الإشكالات
القانونية والقضائية لإثارة صعوبات تنفيذ الأحكام المدنية
Legal and judicial problems to raise difficulties in
implementing civil judgments
أيوب
العميري/ خريج ماستر القانون الإجرائي وطرق تنفيذ الأحكام
Ayoube ELOMARY
مقدمة
لا يخفى عنا أن الحماية القضائية
للحقوق لا تكتمل بمجرد صدور الأحكام " الحماية القضائية " بل تظل هذه
الحماية رهينة بتحقيق شقها الثاني " الحماية التنفيذية" والتي تؤدي الى
ترجمة منطوق الحكم الى الواقع الخارجي ليصبح موافقا له، وهذا ما كرسه الدستور
المغربي لسنة 2011 على أنه " يجب على الجميع احترام الأحكام النهائية الصادرة
عن القضاء يجب على السلطات العمومية تقديم المساعدة على تنفيذ الأحكام."
والتنفيذ هو مجرد نشاط إنساني وهو
الوسيلة التي يتم بها تسيير الواقع على الشكل الذي يتطلبه القانون ويعتمد فيه
أساسا على السلوك الاختياري للفرد، فإن لم يتحقق تم اللجوء الى التنفيذ القضائي
الذي تقوم به الأجهزة القضائية بمختلف وسائل الإجبار التي يتوفر عليها الدولة.[1]
وبذلك يظهر جليا أن لا فائدة ولا
جدوى من صدور حكم دون تنفيذه، فالتنفيذ يعتبر أهم مرحلة من مراحل التقاضي وأعقده،[2]
فبدون التنفيذ لا تكون لمهمة القضاء أية قيمة، كما أنه لا يحقق الغاية المثلى التي
أسست من أجلها السلطة القضائية كإحدى السلطات التي تقوم عليها الدولة الحديثة.[3]
كما هو معلوم أن تنفيذ الأحكام لا
يمر دائما بالسهولة المتوخاة، وإنما تعترضه كثير من الصعوبات يثيرها في بعض
الأحيان طالب التنفيذ نفسه، وفي كثير من الأحيان المنفذ عليه وفي أحيان أخرى أشخاص
لا علاقة لهم بالحكم الذي يجري تنفيذه.[4]
إذن فموضوع الصعوبة في التنفيذ كان
ولا زال يثير مجموعة من التساؤلات الخلافية بين مختلف رجال القانون ، وقد لا نجد
موضوعا قانونيا أسال من المداد مثلما أساله موضوع الصعوبة من خلال مناقشة الفصول
482 و468 و436 و26 و149 من قانون المسطرة المدنية ولعل السبب في ذلك يعزى الى
الغموض والخلل أحيانا في صياغة النص القانوني المؤطر للصعوبة التنفيذ مما أدى هذا
الغموض الى تناقض وتضارب على المستوى العمل القضائي.[5]
وعلى ضوء قراءة هذه النصوص المؤطرة
لصعوبة التنفيذ سنحاول معرفة مفهوم صعوبات التنفيذ وأنواعها وأشخاص المسموح لهم
بإثارة هذه الصعوبة والجهة المختصة بالبث فيها، مع التطرق للمشاكل القانونية
المرتبطة بصياغة المقتضيات الخاصة بصعوبات التنفيذ.
لذلك سنحاول الإجابة على هذه
الإشكالات المطروحة عن طريق مبحثين رئيسيين.
المبحث الأول: النظام القانوني للصعوبات التنفيذ
المبحث الثاني: القواعد الإجرائية
لصعوبات التنفيذ
المبحث الأول: النظام القانوني
للصعوبات التنفيذ
مما لا شك فيه أن صعوبة التنفيذ
تقتضي بالضرورة الوقوف على العوارض القانونية، ذلك أن طريق التنفيذ لا يكون دائما
سهلا، بل العكس تعترضه مجموعة من الصعوبات و العراقيل في سبيل الوصول الى الغاية
من السند التنفيذي وإرجاع الحقوق الى أصلها بغية نشر الطمأنينة، وإقامة العدل بين
المتقاضين.
ويظل التنفيذ الخطر المحدق الذي يهدد استخلاص
الحقوق المستندة على سند قابل للتنفيذ يضاف الى ذلك محدودية وهشاشة التنظيم
التشريعي لمؤسسة صعوبة التنفيذ وهو ما يجعل ثغرة في منظومتنا القانونية والقضائية.
من هنا سنحاول أولا قبل الغوص في
الموضوع الوقوف على مفهوم وخصائص صعوبات التنفيذ وطبيعتها القانونية تم التعرف على
أنواع هذه الصعوبات.
المطلب الأول : الإطار العام للصعوبات التنفيذ
سنحاول من خلال هذا المطلب أن نقف
عند مفهوم صعوبة التنفيذ وخصائصها هذا بالإضافة الى طبيعة صعوبة التنفيذ.
الفقرة الأولى : مفهوم صعوبة التنفيذ وخصائصها
من المعلوم أن المشرع المغربي لم
يعطي تعريفا دقيقا للصعوبة في التنفيذ وإنما اكتفى بالتنصيص عليها في الفصول 26 و
149 و 436 من قانون المسطرة المدنية وبالنسبة للفقه فقد اختلف حول تعريفها اختلافا
بينا، فقد عرفها بعض الفقه بأنها منازعة يسعى من خلالها المطلوب في التنفيذ إلى
منعه أو الحيلولة دون الاستمرار فيه، وقد يكون طالب التنفيذ هو نفسه مثير، كما تم
تعريفها بأنها منازعات متعلقة بالتنفيذ الجبري أي منصبة على إجراءاته أو متعلقة
بسير التنفيذ أو مؤثرة فيه، وترتيبا على ذلك يجب أن يكون الحكم الصادر في المنازعة
متعلقا بصحة أو بطلان إجراء من إجراءات التنفيذ أو منصبا عليه أو مؤثرا فيه أو
لكون الحكم مؤثرا في سير التنفيذ من حيث صحته أو بطلانه أو إيقافه أو الإستمرار
فيه، أما المنازعة التي لا تمس إجراء من إجراءات التنفيذ ولا هي تمس بسيره، فلا
تعتبر منازعة في التنفيذ.[6]
كما عرفها الأستاذ الطيب برادة
بأنها " الاجراءات التي يمكن إثارتها عندما يقدم مأمور الإجراءات على تنفيذ
حكم أم سند قابل للتنفيذ، من طرف الدائن أو أشخاص آخرين أو الشخص المحكوم عليه
بسبب من الأسباب القانونية أو الواقعية والتي تتعلق إما بالجوهر أو الشكل."[7]
وتعد في نظر البعض بأنها تلك
العوارض التي تثار أثناء عملية التنفيذ أمام جهة قضائية مختصة من أجل إتخاذ تدبير
وقتي ويتمثل في غالب الأمر بوقف التنفيذ أو تأجيله دون الوصول إلى حد المساس بحجية
الأمر المقضي به."[8]
وقيل بأن صعوبات التنفيذ هي
النزاعات التي يثيرها الأطراف أو الغير قبل التنفيذ أو التي يثيرها الأطراف أو
الغير أثناء التنفيذ تتعلق بإجراءات ووقائع حدثت بعد صدور الحكم، بحيث لو صحت
لأثرثر في التنفيذ ونتج عنه إيقافه أو تأجيله.[9]
وبناءا على ما تقدم يمكن القول بأن
منازعات التنفيذ هي كل عارض واقعي أو قانوني يعترض إجراءات التنفيذ الجبري ويؤثر
على سيره وذلك بإيقافه أو تأجيله أو الإستمرار فيه.
ومن خلال التعاريف التي سبقت
الإشارة إليها، والتي حاول الفقه من خلالها توضيح المقصود من صعوبة التنفيذ، يتضح
أن هذه الأخيرة تتميز بخاصيتين أساسيتين : ويتعلق الأمر بكون مرحلة ما بعد صدور
الحكم، وقيام الصعوبة على وقائع وأسباب لاحقة.
أ-
صعوبة التنفيذ مرحلة ما بعد صدور
الحكم
كما هو معلوم على أن صعوبة في
التنفيذ ترفع قبل البدء في عملية التنفيذ أو أثناء التنفيذ أو بعده، وهذا يعني أن
الصعوبة في التنفيذ تتعلق بمرحلة ما بعد صدور الحكم، ولا تطرح على الجهة المختصة
بالنظر في دعوى الصعوبة الا ما تعلق بهذه المرحلة حيث أن كل ما سبق الحسم فيه بحكم
لا يمكن إعادة طرحه عن طريق إثارة الصعوبة في تنفيذ ذلك الحكم.[10]
المرحلة الأول، وهي التي أشار
إليها الفصل 149 من ق م م زتنشر أمام قاضي
الأمور المستعجلة وهذا يعني أن مادام الحكم كان قابلا للتنفيذ فمن حق المدين أن
يطالب بحماية هذا الحق، وهذا ما أكده الفصل 149 من ق م م أن رئيس المحكمة يختص
كلما توفر عنصر الاستعجال في الصعوبة المتعلقة بتنفيذ الحكم أو سند قابل للتنفيذ.
المرحلة الثانية: هذه الصعوبة تثار
بمقتضى الفصل 436 من قانون المسطرة المدنية ويمكن إثارتها من الطرفين أو الغير
وتحال هذه الصعوبة على الرئيس من لدن المنفذ له أو المحكوم عليه أو العون المكلف
بتبليغ أو تنفيذ الحكم القضائي،[11]
وبهذا يأمر الرئيس إما بإيقاف التنفيذ أو تأجيله وإما بالتصريح بعدم وجودها ويأمر
بمواصلته .
أما بخصوص مرحلة ما بعد التنفيذ،
فإن المتضرر منه لا يملك سوى مراجعة قضاء الموضوع للمطالبة ببطلان اجراءات التنفيذ
التي تمت، لكن الإشكال هو انه يمكن أن يقدم الطلب الى المحكمة قبل إتمام التنفيذ
ويتم هذا الأخير قبل أن يصدر الحكم في الصعوبة، يرى البعض في هذا الاشكال أنه يجب
البت في الطلب بالإلغاء أو الاستمرار في التنفيذ وأن إعادة الحالة إلى ما كانت
عليه كفيلة بإزالة كل آثار التنفيذ التي اتخذت من قبل.[12]
ب- قيام
الصعوبة على وقائع وأسباب لاحقة:
إن الصعوبة في التنفيذ ليست طعنا
في الحكم كما سيأتي بيانه في حينه، وبالتالي فهي لا تنشر أمام القضاء المختص نفس
النزاع الذي سبق الفصل فيه من طرف محاكم الموضوع لأن القول بغير ذلك قد يؤدي إلى
المساس بحجيته الحكم المستشكل فيه موضوعا وأطرافا وسببا، ولهذا فعلى مثير الصعوبة
الاستناد في إشكاله على وقائع وأسباب لاحقة لصدور الحكم وإذا تبين للجهة القضائية
المختصة أن مبنى الصعوبة سابق على صدور الحكم المستشكل فيه، يعين عليها التصريح
بعدم وجود الصعوبة والأمر تبعا لذلك برفض طلب إيقاع التنفيذ لكون ما عرض عليها
الخوض في موضوع سبق الحسم فيه من طرف محاكم الموضوع صراحة أو ضمنيا.[13]
الفقرة الثانية: طبيعة صعوبة التنفيذ
تعتبر الطبيعة القانونية لصعوبات
التنفيذ من المسائل التي وجد الفقه نفسه أمام خلط ومزج بشأنها، حيث ذهب البعض الى
أن الصعوبة التنفيذ تعد وسيلة منحها القانون لتعزيز مركز المنفذ عليه في مواجهة
المنفذ له الحائز لحكم قضائي يتمتع بالسند التنفيذي،[14]
إلا أن رأيا فقهيا آخر رد على هذا الرأي على اعتبار أن طبيعة الصعوبة ما هي إلا
دعوى عادية ترمي إلى الحصول على حكم بمضمون معين.
وفي هذا الصدد يذهب ذ إبراهيم
بحماني إلى أن طبيعة المنازعات في التنفيذ إنما تنتج عن سند التنفيذ نفسه، فهي
تتعلق بمحل سند التنفيذ عندما يكون غير واضح ومحدد، أو بأطراف سند التنفيذ عندما
يكون غير شامل لجميع أطراف النزاع،أو ماسا بحقوق الغير الذي لم يمثل في السند
التنفيذ أو تتعلق بعيب يشوب السند نفسه لعدم توفره على جميع البيانات اللازمة أو
استيفائه للإجراءات التي تجعله قابلا
للتنفيذ، وهو الأمر الذي يفسر إجازة المشرع للأطراف أو للغير بإثارة صعوبات
التنفيذ.[15]
المطلب الثاني: أنواع صعوبات التنفيذ
لقد نظم المشرع المغربي صعوبات
تنفيذ الأحكام بسن الفصول 26 . 149 . 436 . 468 . 482 . 491 من قانون المسطرة
المدنية المغربي، ويميز عادة بين الصعوبات الوقتية التي لا تمس جوهر النزاع
(الفقرة الأولى) والصعوبات الموضوعية التي تعرض أمام المحكمة المصدرة للحكم
المعترض على تنفيذه (الفقرة الثانية).
[1] - عبد العزيز حضري، المسطرة
المدنية، دون ذكر المطبعة، الطبعة سنة 2013 ص 89
[2] - نورالدين الشطويطي، التنفيذ
المدني وإشكالاته، دون ذكر الطبعة والمطبعة ص 4
[3] - مروان الباز، " التنفيذ
الجبري للأحكام المدنية،" مجلة الممارس للدراسات القانونية والقضائية،"
عدد خاص ، 2019 ص 11
[4] - عبدالله الشرقاوي، " صعوبات
تنفيذ الأحكام والقرارات، مجلة القضاء والقانون،
يوليوز 1978 – العدد 128 - 24
[5] - صلاح الدين الزياني، دعوى
الصعوبة في التنفيذ بين غموض النص وعدم استقرار العمل القضائي، مجلة محكمة
الاستئناف ، الدار البيضاء – العدد 3، السنة 2013 ص 125
[6] - مدحت محمد حسنين، دعاوى التنفيذ
الوقتية المستعجلة الموضوعية، مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية، الطبعة الأولى 1999 ،
ص ، 43
[7] - الطيب برادة، " التنفيذ
الجبري للأحكام في التشريع المغربي،" ص 411
[8] - أحمد النويضي،" القضاء
المغربي وإشكالات التنفيذ الجبري للأحكام، الطبعة الأولى، مطبعة الكتاب، فاس ص 33
[9] - رشيد العراقي، " اتجاهات في
العمل القضائي الاستعجالي، مجلة الملحق القضائي عدد 15 أكتوبر 1985 ص 21
[10] - ذ محمد بولمان، بعض ملامح
الصعوبة في الأحكام، مجلة الإشعاع، العدد 12 منشور على الموقع الإلكتروني www.droitetenttreprise.org
[11] - راجع الفصل 436 من قانون المسطرة
المدنية
[12] - عمر أزوكار، بعض مظاهر صعوبة التنفيذ وطرق معالجتها من طرف
القضاء، جريدة الاتحاد الاشتراكي، العدد 6625 بتاريخ 30/09/2001 ص 12 منشور على
الموقع الإلكتروني www . droitetentreorise.org
[13] - الشرقاوي الغزواني نورالدين،
الصعوبة في تنفيذ الأحكام المدنية والزجرية، مجلة المحامي، العدد 23 و24 ص 1 وما
بعدها
[14] - فتحي والي، التنفيذ وفق لمجموعة
المرافعات المدنية والتجارية وقانون الحجز الإداري، 1981 دار النهضة العربية
الطبعة الثالثة، ص 530
[15] إبراهيم بحماني، تنفيذ الأحكام العقارية، دراسة قانونية في التبليغ
والتنفيذ معززة بالفقه والإجتهاد القضائي، مطبعة النجاح الجديدة، 2001 ص 160

