الأنظمة الخاصة بالجماعات الترابية بالمغرب: مقاربة مفاهيمية - زكرياء عصفور

 

الأنظمة الخاصة بالجماعات الترابية بالمغرب: مقاربة مفاهيمية

Regulations for the territorial collectivities of Morocco: a conceptual approach

 زكرياء عصفور / طالب باحث بسلك الدكتوراه بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية القانون العام- علوم سياسية.

ZAKARIAE Ousfoure

 

مقدمة:

عرف المغرب على مدى تاريخه السياسي تجارب إصلاحية مهمة، كان في القلب منها سعيه المستمر إلى تأهيل الإدارة الترابية من أجل تحقيق النجاعة المطلوبة في تدبير شؤون البلاد. بالإضافة إلى تحسين وترسيخ مبادئ الديمقراطية التشاركية في تدبير الشأن العام، عن طريق إقرار اللامركزية كخيار استراتيجي لتحقيق الحكامة الإدارية والتنمية الشاملة. في هذا الإطار تبرز الجماعات الترابية، كإحدى أهم المرتكزات وأبرز الآليات التي راهنت عليها الدولة لتنزيل خياراتها السوسيو اقتصادية. حيث كان الهدف هو منح هذه الوحدات الترابية بنيات تدبيرية متقدمة ومتجذرة بقوة في الواقع المحلي، وذلك من أجل تحمل مهام التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بكيفية متجانسة ومتوازنة على امتداد التراب الوطني.

لقد تغيرت الوضعية الاعتبارية لهذه الجماعات تبعا لتطور النضج السياســــي للدولة المغربية، وإعادة ترتيب أولوياتها السياسية والسوسيو اقتصادية، حيث انطلق مسار التطـــوير والتغيير على هذا المستوى منذ اللحظات الأولى لحصول المغرب على الاستقلال، وتم التأسيس له مع إقرار الميثاق الجماعي ل 30 شتنبر 1976 لتتم تقويته بعد ذلك مع ما يمكن تسميته بالنصـــوص القانونية للموجة الثالثة من اللامركزية لسنتي 2002 و2009، قبل أن  يتم تأكيده أخيرا مع اعتماد اللامركزية الترابية من خلال الوثيقة الدراسة

 إشكالية الدراسة:

يعتبر مفهوم الجماعات الترابية، أحد المصطلحات القانونية الذي عرف دينامية وتطورا مهما على مستوى الدلالة القانونية في ظل الإصلاحات الإدارية والترابية التي عرفتها الإدارة الترابية بالمغرب، إذ  صار لزاما تفكيك هذ المصطلح لاستجلاء مدى مسايرته للفلسفة الجديدة للإصلاح الإداري و الترابي . في هذا السياق يجدر بنا كباحثين، مقاربة هذا المبحث القانوني مستحضرين في الجوهر منه، الإشكالية المركزية التالية:

 ما هو مفهوم الجماعات الترابية؟ وكيف تطورت أنظمتها الخاصة في ظل الاصلاحات الإدارية و الترابية التي جاء بها دستور 2011 ؟

الأسئلة فرعية:

§       ماذا نعني بالجماعات الترابية؟

§       ما هي أصنافها؟

§       كيف تطورت الأنظمة الخاصة بالجماعات الترابية بالمغرب؟ وما هي أهم المحطات التاريخية التي مرت منها؟

 

 المنهج المعتمد في البحث:

استدعينا خلال مقاربتنا لهذا المفهوم كلا من المنهجين الوصفي والتاريخي. فالأول يعمل على تقديم توصيف للظاهرة موضوع البحث بشكل دقيق ومفصل، وذلك قصد فهم العناصر المكونة لها والعوامل المتحكمة فيها وقد استحضرنا هذا المنهج خلال بحثنا من أجل التعريف بالظاهرة قصد وصفها وذلك بتقديم خصائصها ومميزاتها. بينما يسعفنا الثاني في إدراك مختلف التطورات التاريخية التي مرت عبرها الظاهرة المدروسة قبل ان تستقر على صورتها الحالية.

تصميم البحث

مقدمة:

 المبحث الاول: الجماعات الترابية المفهوم ومقتضياته القانونية

المطلب الاول: مفهوم الجماعات الترابية وانواعها

المطلب الثاني: اثار الاعتراف بالشخصية المعنوية العامة للجماعات الترابية

 المبحث الثاني: اهم المحطات البارزة التي ميزت تطور أنظمة الجماعات الترابية

المطلب الاول: ما قبل دستور 2011

المطلب الثاني: ما بعد دستور 2011.

خاتمة:

 

المبحث الأول: مفهوم الجماعات الترابية ونشأتها

يعتبر مفهوم الجماعات الترابية من أكثر المواضيع دراسة من طرف الباحثين في مجال الإدارة والحكامة الترابية، وذلك لما يحتله من مكانة بارزة في الدفع بالتنمية المجالية و تحقيق العدالة الاجتماعية، لذلك سنتطرق إلى أهم ومختلف التعاريف التي تناولت هذا المفهوم في بعده القانوني و الوظيفي.

المطلب الأول: تعريف الجماعات الترابية

تعرف الجماعات الترابية على أنها "وحدات جغرافية مقسمة في إقليم الدولة، وهي وحدات مستقلة في الولايات والمدن، وتتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وتتولى إدارة الشؤون المحلية بالأساليب المتوفرة لديها.[1] وتكون مدعمة بكل الإمكانات المتاحة من طرف السلطة المركزية، لتساعدها على ضمان التوازن السلطوي داخل اقليمها".[2] ومع ضمان استقلالية هيئاتها الإدارية والتمتع بالشخصية المعنوية وخضوعها لرقابة السلطة المركزية في إطار ما يكفله القانون.[3]

وهي نظام إداري الذي يقوم على توزيع السلطات والوظائف الإدارية بين الإدارة المركزية (الحكومة) وهيئات ووحدات إدارية أخرى إقليمية أو مصلحة مستقلة قانونيا عن الإدارة المركزية، بمقتضى اكتسابها الشخصية المعنوية مع بقاءها خاضعة لقدر معين من رقابة تلك الإدارة.[4]

وهي الشخص المعنوي العام الذي يتألف من مجموعة بشرية في إطار جغرافي معين من التراب الوطني، ويمنح القانون أو الدستور هذه الشخصية المعنوية العامة صلاحية إدارة نفسها عن طريق انتخاب ممثلين ومن خلال تسميات متنوعة وأنظمة مختلفة [5]

وتعد الجماعات الترابية "وحدات جغرافية مقسمة من إقليم الدولة، وهي عبارة عن هيئات مستقلة في الولايات والمدن والقرى، وتتولى شئون هذه الوحدات بالطرق المناسبة لها، وتتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي".[6]

فالجماعات المحلية تختلف تسمياتها من دولة إلى أخرى، فهناك من يسميها بالحكم المحلي مثل الدول الأنجلو سكسونية كبريطانيا، ومن يطلق عليها تسمية الإدارة المحلية (Administration Locales) مثل فرنسا ومستعمراتها القديمة [7].

كما أنها عبارة عامة تشير إلى كيانات تابعة لقانون الدولة العام، ويقصد بها مجموعات بشرية واقعة جغرافيا في حيز معين من الآراضي الوطنية منحتها الدولة الشخصية المعنوية وسلطة إدارة نفسها بواسطة هيئات السلطة المنتخبة، تتوافر لها موارد ذاتية ضريبية في معظمها وهي مؤهلة باعتبار فرنسا دولة منظمة تنظيما مركزيا لأن تمنحها الدولة الصلاحيات لتمارس أفضل ممارسة في مستواها من التدرج الإداري (مبدأ تفريع السلطة) [8].

وحسب الفصل 72 من الدستور الفرنسي فإن الجماعات الترابية مصطلح دستوري يقصد به شخصيات عامة ترابية لا مركزية، وكل دماعة ترابية تحدث بموجب قانون.

وأصبحت تسمى الجماعات الترابية بدل الجماعات المحلية ويتضح ذلك من خلال  الفقرة الاولى من الفصل 135 من الدستور المغربي  الذي ينص على أن  ” الجماعات الترابية للمملكة هي الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات ” و بمقتضى الفقرة الرابعة من الفصل الأول من الدستور التي تنص على أن  ” التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لامركزي يقوم على الجهوية المتقدمة” تم الاعتراف كذلك للجماعات المحلية بالكينونة الترابية، وهذا التغيير الذي حصل بنص دستوري ليس مجرد تغيير شكلي او ترف لغوي بل يؤشر في العمق على تغير في مصدر مشروعية الشأن المحلي وعلاقة هذا الأخير بسلطة الدولة .

ومجمل القول يمكن النظر إلى مفهوم الجماعات الترابية - في إطار التعديل الدستوري الأخير- كتنظيمات ترابية خاضعة للقانون العام، تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي، يتكلف فيها المنتخبون بتنفيذ مقررات مجالسها تحت وصاية وزارة الداخلية. وقد تم تغيير مصطلح الجماعات المحلية بمصطلح الجماعات الترابية، ولم يعد يتم التفريق بين الجماعات الحضرية والقروية بموجب مقتضيات دستور 2011. كما أصبح التنظيم الترابي المغربي يتألف من 12 جهة عوض 16 التي كان معمولا بها في السابق. واستنادا إلى القوانين التنظيمية المتعلقة بالجهات والعمالات والأقاليم والجماعات، فإن:

المادة 3 من القانون التنظيمي رقم 111.14 تنص على أن الجهة جماعة ترابية خاضعة للقانون العام، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، وتشكل أحد مستويات التنظيم الترابي للمملكة، باعتباره تنظيما لا مركزيا يقوم على الجهوية المتقدمة[9]. كما تشير المادة 2 من القانون التنظيمي رقم 112.14 إلى كون العمالة أو الإقليم جماعة ترابية خاضعة للقانون العام، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، وتشكل أحد مستويات التنظيم الترابي للمملكة.[10]

بينما تذهب المادة 2 من القانون التنظيمي رقم 113.14 إلى اعتبار الجماعة أحد مستويات التنظيم الترابي للمملكة، وهي جماعة ترابية خاضعة للقانون العام، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي[11].

المطلب الثاني: نشأة الجماعات الترابية بالمغرب 

في فترة ما قبل الحماية كانت الإدارة المحلية (الجماعة الترابية) تتجسد في "أجماعة" والتي كانت عبارة عن مجلس تقريري يتم انتخابه على أساس عائلي أو قبلي والذي يمثل القبيلة أو المنطقة أو الدوار الذي ينتمي إليه ، فكانت الجماعة الصغرى أثناء هذه الفترة تتكون من أرباب وآباء العائلات أما الجماعة الكبرى أي القبائل والدواوير فكانت تتكون من مجالس الأعيان والوجهاء يتم انتخابهم أو اختيارهم أو الاتفاق عليهم بالتراضي اعتبار لشخصهم ونفوذهم ولما يحضون به من قبول واحترام داخل القبيلة[12].

وفيما يخص النظام القانوني للجماعة خلال هذه المرحلة، فيمكن القول على أنه نظام أكثر ليبرالية بحيث لا يمكن على سبيل المثال لا الحصر أن نجد مقابلا دقيقا لمفهوم الممارسة بالشكل الذي تم إقراره في البناء القانوني للامركزية بشكلها المتداول حاليا فرئيس "اجماعة"[13] ، لم يكن يخضع لأية رقابة ولا وصاية مباشرة من طرف السلطة المركزية مما يعني أن الجماعة كانت تتمتع باستقلال يتجاوز الحدود العادية للامركزية التي أصبحت عليه اليوم [14].

عرفت هذه المرحلة عدة تغيرات حيث عملت سلطات الحماية على إدخال مفهوم جديد للتنظيم الجماعي، كما شرعت في وضع تشريعات في كل المجالات وعلى رأسها التنظيم الجماعي، وذلك بهدف السيطرة على مختلف المجالات والتحكم في تدبير الشؤون الوطنية والمحلية وذلك بما يخدم مصالحها الاستعمارية، وبالتالي ضبط السكان في المدن والبوادي.

ففي القرى والبوادي عمدت فيها سلطات الحماية إلى إفراغ "أجماعة" من محتواها العريق، وقلصت مهامها حتى تحولت إلى مجرد هيأة شكلية للاستشارة، يعين أعضاؤها ويرأسها قائد أو شيخ تعينه السلطة.

أما في المدن فقد قسمت إلى مدن صغرى أطلق عليها اسم المراكز المستقلة ومدن كبرى أطلق عليها اسم البلديات، في حين أنشأت مناطق إدارية وعسكرية استجابة لمتطلبات الأمن العسكري.

إن سلطات الحماية قد أبقت على الوضع التقليدي للهياكل الإدارية مع منح السلطة الفعلية لممثلي الحكومة الفرنسية (المقيم العام/ الإقامة العامة) في جميع الميادين، الأمر الذي يترتب عنه نوع من الازدواجية في مجال رقابة الوحدات الإدارية اللامركزية ، إذ أضحت الجماعات المحلية (الترابية حاليا) في هذه المرحلة تخضع لرقابة كل من السلطة المخزنية والسلطة الفرنسية وإن كانت هذه الأخيرة هي الأقوى[15].

وهكذا فقد عرفت مرحلة نهاية الاستعمار وبداية الاستقلال عهدا جديدا للتغيير والتحول، فأخذت عدة إصلاحات لم يكن الغرض منها الاعتراض على المبادئ التي كان التنظيم الإداري مبنيا على أساسها، وإنما كان الغرض من ذلك تنمية إمكانياتها التي حالت دون الاستفادة منها لتذليل الصعوبات التي كانت تعترض ذلك بما يتناسب والظروف اللامركزية دستوريا[16].

المبحث الثاني: تطور الأنظمة القانونية للجماعات الترابية

عرفت الأنظمة القانونية للجماعات الترابية تطورا مطردا، حصل نتيجة تراكم مستمر في القوانين والتشريعات المنظمة للشأن المحلي والتي غالبا ما كانت تندرج بشكل خاص في إطار إصلاح وإعادة تأهيل الإدارة الترابية. وفي هذا الإطار يمكن التمييز بين حقبتين تاريخيتين: حقبة ما قبل دستور 2011 وفترة ما بعد إقرار دستور 2011.

المطلب الاول: ما قبل دستور 2011

تعود الإرهاصات الأولى للتنظيم المحلي بالمغرب ـ كما يرى ذلك الأستاذ عبد الكريم غلاب ـ إلى عهد الحماية، من خلال ما كان يسمى بالفرع المغربي لبعض المجالس البلدية في بعض المدن يشارك في اجتماعات تسيرها السلطة للاطلاع على ما يوظف في مدينتهم من أعمال، بحيث كانوا يشاركون فيما يسمى بمجلس شورى الحكومة. وهو مجلس كان مكونا من قسمين: قسم فرنسي يمثل المؤسسات البلدية والمهنية للسكان الفرنسيين، ويدافع عن مصالح الجالية الفرنسية الاقتصادية والاجتماعية عند دراسة الميزانية السنوية للبلاد... أما القسم الثاني من مجلس شورى الحكومة الذي يرأسه المقيم العام ويسير جلساته، فيتكون من ممثلي بعض البلديات وقلة من ممثلي القسم المغربي من الغرف التجارية والصناعية والفلاحية.[17]

غداة الاستقلال عملت السلطة المركزية على مراقبة الفضاء الإداري، من أجل بسط نفوذها. حيث عملت بداية على تكسير الفضاء القبلي، بمعنى اخر عبر تكسير الجماعات الطبيعية كما وجدت على مدار التاريخ. بعد ذلك رسخت تقسيمات ترابية عملية تتماشى مع مشاريعها السياسية والإدارية والاقتصادية، بما يضمن بسط نفوذها داخل الاقاليم والعمالات. النص القاعدي الذي أسس لهذا التغيير هو الظهير الشهير 2 دجنبر 1959، بينما بقيت المؤسسة الجهوية في المرتبة الثانية حيث كان من المتوقع انتظار سنوات 1990 لكي تكون محط اهتمام خاص.[18]

لقد شهد المغرب منذ فجر الاستقلال، اهتماما متزايدا بموضوع اللامركزية، التي شرع في التأسيس لها منذ سنة 1960، بصدور ميثاق التنظيم الجماعي، و الذي اعتبر خطوة في اتجاه بناء تنظيم ترابي لا مركزي ولكن على مستوى محدود وضيق ألا وهو القرية والمدينة، حيث تميز بهيمنة المركز في إدارة الشأن المحلي وكذا قانون تنظيم مجالس العمالات والأقاليم لسنة 1963، الذي جاء على خلفية إقرار أول دستور في تاريخ المغرب بتاريخ 14 نونبر 1962، حيث سيتم دسترة مبدأ اللامركزية المحلية من خلال الفصول 93، 94 و 95 الواردة في الباب الثامن و الذي تمت عنونته بالجماعات المحلية، حيث حصر الجماعات المحلية في العمالات والاقاليم والجماعات.   في واقع الامر تميزت التجربة الجماعية التي أسس لها دستور 1962 بالمحدودية ولم تعكس فعلا ما كان متوخى من المبادئ المنصوص عليها بالفصول سالفه الذكر، حيث أن نسبة المشاركة كانت تتفاوت بين الحواضر والبوادي نظرا للمعطيات السوسيوثقافية التي كانت سائدة في المجتمع المغربي آنذاك.

في سنة 1971 ستتعزز الترسانة القانونية المتعلقة بالجماعات الترابية بصدور القانون المنظم للجهات والصادر بتنفيذه ظهير16 يونيو 1971 الذي خصص لكل جهة من الجهات السبع مجلسا جهويا باختصاصات استشارية محضة )ليست  تقريرية(، وبكتابة عامة دائمة والتي لم يتم تفعيلها عمليا، فإنه كان من الضروري بعد سنوات من التجربة توسيع صلاحيات المنتخبين، وتقليص الوصاية الممارسة من طرف الدولة على الجماعات، مما أدى إلى تبني الإصلاح الجماعي لسنة 1976. تميز هذا الإصلاح على الخصوص بصدور قانون جديد يعرف بظهير 30 شتنبر 1976، و الذي يعد حقيقة المؤسس الفعلي لمشروع اللامركزية الترابية بمفهومها الحديث، على مستوى البلديات والمجالس القروية، حيث أصبحت البلديات بمقتضى هذا القانون الجديد، كيانات تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي وبالشخصية القانونية وبمجموعة واسعة من الصلاحيات ذات الصبغة الإدارية، وكذا الاقتصادية والاجتماعية، كما صدر بذات السنة الظهير المنظم لمالية الجماعات الترابية وهيئاتها ) الظهير الشريف بمثابه قانون رقم 1. 76. 389 الصادر في 5 شوال 1396(. بيد أن هذه المرحلة لم تشهد أي تطور على مستوى مجالس العمالات والأقاليم التي ظلت طيلة هذه المدة محكومة بقانون 1963، وخلال عقد التسعينات، تم الارتقاء بالجهة إلى مؤسسات دستورية بمقتضى الفصل 94 من دستور 1992 والفصل 100 من دستور1996.
وابتداء من سنة 1997، سيعرف التنظيم اللامركزي بالمغرب تطورا نوعيا على قدر كبير من الأهمية تمثل في صدور قانون 96/43  الخاص بإحداث وتنظيم الجهات إذ ستتعزز مكانة الجماعات الترابية، من خلال تفعيل المقتضيات الدستورية المنصوص عليها في الوثيقتين الدستوريتين لسنة 1992
و 1996 حيث ستخضع بدورها للنظام المالي لظهير 30 شتنبر 1976 كما هو الشأن بالنسبة للجماعات والعمالات والاقاليم كما سيتضاعف عدد الجهات من 7 الى 16 جهة .

من جهة أخرى مكن صدور الميثاق الجماعي لسنه 2002 المتعلق بتنفيذه قانون رقم 00. 78 وما لحقها من تعديل بالقانون 17.08 سنة 2009 من إدخال أساليب جديدة في التدبير الجماعي. حيث تعززت مكانة الجماعة كفاعل سياسي واقتصادي واجتماعي، بتمكين الجماعة من آليات جديدة للحكامة المحلية، في إطار تحديث التدبير المالي للجماعات الترابية وجعل المنتخبين فاعلين اساسيين في وضع مخططات التنمية المحلية، وتمكين الجماعات المحلية من إمكانية التعاون الثنائي واعطاء رئيس المجلس الجماعي صلاحيات واسعة.

 بعد ذلك سيصدر القانــون رقم 79.00 المتعلق بتنظيم العمالات والاقاليم بالمغرب بتاريخ 03 أكتوبر 2002، وأتى بعدة مقتضيات جديدة أهمها إلغاء نظام المجموعة الحضرية وإقرار وحدة المدينة، التنصيص على نظام لحقوق ووجبات المنتخب الجماعي، زد إلى ذلك تطوير آليات التعاون والشراكة داخليا وخارجيا، كما جاء هذا الميثاق لضبط وتوسيع اختصاصات المجالس الجماعية ورؤسائها. 
وذلك لتعزيز اللامركزية، هذا بالإضافة إلى دستور 2011 الذي عزز بدوره وبشكل كبير هذا التنظيم في العديد من فصوله، بل أكثر من ذلك فقد خصص بابا تحت عنوان "الجهة والجماعات الترابية الأخرى".

المطلب الثاني: ما بعد دستور 2011:

احتلت الجماعات الترابية مكانة متميزة داخل الوثيقة الدستورية لسنة 2011 حيث يمكن أن نلاحظ ان المشرع قد أفرد لها بابا من الدستور خاصا بها وهو الباب التاسع (من الفصل 135الى الفصل 146) اضافة الى بعض الفصول المبثوثة في ثنايا الدستور والتي تطرق بشكل او باخر مواضيع ذات صلة بالجماعات الترابية.

الفصل 1. التأكيد على الطابع اللامركزي للتنظيم الترابي للمملكة.

الفصل 27. الحق في الحصول على المعلومة لدى الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.

الفصل 31. تعبئة الجماعات الترابية الى جانب الدولة والمؤسسات العمومية بكل الوسائل التامة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين من بعض الحقوق الأساسية (الصحة والتعليم...)

الفصل 63. تمثيل الجماعات الترابية في مجلس المستشارين.

الفصل 71. إدراج نظام الجماعات الترابية ومبادئ تحديد وازها الترابية ونظامها الانتخابي.

الفصل 78. إيداع مشاريع القوانين المتعلقة بالجماعات الترابية وبالتنمية الجهوية بالأسبقية لدى مجلس المستشارين.

الفصل 84. تصويت مجلس النواب نهائيا وبالأغلبية المطلقة لأعضائه الحاضرين على مشاريع القوانين المتعلقة بالجماعات الترابية والتنمية الجهوية.

الفصل 85. مصادقة مجلس النواب النهائية على مشاريع القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية بأغلبية اعضائه.

الفصل 149. تخويل المجالس الجهوية للحسابات مهمة مراقبة حساب الجهات والجماعات الترابية الاخرى وهياتها وكيفية قيامها بتدبير شؤونها.

في واقع الأمر لقد رسخ دستور 2011 لامركزية حقيقيــــة من خلال تخويل الجماعات الترابيـــــة (الجماعات الأقاليم والعـــــــمالات والجهات (آليات ووسائل مكنتـــــها من لعـــــب أدوار مركزية فـــــــي التنمية المحلية. إذ بتاريخ 20 فبراير من عام 2015 سيصدر مرسوم يتم بمـــــــوجبه تحديد عدد الجهات في 12 عوضا عن 16 جهة كما تم في شهر يوليوز من نفس السنـــــــة اعتماد القوانين التنظيمية رقم 111.14 و112.14 و113.14 المتعلقــــــة تباعا بالجهات والعمالات والأقاليـــــــم والجماعات [19].

تضمنت القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية مستجدات مهمة لمسايرة مقتضيات دستور 2011...ويمكن تقسيم هذه المقتضيات والمبادئ الجديدة الى مبادئ ومقتضيات عامة تخص الجهة والجماعات الترابية الاخرى ومقتضيات تخص كل صنف من الجماعات الترابية على حدة.

الفقرة الأولى: المبادئ والمقتضيات الجديدة والمشتركة بين مشاريع القوانين التنظيمية في ظل دستور 2011

1ـمبدأ التدبير الحر من خلال تخويل مجالس الجماعات الترابية في حدود اختصاصاتها سلطة التداول بكيفية ديمقراطية وسلطة تنفيذ مداولاتها ومقرراتها طبقا للقوانين والانظمة الجاري بها العمل.

2ـ مبدا التعاون والتضامن حيث أن التنظيم الجهوي يرتكز على مبدأي التعاون والتضامن بين الجهات وبينها وبين الجماعات الترابية الأخرى.

3ـ مبدأ التفريع كأساس لتوزيع الاختصاصات وذلك طبقا للفقرة 1من الفصل 140من الدستور أي تنص على أن الجماعات الترابية وبناء على مبدأ التفريع اختصاصات ذاتية وأخرى مشتركة مع الدولة وأخرى منقولة اليها من هذه الأخيرة.

4ـ ممارسة السلطة التنظيمية من طرف رئيس المجلس بموجب مقررات بعد مداولات مجلس الجهة وباقي مجالس الجماعات الترابية كما ينص على ذلك الفصل 140 في فقرته 2 من الدستور تتوفر الجهات والجماعات الترابية الأخرى في مجالات اختصاصاتها وداخل دائرتها الترابية على سلطة تنظيمية لممارسة صلاحياتها[20].



1- عبد الرزاق إبراهيم الشيخلي، الإدارة المحلية دراسة مقارنة، دار وائل للنشر، الأردن: ، 2001، ص25.

[2] "la décentralisation des collectivité territoriales », service de presse de l’ambassade de France à vienne, Autriche, (mars 2011), p.5.

[3] عبد الله ولد سيد احمد فال، دور الأدارة المحلية في تسيير الخدمات العامة، مذكرة ماجستير جامعة بسكرة: كلية العلوم الاقتصادية والتسيير، (2005/2006) ص48.

[4] بن شعيب نصر الدين، شريف مصطفى، "الجماعات الإقليمية ومفارقات التنمية المحلية في الجزائر"، مجلة الباحث، عدد.10/2012 ص161.

[5] إبراهيم النجار، القاموس القانوني الجديد، مكتبة لبنان، بيروت 2009، ص 137.

[6]   لخضر مرغاد، "الإيرادات العامة للجماعات المحلية في الجزائر"، مجلة العلوم الإنسانية، عدد 7، 2005، ص22.

[7] عثمان عزيزي، دور الجماعات المحلية والمجتمعات المحلية في التسيير والتنمية، مذكرة ماجستير) جامعة خنشلة: كلية علوم الارض والجغرافيا والتهيئة العمرانية 2008 ص 25.

[8] معجم المصطلحات القانونية منشورات دالوز أنطوان 2010.

[9]  ظهير شريف رقم 1.15.83صادر في 20من رمضان 1436/7يوليوز2015 بتنفيذ القانون التنظيمي المتعلق بالجهات ص6586.

[10] ظهير شريف رقم 1.15.84 الصادر في 20من رمضان 1436/7يوليوز 2015بتنفيذ القانون التظيمي رقم 112.14المتعلق بالعمالات والاقاليم.

[11] ظهير شريف رقم 1.15.85 صادرفي 20من رمضان 1436/7يوليوز 2015 بتفيذ القانون التنظيمي رقم113.14 المتعلق بالجماعات.

[12] المهدي بنمير: الجماعات المحلية ومسألة التنمية المحلية سلسلة اللامركزية والجماعات المحلية المطبعة والوراقة الوطنية ط1995ص76

[13]  كان ان آذاك رئيس الجماعة يلقب بأمغار وهو شيخ القبيلة المعين عادة لمدة سنة أنظر الجماعات المحلية منشورات مركز التوثيق للجماعات المحلية2003، المديرية العامة للجماعات المحلية ،وزارة الداخلية المملكة المغربية ص:12

[14] Said balbachir « administration locale au Maroc » p13

[15] أنوار أحمد رسلان،" التنظيم الجماعي الجديد " مطبعة النجاح، الدار البيضاء، ط. 1977، ص40.

[16] مليكة الصروخ: "القانون الإداري ، دراسة مقارنة " مطبعة النجاح، الدار البيضاء ، الطبعة السابعة ، 2010 ، ص:106.

 

[17] ـ غلاب عبد الكريم، 100 سنة من النضال الديمقراطي التطور الدستوري والنيابي في المغرب 1908 ـ 2011 مطبعة المعارف الجديدة/الرباط 2012 ص 239.

[18] - Aboughazi Abdelmajid، Les institutions politiques et administratives, édition Almaarifa Marrakech,2004, page 69.

[19] AL MALIYA - revue quadrimestrielle du ministère de l’économie et des finances N59 décembre 2015 page 3

[20] ـwww.pjdgroupe.ma القوانين التنظيمية الخاصة بالجماعات الترابية و رهان تنزيل الجهوية المتقدمة ـ 2015، صفحة 25.


من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله على الصورة

قانونك


من أجل تحميل هذا العدد العاشر -إضغط هنا أو أسفله على الصورة

مجلة قانونك - العدد الثالث

إرسال تعليق

0 تعليقات