard teyssit droit du trvail relation individuelles de trvail 2ém édition édition lite paris 1992 p 136 et suivantes.

[4] وقد عرف موضوع تفتيش الشغل اهتماما كبيرا خصوصا مع بداية الثمانينيات، وهو اهتمام متعدد الأبعاد والجهات فهناك النقابات التي تطالب بتوفير وسائل فعالية لضمان احترام قانون الشغل وهناك اهتمام الفقه القانوني بالموضوع وذلك علاوة على اهتمام موظفي جهاز التفتيش أنفسها.

عبد العزيز العتيقي: قانون الشغل المغربي دراسات وأبحاث مطبعة دار النشر المغربية الدار البيضاء 1997 ص 179.

[5]  الحاج الكوري: القانون الاجتماعي المغربي: م س ص 80 وما يليها.

[6]  الحاج الكوري: القانون الاجتماعي المغربي، المرجع السابق ص 89 وما يليها.

[7]  عبد الكريم غالي في القانون الاجتماعي المرجع السابق ص 92 وما يليها.

[8]  محمد الكشبور: نظام تفتيش الشغل المرجع السابق ص 13 وما يليها.

[9] - حسن الحطاب: علاقة متفشية الشغل بالقضاء أي رهان: رسالة لنيل الماستر في قانون الأعمال والمقاولات. ماستر قانون الأعمال والمقاولات. جامعة محمد الخامس –السويسي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- الرباط- موسم 2007 و2008 ص 9

[10] - وتجدر الإشارة أن عرض نزاع الشغل الفردي على العون المكلف بتفتيش الشغل يبقى اختياريا، على ما يستنتج من الفقرة الثالثة من المادة 41 من مدونة الشغل، التي تنص على ما يلي: "... يمكن للأجير الذي فصل الشغل لسبب يعتبره تعسفيا؛ اللجوء إلى مسطرة الصلح التمهيدي المنصوص عليه في الفقرة 4 من المادة 532 أدناه من أجل الرجوع إلى شغله أو الحصول على تعويض."

وهكذا يمكن القول إن عرض نزاع الشغل الفردي أمام العون المكلف بتفتيش الشغل؛ قصد إجراء محاولة التصالح، تبقى مسألة اختيارية، وبالتالي يحق اللجوء إلى القضاء مباشرة دون استنفاد هذه المسطرة.

[11] - سعيد لماني: دور متفشية الشغل في تطبيق  قانون الشغل مجلة المرافعة العدد 2-3 السنة 1995 الصفحة 292.

[12] - محمد الكشبور: نظام تفتيش الشغل الواقع الحالي وآفاق المستقبل .م,س .ص 72 و73

[13] - محمد الدكي: تأملات في نظام تفتيش -مجلة القصر- العدد 6 السنة 2003 ص 113

[14] - راجع:  - عبد اللطيف خالفي: الوسيط في مدونة الشغل الجزء الأول علاقات الشغل الفردية مرجع سابق ص 159

-عبد اللطيف خالفي: مفتشية الشغل بين جسامة المسؤوليات ومحدودية الإمكانيات –المجلة المغربية للاقتصاد والقانون العدد 22 السنة 1994 الصفحة 223 - الحاج الكوري: القانون الاجتماعي المغربي – الطبعة الثانية- نشر مكتبة دار السلام الرباط السنة 2001 ص 95. - عبد الرزاق لعلج: حجية محاضر مفتش الشغل بإنهاء المنازعة الاجتماعية للصلح. ندوة تحت عنوان عقود العمل والمنازعات الاجتماعية من خلال اجتهادات المجلس الأعلى نظمها هذا الأخير  بمناسبة الذكرى الخمسينية لتأسيسه بمقر محكمة الاستيناف أكادير يومي 05 و06 يوليوز 2007 ص 379.

[15] - حسن الحطاب: علاقة مفتشية الشغل بالقضاء أي رهان. م,س.ص 11

[16] - محمد سعيد بناني: الإعفاءات الاقتصادية ووسائل الإبراء: الندوة الثانية للقضاء الاجتماعي، م,س.ص 33

[17] -راجع الفصل 745 من قانون الالتزامات والعقود المغربي .

[18] - راجع اللفصل 1111 من قانون الالتزامات والعقود المغربي .

[19] - إبراهيم قضا: تنظيم الصلح في منازعات الشغل الفردية، ندوة تحت عنوان عقود العمل والمنازعات الاجتماعية من خلال اجتهادات المجلس الأعلى؛ نظمها هذا الأخير بمناسبة الذكرى الخمسينية لتأسيسه بمقر محكمة الاستيناف أكادير يومي 05 و06 يوليوز 2007 ص 388

[20] - حجم صادر عن ابتدائية وجدة  رقم 2136 بتاريخ 20 نونبر 2002 في الملف رقم 115/02

[21] - حكم صادر عن ابتدائية القنيطرة بتاريخ 22 أكتوبر 1998 في الملف الاجتماعي رقم 97/622 منشور بمجلة  الإشعاع عدد 19 يونيو 1999 ص 181

[22] - حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء بتاريخ 6 دجنبر 1988 م ا ج ع أشار إليه:

-Azzeddine Kettani: Transaction en droit  social –Revue Marocaine de Droit et d’économie du développement.  N° 22 -  1990 p 161

[23] - قرار صادر عن المجلس الأعلى تحت رقم 751 مؤرخ في 11/10/2002 م ا ج ع 06/02/2001 أوردته: مليكة بنزاهير: الصلح والتحكيم الاختياري لحل نزاعات الشغل الفردية، الندوة الثالثة  للقضاء الاجتماعي نشر دار السلام -الرباط- السنة 2004 ص 150 وما يليها.

[24] - قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 6 فبراير 1988 في الملف الاجتماعي عدد 817/98 منشور بمجلس الإشعاع عدد 19 يونيو 1999 ص 128.

[25] - نصت المادة 532 من مدونة الشغل على ما يلي:

تناط بالأعوان المكلفين بتفتيش الشغل المهام التالية: 1-................... 2-............    3-...............

4- إجراء محاولات التصالح في مجال نزاعات الشغل الفردية يحرر في شأن هذه المحاولات محضر يمضيه طرفا النزاع، ويوقعه بالعطف العون المكلف بتفتيش الشغل، ويكون لهذا المحضر قوة الإبراء في حدود المبالغ المبنية فيه: 

[26] - لقد أصبح اللجوء إلى محاولة التصالح  أمام مفتش الشغل إلزاميا وذلك قبل أي دعوى قضائية وذلك بموجب مدونة الشغل الموريتانية لسنة 2004 من خلال المادة 292 منها التي نصت على أنه يجب على صاحب العمل أو العامل أن يطلب رفع الخلاف الفردي من أجل محاولة التوفيق أمام مفتش الشغل أو مراقب  الشغل أو نائبه القانوني قبل عرض أي قضية على أنظار محكمة الشغل، ومن جهتنا نرى أنه كان على المشرع المغربي عند إسناده الصلح التمهيدي إلى جهاز مفتشية الشغل جعله مرحلة إجبارية قبل اللجوء إلى القضاء.

[27] - حسن الحطاب: علاقة متفشية الشغل بالقضاء أي رهان. م,س. ص 16

[28] - تنص المادة 429 من مدونة الشغل الموريتاني على ما يلي: المخالفات المعاقب عليها بغرامات مدنية:

- يعاقب بغرامة قدرها خمسة آلاف أوقية. عضو محكمة الشغل الذي لا يحضر لأداء مهمته دون عذر مقبول وذلك بناء على استدعاء تم تبليغه إليه، وفي حالة العود خلال مدة سنة تصبح الغرامة المدنية عشرة آلاف أوقية.

ويقضي بنفس الغرامات المدنية وطبقا لنفس الشروط وبنفس المبالغ كل شخص لم يستجيب للاستدعاء الموجه إليه لمحاولة التوقيف بالنسبة لنزاع فردي أو جماعي أو لوساطة بالنسبة لنزاع جماعي..."

[29] - المادة: 163 من قانون العمل المصري.

[30] - محمد أسبول: واقع الصلح في المادة الاجتماعية، دراسة نظرية وتطبيقية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة – قانون خاص- وحدة البحث والتكوين في قانون العقود والعقار، جامعة محمد الأول وجدة السنة الجامعية 2004-2005 ص 85.

[31] - عبد العزيز العتيقي، محمد الشرقاني، محمد القري اليوسفي: : دراسة تحليلية نقدية لمدونة الشغل المرتقبة مشروع 1994 دار النشر الجسور وجدة 1999،   ص 239.

[32] - حسن الخطاب: علاقة متفشية الشغل بالقضاء أي رهان. م,س.ص 16.

[33]- تنص المادة 296 من مدونة الشغل الموريتاتنية على ما يلي: محضر التوفيق ، إذا توصل الطرفان إلى اتفاق يثبته المفتش خلال نفس الجلسة في محضر التوثيق الذي يجب أن يتضمن كي لا يعتبر باطلا: توقيع الطرفين مع توقيع مفتش الشغل، تاريخ المحضر، نص مختلف عناصر الشكوى، النقاط التي حصل بشأنها التوفيق وعند الاقتضاء المبالغ المتفق عليها بالنسبة لكل عنصر من عناصر الشكوى، عناصر الشكوى التي تم التخلي عنها، في حالة التوفيق الجزئي للطلبات التي لم يتضمنها التوفيق. ولا يجوز أن تستخدم في المحضر أية عبارة مثل على وجه الخصوص، " متفرقات أو مخالصة لكل حساب أو كافة المبالغ مندمجة"، وإلا اعتبر المحضر باطلا".


من أجل تحميل هذا المقال كاملا إضغط هنا أو أسفله على الصورة


قانونك

من أجل تحميل هذا العدد الحادي عشر - إضغط هنا أو أسفله على الصورة

مجلة قانونك - العدد الثالث

إرسال تعليق

0 تعليقات