ضمانات المشاركة السياسية للنساء في ضوء مستجدات القوانين الانتخابية بالمغرب - عادل عشيبة





ضمانات المشاركة السياسية للنساء في ضوء مستجدات القوانين الانتخابية بالمغرب

عادل عشيبة

باحث بسلك الدكتوراه - كلية الحقوق بالمحمدية

 

Guarantees for Women’s Political Participation in Light of the Developments in Morocco’s Electoral Laws

Adel ACHIBA

 

 

مقدمة:   

تعد قضية المشاركة السياسية للمرأة في المغرب أحد أبرز المحاور التي تختزل مسار التحديث السياسي والمؤسساتي الذي انخرطت فيه المملكة المغربية منذ مطلع الألفية الثالثة. فالمشاركة النسائية لم تعد مجرد ترف حقوقي أومؤشر شكلي، بل أضحت ركيزة استراتيجية تراهن عليها الدولة لتحقيق التنمية الشاملة وضمان استدامة الخيار الديمقراطي. وقد شهد هذا المسار تحولات جذرية، انتقلت بالممارسة السياسية من سياق المطالبة بالحقوق المدنية والسياسية الأساسية، إلى سياق المأسسة والتمكين عبر آليات التمييز الإيجابي والمناصفة الدستورية[1]

فمن خلال تصدير الدستور المغربي[2] لسنة 2011، نجد أن المغرب يرتكز على مبادئ المساواة  والكرامة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، كما ينص في فصله السادس على المساواة بين المواطنين والمواطنات في المشاركة السياسية، فضلا على تأكيده في الفصل التاسع عشر على أن "الرجل والمرأة يتمتعان، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها".

من جهته، ذهب الفصل الثلاثين في اتجاه التنصيص على أن لكل مواطن ومواطنة الحق في التصويت، وفي الترشح، شرط بلوغ سن الرشد القانونية، والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية.

وينص القانون على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية. كما ينص الفصل 115 على ضمان تمثيلية النساء القاضيات من بين أعضاء العشرة المنتخبين في المجلس الأعلى للقضاء. وفي نفس السياق يؤكد منطوق الفصل الستة والأربعين بعد المئة على ضرورة تحسين تمثيلية النساء داخل مجالس الجهات والجماعات الترابية الأخرى.

ونشير أن القانون التنظيمي رقم 25.54 المعدل والمتمم للقانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، ينص في مادته السادسة والعشرين، على العمل من أجل بلوغ نسبة الثلث للمشاركة النسائية في هيئاته القيادية، ويشجع على مشاركة النساء وإن كان لا يفرض على الأحزاب السياسية وضع نسب. ومما يجدر ذكره أن القانون 27.11 المتعلق بمجلس النواب، يخصص نسبة 15% أي 60 مقعدا للنساء من أصل 395. وحسب نفس القانون، نجد تسعين مقعدا في مجلس النواب ينتخبون عن طريق اللائحة الوطنية وثلاثمئة ينتخبون عن طريق اللوائح المحلية. وللإشارة لم يتم تخصيص أية نسبة للمرأة على مستوى الدوائر المحلية.

إن الرهان المغربي اليوم يتجاوز مجرد تأمين الحضور العددي للمرأة داخل المؤسسات المنتخبة، ليركز على جودة التمثيلية وتخليق الحياة السياسية، خاصة في ظل مستجدات القوانين الانتخابية. هذه المستجدات التي جاءت لتنقية البيئة الانتخابية من شوائب الفساد والممارسات التي تعيق وصول الكفاءات، مفسحة المجال أمام نخب نسائية وشبابية جديدة قادرة على مجابهة تحديات التدبير العمومي في ظل نموذج تنموي جديد يضع المواطن  في قلب أولوياته[3]

وبموازاة هذه التحولات التشريعية، يبرز دور التحول الرقمي، كمتغير حاسم في تشكيل الممارسة السياسية المعاصرة؛ فالفضاء الافتراضي الذي أضحى منصة حيوية للتمكين وبناء الهوية السياسية المستقلة، بات يحمل في طياته تحديات أمنية وأخلاقية جسيمة، لعل أبرزها العنف الرقمي والتشهير الممنهج الذي يستهدف تقويض المسارات السياسية للنساء.

 وأمام هذا التداخل بين الفرص التكنولوجية والتهديدات الرقمية، تدخل المشرع المغربي والقضاء الدستوري لوضع ضمانات قانونية رادعة تحمي الذمة الرقمية للمترشحات، وتضمن صدق ونزاهة العملية الانتخابية[4]

ومن كل ما سبق تبرز إشكالية الموضوع على نحو: إلى أي حد تساهم مستجدات القوانين الانتخابية في تعزيز ضمانات المشاركة السياسية بالمغرب؟

لمعالجة هذه الإشكالية سأعمد إلى تسليط الضوء على هندسة التمكين التشريعي  للمرأة المغربية، من خلال استعراض المكتسبات الدستورية والتطور من نظام الكوتا إلى اللوائح الجهوية، مع رصد أثر مستجدات قوانين 2025 في تخليق النخب السياسية. كما سأعمل على تحليل أبعاد المشاركة السياسية في العصر الرقمي، من خلال موازنة الفرص التواصلية التي تتيحها التكنولوجيا مع الضمانات القانونية والزجرية التي تحمي كرامة المرأة وسمعتها في الفضاء الافتراضي.

وعليه سأعالج الموضوع من خلال محورين أساسيين وفق الشكل الآتي:

à   المحور الأول: هندسة التمكين التشريعي وتحديات تخليق الممارسة الانتخابية

à   المحور الثاني: التحول الرقمي بين فرص التمكين ومخاطر العنف الجديد

 

المحور الأول: هندسة التمكين التشريعي وتحديات تخليق الممارسة الانتخابية

تشكل المشاركة السياسية للمرأة المغربية حجر الزاوية في بناء النموذج الديمقراطي التنموي، ومؤشرا جوهريا على مدى نضج التحولات المؤسساتية التي تشهدها المملكة. غير أن هذا الحضور لم يكن نتاجا لتطور عفوي، بل جاء ثمرة تلاقح بين نضالات تاريخية مريرة خاضتها الحركة النسائية، وبين إرادة سياسية عليا عملت على مأسسة المناصفة عبر هندسة تشريعية متطورة تهدف إلى كسر الحواجز السوسيو-ثقافية وتجاوز عوائق التمثيلية التقليدية. إن الرهان القائم اليوم لم يعد منحصرا في تأمين الوجود العددي للمرأة، بل انتقل إلى البحث عن التمكين النوعي الذي يربط بين نبل الرسالة الانتدابية ونجاعة الأداء المؤسساتي.

بناء على هذا التصور، سأعمل في هذا المحور على تفكيك أبعاد هذه الهندسة القانونية من خلال معالجة نقطتين مفصليتين:

أولا: المرجعية الدستورية والمكاسب التاريخية للمناصفة؛ حيث سنستعرض المسار التراكمي للتمكين السياسي للمرأة في ضوء وثيقة 2011، مع تحليل الانتقال الاستراتيجي من الكوتا الوطنية إلى اللوائح الجهوية كآلية لترسيخ القرب الانتخابي وتعزيز الشرعية التمثيلية.

ثانيا: مستجدات القوانين الانتخابية ورهان تخليق النخب النسائية؛ وسنركز هنا على تحليل أحدث التعديلات التشريعية (خاصة القانون التنظيمي 54.25) ومدى قدرتها على تنقية البيئة الانتخابية عبر تشديد شروط الأهلية الانتخابية، وفتح آفاق واعدة أمام جيل جديد من الكفاءات النسائية والشبابية لممارسة سياسية تتسم بالنزاهة والفاعلية

أولا: المرجعية الدستورية والمكتسبات: من نظام الكوتا إلى رهان المناصفة

تعد المشاركة السياسية للمرأة المغربية ثمرة مسار نضالي تراكمي ومؤسساتي، انطلق منذ فجر الاستقلال حين انخرطت المرأة في العمل الوطني (كما تشير الدراسات التاريخية لمساهمة نساء في التوقيع على وثيقة المطالبة بالاستقلال)، وصولا إلى مأسسة هذه الحقوق في الوثيقة الدستورية لسنة 2011. إذ شكلت الوثيقة الدستورية ثورة هادئة  بتنصيصها في الفصل 19 على تمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات كافة، ومؤكدة على  سعي الدولة لتحقيق المناصفة، وهو ما نقل قضية المرأة من دائرة المطالب الفئوية إلى دائرة المبادئ الدستورية السيادية التي تلزم كافة المؤسسات[5]

وفي إطار هندسة التمثيلية، تدرج المغرب في اعتماد آليات التمييز الإيجابي لضمان اختراق النساء للمؤسسات التشريعية، وهو ما يمكن رصده عبر المستويات التالية:

1- هندسة نظام الكوتا كقنطرة للعبور السياسي:

منذ سنة 2002، اعتمد المغرب نظام اللائحة الوطنية كآلية استثنائية لكسر الهيمنة الذكورية وتجاوز العوائق السوسيو-ثقافية التي كانت تقصي المرأة في الاقتراع الفردي. ولم تكن الكوتا مجرد ريع سياسي كما يصفها البعض، بل كانت وسيلة لتعزيز الرؤية النسائية داخل البرلمان وإبراز قدرة المرأة على تولي مناصب القيادة، مما ساعد على تطوير حضورها وتغيير التمثلات الاجتماعية حول دورها في مراكز القرار[6]

2- التحول نحو اللوائح الجهوية وتوطين التمثيلية:

شكلت محطة 2021 منعطفا استراتيجيا باستبدال الدائرة الانتخابية الوطنية بـ 12 دائرة انتخابية جهوية خصص لها 90 مقعدا نسائيا. هذا التحول الهندسي استهدف معالجة مركزية التمثيلية، حيث سمح بخروج النخب النسائية من محور الرباط-الدار البيضاء إلى كافة جهات المملكة، مما حقق نوعا من العدالة المجالية.

 وبذلك، أصبحت البرلمانية المغربية أكثر قربا من انشغالات النساء في المناطق النائية والقروية، وهو ما يرفع من مشروعية الأداء لا مجرد مشروعية الوجود[7]

3- الملاءمة مع المعايير الدولية والالتزامات السيادية:

إن هذا المسار الوطني لم ينفصل عن الانخراط في الشرعية الدولية، حيث شكلت المصادقة على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية حافزا للمشرع المغربي لملاءمة القوانين الوطنية مع المعايير الكونية. وقد اعتبرت هذه الإصلاحات ركيزة أساسية لإرساء دعائم التنمية المستدامة، حيث لا يمكن تصور تطور ديمقراطي حقيقي دون إشراك وإدماج المرأة كشريك فاعل في العملية التنموية السياسية والاقتصادية[8]

4-إصلاح المنظومة القانونية كمدخل للتمكين:  

لقد واكب هذا التطور الدستوري إصلاحات حقوقية موازية، لاسيما مراجعة مدونة الأسرة التي ارتكزت على مبادئ الإنصاف والمساواة، مما حرر المرأة من بعض القيود الاجتماعية ومنحها ثقة أكبر للانخراط في الشأن العام. إن القوانين والتشريعات لم تعد مجرد نصوص جامدة، بل أصبحت أدوات تمكين تضمن للمرأة مراكز القرار داخل المجالس المحلية والوطنية، وتؤمن لها حقوقا متساوية تعزز من مكانتها داخل المجتمع[9]

ثانيا: مستجدات القوانين الانتخابية ورهان تخليق النخب النسائية

إذا كانت المكتسبات الدستورية والهندسة الانتخابية لعام 2021 قد وفرت الوعاء القانوني لضمان الوجود العددي للمرأة، فإن مستجدات القوانين الانتخابية  (خاصة القانون التنظيمي رقم 53.25 المتعلق بمجلس النواب) قد جاءت لتعالج إشكالية "النوعية" و"النزاهة" في هذا الحضور.

 فقد أبانت الممارسة الميدانية أن العوائق السوسيو-ثقافية وهيمنة النفوذ المالي والقبلي لاتزال تشكل كوابح أمام وصول كفاءات نسائية قادرة على التأثير النوعي في السياسات العمومية[10] وفي هذا السياق، يمكن رصد مستجدات مستجدات القوانين الانتخابية وأثرها في تعزيز التمثيلية النسائية عبر النقاط الموسعة التالية:

1- هندسة التخليق وتشديد موانع الترشح كمدخل للكفاءة:

جاءت التعديلات الجديدة بمقتضيات جريئة تهدف إلى تنقية الخريطة الانتخابية، من خلال توسيع نطاق موانع الترشح لتشمل كل من صدر في حقه حكم قضائي ابتدائي في قضايا جنائية، أو من تحوم حوله شبهات فساد مالي أو تدبيري. هذا المستجد يخدم مباشرة الكفاءات النسائية التي غالبا ما تفتقر لـ "الماكينات الانتخابية" التقليدية القائمة على "نفوذ الأعيان"، مما يفسح المجال أمام نخب نسائية تتسم بالنزاهة والارتباط بالمنظومة القيمية الجديدة للدولة. إن الهدف هنا هو قطع الطريق على "المال السياسي" الذي كان يشكل أكبر عائق أمام دخول المرأة للمنافسة الانتخابية بشروط عادلة[11]

2-تمكين جيل جديد من الشابات المستقلات وكسر "الجمود الحزبي":

فتحت مستجدات القوانين الانتخابية آفاقا غير مسبوقة أمام الشباب المستقلين (أقل من 35 سنة) للترشح لعضوية مجلس النواب خارج الإطارات الحزبية التقليدية. هذا المقتضى يمثل فرصة استراتيجية للشابات الطموحات (جيل Z) اللواتي يجدن صعوبة في اختراق الهياكل الحزبية المغلقة التي تتسم أحيانا بـ "تغييب المرأة" في مستويات القرار الحزبي الأول.

 إن هذا المسلك المستقل سيسمح بتجديد النخب السياسية النسائية وربطها بالتطلعات العصرية للمجتمع المغربي، ويعزز من منسوب الثقة في المؤسسة التشريعية عبر وجوه شابة ومثقفة[12]

3- تحصين المسار الانتخابي من الاستغلال المالي وربط الدعم بالمناصفة:

شكلت التكلفة المرتفعة للحملات الانتخابية دوما عائقا أمام النساء، خاصة مع ضعف التمويل الحزبي الموجه لهن مقارنة بالرجال. إلا أن التعديلات الأخيرة عززت من آليات الرقابة على تمويل الحملات، مع تفعيل مقتضى ربط حصة الأحزاب من الدعم العمومي السنوي بمدى احترامها الفعلي لمبدأ المناصفة في أجهزتها التقريرية وفي ترشيحاتها.

هذا الضبط المالي لا يسهم فقط في خلق نوع من تكافؤ الفرص، بل يحرر المرأة من التبعية المالية التي كانت تعيق استقلالية قرارها السياسي وتجعلها في كثير من الأحيان مجرد مكمل عددي في اللوائح[13] .

4-الانتقال نحو الأداء المؤسساتي والخبرة التقنية النسائية:

لم تعد الرهانات القانونية تقتصر على الوصول للمقعد، بل امتدت لتشمل الفعل والقدرة على التشريع. فالتعديلات الجديدة تراهن على جذب النساء ذوات التكوين العالي (الخبيرات، الأطر العليا) من خلال تقديم تحفيزات معنوية ومادية للأحزاب التي تدمج الكفاءات التقنية النسائية في لوائحها الجهوية.

هذا التوجه يهدف إلى تجويد العمل البرلماني، لاسيما في المجالات المعقدة كقوانين المالية وتقييم السياسات العمومية والدبلوماسية البرلمانية، لضمان أن يكون الحضور النسائي حاملا لـقيمة مضافة نوعية وليس مجرد حضور بروتوكولي[14]

5- الملاءمة المؤسساتية واستقرار الوزارات المعنية:

تعالج التعديلات الجديدة أيضا مشكل عدم الاستقرار المؤسساتي للوزارات المكلفة بحقوق المرأة، عبر مقتضيات تضمن استمرارية البرامج والخبرات الموارد البشرية والمادية المخصصة للنهوض بحقوق المرأة.

إن مأسسة النوع الاجتماعي في كافة الوزارات (الإدماج الأفقي للنوع) يعد ركيزة أساسية لضمان أن القوانين والتشريعات التي تصوت عليها النساء البرلمانيات تجد طريقها للتنفيذ بفعالية في أرض الواقع[15]

 

المحور الثاني: التحول الرقمي بين فرص التمكين ومخاطر العنف الجديد

لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة تقنية عابرة، بل أضحى مجالا سياديا يعيد صياغة قواعد الاشتباك السياسي والانتخابي في المغرب. وبالنسبة للمرأة المترشحة، يمثل هذا التحول منعطفا حاسما؛ فهو من جهة يكسر احتكار الفضاء العام التقليدي ويمنحها منصة ديمقراطية للتواصل المباشر، ومن جهة أخرى يضع "ذمتها الرقمية" وحياتها الخاصة في مرمى استهداف تقنيات التضليل والذكاء الاصطناعي.

إن هذا المحور يرصد جدلية العلاقة بين التكنولوجيا والتمكين النسائي، من خلال استشراف الفرص التواصلية التي يتيحها العالم الافتراضي، والضمانات القانونية المستجدة لحماية النساء من أشكال العنف الرقمي المستحدثة. وسنعالج هذا المحور في نقطتين أساسيتين:

أولا: التكنولوجيا كرافعة لبناء الهوية السياسية المستقلة.

ثانيا: ضبط الخطاب الرقمي وحماية الذمة الرقمية للمترشحات.

 

أولا: التكنولوجيا كرافعة لبناء الهوية السياسية المستقلة

يعد التحول الرقمي مدخلا استراتيجيا لتجاوز العديد من المعيقات الذاتية والموضوعية التي رصدتها الدراسات السابقة كعوائق تحول دون المشاركة السياسية الفعالة للمرأة. وتتجلى مظاهر هذا التمكين الرقمي في النقاط التالية:

1-العدالة التواصلية وكسر الحواجز الجغرافية:

منح الفضاء الرقمي للمرأة المغربية، خاصة في المناطق البعيدة والقروية، إمكانية تجاوز "العزلة المكانية" والقيود الاجتماعية التي قد تمنعها من الحضور البدني الدائم في الاجتماعات الحزبية والميدانية.

 لقد مكنت منصات التواصل الاجتماعي النساء من الانخراط في الدينامية السياسية، مما قلص من حدة التأثير السلبي لارتفاع نسبة الأمية السياسية والاجتماعية التي كانت تُستخدم كذريعة لإقصائهن[16]

2-صناعة الرأسمال الرمزي والبروز المستقل:

سمحت التكنولوجيا للمترشحات ببناء هوية سياسية (Political Branding) تعتمد على الكفاءة الشخصية والمحتوى الهادف، بعيدا عن التبعية للولاءات التقليدية أو تزكية الأعيان. فمن خلال الحملات الرقمية، استطاعت النساء إبراز قدراتهن القيادية وتفاعلهن المباشر مع قضايا المواطنين، مما ساهم في تغيير التمثلات الاجتماعية النمطية حول دور المرأة في مراكز القرار[17]

3-التمكين المعرفي والديمقراطية التشاركية:

وفر التحول الرقمي أدوات للتعلم الذاتي والولوج للمعلومات القانونية، مما ساعد النساء على تجاوز "ضعف التكوين السياسي" الذي كان يعيبه الخصوم عليهن.

كما أتاح لهن ممارسة "الديمقراطية التشاركية" التي نص عليها دستور 2011، عبر العرائض الرقمية والمساهمة في النقاشات العمومية حول السياسات المحلية والوطنية، وهو ما يعزز شرعيتهن كشريكات فاعلات في التنمية[18]

4-التضامن الرقمي والتشبيك النسائي:

أدى التحول الرقمي إلى ظهور شبكات تواصلية عابرة للأحزاب، تتبادل فيها المترشحات والناشطات الخبرات والدعم المتبادل (Peer Support). هذه التكتلات الرقمية تعمل كآلية لمواجهة "التهميش الحزبي" وتخلق جبهة نسائية قوية قادرة على التأثير في الخريطة الانتخابية، مما يحول المشاركة الرقمية من مجرد حضور افتراضي إلى فعل سياسي ضاغط ومؤثر[19]

ثانيا: ضبط الخطاب الرقمي وحماية الذمة الرقمية للمترشحات

إذا كان الفضاء الرقمي قد منح المرأة منصة للبروز، فإنه قد تحول في الكثير من الأحيان إلى ساحة لتصريف العنف النوعي ضد المترشحات، عبر حملات التشهير التي تستهدف حياتهن الخاصة لتقويض شرعيتهن السياسية.

وأمام قصور القواعد التقليدية عن ملاحقة "الجريمة الرقمية" المتطورة، تدخل المشرع المغربي والقضاء الدستوري لوضع ضمانات قانونية تحمي "الذمة الرقمية" للمرأة، وذلك وفق المعطيات التالية:

1- المادة 51-مكررة: الحماية الجنائية من التضليل الرقمي:

تعد المادة 51-مكررة من المستجدات التشريعية الحاسمة التي واكبت مستجدات القوانين الانتخابية، حيث نصت بوضوح على تجريم استخدام الوسائل الرقمية وفنون "الذكاء الاصطناعي" في فبركة صور أو أقوال للمترشحين دون موافقتهم، بقصد المساس بسمعتهم أو التأثير على إرادة الناخبين.

 هذا المقتضى يوفر حماية خاصة للمرأة المترشحة التي غالباً ما تكون ضحية لـ "التزييف العميق" (Deepfake) الذي يستهدف النيل من كرامتها لثنيها عن مواصلة مسارها السياسي[20]

2- قرار المحكمة الدستورية 259/25 وتحصين الانتخابات:

شكل القرار رقم 259/25 الصادر عن المحكمة الدستورية المغربية لبنة أساسية في فقه القضاء الانتخابي، حيث اعتبرت المحكمة أن ضبط الخطاب الرقمي خلال الحملات الانتخابية "غاية مشروعة" وضرورة تمليها حماية النظام العام الانتخابي.

وقد أكدت المحكمة أن حماية "الحياة الخاصة" للمترشحات ليست تضييقاً على حرية التعبير، بل هي ضمانة لـصدق ونزاهة العملية الانتخابية، مما يمنع تحول الفضاء الرقمي إلى مرتع للمناورات التدليسية التي تستهدف إقصاء النساء عبر "الإعدام المعنوي" [21]

 

3- مواجهة العنف الرقمي القائم على النوع:

تتقاطع هذه المستجدات مع مقتضيات القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، حيث أضحى التشهير الرقمي بالمترشحات يُكيف كصنف من أصناف العنف السياسي. إن تجريم هذه الأفعال يهدف إلى خلق "بيئة رقمية آمنة" تشجع النساء على ولوج الفضاء الافتراضي دون خوف من الابتزاز أو التحرش الإلكتروني، وهو ما ينسجم مع التزامات المغرب الدولية المتعلقة بحماية النساء من العنف في الفضاء العام[22]

4- تحدي الفجوة الرقمية والأمية التكنولوجية: على الرغم من قوة النصوص القانونية، إلا أن الدراسات الميدانية تؤكد أن "الفجوة الرقمية" لا تزال تشكل عائقا أمام النساء في العالم القروي والمناطق النائية. فالتشريع وحده لا يكفي إذا لم يرافقه تمكين تقني يتيح للمرأة معرفة كيفية حماية حساباتها الرقمية والتبليغ الفوري عن أي اعتداء إلكتروني، مما يستدعي تظافر جهود الدولة والمجتمع المدني لردم هذه الفجوة[23]

خاتمة:

تأسيسا على كل ما سبق، يمكن القول إن المشاركة السياسية للمرأة المغربية قد انتقلت من مرحلة إثبات الوجود إلى مرحلة التمكين المؤسساتي والمجتمعي، حيث لم يعد حضورها مجرد استجابة لضغوط حقوقية أو إملاءات دولية، بل أصبح ركيزة بنيوية في هندسة الدولة المغربية الحديثة.

إن الانتقال من نظام الكوتا الوطنية إلى اللوائح الجهوية، وما تلاه من مستجدات القوانين الانتخابية، يعكس رغبة حقيقية في تخليق الحياة السياسية والارتقاء بالنخب النسائية من منطق العدد إلى منطق الكفاءة والنزاهة.

غير أن هذه المكتسبات القانونية، رغم قوتها، تظل رهينة بمدى قدرة المجتمع على استيعاب التحول الرقمي كبيئة آمنة للممارسة السياسية. فإذا كان الفضاء الافتراضي قد منح المرأة حرية أكبر للتعبير وبناء الهوية السياسية المستقلة، فإن مواجهة العنف الرقمي والتصدي للتضليل الممنهج يظلان التحدي الأكبر لضمان سلامة المسار الديمقراطي.

إن الحماية القانونية التي وفرتها المادة 51-مكررة وقرارات القضاء الدستوري تمثل درعا واقيا، لكنها تتطلب وعيا مجتمعيا موازيا يقطع مع التمثل النمطي للمرأة في الفضاء العام.

 

في الختام، إن رهان المشاركة السياسية للمرأة المغربية في أفق إجراء انتخابات مجلس النواب التي حدد لها تاريخ   23شتنبر 2026 وما بعدها ليس شأنا نسائيا معزولا، بل هورهان مجتمعي شامل. وتحقيق المناصفة الفعلية يمر حتما عبر مسارين متوازيين: مسار للتخليق القانوني الذي ينقي البيئة السياسية من شوائب الفساد، ومسار التمكين الرقمي الذي يؤهل النساء لقيادة التحول التكنولوجي وتوظيفه في خدمة التنمية المستدامة. وبذلك فقط، يمكن للمرأة المغربية أن تساهم بفعالية في صياغة مغرب المستقبل، مغرب المواطنة الكاملة والعدالة المجالية والاجتماعية.

 



[1] سراب جبار خورشيد، "دور المرأة المغربية في المشاركة السياسية (المعوقات والمعالجات): دراسة تاريخية"، المجلة الأكاديمية للبحوث القانونية والسياسية، المجلد 3، العدد 2، سبتمبر 2019، ص 12.

[2] دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 من شعبان 1432 (29 يوليو 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر

[3] إيمان المغاربي، "المشاركة السياسية للمرأة بالمغرب إبان الانتخابات التشريعية 8 شتنبر سنة 2021: الواقع ورهان الإصلاح"، مجلة شؤون استراتيجية، العدد 12، أكتوبر 2022، ص 192.

[4] خديجة والغازي، "الحقوق السياسية للمرأة المغربية: طموح يصطدم بعوائق الممارسة"، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، رواق عربي، العدد 29، سنة 2024، ص 162.

[5]. للتوسع أكثر راجع: إدريس لكريني، "تمكين المرأة: الرهان والتحديات"، مقال منشور بجريدة الخليج، عدد مارس 2016

[6] بشرى القاسمي، "المشاركة السياسية للمرأة: الرهانات والتحديات"، موقع مغربيات، منشور بتاريخ 22 غشت 2021.

[7] إيمان المغاربي، "المشاركة السياسية للمرأة بالمغرب إبان الانتخابات التشريعية 8 شتنبر سنة 2021: الواقع ورهان الإصلاح"، مجلة شؤون استراتيجية، العدد 12، أكتوبر 2022، ص 194-196.

[8] سراب جبار خورشيد، "دور المرأة المغربية في المشاركة السياسية (المعوقات والمعالجات): دراسة تاريخية"، المجلة الأكاديمية للبحوث القانونية والسياسية، المجلد 3، العدد 2، سبتمبر 2019، ص 15-17.

[9] هنيدة بوخيمة، "المشاركة النسائية بالمغرب بين الإطار القانوني والواقع الثقافي والاجتماعي"، مجلة شؤون استراتيجية، العدد 12، أكتوبر 2022، ص 142.

[10] خديجة والغازي، "الحقوق السياسية للمرأة المغربية: طموح يصطدم بعوائق الممارسة"، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، رواق عربي، العدد 29، سنة 2024، ص 160-167.

[11] القانون التنظيمي رقم 54.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، المذكرة التقديمية الصادرة عن وزارة الداخلية المغربية، يناير 2026.

[12] عبد الغني السرار، "قراءة تحليلية في مستجدات القوانين الانتخابية بالمغرب"، حوار أكاديمي منشور بجريدة هسبريس (ضمن مادة الملفات)، فبراير 2026.

[13] نجيمة شقرو، "رهان الأحزاب السياسية للرفع من التمثيلية السياسية للمرأة"، مجلة مغرب القانون، منشور بتاريخ 23 يناير 2021. راجع أيضا: تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول فحص نفقات الأحزاب السياسية لسنة 2024.

[14] إيمان المغاربي، "المشاركة السياسية للمرأة بالمغرب إبان الانتخابات التشريعية 8 شتنبر سنة 2021: الواقع ورهان الإصلاح"، مرجع سابق، ص 198-200.

[15] خديجة والغازي، مرجع سابق، ص 165. راجع أيضا: بشرى القاسمي، "المشاركة السياسية للمرأة: الرهانات والتحديات"، موقع مغربيات، غشت 2021.

[16] سراب جبار خورشيد، "دور المرأة المغربية في المشاركة السياسية (المعوقات والمعالجات): دراسة تاريخية"، المرجع سابق، ص 22-24.

[17] إيمان المغاربي، "المشاركة السياسية للمرأة بالمغرب إبان الانتخابات التشريعية 8 شتنبر سنة 2021"، المرجع سابق، ص 194-195

[18] دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصول المتعلقة بالديمقراطية التشاركية (12-15)

[19] خديجة والغازي، "الحقوق السياسية للمرأة المغربية: طموح يصطدم بعوائق الممارسة"، مرجع سابق، ص 167.

[20] القانون التنظيمي رقم 54.25 المتعلق بمجلس النواب، وخاصة المادة 51-مكررة

[21] قرار المحكمة الدستورية رقم 259/25 م. د، الصادر في يناير 2026 بشأن دستورية القوانين الانتخابية المعدلة. راجع أيضا: مذكرات المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول "النزاهة الرقمية".

[22] القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الجريدة الرسمية عدد 6656، بتاريخ 12 مارس 2018.

[23] إيمان المغاربي، "المشاركة السياسية للمرأة بالمغرب إبان الانتخابات التشريعية 8 شتنبر سنة 2021: الواقع ورهان الإصلاح"، المرجع سابق، ص 200-202. 



من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله

قانونك



 من أجل تحميل العدد 27  - إضغط هنا أو أسفله


مجلة قانونك - العدد الثالث