المواطنة الناقصة: سبل تجسيد الحقوق والضمانات الدستورية للمرأة والطفل بالتشريعات الليبية-مقاربة واقعية رقمية - مجدي أبوبكر مفتاح العرفي





المواطنة الناقصة: سبل تجسيد الحقوق والضمانات الدستورية للمرأة والطفل بالتشريعات الليبية-مقاربة واقعية رقمية

مجدي أبوبكر مفتاح العرفي

طالب باحث بسلك الدكتوراه بجامعة سيدي محمد بن عبد الله-فاس

 

Incomplete Citizenship: Ways of Implementing the Constitutional Rights and Guarantees of Women and Children in Libyan Legislation – A Realistic and Digital Approach

Majdi ABU BAKR MIFTAH AL ARFI

 

تلخيص

يُعنى البحث الراهن بتتبع رحلة حقوق وضمانات المرأة والطفل في ليبيا منذ التكريس لها بالوثيقة الدستورية حتى مغادرتها إلى التشريعات العادية فإنفاذها على مستويات عملية، فنستجلي مدى تمتع هذه الفئة الضعيفة بمواطنة كاملة تكفل هذه الحقوق وتضمنها أو العكس. حيث نقف من خلال هذا البحث على معاينة مدى ما هو قائم من فجوة بين النص التشريعي والواقع المُعاش من زاوية، ومن زاوية أخرى نستشرف في تسخير البيئة الرقمية كفالة أكبر لهذه الحقوق وضماناتها.

 

مقدمة   

لا مراء في أن العلاقة بين الفرد والدولة تنهض فيما تنهض عليه على المواطنة، باعتبار أن المواطنة ركيزة أساسية لضمان الحقوق وتحديد الواجبات. وفي حين نستجلي المواطنة هذه في سياق المبادئ الدستورية المكرسة، فإننا نقف على ما أصابها من اختلالات خلال رحلتها ضمن العقود الأخيرة على مستوى المجتمعات العربية سيما في ليبيا، حتى أمست تتأكل تدريجياً منذ أن غادرت نصوص الوثيقة الدستورية إلى الواقع العملي فنكون بصدد مواطنة ناقصة. 

إن المواطنة الناقصة تتجسد في الفجوة بين النص الدستوري أو التشريع العادي وبين الواقع العملي، ويمكن تحريها بالبحث الراهن فيما تعكف التشريعات الليبية بمختلف مستوياتها على التكريس له من حقوق وضمانات للمرأة والطفل، إلا أنها تواجه تحديات طاحنة في ضمانها على مستويات عملية ومؤسسية.

لا مندوحة من أن التنصيص على حقوق المرأة والطفل، يستدعي تأسيسا بنيوياً تتخطى تداعياته هذا التنصيص لأن تلقي بظلالها على الواقع المعاش، سيما بدول تتحسس بناء مؤسساتها القانونية ومنها ليبيا كنموذج، قياساً بما عصف بهذا النوع من الحقوق من رياح التعدي عليها وتجاوزها ربما وحتى الافتئات عليها أحيانا أخر. 

     عليه يمكن أن تبرز أهمية هذا البحث وإشكاله المحوري في الاتي:

أولاً: أهمية البحث:

     يستمد البحث أهميته من كونه يواءم بين أبعاد ثلاث. البعد الدستوري: الذي يكشف الغطاء عن مواطن الخلل التشريعي، ومحاولة ردم الهوة بين النص الدستوري والتشريع العادي فيما هو محدد للمرأة والطفل من حقوق وضمانات. البعد الإجرائي الواقعي: ذلك الذي يتسلل إلى الواقع العملي فيقرأ مدى تماثل الواقع العملي لضمانات المرأة الطفل المكرسة تشريعياً. البعد المستقبلي التقني: ويستشرف في الرقمنة سبيلاً للتعزيز من حقوق وضمانات المرأة والطفل، فيطوع البيئة الرقمية لصالح إنفاذ هذه الضمانات، وتدعيم مسارات الإصلاح المؤسسي الرامية إلى كفالة هذه الضمانات وصون ما انبثقت عنه من حقوق.

ثانياً: إشكالية البحث:

     تتمحور إشكالية البحث حول سؤال مركزي وهو: إين يكمن وجه القصور التشريعي بالمنظومة القانونية الليبية الذي من شأنه الحؤول دون أن تماثل الحقوق والضمانات الدستورية المعترف بها للمرأة والطفل للنفاذ والتطبيق؟ وهو سؤال يطرح لتساؤلان فرعيان آخران:

1-       كيف تتجلى حالة المواطنة الناقصة في النص الدستوري والتشريع العادي؟

2-      ما مدى ضمان حقوق المرأة والطفل بالواقع المعاش؟ ومدى استثمار البيئة الرقمية في رفد الإصلاح المؤسسي ذو العلاقة بهذه الضمانات في ليبيا؟

ثالثاً: المنهج المتبع:

     سنتبنى في بحثنا هذا المنهج التحليلي في طابعه النقدي، الذي يعتمد على تفكيك النصوص الدستورية وكذا القوانين المتصلة بحقوق وضمانات المرأة والطفل، لبيان مدى تحقيقها هذه الغاية على مستويات مؤسسية.

     وهو-أي البحث-إذ يلتزم هذا المنهج، فإنه يلامس الواقع المعاش، ليتخذه سبيلاً في تقييم جدوى مفعول المنظومة التشريعية الوطنية في صيانة حقوق المرأة والطفل وضمانها؛ من جهة أخرى يعمل البحث الراهن على المقاربة الرقمية لتسخير التقنية في خدمة المؤسسات المعنية بضمان إنفاذ حقوق المرأة والطفل.

وذلك من خلال المبحثين الآتيين:

الأول: ويدرس الإطار الدستوري والتشريعي لحقوق المرأة والطفل في ليبيا.

الثاني: يتطرق إلى استثمار المعطيات الواقعية عبر الأليات الرقمية في لضمان حقوق المرأة والطفل.

 

المبحث الأول: الإطار الدستوري والتشريعي لحقوق المرأة والطفل في ليبيا.

حيث يضيء هذا المبحث على ما تم نظمه من نصوص دستورية تتصل بحقوق المرأة والطفل، فنتتبع بناء عليه ما عكف المشرع الدستوري الليبي على تكريسه في هذا السياق بحسب الوثائق الدستورية المتعاقبة ضمن الحقب التاريخية التي مرت بليبيا، سعياً منا لتأصيل هذه الحقوق في إطار الدستورانية الليبية.  

ولا تثريب في أن نتسرب إلى منظومة التشريعات الليبية الأخرى في مساق التنصيص على حقوق المرأة والطفل، حتى نكشف النقاب عنها وعن مدى اتساقها مع النصوص الدستورية من جهة، وسبل سد الفجوة الناجمة عن النقص الذي تجلى فيها وفيما انتجه من مواطنة ناقصة من جهة أخرى.

     وذلك بحسب مطلبي هذا المبحث اللذين يأتي في أولهما: الدسترة المجردة والمواطنة الناقصة، وثانيهما: تجليات النقص في التشريعات السارية.

المطلب الأول: الدسترة المجردة والمواطنة الناقصة.

     إن وصف الدستورانية الليبية في تعاطيها مع حقوق المرأة والطفل وضمانتها-بالمجردة-يعني ذلك أن التنصيص على هذه الحقوق والضمانات ظل حبيس نصوص الوثائق الدستورية بشكل مجرد دون أن يتعداها إلى الواقع العملي في صورته المرجوة، فيلبي رغبا المشرع الدستوري أو يكفل للنص الدستوري انطباقه ونفاذه، فالبون يتسع مراراً بين ما هو منصوص عليه، وما هو معمول به. هذا الزعم حتى يتأكد يستدعي بطبيعة الحال المرور أولاً على ما تم نظمه من حقوق وضمانات بموجب الوثائق الدستورية الليبية المتعاقبة.

أولاً: حقوق المرأة والطفل في دستور 1951:

بزغ نور الحياة الدستورية في ليبيا منذ انبلج عهدها الدستوري الأول بصدور دستور عام 1951 الذي كرس بدوره لجملة من الحقوق والحريات الأساسية وبمساواة تامة في حقوق المواطنة بين الليبيون دون تمييز وعلى حد سواء.

حيث نص الدستور في الفصل الثاني منه العنون بـ (حقوق الشعب) بالمادة (11) على أنه: " الليبيون لدى القانون سواء، وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية [1] والسياسية [2] وفي تكافؤ الفرص وفيما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الدين أو المذهب أو العنصر أو اللغة أو الثروة أو النسب أو الآراء السياسية والاجتماعية".[3]  

يتجلى من النص السالف بيانه أن الدستور الليبي في حينه جاء ليكفل على قدم المساواة حقوق المواطنة للليبيين قاطبة، دون أن يمايز بين رجل ومرأة أو طفل، ما أن تطرق المشرع الدستوري إلى أن الحقوق المدنية والسياسية هذه، لا تمييز فيها حتى ولو بسبب العنصر، في إشارة إلى أن التمتع بهذه الحقوق وكذا كفالتها بعد ذلك على مستويات مؤسسية أخرى مكفول للرجل والمرأة على حد سواء.

ثم استطر المشرع الدستوري آنذاك في تحصينه هذه الحقوق بجملة من الضمانات وخص بها الطفل ليضمن له إلزامية التعليم في مراحل أولى سيان للبنين والبنات، وجعله مجانياً يتلقاه الطفل عبر المدارس الرسمية بالمملكة في حينه،[4] ليصبح حقاً دستورياً مكرساً ومحصن ضد أي تجاوز عنه أو انتهاك.

ولا ريب في أن إيلاء العناية بالأسرة على مستويات دستورية يأتي هو الأخر متسقاً مع كفالة حقوق وضمانات المرأة والطفل على حد سواء، حيث وضع الدستور الدولة من خلال مؤسساتها المعنية موضع العمل على توفير مستوى لائق معيشياً للأسرة، إذا ما اعتبرناها-أي الأسرة-المؤسسة الأكبر تمثيلاً لهذه الفئة وهي ركيزة المجتمع وأساسه، إذ نص الدستور الليبي وقت ذاك في المادة 35 منه على: "تعمل الدولة على أن يتوفر بقدر الإمكان لكل ليبي مستوى لائق من المعيشة له ولأسرته"[5]

بإخضاع النص المشار إليه آنفا للتشريح والتحليل يمكن أن نستجلي نوعا من عدم الصرامة في تعاطي المشرع الدستوري مع هذا الحق، ما أن نقف على ما استهل به النص بقوله (تعمل الدولة) فهو بذلك لا يلقي على عاتق الدولة إلزاماً تام وكامل على أن تضمن هذا الحق، مما يجعل عدم توخيها أياه في صورته المثلى شأن غير ملزم، فالدولة في هذا المقام تعمل بعكس القول إنها تضمن.  

تتعزز هذه القناعة المستوحاة من واقع التحليل للنص، ما أن يستعقب ذلك قول المشرع (بقدر الإمكان) دون أن يجعل من توفير المستوى المعيشي اللائق لمؤسسة تعد ركيزة للمجتمع (الأسرة) شأن ملزم وواجب التحقق، بصرف النظر عن إيراد هذا التعبير (بقدر الإمكان) ما يضعنا أمام محطة أولى من محطات المواطنة الناقصة في ضمان بيئة لائقة معيشياً للمرأة والطفل من خلال الأسرة.  

ثانياً: الوضع في ظل الإعلان الدستوري 1969:

في 11 ديسمبر من عام 1969 صدر الإعلان الدستوري عقب الإطاحة بالنظام الملكي آنذاك، وهو الأخر لم يأتي خلواً من الإشارة إلى ما يجب كفالته من ضمانات للمرأة والطفل، وإن جاءت متباينة مع ما نص عليه دستور 1951 في هذا الصدد، لعل أول ذلك أن الإعلان الدستوري عندما تعرض للأسرة اكتفى فحسب باعتبارها أساس المجتمع،[6] في حين أن دستور 1951 برغم ما انتقدناه فيه سلفاً إلا أنه كان أكثر وضوحاً في ذلك، عندما أناط بالدولة العمل على تحقيق مستوى معيشي لائق للأسرة قدر الإمكان. 

في سياق متصل عزز الإعلان الدستوري من المساواة في حقوق المواطنة هو الأخر بين المواطنون على حد سواء عندما نص ي المادة (5) منه على انه: "المواطنون جميعاً سواء أمام القانون"[7] بيد أنه لا يمكن إنكار أن هذا النص هو الأخر لا يبل غليل الظامئ إلى تحقيق الضمانات الأكبر لهذه الفئة الضعيفة (المرأة والطفل) ما أن التنصيص على حقوقها بشكل مقتضب دون الإشارة صراحة إلى عدم التمييز بين المواطنون فيما هو مكفول من حقوق.

الأمر الذي يتجلى لوهلة ما أن نستعين بالحال نفسه في دستور 1951 الذي كان لمرة أخرى أكثر وضوحاً في مساواته المواطنة بين الليبيون، فلم يكتفي بأنهم متساوون أمام القانون فحسب، إنما ذهب لأن يساوي بينهم دون تمييز على أساس العنصر، وفي إشارة واضحة لضمان حق الليبيون في مواطنة سواء بغض النظر عن الجنس.

حري بالبيان أن الإعلان الدستوري برغم ذلك كان أكثر تفصيلاً في ضمان حق التعليم للطفل ليعتبره حق وواجب في آن، فضلاً عن كونه إلزامي حتى المرحلة الإعدادية، ولم يكتفي بمجانتيه هذه المرحلة من التعليم، إنما ألزم الدولة بكفالته وإنشاء مؤسساته التي تقدم الخدمة التعليمية بشكل مجاني.[8]   

ولا يمكن أن نستثني خلال هذه الحقبة ما جاء بقانون تعزيز الحرية رقم 20 لسنة 1991 الذي يمكن أن نعتبره ذو طابع دستوري من حيث الموضوع، وهو الذي جاء ليحفظ للمرأة مساواتها مع الرجل في 38 مادة منه، ومنها حقها ممارسة السلطة وواجب الدفاع عن الوطن؛ إلا أن هذا القانون هو الأخر لم يتجاوز التنصيص المجرد إلى أن يترجم عملياً، سيما منه تلك المواد ذات العلاقة بتوسيع هامش حرية التعبير والفكر والإبداع.[9]  

 

ثالثاً: الوضع في الإعلان الدستوري 2011:

رسخ الإعلان الدستوري الصادر في أغسطس 2011 لمواطنة متساوية هو الأخر بين الليبيون قاطبة مستفيداً من النص نفسه الوارد بدستور 1951 بحسب ما تم الإشارة إليه سلفاً، حيث جاء بالمادة 6 منه أنه: "الليبيون سواء أمام القانون، متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وفي تكافؤ الفرص، وفيما عليهم من الواجبات والمسؤوليات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو المذهب أو اللغة أو الثروة أو الجنس ...إلخ".[10]   

كما تجدر الإشارة إلى أن الإعلان الدستوري كان الأكثر وضوحاً عن سابقه من الوثائق الدستورية في كفالته حقوق الأسرة، عندما اعتبرها ركناً أساسياً للمجتمع تحميها الدولة، كما تحمي الزواج وتشجع عليه، علاوة على أن تمتد حماية الدولة إلى الأمومة والطفولة، في إشارة إلى إيلاء المشرع الدستوري للمرأة والطفل الحماية اللازمة والكافية.[11]  

أما وعلى مستوى ضمانة الحق في التعليم، فقد اكتفى الإعلان الدستوري بالتنصيص على ضمانته وحسب، دون الإشارة إلى إلزاميته في المراحل الأولى للطفل أو مجانيته حتى،[12] كما كان عليه الحال فيما سبقه من وثائق دستورية.

ولا يخفى أن النص على هذه الحقوق وما يعقبها من ضمانات ظل حبيس الدسترة المجردة دون أن تلقى لها صدى عملي، فما طرأ على الدولة من تحول في نظامها السياسي وما نجم عنه من تعاظم في مراكز القوى المسلحة غير النظامية كانت له ارتداداته على تحجيم هذه الحقوق والنيل منها، تارة على مستوى التعديل في التشريعات النافذة لا سيما منها قانون الأحوال الشخصية كما سنأتي على ذكره، وتارة بالحد من دور المؤسسات الضامنة لنفاذ هذه الحقوق كالأمن والقضاء كما سيتبين. 

رابعاً: ضمانات المرأة والطفل في مشروع الدستور 2017:

أحيل عن الهيئة التأسيسية لإعداد مشروع الدستور ما عكفت على نضمه من نصوص بمشروع الدستور إلى مجلس النواب لاستئناف إجراءات الاستفتاء الشعبي عليه، وهو مما لم يتحقق إلى حينه؛ باستقراء نصوص هذا المشروع يظهر لنا أن المشرع الدستوري قد أحاط ببعض مما له صلة بحقوق المرأة والطفل جملة من الضمانات، الأمر الذي يطرح بإلحاح ضرورة الخوض فيها وسبر أغوارها اتساقاً مع ما يسعى البحث إلى استدراكه من غايات.

يمكن القول إن مشروع الدستور هذا عندما توفر على هذه الضمانات، فقد التأم عليها في محطة أولى جاء فيها ذكر المرأة على سبيل التخصيص ما أن انبرى لكفالة حقها في تكافؤ الفرص، فنص في المادة 16 منه على أنه: "تكافؤ الفرص مكفول للمواطنين والمواطنات، وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير اللازمة لتحقيق ذلك".[13] 

كما لا يفوتنا الإشارة إلى أن مشروع الدستور هو الأخر لم يأتي خلواً من أن يكفل للأسرة حمايتها، وذهب كما قبله لأن خص الأمومة والطفولة بهذه الحماية في كنف الأسرة التي يعتبرها المشرع الدستوري في نصوص هذه المسودة هي أساس المجتمع.[14] أما وفي صدد الحفظ للأسرة المستوى المعيشي اللائق فقد أولى رعاية للأسرة محدودة الدخل بأن ألزم الدولة بوضع السياسات التي ترعى هذه الأسرة.[15] 

جدير بالإشارة أن هذا التحول في مستوى فهم ضمانات المرأة والطفل خلال رحلتها عبر هذه الوثائق الدستورية، قد طرأ فيما تم نظمه في هذه الوثيقة المقدمة كمشروع للدستور، حيث كانت المرة الأولى التي يتم فيها التنصيص على حقوق المواطنات بميدان المساواة في حقوق المواطنة. إن هذا التخصيص في اللفظ يعكس إرادة المشرع الدستوري في توخيه حفظ حقوق المواطنة للمرأة سوياً بالرجل، وهو مما استعمله حتى في واجب الدفاع عن الوطن الذي جعله واجب على كل مواطن ومواطنة.[16] 

ومثلما عمد المشرع الدستوري إلى زرع هذا اللفظ من باب التخصيص، إلا أنه لم ينل ذلك من كون مشروع الدستور هذا قد شكل تحولاً كبير على مستوى إرساء ضمانات المرأة قياساً بغيره. حيث أفرد مساحة خاصة لدعم حقوق المرأة، فألزم الدولة بدعم المرأة وإحاطتها بالرعاية اللازمة، وألقى على عاتق السلطة التشريعية مهمة سن القوانين التي يتوفر من خلالها للمرأة هذه الحماية، وقد تسللت نصوص الدستور حتى لجوانب سوسيولوجية، فحث مشروع الدستور على حفظ كرامتها اجتماعياً ضد التمييز وضمان حقها في التمثيل السياسي.[17]  

ولم يهمل أيضاً مشروع الدستور لأن يكفل للطفولة حقه في التعليم الإلزامي ومجانيته في كافة مراحل تعليمه،[18] ثم سيان وتنصيصه على دعم حقوق المرأة، جاء ليضمن للطفل حقوقه بأن أناط بالدولة حمايته، عطفاً على أن تتوخى تشريعات الدولة وسياستها المصلحة المثلى للطفل. حيث نص المشروع في المادة 59 منه على أنه: "تتخذ الدولة التدابير كافة لتمتع الطفل بحقوقه كافة، وحمايته من الأوضاع التي تعرض مصالحه وتعليمه ونموه للخطر، وتبني تشريعاتها على المصلحة المثلى له".

يأتي هذا في حين ان النص على ضمانات المرأة والطفل بالوثائق الدستورية المتعاقبة جاء مقتضباً دون أن يفرد لها المساحة الكافية مقارنة بما هو وارد بالاتفاقيات الدولية لا تعتبر ليبيا طرف فيها، لا سيما على مستوى مشاركة المرأة في صنع القرار على سبيل المثل وحقوق أخرى،[19] أو ما هو مضمن في السياق نفسه بالدساتير المقارنة ومنها ما توسع في صونه الدستور المصري الصادر في 2014، حيث كرس للمرأة حقوقاً على مستويات اقتصادية واجتماعية وثقافية، علاوة على المدنية والسياسية الأخرى، فيما شكله من حماية للمرأة ضد أشكال العنف، وذهب ليوفق لها بين واجبات الاسرة ومتطلبات العمل، وخص المرأة المسنة والنساء الأشد احتياجاً بتوفير الرعاية الكافية.[20] 

وفي ضمانه حقوق الطفل، فقد كفل الرعاية الأسرية وكذا البديلة وضمان التغذية المأوى. ناهيك عن حق الطفل في التعليم والصحة وحمايته من أشكال العنف وسوء المعاملة والاستغلال الجنسي وحتى التجاري،[21] وفي السياق نفسه جاء الدستور الألماني ليمنح الدولة حق مراقبة واجب تربية الأبوين لأطفالهم،[22] وهي ضمانات كانت تفتقر إلى التنصيص عليها الوثائق الدستورية المشار إليها.

وعلى مستوى مقارن أخر، أكد الدستور الفرنسي على حق المرأة في تقلد المناصب والوظائف الانتخابية عطفاً على توليها المناصب المهنية والاجتماعية الأخرى، وللطفل حق الحصول على الخدمات الصحية ووضع الدولة موضع المسؤولية في ضمان الظروف اللازمة لتنمية الأسرة وحماية الأمومة والطفولة،[23] ثم جاء الدستور الإيطالي ليكفل للمرأة حق العدالة سيان والرجل في الأجر الناجم عن العمل دون أن يتقاطع ذلك مع وظيفتها الأساسية كأم.[24] 

وغني عن فضل البيان أن ما يجعل من حقوق المرأة في ميدان السياسة وإن تم النص عليها دستورياً بالوثائق الدستورية الليبية عبر ما مررنا به من محطات، لا تتعدى كونها دسترة مجردة دون أن تلقى هذه النصوص حظها في النفاذ، الأمر الذي تأكد عن طريق اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة في توصياتها بوثيقة الأمم المتحدة رقم 38 لسنة 1997 بقولها: "إزالة العقبات القانونية أمر ضروري أنما ليس كافياً".

تأسيساً على ذلك ظل في تذليل الصعاب المفروضة بحكم الواقع في مواجهة مشاركة متساوية للمرأة في الحياة السياسية التحدي الأكبر، باعتباره وطراً يسري بهذه النصوص الدستورية إلى الواقع العملي المعاش، ومن ذلك التنصيص على هذا الحق في قوانين الانتخابات وتبيئت مشاركة سياسية فاعلة للمرأة في الحياة السياسية عبر وضع برامج التدريب وتوفير الدعم المالي اللازم.[25]  

ناهيك عن أن دسترة حقوق المرأة والطفل على هذا النحو المنقوص لم يكن ليذود عما تسرب إليها من انتهاكات، ولا أن تتلقفها المؤسسات المعنية فتعمل على محو تلك العادات وأوجه المنع الناجمة عن سلوكات تحول دون تحقيق المساواة أسوة بالرجل، بل وحتى إلحاق الضرر بها سيان والطفل، بحسب ما تم الحث عليه بوثيقة الحقوق الدستورية للمرأة الليبية.[26] 

وليس حق الطفل في الرعاية وعدم التعدي هو الأخر بمصان عن هذه الممارسات التي تأتي مناوئة لما هو مكرس دستورياً، فما يلبث بين كل فينة وأخرى إلا ونكون بصدد انتهاك لهذا الحق أو امتهان لعنف يتسبب عن إيذاء جسيم ممن يفترض بهم تولي رعايته والعناية به، في صورة تعكس مواطنة ناقصة وفجوة واسعة بين النص والتطبيق.[27] 

المطلب الثاني: تجليات النقص في التشريعات السارية.

إن ما تم توطيده من حقـــــــــوق للمرأة بالنظــــر إلى منظومة التشريــــــعات الليبية، يأتي منها تلك الــــــتي تعترف للزوجة بحق الإنفاق عليها من قبل الزوج ضمن ما أرسى له القانون رقم 10 لسنـــــــة 1984 بشأن الأحــــــكام الخاصة بالزواج والطلاق وآثارهما، فضلاً عن أموال الزوجة الخاصــــــــة هي الأخرى مصانة من التعرض لها، ولها حق التصرف فيها كما تــــــــــشاء، وهي محصنة بموجب نص القانون من أن يلحق بها أي ضرر مادي كان أو معنوي.[28]    

إن إلزام الزوج بالنفقة ترتيباً على ذلك يتحدد بالمسكن والطعام والكسوة والعلاج حال أن كان الزوج موسر[29] ومن جهة كان للزوجة أن تطلب التفريق لعيب في الزوج يمنع مقاصد الزواج وتحقق غاياتهن ويكون لها حق حضانة الأطفال بعد الطلاق والمسكن المناسب مدام حقها في الحضانة قائم. ناهيك عما حفظه القانون المذكور من مكانة للمرأة تكريساً لحق المساواة بأن منحها الحق في الشهادة على عقد الزواج.[30]  

بيد أن هذه الضمانات التي يكفلها القانون لم تلبث إلا وأن قوضت ما أن دخل القانون رقم 14 لسنة 2015 بشأن تعديل المادة 14 من القانون المشار إليه حيز النفاذ، ليصادر على حق المرأة في أن تكون شاهداً على عقد الزواج.[31]

أما وفيما انبرى له القانون رقم لسنة 1984 المشار إليه مما قد يلحق المرأة من ضرر مادي أو معنوي جراء ما قد تتعرف له من عنف، لا زال في أمس ما يكون إلى تيسير سبل العدالة أمامها حتى تمتد نصوص القانون فتطال ما قد يمتهن في حقها من تعنيف باعتبارها في مواطنة متساوية والرجل.

في الاتجاه الموازي كان لقانون علاقات العمل رقم 12 لسنة 2010 أن يرسخ بدوره لجملة من الضمانات للمرأة في ميدان العمل. فنص على أنه لا يجوز تكليف المرأة بأعمال لا تتناسب وطبيعتها، مؤكداً على عدم التمييز بينها وبين الرجل، والتمس لها تخفيض ساعات العمل في بعض من الأعمال التي تأتي اللوائح على ذكرها.[32]  

كما تجدر الإشارة إلى أن هذه الضمانات تمحورت حتى على منحها حق إجازة الأمومة لـ 24 أسبوعاً وإلى 26 حال انجابها أكثر من طفل، يشمل ذلك الحق في فترة رضاعة لا تقل عن ساعة بعد التحاقها بالعمل، على أن توفر جهة العمل أماكن لحضانة الأطفال بحسب المادة 25 و26 من القانون المشار إليه.

وما أن يظهر لوهلة ما تحظى به المرأة من حقوق وضمانات بموجب ذلك، حتى تتأكل أمام ما تعوزه من ضمانات تشريعية أخرى، حيث لا يكتفى بأن يكون الأجر متساوياً مع الرجل في العمل ذي القيمة المتساوية مثلاً، وإنما كان يلزم تقييد جهة العمل بأن يكون ذلك أمراً لازماً، كما جاء في قانون العمل الأيسلندي الذي ألزم الشركات والمؤسسات الحكومية بضرورة الحصول على شهادة حكومية تسمى (شهادة الأجر المتساوي) ترسيخاً لمبدأ المساواة هذا.[33]

كما اتجه قانون التأمينات الاجتماعية السويدي لأن يشرك الزوج في إجازة الأم عند إنجابها الطفل بهدف رعايته على حد سواء، وهو مما جاءت نصوص قانون العمل الليبي خلواً من الإشارة إليه، إذ في رعاية الطفل والعناية به شأن مشترك يتشاركه الأبوين سويا لا الأم فحسب.[34] 

أما وعلى مستوى ما يجب كفالته للطفل من ضمانات، فبعد اعتبار ليبيا طرف في اتفاقية حقوق الطفل عام 1989 تم إصدار القانون رقم 5 لسنة 1997 بشأن حماية الطفولة، والذي حقق بدوره للطفل ضمان الخدمة الصحية وعدم التعدي عليه ورعايته وتعليمه.[35] إلا أن هذا القانون المعني بتوخي حماية الطفل جاء مقتضباً في نصوصه السبعة عشر عن التعرض أكثر لهذه الحماية.

من ناحية مقارنة لم يشدد قانون حماية الطفل في فرنسا على حماية الطفل من العنف المادي فحسب، بل جرم حتى العنف النفسي، وخص الأسرة عن غيرها بالخطاب في هذا الجانب، ثم ألزم الدولة بمتابعة صحة الطفل النفسية.[36]

كما يحظر قانون الطفل العقاب البدني للطفل بحسب المادة 10 من قانون الطفل، ومنحه علاوة على ذلك الحق في التعبير عن رأيه بالمادة 6 من القانون نفسه، وفي كندا نص قانون حماية الطفل على جواز إخراج الطفل من أي بيئة فيها ما يضره وبشكل طارئ بحسب المادة 7 من قانون حماية الطفل، ولم تكن التشريعات المصرية بعيدة عن ترسيخ هذه الضمانات، عندما كرست لحقه في حرية التعبير وما يتبعه من تلقي الأفكار وطلب المعلومات وإذاعتها دون تقييده بالحدود، ويشمل ذلك تعبيره بالكتابة أو الفن أو القول، وله في سبيل ذلك أن يكون إرادته الخاصة وحق الاستماع إليه فيما يتعلق به من مسائل.[37]   

ولا ينل من ذلك ما حظي به الطفل من حمايات على المستوى الجنائي، قد توفر عليها في قانون العقوبات الليبي، حيث يعتبر غير مسؤول جنائياً الصغير الذي لم يبلغ بعد سن الرابعة عشر من عمره،[38] وللقاضي أن يتدبر وقائياً الظروف فيلائمها حال أن أتم السابعة من عمره وقت اقترافه الجرم،[39] كما خص القانون الأحداث المتشردين بتدابير تتوافق وطبيعة هذه الفئة، ونص على تشكيل محاكم خاصة بالأحداث، مع توخي الرفق في استجوابه وحضور محام أو ولي الأمر أو الوصي لتنبعث فيه الطمأنينة والهدوء.[40] 

لا مراء في أن التحدي الأكبر يتجسد في استثمار ما يجود به الواقع المعاش، حتى يتسنى لنا أن نقرأ رحلة حقوق المرأة والطفل وضماناتها من التنصيص إلى التطبيق، ومدى ما انتهت إليه في وقتها الراهن، وهو مما سنقف عليه بالمبحث الثاني من هذا البحث.

المبحث الثاني: استثمار المعطيات الواقعية عبر الاليات الرقمية.

في مقاربة واقعية رقمية نسعى من خلالها إلى استجلاء واقع المضمون للمرأة والطفل من حقوق، يظهر لنا أن طريق السريان بها من النص إلى إنفاذه كان محفوفاً بالمخاطر، فما برحت التشريعات وإن جاءت منقوصة وهي تكرس لهذه الحقوق سواء على المستوى الدولي أو الوطني، إلا أن الواقع ما بات وهو يحد منها وأحياناً ينتهكها.

إن البنى المؤسسية الرصينة هي السبيل في ضمان إنفاذ هذه الحقوق وكفالتها، حيث تطال نصوص القوانين ذات الصلة من خلال هذه المؤسسات كل ما من شانه أن يقوض من حقوق المرأة والطفل، لتبقى مصانة بموجب منظومة تنفيذية تتجاوز الواقع العادي إلى تبيئت الفضاء الرقمي هو الأخر في خدمة هذه الحقوق وضماناتها.

المطلب الأول: الواقع المعاش كمرتكز لإنفاذ الحقوق والضمانات الدستورية للمرأة والطفل.

مررنا فيما سبق على جملة من النصوص الدستورية الناظمة لحقوق المرأة والطفل في ليبيا، ما يعكس إدراك المشرع الدستوري لدور هذه الشريحة المحوري في بناء المجتمع وتنميته المستدامة، وبرغم ذلك، ظلت الفجوة الإجرائية قائمة بين فرضية سمو الدستور وتعسر نفاذه.

لا ريب في أن الواقع الليبي المعاش وما يطرحه من تحديات سياسية فأمنية فاجتماعية واقتصادية، هو الفيصل في بيان مدى تحقيق الحماية اللازمة وكفالة الضمانات الدستورية الممنوحة للمرأة والطفل. ولما كان هذا المطلب يهم بتحليل الواقع المعاش وتداعياته على هذه الحقوق، فهو يسعى فيما يسعى إليه إلى كشف الغطاء عن واقع الحقوق الدستورية هذه بما يضمن إنفاذها كأساس لإطلاق عنان النصوص الدستورية ذات العلاقة.

إن أجهزة إنفاذ العدالة تئن تحت وطأة ما تشهد في بعض المناطق من الاصطراع يحتدم كل آن ليحد بدوره من حقوق المرأة والطفل ويهدر ضماناتها، حيث تضعف هياكل القضاء والأجهزة الأمنية جراء تدخل الفصائل المسلحة غير النظامية في العملية القضائية والأمنية، وتهدد حياة المعنيين بالعمل ضمن هذه المؤسسات، مما يعوق تحقيق العدالة ويفتح الباب ربما أمام القضاء الدولي حتى يمارس دوره المكمل للقضاء الوطني حال أن عجز هذا الأخير عن تعقب الجناة ومنتهكي هذه الحقوق.[41]

لا شك أن ما عصف بمنظومة العدالة هذه من رياح ألقى بظلاله حتى على ما يجب أن تتوفر عليه هذه الفئة من حقوق مالية، فما يسيل للجنة العليا للطفولة المشكلة بموجب قرار مجلس الوزراء[42] من مبالغ ومنها ما قدر بمليون ومئتان ألف دينار ليبي لصرفها على الاحتياجات الضرورية والعاجلة،[43] لم يسبق وأن تم الكشف عنها بمعرفة اللجنة عما إذا كانت قد سيل، وأوجه إنفاقه. وهو مرتكز واقعي يفتح الباب على شأن رقابي متعثر هو الأخر، في موازاة ما يعانيه القطاع العدلي حتى يضطلع بدوره في التصدي لما قد يقترف من جرم في حق هذه الفئة. 

ولا ريب تتسع هذه المعاناة لتشمل حتى العامل الاجتماعي الذي يأتي مناوئاً لما هو مكفول للطفل على وجه الخصوص من ضمانات بموجب التشريعات النافذة، لتسهم نسب الطلاق المخيفة في تبديد الحقوق الاجتماعية للطفل، بل وتنجرف به نحو الانحراف حتى.[44]

من ثم فإن الوقوف على بحث مثل هذه الأسباب ومعالجتها اجتماعياً على مستويات تنفيذية، من شأنه تهيئة حياة أكثر أمناً واستقرار للمرأة والطفل على حد سواء. فلما بلغ حالات الطلاق على مستوى ليبيا في عام 2024 معدل 2.5 لكل ألف شخص، وفي بنغازي خلال عام 2023 سجلت 3293 حالة طلاق بنسبة 51% من عدد عقود الزواج في نسبة هي الأعلى عربياً،[45] كان ذلك تهديد صريح لما تشرعن سلفاً من ضمانات للمرأة والطفل، وقض هذا التفكك مضجع الحقوق المكفولة كالعيش اللائق والرعاية الاجتماعية الكريمة.

وفي السياق نفسه يمكن أن نجد في العامل الاجتماعي هذا ما يعيق المرأة عن ممارسة دورها في صنع القرار والمشاركة السياسية، فالمجتمع التقليدي يتحيز مراراً للرجل في هذا الميدان، إذا ما تسللنا إلى العادات والتقاليد والأعراف التي كونت أسست للوضع الراهن للمرأة، والتي حالت دون توسيع نطاق المشاركة السياسية لها على نحو إيجابي، الأمر الذي يستدعي ضرورة نشر أفكار تفتح المجال أمام المرأة للمشاركة فيما هو حكر على الرجل، بما في ذلك أن تسهم في صنع القرار السياسي.[46] 

إن هذه العادات والأعراف المغلوطة في حاجة إلى تشبيك رسمي تضطلع به الجهات ذات العلاقة على مستويات تشريعية وتنفيذية، لا سيما لجنة شؤون المرأة والطفل بمجلس النواب ووزارة الشؤون الاجتماعية وكذا وزارة الدولة لشؤون المرأة، كما لمؤسسات المجتمع المدني والأحزاب دور رئيس في الدفع باتجاه إعادة فهم هذه العادات والأعراف على نحو يحقق أكبر فرص ممكنة لمشاركة المرأة في ميدان السياسة والإسهام في صنع القرار.

لا مراء في أن الواقع المعاش بما يحمله في طياته من تأثير في حقوق المرأة والطفل على المستوى العدلي والأمني والاجتماعي والسياسي وكذا الاقتصادي لم يكن ليواكب ما تم التنصيص عليه من ضمانات، مما تعثر معه إنفاذ هذه الحقوق وضمانها، وأفرز تحديات لا مناص من مواجهتها بميكانيزما مؤسسية ناجحة تصون الحقوق الدستورية هذه بصورة ناجعة. ولعل في استثمار التقنية سبيل في الحد من هذه التحديات القائمة وفقاً لما سيتم بيانه بالمطلب الثاني من البحث الراهن.

المطلب الثاني: الرقمنة كرافد لمسار الإصلاح المؤسسي.

إن ما تشهده ليبيا من تحديات طاحنة، ألقى بظلاله على البنية السيسولوجية وظل معه صون حقوق وضمانات المرأة والطفل ركيزة أساسية في الوصول إلى مجتمع آمن ومستقر، حيث يكتسي الإصلاح المؤسسي أهمية فريدة كونه مدخل حيوي لحفظ هذه الحقوق والضمانات؛ يتحقق ذلك عبر منظومة بنيوية تنفيذية قادرة على إنفاذ التشريعات والرصد والرقابة على ما هو واقع من انتهاكات، بيد أنه لا يستوي التصدي لهذا التحدي بمسالك تقليدية يتخللها تعقيد الإجراءات وتباطئها، وإنما الأنجع يكمن في الاستجابة السريعة لها.

ولا مندوحة من إقحام الرقمنة في مسار الإصلاح المؤسسي من شأنه تجسير البون بين النص القانوني والواقع المعاش من جهة، وبين مركزية القرار ولا مركزية الخدمة من جهة أخرى. وإذ نهم ببيان ما يلعبه توظيف الرقمنة في سياق الإصلاح المؤسسي من دور فعال في صيانة حقوق وضمانات المرأة والطفل، لا يمكن أن نستثني مؤسسة الاسرة كمؤسسة أولى تتصل بضرورة التجويد من مخرجات البيئة الرقمية لصالح الطفل وتهذيب سلوك الولوج إلى هذا المجتمع الذي بات مستخدماً على المشاع في أواسط الأطفال.

لا مواربة في أن هذه الخوارزميات الرقمية بمثابة سلاح ذو حدين، فإما أن ترفع من احتمالات تفكيك الأسر وحل العلاقات الاجتماعية بالنظر إلى ما قد ينبثق عنها من أفكار هدامة، ناهيك عما ينجم عن التواتر على استخدامها من أضرار صحية ونفسية، وإما أن تستثمر على نحو إيجابي.

إن في استثمار البيئة الرقمية بشكل إيجابي دور في التنشئة الاجتماعية للطفل وتنمية قدراته التعليمية في كنف الإرشاد والمتابعة الاسرية، حتى يبرز دور الأسرة والوالدية الرقمية[47] كمؤسسة أولى تستثمر الرقمنة في تحقيق الإصلاح المؤسسي ذلك الذي يرمي إلى انتاج أطفال اسوياء سلوكياً وصحياً، وهنا يكون في توعية الاسرة مرتكزاً أساس للانتقال بالوالدية من الواقعية إلى الرقمية حتى.

ترتيباً على ذلك سعت الولايات المتحدة الأمريكية في وضع برنامج يمكن الآباء من الرقابة على أطفالهم عند ولوجهم المجتمع الرقمي درء لاستغلالهم فيما قد يشكل جرماً وفق ما نظم قانون الجرائم الإلكترونية الليبي،[48] حيث يحظر على الأطفال الولوج إلى بعض المواقع التي يحظر الوصول إليها تماثلاً لمبدأ الرقابة الاجتماعية المقيدة لا المطلقة.[49] 

ولا تثريب في إشراك الأبوين سويا والطفل فيما عو متاح للطفل من مساحة رقمية ترسيخاً لهذا النوع من الرقابة الفاعلة، وفي هذا السياق عمل الاتحاد الأوروبي على حماية البيانات الخاصة للطفل عند معالجة البيانات الشخصية الخاصة، فأكد عبر اللائحة العامة للبيانات على ضرورة موافقة الطفل فيما يتصل بخدمات مجتمع المعلومات، بحيث يكون ذلك مقيد بموافقته متى كان في سن السادسة عشر، وبموافقة ابويه إذا كان ما دون هذه السن.[50]

إن تسييل الأفراد بما فيهم الأطفال لبياناتهم الشخصية عبر التطبيقات الرقمية من خلال الخوارزميات المختلفة في مقابل الحصول على منفعة ثقافية كانت أو تعليمية، يستدعي بالضرورة تحصين هذه البيانات ضد أي افتئات، وهو تحد يطرق باب المشرع الليبي لكفالة حق إنساني أساسي باعتباره لا يتعلق بالشركات العابرة للحدود مستقبلة هذه البيانات، وإنما يتعلق بما تسلكه الدولة الوطنية من نهج في نطاق البيئة الرقمية بهدف تأمين الطفل ضد أي انتهاك أو استغلال لبياناته.[51]

أما على مستوى المرأة والناي بها عن العنف الذي قد يمارس ضدها رقمياً أو أي وجه من أوجه التمييز، فيمكن استثمار التكنولوجيا الحديثة في برامج توعية واسعة، وكذا رصد وتحري مواطن هذا العنف والاستجابة لها من خلال تسهيل البلاغات كتلك المعمول بها بالمملكة المغربية فيما عرف ببرنامج (جسر) وهو الذي يروم إجراءات جيل جديد من الخدمات الاجتماعية، وينهض على التقائية الخدمات الاجتماعية بين مراكز التعاون الوطني النافذ في الفضاء الرقمي، والتي تتوصل بخدمات الاستقبال للبلاغات والاستماع والتوجيه والادماج في مسارات عدة.[52]     

ومما لا شكك فيه أن في تسخير الرقمنة تفعيل لدور المرأة في مناحي الاقتصاد والاعتماد على الذات كنموذج، مما يدعو لاستهدافها بالتدريب والتأهيل حتى تنبري لما قد تواجه من تحديات اجتماعية واقتصادية. فعلى سبيل المثل أسهم برنامج (قدوة-تك) في مصر الذي استهدف تدريب الفتيات على المهارات الرقمية والتكنولوجيا في خدمة المجتمع، ما أدى إلى أن صارت المرأة شريكاً رئيسياً في قطاع الاتصالات، حيث تشكل أكثر من 40% من القوى العاملة، كما نجم عنه تمكن 37% من المشاركات في هذا البرنامج من إنشاء مشاريعهن الخاصة ما أن انتهى تدريبهن على ذلك.[53]    

إن هذه الروافد الرقمية التي أشرنا إليها تلقي على الدولة التزاماً تشريعياً وكذا تنفيذياً من شأنه تبيئت الفضاء الرقمي في خدمة حقوق وضمانات المرأة والطفل، على نحو أكثر نجاعة مما تطرحه الوسائل التقليدية بما تحمله في طياتها من رتابة وعسر في رصد ما قد يعترض طريق هذه الحقوق والضمانات من تعدي، أو يعكر صفو التمتع بما هو مكرس للمرأة والطفل من حقوق.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                                  الخاتمة

     يتجلى من خلال هذه الرحلة البحثية، أن ما ترسخ عبر الوثائق الدستورية الليبية من حقوق وضمانات للمرأة والطفل قد تعذر ترجمته على مستويات تشريعية وتنفيذية حتى، ما قض من مضجع هذه الحقوق والضمانات وقوض منها في صورة تنم عن مواطنة ناقصة لهذه الفئة الضعيفة.

     إن ما تلعبه الظروف الاستثنائية بليبيا، وما تراكم عبر المراحل الانتقالية ومنها تفشي السلاح وتكون فصائل مسلحة غير نظامية حد من فاعلية القضاء المعني بالرقابة على هذه الحقوق، وزاد في البون بين النص والواقع.

     وعند السعي لتحسس النور وسط ما يخيم على هذه الضمانات من ظلام، تصورنا في استثمار التقنية مخرجاً يؤطر لحقوق وضمانات مكفولة قدر الإمكان، وذلك عبر توظيف الفضاء الرقمي في التبصرة بحقوق المرأة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وكذا محاولة التجويد من المخرجات الرقمية ليكون لها انعكاسات إيجابية على الطفل من حيث نشأته وتكوينه والرفع من قدراته العلمية وسط رقابة أسرية وعلى مستوى الدولة حتى، وانتهى البحث إلى جملة من التوصيات:

1-       دسترة حقوق المرأة والطفل الرقمية بالدستور المرتقب.

2-      مراجعة التشريعات ذات العلاقة بالمرأة والطفل، لخلق أكبر قدر ممكن في تمكين المرأة على المستوى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي، فضلاً عن خلق بيئة أكثر ضماناً لحقوق الطفل على المستويين: الواقعي والرقمي.

3-      إنشاء منظومة وطنية رقمية تكاملية تضامنية، تعنى برصد حالات التعدي على المرأة والطفل، وتستجيب لها وتضمن أمن البيانات المتدفقة صوبها.

4-     المواظبة على إنتاج محتوى رقمي توعوي بحقوق هذه الفئة، وتوجيهها إلى المسارات الصحيحة.   

5-      التوعية الاجتماعية بهذه الحقوق والضمانات عبر وسائل الإعلام والمجتمع المدني والخطاب الديني، الذي يبين حرمة الانتهاك المقترف في حق هذه الفئة الضعيفة بالمجتمع.                                   



[1]) تم النص على الحقوق المدنية هذه بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في 1966، حيث تعتبر ليبيا طرف في كل منهما، وقد جاء ترتيب هذه الحقوق على النحو الاتي: الحق في الحياة، الحق في السلامة الشخصية، الحق في الحرية والأمن الشخصي، حظر الرق والاستعباد للإنسان، حرية الفكر والوجدان والدين، حرية التنقل والإقامة وحرية الرأي والتعبير والاجتماع السلمي وتكوين الجمعيات والنقابات، حظر التمييز، الحقوق ذات العلاقة بالحياة الخاصة والأسرة.

[2]) الحقوق السياسية بحسب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية هي: الحق في إدارة الشؤون العامة، الحق في الانتخاب، الحق في الترشح، الحق في تقلد الوظائف العامة، حرية تكوين الأحزاب والجمعيات، حرية التجمع السلمي.  

[3]) الدستور الليبي الصادر في 1951، الفصل الثاني، المادة 11.

[4]) المرجع نفسه، المادة 30.

[5]) المرجع نفسه، المادة 35.

[6]) الإعلان الدستوري الليبي 1969، المادة 3. 

[7]) المرجع نفسه، المادة 5.

[8]) المرجع نفسه، المادة 14.

[9]) جازية جبريل محمد، حقوق المرأة في ليبيا: الحفاظ على مكتسبات الماضي وتوجسات المستقبل، مجلة المفكرة القانونية، العدد 3، 2015، legal-ageda.com.

[10]) الإعلان الدستوري الليبي الصادر في 2011، المادة 6.

[11]) المرجع نفسه، المادة 5.

[12]) المرجع نفسه، المادة 8.

[13]) مشروع الدستور الليبي 2017، المادة 16. 

[14]) المرجع نفسه، المادة 27.

[15]) المرجع نفسه، المادة 30.

[16]) المرجع نفسه، المادة 9.

[17]) المرجع نفسه، المادة 49.

[18]) المرجع نفسه، المادة 52. 

[19]) من ذلك ما ورد بالمادة 25 من العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب بالمادة 13 منه، وما جاء بالمادة 9 من البروتوكول الملحق بالميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (بروتوكول مابوتو)، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة 1989، والميثاق العربي لحقوق الإنسان واتفاقية حقوق الطفل عام 1989، واتفاقية سيداو عام 1989.  

[20]) الدستور المصري الصادر في 2014، المادة 11.

[21]) المرجع نفسه، المادة 80.

[22]) القانون الأساسي الألماني الصادر في 1949، المادة 6، الفقرة 5.

[23]) ديباجة الدستور الفرنسي الصادر في 1958.

[24]) الدستور الإيطالي الصادر في 1947، المادة 37.

[25]) اللجنة الدولية للحقوقيين، حقوق الإنسان للمرأة في مسودة مشروع الدستور الليبي، 2021، ص 8، icj.ovg

[26]) منبر المرأة الليبية من أجل السلام، وثيقة الحقوق الدستورية للمرأة الليبية، ص 45.

[27]) حيث نشر عن وكالة الأنباء الليبية بتاريخ 22 أكتوبر 2025 في بنغازي أن مديرية أمن بنغازي أعلنت عن أب يقتل أطفاله السبعة وينتحر بعد ذلك، lana.gov.ly، كما نشر عن شبكة الرائد الإعلامية أن مركز شرطة الصابري ببنغازي ألقى القبض على أب كان يحاول حرق أولاده بعد أن قام بحبسهم في غرفة وذلك بتاريخ 13 ديسمبر 2025، arraedlg.net

[28]) القانون رقم 10 لسنة 1984 بشأن الأحكام الخاصة بالزواج والطلاق وآثارهما، المادة 17.

[29]) المرجع نفسه، المادة 23. 

[30]) المرجع نفسه، المواد: 14، 42، 62، 70. 

[31]) القانون رقم 14 لسنة 2015 بتعديل أحكام القانون رقم 10 لسنة 1984 بشأن الأحكام الخاصة بالزواج والطلاق وآثارهما، المادة 6. 

[39]) المرجع نفسه، المادة 316.

[40]) د. خليفة صالح أحواس، الحماية القانونية للطفولة، مجلة أبحاث قانونية، العدد السابع، 2019، ص 39.

[41]) عدنان بوزان، مبادئ القانون الدولي العام، 2023، ص 391.

[42]) حيث نص القانون رقم 5 لسنة 1997 بشأن حماية الطفولة في المادة 12 منه على: "تنشأ لجنة تسمى اللجنة العليا للطفولة تتولى إعداد الخطط والبرامج اللازمة للاهتمام بالطفل ومتابعة الجهات ذات العلاقة بتنفيذ أحكام القانون وإصدار ما يلزم من تعليمات في هذا الشأن".

[43]) قرار مجلس الوزراء رقم 737 لسنة 2021 بتخصيص مبلغ مالي من بند المتفرقات.

[44]) د. سالمة عبد الله حمد الشاعري، الأطفال العاملون في الشوارع، إجهاض لحقوقهم وقتل لطموحاتهم، دار كتاب للنشر، 2025، ب ص.  

[45]) قفزة في معدلات الطلاق في ليبيا، بوابة الوسط، 2024، alwasat.ly.

[46]) محمد بوبكر النحيلي، عبد السلام أحمد هلاش، بعض العوامل الثقافية وعلاقتها بالمشاركة السياسية لدى المرأة الليبية لدى عينة من طالبات الدراسات العليا: أكاديمية بنغازي، مجلة العلوم الإنسانية والتطبيقية، المجلد 8، العدد 15، 2020، ص 458. 

[47] ) عمار خلايفة، محمد دحماني، الوالدية الرقمية الجيدة ودورها في حماية حقوق الأطفال الرقمية: دراسة نظرية تحليلية، مجلة الرسالة للدراسات الإعلامية، المجلد 5، العدد 4، 2021، ص 113.

[48]( حيث نص القانون رقم 5 لسنة 2022 بشأن الجرائم الإلكترونية في المادة 23 منه على انه: "كل من استخدم شبكة المعلومات الدولية أو أي نظام إلكتروني أخر لغرض استغلال القصر أو المعاقين نفسياً أو عقلياً في أعمال إباحية، يعاقب بالسجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن 5000 آلاف دينار ولا تزيد عن 15000 ألف". 

[49]) أمينة علي مبارك علي، أثر التكنولوجيا في الاعتداء على حقوق الطفل والمرأة، مجلة روح القوانين، المجلد 35، العدد 102، 2023، ص 259.

[50]) اللائحة العامة لحماية البيانات بالاتحاد الأوروبي، المادة 8. 

[51]) د. صليحة بوعكاكة، مجدي العرفي، التحديات الدستورية الناجمة عن الدينامية الرقمية، مجلة قانونك، العدد 25، 2025، ص 112.

[52]) أهمية الرقمنة في التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء في وضعية صعبة، الدورة 67 للجنة وضع المرأة-نيويورك-7 مارس 2023، ص 4، Unwlobstorage.core.windows.net

[53]) إيمان الوراقي، تمكين المرأة في العصر الرقمي يصطدم بتحديات الفجوة التقنية، 2024، jusoorpost.com. 


من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله

قانونك



 من أجل تحميل العدد 27  - إضغط هنا أو أسفله


مجلة قانونك - العدد الثالث