الأسباب العامة لسقوط الدعوى العمومية في القانون الموريتاني والمقارن - الشيخ سيداتي أحمدو أحمد مولود

 الأسباب العامة لسقوط الدعوى العمومية في القانون الموريتاني والمقارن

The general reasons for the fall of the public lawsuit in Mauritanian and comparative law

 الشيخ سيداتي أحمدو أحمد مولود / مدير مركز البحوث والدراسات بكلية الشريعة جامعة العلوم الإسلامية بلعيون – موريتانيا أستاذ القانون الجنائي بنفس الجامعة.

Sheikh Sidaty, Ahmadu Ahmad Mauloud





من مقتضيات العدالة أن يؤاخذ المسيء بإساءته دائما ويتم ذلك بعد نشوء خصومة جزائية والتي يقصد من ورائها نسبة سلوك إجرامي معين إليه ثم تسليط العقوبة المناسبة، غير أنه قد تحول دون نشوء الخصومة أصلا أو دون توقيع الجزاء موانع إما مؤقتة ككون المشرع قيد ذلك بالشكوى مثلا أو موانع مؤبدة لوجود أعذار معفية أو عدم خضوع الجاني لسلطان المحاكم الجزائية طبقا لقواعد القانون الدولي العام أو المعاهدات أو بسبب انقضاء الدعوى العمومية.

فإذا كانت القاعدة أن كل دعوى أثيرت أمام المحاكم تنتهي بحكم فإنه قد تحدث أمورا من شأنها أن تضع حدا للمتابعة كما إذا مات المتهم أو مرت فترة زمنية من شأنها أن تؤدي إلى سقوط الدعوى بالتقادم أو كما إذا قوبل المذنب بعفو أو كما إذا ألغي القانون الجنائي .. ويمكن علاوة على ما ذكر أن تسقط الدعوى العمومية بإبرام مصالحة أو دفع غرامة جزافية أو اتفاقية إذا نص القانون على ذلك وكذلك الشأن في حالة سحب الشكاية إذا كانت شرطا لازما في المتابعة.

لذلك فإن أسباب سقوط الدعوى العمومية تعد بمثابة موانع تحول بين النيابة العامة وبين تحريك الدعوى العمومية أمام المحكمة، فممارسة الدعوى وتحريكها أمام المحكمة بالرغم من قيام سبب مسقط لا قيمة له قانونا وتلغى تلك الإجراءات أيا كانت المرحلة التي وصلت إليها.

غير أن أسباب انقضاء أو سقوط الدعوى العمومية يمكن أن يميز فيها بين أسباب علمة تطال كل الجرائم وأسباب خاصة تقتصر على بعضها.

وسنقتصر على الصنف الأول الذي أورده المشرع الموريتاني في الفقرة الأولى من المادة 6 من ق إ ج م. مما يطرح إشكالا يتمثل في معرفة طبيعة هذه الأسباب ومدى توافق المشرع الموريتاني في هذه الجزئية مع غيره من التشريعات المقارنة؟

لقد أورد المشرع الموريتاني الأسباب العامة لسقوط الدعوى العمومية في الفقرة الأولى من المادة 6 من ق إ ج  وهذه الأسباب هي موت المتهم ومرور الزمن (المطلب الأول) إضافة إلى  العفو العام واتصال القضاء ونسخ أو إلغاء النص الجنائي(المطلب الثاني).

المبحث الأول: سقوط الدعوى العمومية بموت المتهم أو بمرور الزمن

المطلب الأول: سقوط الدعوى العمومية بموت المتهم

يعتبر مرتكب الجريمة أو المتهم الواقع ضده التتبع الجزائي طرفا رئيسيا في الدعوى العمومية لذلك يجب أن يكون هذا الشخص شخصا حيا وإلا انقضت الدعوى العمومية في شأنه بسبب الوفاة.

فالوفاة تؤثر بدون شك على سير الدعوى باعتبار أن إجراءات التتبع يقع القيام بها حتما ضد متهم حي وعملا بمبدأ شخصية العقوبة فإنه لا يمكن تتبع شخص آخر في صورة الوفاة، فتحفظ القضية من طرف النيابة لهذا السبب.

واللافت للانتباه أن مثيل لهذا الفصل نجده في عدة تشريعات مقارنة نذكر منها المشرع التونسي المادة 4 من م. إ. ج والمشرع المصري حيث   نص على هذا السبب بالمادة 14 من قانون الإجراءات الجنائية في الفصل 3 من هذا القانون تحت عنوان في انقضاء الدعوى الجنائية حيث جاء في هذه المادة ما يلي: "تنقضي الدعوى الجنائية بوفاة المتهم..."[1]

في إطار القانون المصري يبين الدكتور محمود نجيب حسني في شرحه لقانون الإجراءات الجنائية المصري أن أساس انقضاء الدعوى الجنائية بوفاة المتهم هو مبدأ "شخصية الدعوى الجنائية" وهو مبدأ مرتبط بمبدأين آخرين وهما شخصية المسؤولية الجنائية وشخصية العقوبة، وإذا كان من المسلم به أن العقوبة لا تحقّق أيا من أغراضها إلا إذا نفذت في شخص معين بالذات هو المسؤول عن الجريمة، لذلك فان وفاة هذا الشخص تجعل من المستحيل تنفيذ العقوبة أغراضها ومن ثمة تنتفي علة الدعوى وغاياتها.

ويضيف هذا الفقيه أن إجراءات الدعوى تفرض مشاركة المتهم فيها ودفاعه عن نفسه، فان توفي استحال له المشاركة والدفاع ويعني ذلك استحالة أن تتخذ هذه الإجراءات في الصورة التي حددها القانون فيستحيل بالتالي سير الدعوى ذاتها[2].

إن وفاة المتهم لا تؤول إلى حفظ الدعوى من قبل النيابة العمومية فحسب، فقد تحصل الوفاة في مرحلة متقدمة من مراحل الدعوى العمومية وبالتالي تبقى مبررات الحفظ التي سبقت الإشارة إليها هي نفسها وتؤدي

إلى نفس النتائج. فقد يتوفى المتهم قبل تحريك الدعوى ضده وفي هذه الحالة يتعين حتما حفظها اما اذا حصلت الوفاة في مرحلة المحاكمة وجب على المحكمة أن تقضي بعدم سماع الدعوى للوفاة.

وما يتبادر للذهن في هذا المستوى سؤال هام:

إلى أي مدى يمكن أن تؤثر وفاة المتهم على انتفاء أي إمكانية لتتبع الجريمة؟

أي بمعنى آخر هل تعتبر محاولة للنيابة العمومية بعد الوفاة في مواصلة أعمال البحث باطلة قانونا؟

إذا حصلت وفاة المتهم قبل أي إجراء أو وقعت بعد البدء في التحقيق فان ذلك لا يمنع النيابة العمومية من مباشرة التحقيق أو إتمامه إذا كان قد بدأ على أنها لا تستطيع إثارة الدعوى ضد المتهم المتوفي، وتبرير ما جاء به الفقيه أن النيابة العمومية قد يحصل لها العلم بوقوع جريمة وعلى احتمال وجود شركاء للمتهم.[3] ويتبين من خلال ما تقدم أن الرد على هذا التساؤل يكون بالإيجاب وهو أمر طبيعي ومنطقي أن لا تسري وفاة المتهم على الشركاء من حيث انقضاء الدعوى.

ومعنى ذلك أنه يكون تسليط الجزاء على الشركاء حتى في صورة وفاة الفاعل الأصلي ويتواصل نشر القضية أمام القضاء الجزائي، ورغم أن مجلة الإجراءات الجزائية لم تورد نصا صريحا في ذلك على غرار بعض التشاريع المقارنة،[4] فان محكمة التعقيب التونسية وعلى خلاف بعض الآراء الفقهية ذهبت منذ سنة 1967 في اتجاه القول باختصاص القاضي الجزائي بالنظر في الدعوى الخاصة في صورة وفاة المتهم خلال نشر الدعوى او بعد صدور الحكم او قبل تعهد محكمة الاستئناف أو أثناء نشر القضية أمام محكمة الاستئناف وذلك بعد استدعاء ورثة الهالك.[5]

ختاما يمكن القول أن وفاة المتهم هي من الأسباب الرئيسية لانقضاء الدعوى العمومية وقد نصت على هذا السبب أغلب التشاريع في بلدان العالم أن لم نقل كلها، فتعد الوفاة حاجزا دون إثارة الدعوى العمومية أو مواصلة إجراءاتها وهو فيما عدى حالة تعدد المتهمين في الجريمة التي بوفاة احدهم لا تنقضي الدعوى في حق المشاركين كما بينت الدراسة السابقة فانه في صورة انفراد المتهم بقيامه للجريمة وحصول الوفاة بعد ذلك فان النتيجة الطبيعة في هذه الصورة هي حفظ الدعوى من قبل النيابة لعدم جدوى التتبع بوفاة المتهم.

وبنفس المعنى يمكن القول بالتالي أنه لا يمكن أن نتصور إمكانية الرجوع في قرار القاضي بحفظ الدعوى بناء على موت المتهم.

فوفاة المتهم إذا تنتهي معها أي إمكانية في إعادة التتبع من جديد ونقصد بالتتبع في هذه الحالة طبعا التتبع الجزائي ذلك أن الوفاة لا تمنع بدون شك من القيام بالدعوى المدنية ضد ورثة المتهم المتوفي للمطالبة بالتعويض.

المطلب الثاني: سقوط الدعوى العمومية بمرور الزمن(التقادم)

مرور الزمن أو تقادم الدعوى العمومية هو نظام إجرائي يترتب عليه اكتساب الحق أو انقضاءه إن لم يستعمله صاحبه خلال فترة زمنية معينة سواء في القانون المدني أو الجنائي.

ويعرف الفقه تقادم الدعوى العمومية بأنه "مضي فترة من الزمن يحددها القانون تبدأ من تاريخ ارتكاب الجريمة دون أن يتخذ خلالها إجراء من إجراءاتها."

وتأخذ جل التشريعات المقارنة بمبدأ انقضاء الدعوى العمومية عن طريق التقادم على غرار التشريع

التونسي (الفصل 4 م أ ج فقرة 2)، التشريع الفرنسي (فصل 6 م أ ج ف)، التشريع المصري (فصل15 م اج م)، التشريع اللبناني (الفصل 438 من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني) الا انه هناك بعض التشريعات التي لا تعترف بالتقادم كسبب لانقضاء الدعوى العمومية كالتشريع الانقليزي و التشريع العراقي.[6]

ويفهم من تعريف التقادم أنه مرور مدة زمنية معينة على  زمن ارتكاب الجريمة وبنقضائها تنقضي معها أي إمكانية لإثارة التتبع ومعاقبة مرتكبها بقطع النظر عن مدى خطورة مرتكبها، وعادة ما يبرر التقادم باعتبارات نفسية واجتماعية وقانونية.

 نفسانيا يقال إن المتهم قد عاش فترة من القلق طيلة أيام التقادم تضاهي ما قد يشعر به المتهم من ألم نتيجة تسليط العقوبة، أما الاعتبار الاجتماعي فهو يفسر بأنه كان من المفروض على المجتمع أن يمارس ماله من حق  التتبع مباشرة بعد ارتكاب الفعل وأن لا يتراخى في ممارسة ما له من حق.[7]

رغم وجاهة هذه المبررات إلا انه المتأمل في مفهوم التقادم وآثاره لمجرد مرور مدة زمنية معينة أمر لا يمنع من الاستغراب وبالتالي لا يمنع من التساؤل.

كيف يمكن أن يمحي الزمن إمكانية تتبع شخص ارتكب جريمة وعدم معاقبته على ما جنت يداه وجعله يتفصى من كل مسؤولية جنائية؟

انتقد أنصار المدرسة الوضعية، التقادم المسقط في الجريمة، مؤكدين أن الزمن لا يمكن أن يدفع عن المجرم طبيعته الإجرامية، بل رأت أن التقادم يشجع على الإجرام ولا يحمي المجتمع في نهاية الأمر.[8]

رغم هذه الانتقادات التي لا تخلو من الصحة إلا أن التشاريع كما رأينا لم تتردد في اعتماد التقادم لانقضاء الدعوى العمومية من ذلك المشرع الموريتاني والتونسي وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن المبرارت القانونية التي اعتمدتها هذه الأنظمة بما فيها المشرع الموريتاني لإقرار التقادم كسبب من أسباب انقضاء الدعوى العمومية؟

فإلى متى يبقى الحق قائما؟ وهل يجوز معاقبة مرتكب الجريمة على فعله مهما طال عليه الأمد؟

قد يقال إن الدعوى الجنائية لا تنقضي مهما امتد الوقت فهي تفترق عن الدعوى المدنية التي يؤدي طول السكوت عنها إلى افتراض التنازل عن الحق على أن القانون يأخذ بقاعدة انقضاء الحق في إقامة الدعوى الجنائية بالتقادم وهي قاعدة لا تبنى على قرينة تنازل النيابة العامة عن رفعها لإنها لا تملك التنازل بأية حال، وإنما على نسيان الواقعة من الجمهور بمرور الزمن.[9]

وإثراء لذلك يمكن القول أن التقادم كسبب من أسباب انقضاء الدعوى العمومية يستند إلى عدة اعتبارات، أهمها:

نسيان الجريمة، فيذهب بالقول إن مضي مدة زمنية على ارتكاب الجريمة يؤدي إلى نسيانها من المجتمع مما يفقد الرأي العام حساسيته المترتبة على وقوعها.

ضياع الأدلة، ويفيد ذلك أن مضي مدة زمنية على وقوع الجريمة يضيع معالمها ويؤدي بأدلتها، فذاكرة الشهود قد تختلط وقد يموت بعضها مما يؤدي إلى صعوبة الإثبات.

الاستقرار القانوني، يرى البعض أن مبدأ الاستقرار القانوني هو الذي يملي على المشرع التسليم بفكرة التقادم حتى لا تضطرب مصالح الأفراد بسبب تهديدهم بالدعوى الجنائية فترة طويلة وواقع الأمر أن سرعة الفصل في الدعوى الجنائية ضمان هام في الدعوى الجنائية العادلة، فلا يستقيم أن يظل سيف العقاب مسلط على المتهم فالتقادم هو تعبير عن ضرورة حسم الدعوى الجنائية في زمن معين مهما كان الأمر.

فأساس التقادم إذا هو ضرورة الإسراع في الإجراءات الجنائية تحقيقا للمصلحة الاجتماعية ومصلحة المتهم.[10]

وتجدر الإشارة أن التقادم يستوجب لقيامه جملة من الشروط وهي بالأساس المدة الزمنية التي استوجبها القانون لكل من الجريمة حتى يسري عليها التقادم وان لا يعبر في هذه المدة أي عارض من شأنه أن يقطع احتساب التقادم فإذا توفرت هذه الشروط فان التقادم ينتج آثاره القانونية.



[1] قانون الاجراءات الجنائية المصري

[2] الدكتور محمود نجيب حسني، شرح قانون الاجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، طبعة 1988، ص188

[3] حسن الصادق المرصفاوي، أصول الإجراءات الجنائية، منشأة المعارف، الاسكندرية، سنة 1964، ص194-195

[4] يراجع التشريع اللبناني على سبيل المثال، مصطفى العوجي، دروس في أصول المحاكمات الجزائية، منشورات الحلبي الحقوقية، 2002، ص42

[5] قرار تعقيبي جزائي عدد 4830 بتاريخ 25 أفريل 1967، نشرية محكمة التعقيب 1967، ص120

[6]فاطمة الورغي، الدعوى العمومية، مذكرة لنيل شهادة الماجيستير في العلوم الجنائية، 2005-2006، ص178

[7] علي كحلون، مرجع سابق، هامش ص 24

[8] علي كحلون، مرجع سابق، هامش ص 24

[9] حسن صادق المرصفاوي، مرجع سابق، ص 167-168

[10]فاطمة الورغي، الدعوى العمومية، مذكرة لنيل شهادة الماجيستير في العلوم الجنائية، 2005-2006،ص 21


من أجل تحميل هذا المقال كاملا إضغط هنا أو أسفله على الصورة


قانونك

من أجل تحميل هذا العدد الحادي عشر - إضغط هنا أو أسفله على الصورة

مجلة قانونك - العدد الثالث