النيابة العامة والعقوبات البديلة: دراسة حول آليات تفعيل مقتضيات القانون رقم 43.22 - مروان العماري



النيابة العامة والعقوبات البديلة: دراسة حول آليات تفعيل مقتضيات القانون رقم 43.22

مروان العماري

خريج سلك ماستر قانون الشغل والحماية الاجتماعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة

 

Public Prosecution and Alternative Sanctions: A Study on the Mechanisms for Implementing the Provisions of Law No. 43.22

Ahmed EL MALIKI

 

تلخيص

يتناول هذا البحث دور النيابة العامة في تفعيل المقتضيات القانونية المنظمة للعقوبات البديلة في ضوء القانون رقم 43.22، الذي جاء استجابة للتوجهات الحديثة للسياسة الجنائية الرامية إلى الحد من الآثار السلبية للعقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة وتعزيز فرص إعادة الإدماج. وقد تم الوقوف على مفهوم العقوبات البديلة وأنواعها وشروط تطبيقها، مع إبراز الاختصاصات التي خولها المشرع للنيابة العامة في مختلف مراحل إعمالها.

كما تناول البحث دور النيابة العامة في اقتراح العقوبات البديلة وإبداء الرأي بشأنها أثناء المحاكمة، وممارسة حق الطعن في الأحكام المتعلقة بها، فضلاً عن صلاحياتها في مراقبة وتتبع تنفيذها والتدخل عند الإخلال بمقتضياتها أو عند انتهاء تنفيذها. وخلص البحث إلى أن النيابة العامة تضطلع بدور محوري في ضمان حسن تنزيل نظام العقوبات البديلة وتحقيق أهدافه الإصلاحية والوقائية.

 

Abstract

This research examines the role of the Public Prosecution Service in implementing the legal provisions governing alternative sanctions under Law No. 43.22, which was enacted in response to modern criminal policy trends aimed at reducing the negative effects of short-term custodial sentences and enhancing opportunities for offenders’ reintegration into society. The study explores the concept of alternative sanctions, their different forms, and the conditions governing their application, while highlighting the powers granted to the Public Prosecution Service throughout the various stages of their implementation.

The research also analyzes the role of the Public Prosecution Service in proposing alternative sanctions, expressing its position regarding their application during trial proceedings, and exercising its right to appeal judgments related to such sanctions. Furthermore, it examines its powers in supervising and monitoring the execution of alternative sanctions, as well as its intervention in cases of non-compliance or upon the completion of their execution. The study concludes that the Public Prosecution Service plays a central role in ensuring the effective implementation of the alternative sanctions system and in achieving its rehabilitative and preventive objectives.

 

مقدمة:

تعد العقوبات السالبة للحرية من أكثر الجزاءات الجنائية شيوعا في الأنظمة القانونية، بالنظر إلى ما تضطلع به من دور في تحقيق الردع العام والخاص ومكافحة الجريمة وحماية أمن المجتمع واستقراره. غير أن التطبيق العملي أفرز مجموعة من الإشكالات المرتبطة بها، لاسيما فيما يتعلق بالعقوبات الحبسية قصيرة المدة، التي ساهمت في تفاقم ظاهرة الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، بما ينعكس سلبًا على فعالية برامج التأهيل وإعادة الإدماج ويحد من فرص إصلاح المحكوم عليهم والوقاية من العود إلى الجريمة.

وأمام هذه التحديات، برزت الحاجة إلى تطوير السياسة العقابية بما ينسجم مع التوجهات الحديثة للسياسة الجنائية، القائمة على تحقيق التوازن بين متطلبات الردع وحماية النظام العام من جهة، وأهداف الإصلاح والتأهيل واحترام الحق في الحرية من جهة أخرى.

وهذا ما أكد عليه جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده في خطابه الملكي السامي بمناسبة ثورة الملك والشعب بتاريخ 20 غشت 2009 والذي أكدا فيه على أن إصلاح العدالة يتطلب نهج سياسة جنائية جديدة، تقوم على مراجعة وملاءمة القانون والمسطرة الجنائية، ومواكبتهما للتطورات بإحداث مرصد وطني للإجرام، وذلك في تناسق مع مواصلة تأهيل المؤسسات الإصلاحية والسجنية وبموازاة ذلك، يتعين تطوير الطرق القضائية البديلة كالوساطة والتحكيم والصلح، والأخذ بالعقوبات البديلة.

وسعيا إلى تحقيق هذه الأهداف، تم اعتماد القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة[1] الذي جاء بمقتضيات جديدة تم إدماجها في القانون الجنائي[2] وقانون المسطرة الجنائية[3]، وقد جاء هذا القانون المذكور بدائل جديدة للعقوبات الحبسية وعرفها بأنها العقوبات التي يحكم بها كبديل للعقوبات السالبة للحرية في الجنح التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها خمس سنوات حبسا نافذا، وحددها في أربعة أصناف.

وإذا كان المشرع قد أرسى الإطار القانوني المنظم للعقوبات البديلة، فإن تحقيق الأهداف المتوخاة منها يظل رهينا بحسن تفعيل مقتضياتها من قبل مختلف المتدخلين في العدالة الجنائية، وفي مقدمتهم جهاز النيابة العامة باعتبارها طرفا أصيلا في الدعوى العمومية ومؤتمنة على تنفيذ السياسة الجنائية. فقد خولها المشرع مجموعة من الصلاحيات التي تمتد إلى مختلف مراحل إعمال العقوبات البديلة، سواء من خلال اقتراحها وإبداء الرأي بشأنها أثناء المحاكمة، أو ممارسة حق الطعن في الأحكام الصادرة بها، أو السهر على تتبع تنفيذها ومراقبة احترام الالتزامات المترتبة عنها، بما يضمن تحقيق غاياتها الإصلاحية والتأهيلية ويكرس النجاعة المنشودة من اعتمادها.

تكتسي دراسة دور النيابة العامة في تفعيل المقتضيات القانونية المنظمة للعقوبات البديلة أهمية خاصة، بالنظر إلى حداثة هذا النظام في التشريع المغربي بموجب القانون رقم 43.22، وما يطرحه من مستجدات على مستوى السياسة الجنائية وآليات تنفيذ العقوبات، كما تتجلى أهمية في المكانة المحورية التي تحتلها النيابة العامة باعتبارها الجهة المكلفة بالسهر على تنفيذ السياسة الجنائية وتتبع تطبيق القانون، مما يجعلها فاعلا أساسيا في تنزيل مقتضيات العقوبات البديلة وتحقيق أهدافها الإصلاحية والتأهيلية، وتزداد أهمية بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه العقوبات في الحد من الاكتظاظ السجني وتعزيز إعادة إدماج المحكوم عليهم داخل المجتمع، بما يحقق التوازن بين متطلبات الردع وحماية الحقوق والحريات.

وانطلاقا من ذلك، يمكن صياغة الإشكالية الرئيسية على النحو الآتي:

إلى أي حد أسهم المشرع المغربي في تمكين النيابة العامة من الآليات القانونية اللازمة لتفعيل المقتضيات المنظمة للعقوبات البديلة؟

  • ما المقصود بالعقوبات البديلة وما هي أنواعها وشروط تطبيقها؟
  • ما هي الاختصاصات المخولة للنيابة العامة في مجال العقوبات البديلة قبل وأثناء المحاكمة؟
  • ما هو دور النيابة العامة في مرحلة الطعن في الأحكام المتعلقة بالعقوبات البديلة؟
  • كيف تساهم النيابة العامة في مراقبة وتتبع تنفيذ مختلف أنواع العقوبات البديلة؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية والتساؤلات المتفرغة عنها، تم اعتماد التصميم الآتي:

المحور الأول: مفهوم العقوبات البديلة وأنواعها.

المحور الثاني: دور النيابة العامة في تفعيل العقوبات البديلة قبل وأثناء المحاكمة

 المحور الثالث: تدخل النيابة العامة في مجال العقوبات البديلة بعد المحاكمة

المحور الأول: مفهوم العقوبات البديلة وأنواعها

تندرج العقوبات البديلة في إطار التوجهات الحديثة للسياسة الجنائية الرامية إلى الحد من اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة، لما قد يترتب عنها من آثار سلبية على المحكوم عليه والمجتمع، وفي هذا السياق، أقر المشرع المغربي نظام العقوبات البديلة بموجب القانون رقم 43.22، باعتباره آلية تروم تحقيق الردع والإصلاح وإعادة الإدماج، ومن ثم، يقتضي الأمر الوقوف على مفهوم العقوبات البديلة وبيان أنواعها كما حددها المشرع المغربي.

الفقرة الأولى: تعريف العقوبات البديلة

استنادا إلى مقتضيات الفصول 14 [4] و1-35 و2-35 من مجموعة القانون الجنائي والمادة 22-647 من قانون المسطرة الجنائية[5]، يمكن تعريف العقوبات البديلة بأنها تلك العقوبات التي يمكن للمحكمة أثناء نظرها في موضوع الدعوى العمومية أن تحكم بها بديلا للعقوبة السالبة للحرية، وهي كذلك تلك العقوبات التي يمكن لقاضي تطبيق العقوبات أن يستبدل بها العقوبة الحبسية أو ما تبقى منها لفائدة المحكوم عليه بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به متى تعلق الأمر بجنحة صدرت بشأنها عقوبة لا تتجاوز خمس سنوات حبسا نافذا.

وقد عرف الفصل 1-35 من مجموعة القانون الجنائي العقوبات البديلة بأنها العقوبات التي يحكم بها بديلا للعقوبات السالبة للحرية في الجنح التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها من أجلها خمس سنوات حبسا نافذا، ولا يحكم بالعقوبات البديلة في حالة العود.

ولا تهدف العقوبات البديلة إلى حرمان المحكوم عليه من حريته بقدر ما تروم إصلاح سلوكه وتأهيله للاندماج في النسيج المجتمعي، والتي يراعى في تقديرها الظروف الشخصية للجاني والعوامل الموضوعية المرتبطة بالجريمة. كما حدد الفصل 13-35 من مجموعة القانون الجنائي في فقرته الرابعة طبيعة العقوبات البديلة، وأخضعها للمقتضيات القانونية المقررة للعقوبة الأصلية بما فيها قواعد تفريد العقاب، وبالتالي فإن للمحكمة سلطة تقديرية في تحديد العقوبة البديلة مع مراعاة المقتضيات الخاصة التي جاء بها القانون رقم 43.22 وتفريدها في نطاق الحدين الأدنى والأقصى المقررين في القانون، ومراعية في ذلك خطورة الجريمة المرتكبة من جهة أولى، وشخصية المجرم من جهة ثانية، مؤكدة أن تنفيذ العقوبة البديلة لا يحول دون تنفيذ العقوبات الإضافية والتدابير الوقائية.

وإلى جانب الجنايات التي تعتبر مستثناة بكل أنواعها من نطاق تطبيق العقوبات البديلة استثنى المشرع في القانون رقم 43.22 بعض الجنح من هذا النطاق وفق ما حدده الفصل 3-35 من مجموعة القانون الجنائي، وسبيل التالي:

الجرائم المتعلقة بأمن الدولة والإرهاب: وهي مجموع الجنح المنصوص عليها في الفصول من 163 إلى 9-218 من مجموعة القانون الجنائي، وتندرج ضمنها الاعتداءات والمؤامرات ضد الملك أو الأسرة المالكة أو شكل الحكومة والجنايات والجنح ضد أمن الدولة الخارجي والجنايات والجنح ضد سلامة الدولة الداخلية، هذا بالإضافة إلى جنحة الإشادة بالإرهاب التي تعتبر الجريمة الإرهابية الوحيدة التي لا تكتسي صبغة جنائية.

 الاختلاس أو الغدر أو الرشوة أو استغلال النفوذ أو تبديد الأموال العمومية: وهي مجموعة من الجنح التي تدخل في زمرة الجرائم المالية المنصوص عليها في الفصول من 241 إلى 256-2 من مجموعة القانون الجنائي.

غسل الأموال: وهي مجموع الجنح المنصوص عليها في الفصول من 1-574 إلى 7-574 من مجموعة القانون الجنائي.

الجرائم العسكرية: وهي الجرائم المنصوص عليها في القانون رقم 108.13 المتعلق بالقضاء العسكري[6]، إذ تختص المحكمة العسكرية حاليا في النظر في الجرائم العسكرية المنصوص عليها في الكتاب السادس من هذا القانون، والمرتكبة من قبل العسكريين وشبه العسكريين المخولة لهم هذه الصفة بموجب نصوص خاصة والذين هم في وضعية الخدمة

الاستغلال الجنسي للقاصرين أو الأشخاص في وضعية إعاقة: يدخل ضمن مدلول الاستغلال الجنسي جميع الأفعال التي تهدف إلى استغلال الأطفال أو الأشخاص في وضعية إعاقة جنسيا أو استغلالهم في مجال البغاء والدعارة وكذا في إنتاج أو عرض مواد إباحية بما في ذلك الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الأنترنت والاتجار بهم للأغراض المذكورة.

الفقرة الثانية: أنواع العقوبات البديلة

تولى الفصل 2-35 من مجموعة القانون الجنائي تحديد العقوبات البديلة التي يمكن للقاضي أن يحكم بها وتتمثل فيما يلي:

أولا: العمل لأجل المنفعة العامة

وهي عقوبة بديلة للعقوبة السالبة للحرية يمكن للمحكمة أن تحكم بها عند نظرها في الدعوى العمومية المعروضة عليها، كما يمكن لقاضي تطبيق العقوبات أن يستبدل بها العقوبة الحبسية الصادرة بموجب حكم سابق حائز لقوة الشيء المقضي به. وبمقتضاها يتم إلزام المحكوم عليه البالغ من العمر خمس عشرة سنة على الأقل، القيام بعمل غير مؤدى عنه لمدة تتراوح بين 40 و3600 ساعة لفائدة مصالح الدولة أو الجماعات الترابية أو مؤسسات أو هيئات حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة أو المؤسسات العمومية أو المؤسسات الخيرية أو دور العبادة، أو غيرها من المؤسسات أو الجمعيات أو المنظمات غير الحكومية العاملة لفائدة الصالح العام.

ويشترط في العمل لأجل المنفعة العامة أن يكون متوافقا مع جنس وسن ومهنة أو حرفة المحكوم عليه، ومع مؤهلاته وقدراته، كما يمكن أن يكون مكملا لنشاطه المهني أو الحرفي المعتاد، وألا يكون له تأثير على المسار العادي لحياته العائلية والمهنية والدراسية[7].

ثانيا: المراقبة الإلكترونية

يتم بموجبها تقييد حركة المحكوم عليه في التنقل من خلال مراقبة تنقلاته إلكترونيا بواحدة أو أكثر من وسائل المراقبة الإلكترونية المعتمدة من طرف الإدارة المكلفة بالسجون من أبرزها السوار أو القيد الإلكتروني. وتحدد المحكمة مكان ومدة المراقبة الإلكترونية ويراعى في تحديدها خطورة الجريمة والظروف الشخصية والمهنية للمحكوم عليه وسلامة الضحايا وعدم المساس بالحقوق الشخصية للأشخاص المتواجدين رفقة المحكوم عليه.

ثالثا: تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية

حدد الفصل 12-35 من مجموعة القانون الجنائي هذه التدابير والتي ترمي إلى اختبار المحكوم عليه للتأكد من استعداده لتقويم سلوكه واستجابته لإعادة الإدماج، وتتولى الإدارة المكلفة بالسجون تتبع تنفيذ هذه التدابير، كما يمكن لقاضي تطبيق العقوبات أو وكيل الملك أن يتخذ التدابير اللازمة للتحقق من التنفيذ، ورغم أن الأمر يتعلق بعقوبة بديلة واحدة ولكن في طياتها تشمل عدة تدابير وعقوبات تختلف في طبيعتها وفي طريقة تنفيذها.

      وتتفرع هذه التدابير إلى ستة أصناف رئيسية، من بينها إلزام المحكوم عليه بمزاولة نشاط مهني محدد أو متابعة دراسة أو تكوين مهني معين، أو التعهد بعدم التعرض لضحايا الجريمة أو الاتصال بهم بأي وسيلة من الوسائل، أو إخضاعه لعلاج نفسي أو لعلاج من الإدمان عند الاقتضاء، فضلاً عن إلزامه بتعويض الأضرار الناجمة عن الجريمة أو إصلاحها[8].

رابعا: الغرامة اليومية

هي الغرامة التي تحكم بها المحكمة باعتبارها عقوبة بديلة للعقوبة الحبسية النافذة، تؤدى لفائدة الخزينة العامة بالعملة المتداولة قانونا في المملكة، ويحدد مبلغها بين 100 و2000 درهم عن كل يوم من العقوبة الحبسية المحكوم بها وفق شروط وإجراءات سيتم التفصيل فيها لاحقا.

     ويلتزم المحكوم عليه بأداء المبلغ المحدد له في أجل لا يتجاوز ستة أشهر من تاريخ صدور المقرر التنفيذي المشار إليه في المادة 2-647 من القانون المتعلق بالمسطرة الجنائية، ويمكن تمديد هذا الأجل لمدة مماثلة مرة واحدة بقرار صادر عن قاضي تطبيق العقوبات بناء على طلب من المحكوم عليه، أو من له مصلحة في ذلك[9].

    وفي سياق تقييم حصيلة تنزيل قانون العقوبات البديلة، أفاد محمد عبد النباوي الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، بمناسبة افتتاح السنة القضائية الجديدة، بأن محاكم المملكة أصدرت خلال الفترة الممتدة من 8 شتنبر 2025، إلى غاية نهاية السنة نفسها، ما مجموعه 1001 حكم متعلق بالعقوبات البديلة، استفاد منها 1077 شخصا، بما يعكس انخراط القضاء في تفعيل هذا النظام العقابي الجديد[10]

     كما أوضح عبد النباوي أن من بين هذه الأحكام، 490 عقوبة بغرامة مالية، و330 مقررا بالعمل لفائدة المنفعة العامة، و245 عقوبة تتضمن تقييدا لبعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية، في حين لم تتجاوز الأحكام بفرض المراقبة الإلكترونية 12 حالة.

       وينين المبيان التالي يوضح التوزيع النسبي لأنواع العقوبات البديلة المحكوم بها خلال الفترة الممتدة من 8 شتنبر 2025 إلى غاية 31 دجنبر 2025:

 

المحور الثاني: دور النيابة العامة في تفعيل العقوبات البديلة قبل وأثناء المحاكمة

     أسند المشرع المغربي للنيابة العامة دورا محوريا في تفعيل نظام العقوبات البديلة، انسجاما مع مكانتها كأحد الفاعلين الرئيسيين في تنفيذ السياسة الجنائية. ولم يقتصر هذا الدور على ممارسة الدعوى العمومية وتتبعها، بل امتد ليشمل المساهمة في اقتراح العقوبات البديلة وإبداء الرأي بشأنها، وكذا ممارسة حق الطعن في الأحكام الصادرة بها[11].

الفقرة الأولى: اقتراح العقوبات البديلة من قبل النيابة العامة

      تعتبر النيابة العامة سلطة اقتراحية للعقوبة البديلة، إذ خولها القانون أن تلتمس تلقائيا تطبيق هذه العقوبة سواء في مرحلة المحاكمة، إذ يمكن لقاضي النيابة العامة أثناء مناقشة القضية أن يلتمس الحكم بها فيكون هذا الملتمس جزءا لا يتجزأ من مضمون المرافعة التي يقدمها، أو في مرحلة لاحقة عندما يكون الحكم القاضي بعقوبة حبسية نافذة قد استنفذ طرق الطعن العادية والطعن بالنقض لفائدة الأطراف، وصار حائزا لقوة الشيء المقضي به إذ يجوز هنا للنيابة العامة أن تلتمس من قاضي تطبيق العقوبات في إطار المادة 22-647 من قانون المسطرة الجنائية استبدال العقوبة الحبسية بعقوبة بديلة.

     ولا بد هنا من التوضيح أن المشرع لم يحدد الشكل الذي يجب أن تقدم به ملتمسات النيابة العامة لإعمال العقوبة البديلة ما يجعلها بحسب الأصل مقبولة سواء قدمت شفويا أو كتابيا إلا أن التفعيل الأمثل لمضامين القانون رقم 22-43 يقتضي أن تكون هذه الملتمسات كتابية حتى تكون معللة وتوضح الأسباب الداعية إلى اقتراح العقوبة البديلة، غير أن هذا لا يمنع إذا تعلق الأمر بمقترحات قدمت أثناء مناقشة القضية بجلسة المحاكمة حيث تكون المرافعة شفوية، فيمكن اعتماد ملتمسات شفوية على أن يبسط قاضي النيابة العامة في مرافعته الأسباب المعتمدة لاقتراح العقوبة البديلة وتضمن في محضر الجلسة، ويمكن لتدعيم هذا المقترح أن يحرر ملتمسا كتابيا فيما بعد يرفع إلى هيئة الحكم[12].

     ويتعين على قاضي النيابة العامة قبل اقتراح العقوبة البديلة أن يتأكد بداية من توفر شروطها المحددة في القانون رقم 43.22 المنظم لها وفق ما تم بيانه في المحور الأول من هذا الدليل ولا سيما:

§        أن تكون العقوبة الحبسية المحكوم بها أو الممكن الحكم بها لا تتجاوز خمس سنوات حبسا نافذا؛

§        أن تكون الإدانة من أجل جنحة وليست جناية؛

§        ألا تندرج الجريمة موضوع الإدانة ضمن الجرائم المستثناة من تطبيق العقوبات البديلة؛

§        انتفاء حالة العود.

     وبالإضافة إلى هذه الشروط القانونية، فإنه يتعين على قضاة النيابة العامة عند تقديم ملتمساتهم بشأن إعمال العقوبات البديلة أن يتأكدوا بداية من توفر الشروط القانونية ثم يراعوا بعض المحددات المهمة التي تتصل بالجدوى والفعالية من اقتراح العقوبة البديلة، فحسن تطبيق قواعد النجاعة يقتضي أن تكون العقوبة البديلة المقترحة مناسبة وتتلاءم مع خصوصية المحكوم عليه لتفعيل عملية تنفيذها، ومن الضوابط الواجب مراعاتها ما يلي:

- أن يراعى عند اقتراح العقوبة البديلة طبيعة الفعل الجرمي المرتكب وشخصية الجاني، وهنا تبرز خبرة قاضي النيابة العامة الذي يجب أن يكون ملما بوقائع القضية ومدى الخطورة التي تتصل بشخص الجاني والسلوك الجرمي الصادر عنه؛

- يمكن لقاضي النيابة العامة أن يحدد في ملتمسه نوع العقوبة البديلة المقترحة كالعمل لأجل المنفعة العامة أو المراقبة الإلكترونية أو هما معا أو غيرهما، ويراعى هنا في العقوبة البديلة المقترحة القدرة على إعادة تأهيل المحكوم عليه وتقويم سلوكه وتفادي العود إلى الجريمة، وأن تتناسب مع جنس وسن المحكوم عليه ومؤهلاته البدنية أو حرفته أو وظيفته ودخله؛

- إذا كان المحكوم عليه حدثا وجب أن تكون العقوبة البديلة المقترحة قادرة على إصلاحه وتراعي مصلحته الفضلى، وقدرته البدنية والنفسية وحاجيات تكوينه وإعادة إدماجه في النسيج المجتمعي؛

- أن يكون مقترح العقوبة البديلة منسجما مع ما راج في الجلسة من مناقشات، وما تم استجلاؤه بخصوص وضعية المتهم الاجتماعية والصحية والمهنية مع إمكانية تقديم ملتمس للمحكمة بإجراء بحث اجتماعي عند الاقتضاء.

كما أنه لا يقتصر دور النيابة العامة خلال مرحلة المحاكمة على اقتراح الحكم بعقوبة بديلة، بل يمتد كذلك إلى إبداء موقفها بشأن الطلبات الرامية إلى الاستفادة منها، ففي حالة تقدم المتهم أو دفاعه بملتمس استبدال العقوبة الحبسية بعقوبة بديلة، يجوز للنيابة العامة أن تلتمس من هيئة الحكم منحها مهلة لإجراء بحث اجتماعي حول المتهم، قصد الوقوف على وضعيته الاجتماعية والأسرية والمهنية وسلوكه العام. ويشكل هذا البحث إحدى الوسائل التي يمكن للمحكمة الاستناد إليها في تكوين قناعتها بشأن مدى ملاءمة استبدال العقوبة الحبسية بعقوبة بديلة من عدمه[13].

        ومن جهة أخرى، فإن اعتراض النيابة العامة على طلب الحكم بعقوبة بديلة لا يكون مطلقا، وإنما يظل مقيدا باعتبارات قانونية وموضوعية محددة. فقد يستند هذا الاعتراض إلى طبيعة الجريمة المرتكبة، لاسيما إذا كانت من الجرائم التي تتعارض ظروفها وملابساتها مع الأهداف المتوخاة من العقوبات البديلة أو مع التوجهات التي ترسمها السياسة الجنائية.

الفقرة الثانية: الطعن في الأحكام المتعلقة بالعقوبات البديلة من قبل النيابة العامة

يعد الطعن في المقررات الزجرية من الوسائل القانونية التي أقرها قانون المسطرة الجنائية، وذلك تعزيزا للحق في المحاكمة العادلة وحرصا على استيفاء جميع درجات التقاضي المتاحة بما يكفل صدور أحكام وقرارات قضائية تشكل عنوانا للحقيقة وتباشر الطعون من كافة أطراف الدعوى العمومية لا سيما النيابة العامة.

     غير أن المشرع، وبالنظر إلى خصوصية نظام العقوبات البديلة والأهداف الإصلاحية المتوخاة منه، أورد استثناء على القاعدة العامة التي تقضي بعدم تنفيذ الأحكام إلا بعد صيرورتها نهائية، فقد أجاز القانون رقم 43.22 تنفيذ العقوبة البديلة قبل اكتساب المقرر القضائي لقوة الشيء المقضي به في حالتين: الأولى إذا لم تبادر النيابة العامة إلى الطعن في الحكم القاضي بالعقوبة البديلة داخل الأجل القانوني؛ والثانية إذا وافقت صراحة على تنفيذ هذا الحكم[14].

     ويترتب على ممارسة النيابة العامة لحق الطعن في المقرر القاضي بالعقوبة البديلة، الإبقاء الشخص المحكوم عليه رهن الاعتقال إلى حين البت في القضية من طرف المحكمة المطعون لديها، وهو ما يفرض على النيابات العامة المبادرة إلى اتخاذ التدابير الكفيلة بتجهيز الملفات المطعون فيها، وإحالتها على محكمة الطعن داخل آجال معقولة.

     وسعيا إلى تحقيق الأهداف المذكورة يجب على النيابات العامة عند الطعن في الحكم أو القرار القاضي بعقوبة بديلة التقيد بما يلي:[15]

§        العمل على تتبع الحكم القاضي بالعقوبة البديلة المطعون فيه بالاستئناف، والتنسيق مع رؤساء المحاكم الابتدائية من أجل تجهيزه داخل أجل معقول

§        الحرص على إعداد التقارير الاستئنافية أو مذكرات الطعن بالنقض داخل أقصر الآجال وبمجرد التوصل بالملف

§        جرد وتجهيز ملفات الطعن وإحالتها على الجهة المطعون لديها في أقرب الآجال الممكنة، على اعتبار أن أي تأخر في هذا الشأن سيؤثر على وضعية المحكوم عليه.

في حالة صدور قرار استئنافي يقضي بعقوبة بديلة، يتعين إذا ما وافقت النيابة العامة عليه وعدم طعنها بالنقض التعجيل بإحالة هذا القرار رفقة شهادة بعدم الطعن بالنقض وبالموافقة الصادرة عنها في شكل ملتمس مكتوب على وكيل الملك المختص قصد تجهيز الملف وإحالته على قاضي تطبيق العقوبات لإصدار مقرره التنفيذي.

 

المحور الثالث: تدخل النيابة العامة في مجال العقوبات البديلة بعد المحاكمة

لا يقتصر دور النيابة العامة في مجال العقوبات البديلة على اقتراحها، بل يمتد إلى مراقبة وتتبع تنفيذها، وكذا إلى مرحلة انتهاء تنفيذها. وتكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة بالنظر إلى ما يترتب عنها من آثار قانونية، سواء في حالة إخلال المحكوم عليه بالتزاماته وما يستتبعه ذلك من الرجوع إلى تنفيذ العقوبة الأصلية، أو في حالة إتمام تنفيذ العقوبة البديلة وفق الشروط المقررة قانونا.

الفقرة الأولى: سلطة النيابة العامة في مراقبة وتتبع تنفيذ العقوبات البديلة

تعتبر النيابة العامة من الجهات الموكولة إليها قانونا صلاحيات مهمة تتبع تنفيذ العقوبات البديلة، وهو ما يفرض على قضاتها الانخراط الإيجابي والفعال في مراقبة حسن سير إجراءات تنفيذ هذه العقوبات بهدف إنجاح المجهود الجماعي لمختلف المؤسسات التي تتقاطع اختصاصاتها بمناسبة تنزيل أحكام القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة.

ولكون تنفيذ العقوبات البديلة تتداخل فيه أدوار أساسية يباشرها قاضي تطبيق العقوبات والإدارة المكلفة بالسجون إلى جانب مؤسسات وهيئات أخرى، فإن نجاح المنظومة الوطنية في تفعيل العقوبات البديلة يقتضي بالإضافة إلى اضطلاع كل جهة بالأدوار المنوطة بها، ممارسة النيابة العامة لدورها الرقابي للتحقق من حسن تنفيذ هذه العقوبات بتنسيق تام وتعاون جاد مع جميع الفاعلين، فالمبدأ الدستوري القاضي بالتعاون بين السلطات يقتضي من جميع المكلفين بتنزيل القانون رقم 43.22 أن يساهموا في تطبيق العقوبات البديلة بكل مواطنة وحس إنساني.

أولا: دور النيابة العامة في تتبع تنفيذ عقوبة العمل لأجل المنفعة العامة

لضمان التفعيل الأمثل لعقوبة العمل لأجل المنفعة العامة فقد حدد المشرع إجراءات تنفيذها بمقتضى القانون رقم 43.22 والمرسوم رقم 2.25.386 المتعلق بتحديد كيفية تطبيق العقوبات البديلة، كما أوكل مهمة تتبع هذا التنفيذ لقاضي تطبيق العقوبات والإدارة المكلفة بالسجون، وأسند للنيابة العامة مجموعة من الاختصاصات المهمة للتحقق من حسن سير عملية التنفيذ، بدء من تجهيز الملف وإحالته على قاضي تطبيق العقوبات [16]وصولا إلى مرحلة تنفيذ عقوبة العمل لأجل المنفعة العامة وإلى غاية انقضاء هذا التنفيذ.

وتجسيدا لهذا الدور الرقابي، خول المشرع للنيابة العامة، إلى جانب قاضي تطبيق العقوبات والإدارة المكلفة بالسجون، صلاحية القيام بزيارات تفقدية لأماكن تنفيذ عقوبة العمل لأجل المنفعة العامة، وذلك وفق ما نصت عليه المادة 647-8 من قانون المسطرة الجنائية[17]. وباعتبار أن النيابة العامة من الجهات التي منحها القانون رقم 43.22 القيام بزيارات تفقدية للمؤسسات المؤدى لديها العمل لأجل المنفعة العامة فإنه يتعين على قضاتها المكلفين بهذه الزيارات الالتزام بتفعيلها بالشكل المطلوب حتى تفي بالغايات الأساسية من إقرارها.

     ومن هذا المنطلق، فإن قاضي النيابة العامة ملزم بالتقيد بمجموعة من الإجراءات، منها ما هو مرتبط بالتحضير المسبق للزيارة، وإجراءات أخرى تمارس داخل المؤسسة المؤدى لديها العمل لأجل المنفعة العامة، بالإضافة إلى توثيق هذه الزيارات في تقارير تحرر بعد انتهائه من القيام بها.

ثانيا: دور النيابة العامة في تتبع تنفيذ عقوبة المراقبة الإلكترونية

لقد تضمن المرسوم رقم 2.25.386 المتعلق بتحديد كيفيات تطبيق العقوبات البديلة عدة مقتضيات توضح وتنظم طريقة تنفيذ هذه العقوبة تشمل إحداث منصة وطنية للمراقبة الالكترونية لدى إدارة السجون التي يتولى موظفوها مهمة رصد وتتبع حركة وتنقل المحكوم عليه بالوسائل الإلكترونية ومعالجة الاشعارات والانذارات المنبعثة عن أجهزة المراقبة الالكترونية والاتصال المباشر بالمحكوم عليه، وفي حالة حدوث طارئ يمكن أن يؤثر على تنفيذ عقوبة المراقبة الالكترونية يتولى موظفو منصات المراقبة الجهوية والمحلية إشعار قاضي تطبيق العقوبات ووكيل الملك الذي توجد بدائرة نفوذه المؤسسة السجنية[18].

     وقد ميزت المادة 29 من المرسوم[19] بين الإشعار الذي يوجه إلى وكيل الملك عند حدوث طارئ يمكن أن يؤثر على تنفيذ العقوبة البديلة، وبين التقرير الذي يعده موظفو منصات المراقبة الجهوية أو المحلية ويحال على وكيل الملك عند حدوث إتلاف أو تعييب أجهزة وأدوات المراقبة الإلكترونية أو نزع القيد الإلكتروني أو محاولة ذلك، وعموما عند كل إخلال عمدي من المحكوم عليه بالالتزامات المفروضة عليه بمناسبة تنفيذ المراقبة الإلكترونية، فهذا التقرير الأخير يجب أن يكون مكتوبا ويحال على النيابة العامة.

ولا تخفى عليكم الأهمية القصوى للتفاعل الفوري مع الإشعارات المتعلقة باحتمال الإخلال بعقوبة المراقبة الإلكترونية، فالحضور السريع لضباط الشرطة القضائية قد يمنع فرار المحكوم عليه، ويحول دون تملصه من تنفيذ العقوبة المحكوم بها، كما أنه يخول فتح بحث تلبسي في الجريمة المنصوص عليها في المادة 12-647 من قانون المسطرة الجنائية المتعلقة بالإخلال بتدابير المراقبة الالكترونية، هذا إلى جانب التخفيف من الأضرار المادية التي قد تنجم عن هذا الإخلال لأن المراقبة الإلكترونية تتطلب إمكانيات مالية مهمة تتحملها ميزانية الدولة[20].

ثالثا: دور النيابة العامة في تتبع تنفيذ عقوبة تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية

تعتبر الإدارة المكلفة بالسجون هي الجهة التي تتولى تتبع تنفيذ التدابير الرقابية أو العلاجية أو التأهيلية المحكوم بها كعقوبة بديلة، ويمكن لوكيل الملك في إطار تفعيل المادة 16-647 من قانون المسطرة الجنائية[21] أن يتخذ كل الإجراءات اللازمة للتحقق من تنفيذ هذه التدابير.

ولذلك يتعين على قاضي النيابة العامة الحرص على التوصل بنظير من اللائحة التي تعدها الإدارة المكلفة بالسجون بتنسيق مع القطاعات الحكومية والمؤسسات التي تنفذ لديها التدابير العلاجية تطبيقا للمادة 53 من المرسوم[22]، والتي تتضمن لائحة بالمراكز والمؤسسات التي يمكن أن يخضع فيها المحكوم عليه إلى علاج نفسي أو علاج من الإدمان، وكدلك القيام بزيارات تفقدية للتأكد من سلامة وصحة تنفيذ الالتزامات المفروضة على المحكوم عليه والتفاعل معها.

ولضمان التتبع الأمثل لتنفيذ التدابير المفروضة على المحكوم عليه، يتعين على قضاة النيابة العامة المبادرة إلى طلب ما يفيد تطور إجراءات التنفيذ من الجهات المتدخلة في هذه العملية من شرطة أو درك أو مراكز العلاج أو المؤسسات التعليمية أو التكوين أو التأهيل أو السلطات المحلية مع دراسة التقارير المحالة على النيابة العامة من طرف قاضي تطبيق العقوبات بمناسبة قيامه بصفة شخصية أو من يكلفه بزيارات تفقدية لأماكن التنفيذ[23].

رابعا: دور النيابة العامة في تتبع تنفيذ عقوبة الغرامة اليومية

     وتبدأ إجراءات تنفيذ عقوبة الغرامة اليومية في حق المحكوم عليه بعد أن يكتسب الحكم الصادر بالإدانة قوة الشيء المقضي به، أو قبل ذلك إذا وافقت النيابة العامة ولم تمارس حقها في الطعن، حيث تحيل طبقا للمادة 2 647 من قانون المسطرة الجنائية المقرر القاضي بعقوبة الغرامة اليومية إلى قاضي تطبيق العقوبات، الذي يقوم بإصدار مقرره التنفيذي وإحالته على الإدارة المكلفة بالسجون التي تقع داخل نفوذ المحكمة التي أصدرت الحكم.

وإذا كان المحكوم عليه خارج دائرة نفوذ قاضي تطبيق العقوبات، يجوز لهذا الأخير أن ينيب قاضيا آخر لتطبيق العقوبات المتواجد في دائرة نفوذه المحكوم عليه لإصدار المقرر التنفيذي. ويُشعر قاضي تطبيق العقوبات النيابة العامة فورًا بأي امتناع أو إخلال في تنفيذ المقرر[24].

أما فيما يتعلق بأداء الغرامة اليومية، فإن المحكوم عليه ملزم بأدائها كاملة ودفعة واحدة إذا كان معتقلا، ويمكن تقسيط الأداء إذا كان المحكوم عليه في حالة سراح، شريطة أن يؤدي قسطا أوليا لا يقل عن نصف المبلغ الإجمالي الواجب أداؤه، ثم يحدد قاضي تطبيق العقوبات جدولة زمنية لأداء باقي الأقساط داخل أجل ستة أشهر، مع إمكانية تمديد هذا الأجل مرة واحدة لنفس المدة، بموجب قرار يصدره قاضي تطبيق العقوبات بناء على طلب المحكوم عليه أو من له مصلحة[25].

الفقرة الثانية: صلاحيات النيابة العامة عند انتهاء تنفيذ العقوبة البديلة

بداية، لابد من التوضيح بخصوص الانتهاء من تنفيذ العقوبة البديلة أنه قد يتخذ صورتين الأولى هي عندما يمتنع أو يخل المحكوم عليه بإجراءات تنفيذ العقوبة البديلة حيث يصدر قاضي تطبيق العقوبات أمرا بتنفيذ العقوبة الأصلية أو ما تبقى منها ونتحدث حينئذ عن إنهاء العمل بالعقوبة البديلة والتراجع عنها، والحالة الثانية هي عندما ينتهي المحكوم عليه من تنفيذ العقوبة البديلة فيصدر قاضي تطبيق العقوبات آنذاك مقررا يقضي بتمام التنفيذ بناء على تقرير من الإدارة المكلفة بالسجون.

أولا: إنهاء تنفيذ العقوبة البديلة بسبب إخلال المحكوم عليه أو امتناعه عن التنفيذ

يقصد بالإخلال بتنفيذ العقوبات البديلة كل الحالات التي لا يحترم فيها المحكوم عليه البرنامج الذي أعده قاضي تطبيق العقوبات بتنسيق مع البنية المختصة بالمؤسسة السجنية لطريقة تنفيذ العقوبة البديلة، الأمر الذي قد يتخذ عدة مظاهر بحسب كل نوع من أنواع العقوبات البديلة. ولإعطاء أمثلة نذكر بعض مظاهر الإخلال التالية:

§        بالنسبة لعقوبة العمل من أجل المنفعة العامة يعتبر المحكوم عليه مخلا بتنفيذ هذه العقوبة إذا لم يحضر إلى المؤسسة المعنية بالتنفيذ وفقا لتوزيع ساعات العمل المحددة له مسبقا، فالغياب التام أو المتكرر وعدم استكمال الساعات المحددة في البرنامج يعتبر إخلالا طالما لم يتم تقديم مبررات مقبولة.

§        بالنسبة للمراقبة الالكترونية يتحقق الإخلال عند عدم تواجد المحكوم عليه في المكان والأوقات المحددة بموجب حكم المحكمة والمقرر التنفيذي الصادر عن قاضي تطبيق العقوبات، كما يعد إخلالاً كل إتلاف أو تعييب أو تملص متعمد أو نزع أو محاولة نزع للأجهزة المعدة للمراقبة الالكترونية.

     وكنتيجة طبيعية يتم إرجاع المحكوم عليه إلى المؤسسة السجنية لقضاء ما تبقى له من العقوبة الحبسية الصادرة في حقه، وهنا يجب مراعاة ما يلي بخصوص الجهة التي تحدد مدة العقوبة الحبسية الواجب قضاؤها[26].

     وبمجرد توصل النيابة العامة بمقرر قاضي تطبيق العقوبات بتنفيذ العقوبة الأصلية أو ما تبقى منها، يتعين الشروع فورا في إجراءات تنفيذ العقوبة الحبسية وفق القواعد والإجراءات العادية المعمول بها.

     وتبعا لذلك، يتعين على النيابة العامة توجيه تعليمات إلى الشرطة القضائية لتنفيذ المقرر القضائي أعلاه، وذلك بضبط المحكوم عليه وإيداعه بالمؤسسة السجنية لإتمام تنفيذ العقوبة الحبسية الأصلية، ثم تحرير برقية بحث في حق المحكوم عليه الذي يتعذر ضبطه وإيداعه بالمؤسسة السجنية، وتظل هذه البرقية مستمرة إلى حين إيقاف المحكوم عليه وإيداعه بالسجن أو إلى حين تقادم العقوبة الحبسية.

     وينتج عن صدور أمر قاضي تطبيق العقوبات بتنفيذ العقوبة الحبسية الأصلية أو ما تبقى منها، أن الشخص المحكوم عليه تصبح وضعيته كأي شخص محكوم عليه منذ البداية بالعقوبة الحبسية سواء فيما يتعلق بتسجيل الحكم الصادر ضده في السجل العدلي بعد حيازته لقوة الشيء المقضي به والخضوع للأحكام العامة لرد الاعتبار كما هي منظمة في قانون المسطرة الجنائية بشأن العقوبات الجنحية وليست الأحكام الخاصة برد الاعتبار المتعلقة بالعقوبات البديلة.

ثانيا: إنهاء العقوبة البديلة بتمام تنفيذها

يصدر قاضي تطبيق العقوبات مقرره بتمام تنفيذ العقوبة البديلة المحكوم بها بناءً على تقرير يرفعه إليه مدير المؤسسة السجنية[27]. ويتعين وجوبا إحالة نسخة من مقرر قاضي تطبيق العقوبات القاضي بتمام تنفيذ العقوبة البديلة إلى النيابة العامة، هذه الأخيرة يجب أن توثق صدور هذا المقرر في السجل الخاص بتتبع تنفيذ العقوبة البديلة الممسوك لديها، كما تنهي بذلك عملية تتبع تنفيذ العقوبة البديلة، وتحين قاعدة البيانات المتوفرة لديها عند إجراء أي زيارة تفقدية في الحالات الموكول لها هذه المهمة قانونا.

وباعتبار المسؤولية الملقاة على عاتق قضاة النيابة العامة في التثبت من حسن تنفيذ العقوبة البديلة، فإنه يتعين التحقق من صحة تمام عملية التنفيذ، سواء من خلال التقارير التي يتم التوصل بها من طرف الهيئات والمؤسسات التي تنفذ العقوبة البديلة لديها، أو من خلال ما تم رصده أثناء الزيارات التفقدية. وقد أجاز القانون للنيابة العامة المنازعة في مقرر قاضي تطبيق العقوبات بتمام التنفيذ وذلك داخل أجل ثلاثة أيام من تاريخ الإشعار بصدور المقرر، حيث يتم البت في هذه المنازعة وفق أحكام المادتين 599 و600 من قانون المسطرة الجنائية، ويترتب عن هذه المنازعات إيقاف تنفيذ مقرر قاضي تطبيق العقوبات[28].

     وقد عمد المشرع المغربي في القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة إلى سن مقتضيات خاصة تؤطر المدد اللازمة لحصول المحكوم عليه على رد الاعتبار سواء القانوني أو القضائي، إذ قلص من هذه المدة ليحفز المحكوم عليه من جهة على إتمام تنفيذ العقوبة البديلة، ومن جهة أخرى لتسريع وتيرة حصوله على رد الاعتبار لضمان إعادة إدماجه في المجتمع في مدة قصيرة[29].

خاتمة:

خلصت هذه الدراسة إلى أن العقوبات البديلة تشكل إحدى أهم مستجدات السياسة الجنائية الحديثة، لما توفره من آليات فعالة لتحقيق التوازن بين متطلبات الردع والزجر من جهة، وأهداف الإصلاح وإعادة الإدماج من جهة أخرى. وقد سعى المشرع المغربي من خلال القانون رقم 43.22 إلى إرساء إطار قانوني متكامل لهذه العقوبات، بما يساهم في الحد من الآثار السلبية للعقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة والتخفيف من ظاهرة الاكتظاظ السجني.

كما تبين أن جهاز النيابة العامة تضطلع بدور محوري في تفعيل هذا النظام، إذ تمتد اختصاصاتها إلى مختلف مراحله، بدءا من اقتراح العقوبات البديلة وإبداء الرأي بشأنها أثناء المحاكمة، مرورا بممارسة حق الطعن في الأحكام الصادرة بها، ووصولا إلى تتبع تنفيذها ومراقبة مدى احترام المحكوم عليهم للالتزامات المترتبة عنها، فضلا عن تدخلها عند انتهاء تنفيذ العقوبة البديلة أو الإخلال بمقتضياتها، وهو ما يعكس المكانة المركزية التي منحها المشرع للنيابة العامة باعتبارها فاعلا أساسيا في تنزيل السياسة الجنائية وتحقيق النجاعة العقابية المنشودة.

      ومن أجل تعزيز فعالية العقوبات البديلة وتحقيق الأهداف المرجوة منها، يمكن اقتراح ما يلي:

  • تأهيل الموارد البشرية بالنيابة العامة التي ستسهر على تنفيذ العقوبات البديلة، وتوفير الإمكانيات المادية واللوجستيكية الضرورية بما يضمن شروطا ملائمة لتنزيل مقتضيات القانون رقم 43.22 بكفاءة وفعالية.
  • اعتماد الرقمنة في تعزيز دور النيابة العامة في تتبع تنفيذ العقوبات البديلة، وذلك من خلال وضع لوحات للقيادة وجداول إلكترونية على شاكلة السجلات الواردة في هذا الدليل تتيح التتبع الدقيق لمراحل تنفيذ العقوبات البديلة.
  • توسيع نطاق المؤسسات والهيئات المستقبلة للمحكوم عليهم بعقوبة العمل لأجل المنفعة العامة.
  • تعزيز التنسيق بين النيابة العامة وقضاة تطبيق العقوبات والإدارة المكلفة بالسجون وباقي المتدخلين في تنفيذ العقوبات البديلة.



[1] القانون رقم 43.22 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.24.32 المؤرخ في 18 محرم 1446 (24 يوليوز 2024)، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7328 وتاريخ 14 صفر 1446 (22 غشت 2024).

[2] ظهير شريف رقم 1.59.413 صادر في 28 جمادى الثانية 1382 (26 نونبر 1962) بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي، منشور بالجريدة الرسمية عدد 2640 مكرر بتاريخ 12 محرم 1383 (5 يونيو 1963)، ص: 1253.

[3] ظهير شريف رقم 1.25.55 صادر في 19 من صفر 1447 (13 أغسطس 2025) بتنفيذ القانون رقم 03.23 بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، منشور بالجريدة الرسمية عدد 7437 - 15 ربيع الأول 1447.

[5] نصت الفقرة الأولى من المادة 22-647 من قانون المسطرة الجنائية على أنه تكون على أنه تكون يمكن لقاضي تطبيق العقوبات بالمحكمة مصدرة الحكم الابتدائي ... استبدال العقوبة الحبسية أو ما تبقى منها بعقوبة بديلة أو أكثر لفائدة المحكوم عليهم بمقررات قضائية مكتسبة لقوة الشيء المقضي به.

[6] الظهير الشريف رقم 1.14.187 المؤرخ في 17 صفر 1436 (10 دجنبر 2014)، بتنفيذ القانون رقم 108.13 المتعلق بالقضاء العسكري، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6322 بتاريخ 9 ربيع الأول 1436 (1 يناير 2015).

[8] المرسوم رقم 386 - 25 - 2 الصادر بتاريخ 03 يونيو 2025 المتعلق بتحديد كيفية تطبيق العقوبات البديلة، منشور بالجريدة الرسمية عدد 7431 - 24 صفر 1447 (18 أغسطس 2025، ص: 6405.

[9] الفقرة الأخيرة من الفصل 15-35 من مجموعة القانون الجنائي.

[10] إحصائيات ذكرها السيد محمد عبد النباوي الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، بمناسبة افتتاح السنة القضائية الجديدة.

[11] عادل الفيضا، "قانون العقوبات البديلة والصلاحيات الجديدة لجهاز النيابة العامة -دراسة في ضوء القانون 43.22 ومرسومه التطبيقي"، مقال منشور في مجلة مغرب القانون

[13] عادل الفيضا، مرجع سابق.

[15] رئاسة النيابة العامة، مرجع سابق، ص: 85.

[16] طبقا للفقرة الأولى من المادة 2-647 من قانون المسطرة الجنائية فإن النيابة العامة بمجرد صدور الحكم القاضي بعقوبة العمل لأجل المنفعة العامة واكتسابه لقوة الشيء المقضي به يتعين عليها إحالة هذا المقرر القضائي على قاضي تطبيق العقوبات، هذا الأخير الذي يقوم بدوره بإصدار مقرر يقضي بتنفيذ هذه العقوبة البديلة داخل أجل لا يتجاوز عشر أيام من تاريخ إحالة الملف عليه.

[17] نصت الفقرة الخامسة من المادة 647-8 من قانون المسطرة الجنائية على أنه: يمكن لوكيل الملك أن يقوم بزيارة تفقدية لأماكن تنفيذ عقوبات العمل لأجل المنفعة العامة، ينجز على إثرها تقريرا يحيل نسخة منه على قاضي تطبيق العقوبات.

[18] رئاسة النيابة العامة، مرجع سابق، ص: 123.

[19] نصت المادة 29 من مرسوم رقم 2.25.386 على أنه: يتولى موظفو منصات المراقبة الجهوية والمحلية إلى جانب المهام المخولة لموظفي المنصة الوطنية للمراقبة الإلكترونية المحددة في المادة 28 أعلاه، القيام بما يلي:

- تنفيذ التعليمات والأوامر الموجهة لهم من طرف البنية المركزية المختصة بخصوص تتبع التنفيذ؛

- إشعار قاضي تطبيق العقوبات ووكيل الملك عند حدوث أي طارئ يمكن أن يؤثر على تنفيذ عقوبة المراقبة الإلكترونية؛

- إنجاز تقرير بكل إتلاف أو تعييب لأجهزة وأدوات المراقبة الإلكترونية أو نزع القيد الإلكتروني أو محاولة ذلك، وكذا عند كل إخلال عمدي من المحكوم عليه بالتزامات المراقبة الإلكترونية، وإحالته تحت إشراف السلم الإداري على قاضي تطبيق العقوبات ووكيل الملك.

[20] تنص المادة 33 من المرسوم رقم 2.25.386 على ما يلي: تتحمل الدولة مصاريف تدبير القيد الإلكتروني، وتحدد المصاريف التي يمكن فرضها على المحكوم عليه بقرار مشترك للسلطتين الحكوميتين المكلفتين بالعدل والمالية.

[21] نصت المادة 16-647 من قانون المسطرة الجنائية على أنه: يمكن لقاضي تطبيق العقوبات أو وكيل الملك أن يتخذ التدابير اللازمة المتحقق من تنفيذ التدابير أعلاه.

[22]  نصت المادة 29 من مرسوم رقم 2.25.386 على أنه: تقوم الإدارة المكلفة بالسجون بتنسيق مع القطاعات الحكومية والمؤسسات الصحية المعنية، بإعداد لائحة تضم المؤسسات والمراكز التي يمكن أن يخضع فيها المحكوم عليه لعلاج نفسي أو علاج ضد الإدمان.

وتقوم البنية المركزية المختصة بتعميم هذه اللائحة على المؤسسات السجنية المعنية لوضعها رهن إشارة قضاة تطبيق العقوبات ووكلاء الملك.

تخضع هذه اللائحة للتحيين والمراجعة كلما اقتضت الضرورة ذلك.

[23] رئاسة النيابة العامة، مرجع سابق، ص: 140.

[24] رئاسة النيابة العامة، مرجع سابق، ص: 142.

[27] تنص المادة 68 من المرسوم المتعلق بتحديد كيفيات تطبيق العقوبات البديلة على أنه: "يصدر قاضي تطبيق العقوبات مقرراً يقضي بتمام تنفيذ العقوبة البديلة المحكوم بها، بناء على تقرير مدير المؤسسة السجنية، تسلم نسخة منه للمعني بالأمر وتحال نسخة إلى النيابة العامة ومركز السجل العدلي المختص".

[28] رئاسة النيابة العامة، مرجع سابق، ص: 160.

[29] نصت المادة 4-647 من قانون المسطرة الجنائية على كون المحكوم عليه الذي ينفذ عقوبة بديلة يستفيد من رد الاعتبار القضائي بمرور سنة من تاريخ انقضاء العقوبة البديلة، وبانتهاء فترة الاختبار التي تكون مدتها سنة ونصف تحتسب من تاريخ تنفيذ العقوبة البديلة بالنسبة لرد الاعتبار القانوني، بينما تخضع باقي إجراءات رد الاعتبار القضائي أو القانوني لمقتضيات المادتين 687 (الرشداء)، و507 (الأحداث) من القانون المذكور.

من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله

قانونك



 من أجل تحميل العدد 28  - إضغط هنا أو أسفله


مجلة قانونك - العدد الثالث