قرار حفظ الدعوى العمومية في التشريع الموريتاني والمقارن - الشيخ سيداتي أحمدو أحمد مولود

 

قرار حفظ الدعوى العمومية في التشريع الموريتاني والمقارن

La décision d'ouvrir le dossier public en droit mauritanien et comparé

 الشيخ سيداتي أحمدو أحمد مولود / أستاذ القانون الجنائي بكلة الشريعة جامعة العلوم الإسلامية بلعيون، مدير مركز البحوث والدراسات بكلية الشريعة جامعة العلوم الإسلامية بلعيون –موريتانيا.

Cheikh Sayidati, Ahmadu Ahmad Maloud

 


لقد أصبح من المبادئ الراسخة في أغلبية المجتمعات أن الجريمة تخل بأمن المجتمع واستقراره وتستوجب ملاحقة من ارتكبها وإنزال الجزاء به، وإذا كانت الملاحقة والعقاب قد تولاها في العقود القديمة الشخص الذي وقعت عليه الجريمة عن طريق الثأر بنفسه من الذي اعتدى عليه، فإن الدولة أمست بعد أن قامت مقوماتها وقوى سلطانها تتدخل في الملاحقة والمحاكمة والاقتصاص من المجرم عبر السلطة القضائية المختصة.[1]

ونتيجة لذلك فإن كل جريمة تنشأ عنها دعوى عمومية تتولاها النيابة العمومية باعتبارها ممثلة للحق العام، كما قد تنشأ عنها دعوى مدنية في حالة وجود متضرر، ووصفت الدعوى بالعمومية لأنها تقام باسم المجتمع ولصالحه ذلك أنها تهدف إلى ردع الخطورة التي تكمن داخل المجرم والتي انعكست في فعل إجرامي.

والدعوى العمومية بوجه خاص قد عرفها البعض بأنها "وسيلة الدولة في اقتضاء حقها في عقاب المتهم الذي ثبت ارتكابه للجريمة". فالدعوى العمومية بالتالي هي السلطة المخولة للنيابة العامة نيابة عن المجتمع ولمصلحته في الالتجاء للقضاء للوصول إلى إثبات وجود فعل إجرامي معاقب عليه وإقامة الدليل على مرتكبه وتوقيع العقوبة المقررة له قانونا، ومن خلال هذا التعريف يتضح أن للدعوى العمومية خاصيتان، الأولى أنها عامة مثلما سبق ذكره والثانية أنها غير معلقة على شرط.[2]

وتتمتع النيابة العامة بصلاحيات هامة بخصوص الدعوى العمومية وذلك نابع من كونها تمثل الهيئة الاجتماعية في الحفاظ على النظام العام والعمل على تطبيق القانون تطبيقا سليما[3].

وبناء على ذلك يكون لهذا الجهاز بعد قيامه بإجراءات البحث الأولي في الجريمة إثارة الدعوى أو حفظها[4]،  ويتبين من ذلك أن وكيل الجمهورية لا يلزم بالتتبع في جميع الصور فهو مخير بعد إكمال الأبحاث إما بإحالة الدعوى على المحكمة أو قضاء التحقيق أو حفظ الدعوى وفقا لملابسات وظروف كل قضية، فإذا ظهر له أن الأبحاث الأولية لم تكتمل يمكنه إرجاع المحضر لزيادة البحث وإذا ظهر له أن الموضوع سبق البحث فيه فيمكن له حفظ الدعوى لسبق البحث وإذا ظهر أن الموضوع قد اتصل به القضاء حفظ المحضر لاتصال القضاء في موضوعه ويحفظ المحضر أيضا إذا كانت الحجة غير كافيه أو إذا تبين أنه لا جريمة في الموضوع.

وما يمكن ملاحظته أنه لا يوجد في قانون الإجراءات الجنائية الموريتاني[5] تعريف لحفظ الدعوى العمومية وإنما اقتصرت بعض مواده على استعمال هذا المصطلح وقد ذهب البعض إلى تعريف قرار الحفظ بأنه " إجراء إداري تصدره النيابة العامة بناء على محضر جمع الاستدلالات (المعلومات ) بمقتضاه تعدل النيابة العمومية عن توجيه الاتهام ورفع الدعوى نظرا لعدم صلاحيتها للسير فيها".[6]

وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يحدد المعايير التي يجب أخذها لحفظ القضية كما أن القضاء لا يراقب تلك المعايير التي يؤسس عليها وكيل الجمهورية قرار الحفظ، إلا أنه يمكن القول أن هذا الأخير بوصفه ممثلا للمجتمع لا يستوجب عليه تتبع كل الجناة لا سيما أن علم الجريمة قد اثبت أن التصدي للظّاهرة الإجرامية لا يتطلب بالضرورة اللجوء إلى الردع العام والردع الخاص بقدر ما يتطلب العمل على إصلاح المجرم بتفرده بالعقوبة أو التدبير المناسب لشخصيته وإن لزم الأمر إعفاءه من الخضوع لآلة العقاب الجنائي خاصة إذا ما كان مبتدئا.

ومن هنا فإنه يمكن لوكيل الجمهورية أن يعتمد عند اتخاذه قرار الحفظ على عنصرين هما الاضطراب الاجتماعي الناشئ عن الجريمة وشخصية الجاني من ناحية أخرى.[7] والحفظ قد يعتبر تكريسا لمبدأ الملائمة الممنوح للنيابة العامة[8] فتتخذ هذه الأخيرة قرار الحفظ إذا تبين لها أنه لا فائدة تحصل للمجتمع من التتبع أو أن الفائدة المرجوة قليلة مقارنة بحجم ما قد يترتب عن تحريك الدعوى العمومية.

وإذا كان عدم وجاهة التتبع وعدم كفاية الأدلة هي من الأسباب الموضوعية لحفظ الدعوى العمومية التي تكون فيها النيابة مخيرة في الحفظ على أساسها من عدمه، فإن الأسباب القانونية للحفظ والمنصوص عليها صراحة في القانون تجعل النيابة ملزمة باتخاذ هذا القرار دون أن تكون لها سلطة تقديرية فإذا توفر مثلا سبب من أسباب انقضاء الدعوى العمومية[9] فليس لها إلا حفظ الدعوى العمومية.

يتبين من خلال ما تقدم أنه من المسلم به تشريعا  وقضاء أن للنيابة العمومية سلطة تقديرية في تكييف التتبعات واختيار الوقت المناسب لتحريك الدعوى العمومية وهو ما يمكن معه القول أنها تتحكم في مآل الدعوى الجزائية طالما بيدها تحريكها أو حفظها بحرية وبناء على اجتهادها كما نص القانون على ذلك[10]، كما تمتلك من جهة أخرى حق العدول عن قرار الحفظ الصادر عنها وتحريك الدعوى من جديد. وهو ما يدفع إلى طرح الإشكال التالي والمتمثل في ضرورة معرفة الأسس التي تستند عليها النيابة العامة عند اتخاذها لقرار الحفظ الصادر عنها والذي يمكنها دائما الرجوع عنه؟

يعتبر قرار الحفظ إعمالا لمبدأ ملائمة التتبع الذي تمتلكه النيابة العامة انطلاقا من التشريع الموريتاني وبعض التشريعات المقارنة(المبحث الأول) الأمر الذي يجعلنا نبحث في طبيعة هذا القرار والآثار المترتبة عنه (المبحث الثاني).

المبحث الأول: قرار الحفظ إعمال لمبدأ ملاءمة التتبع

 إن ما يميز هذا المبدأ أنه يبرر إمكانية العدول عن قرار الحفظ سواء تعلق الأمر بمفهومه (المطلب الأول) أو بأبعاده (المطلب الثاني). 

المطلب الأول: مفهوم مبدأ ملاءمة التتبع

أ‌)       تعريفه

تجدر الإشارة في البداية إلى ضرورة بيان الاختلاف بين كل من مبدأ الملائمة ومبدأ الشرعية، ذلك أن  هذا الأخير يفيد في مفهومه أن النيابة العامة تثير الدعوى عن المجتمع  المالك الأصلي للدعوى وهذا يعني أنها لا يمكنها تجاوز إرادة الأصيل، أي المجتمع أو التساهل أو التغافل على تنفيذ إرادته، وإلاّ كان عملها باطلا.



[1] ايهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، المصدر القومي للإصدارات القانونية، الطبعة الأولى، 2008.ص1

[2]  عوض محمد عوض، المبادئ العامة في قانون الإجراءات الجنائية، دار المطبوعات الجامعية، بدون ذكر سنة النشر، ص21.

[3] المادة 29 من قانون الإجراءات الجنائية الموريتاني "يسهر المدعي العام لدي الحكمة العليا على تطبيق القانون الجنائي على عموم التراب الوطني.

ولهذا الغرض يوجه إليه المدعون العامون لدى محاكم الاستئناف كل شهرين كشفا عن القضاي الداخلة في دائرة اختصاصهم".

[4] الفقرة الأولى من المادة 36 من قانون الإجراءات الجنائية الموريتاني" يتلقى وكيل الجمهورية البلاغات والشكاوى والمحاضر ويتخذ في شأنها ما يراه ملائما".

[5]  أي الأمر القانوني رقم 83/ 163 الصادر بتاريخ 9 يوليو 1983 المتضمن قانون الإجراءات الجنائية المعدل بالأمر القانوني رقم 2007 / 036. (ق. إ. ج)

[6]  مامون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية معلق عليه بالفقه وإحكام النقض، دار الفكر العربي، القاهرة ، 1980 ص 293

[7] محمد المحرزي عبو،  وكيل الجمهورية في المادة الجزائية، مذكرة لنيل شهادة الدراسات المعمقة في العلوم الجنائية، 1997 – 1998 ص 105 كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس .

[8]  الفقرة الأولى من الماد 36 من ق. إ. ج.

[9] نص المشرع الموريتناي على أسباب انقضاء الدعوى العمومية في المادة 6 من ق. إ. ج، وهي أسباب تنقسم إلى عامة وخاصة.

[10] الفقرة الثانية من المادة 36 من  ق. إ ج



من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله على الصورة

قانونك


من أجل تحميل هذا العدد التاسع -إضغط هنا أو أسفله على الصورة

مجلة قانونك - العدد الثالث

إرسال تعليق

1 تعليقات

‏قال Asmae
شكرا جزيلا على هذا معلومات الدكتور محمد أمين 😊