عقد
التحكيم التجاري من خلال مدونة التحكيم الموريتانية
بي
أحمدو أحمد مولود
أستاذ القانون
الجنائي بجامعة العلوم الإسلامية بلعيون
The Commercial Arbitration Agreement under the
Mauritanian Arbitration Code
Bi Ahmedou AHAMED
MOULOUD
المقدمة
عرف
الإنسان منذ القدم حاجة ملحة لحل النزاعات بين الأفراد والجماعات، فظهر القضاء
كوسيلة لضمان العدالة وحفظ النظام الاجتماعي، حيث كانت المجتمعات القديمة تعتمد
على شيوخ القبائل أو المجالس المحلية للفصل في النزاعات وفق الأعراف والعادات، ومع تطور الدولة الحديثة، أصبح القضاء عنصرًا
محوريًا في تنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، ويشكل ضمانة أساسية لتحقيق
العدالة وحماية حقوق المواطنين
و
تنص المادة 89 من الدستور الموريتاني على أن القضاء يشكل أحد السلطات الثلاث
الأساسية للدولة إلى جانب السلطة التشريعية والتنفيذية، ويكفل استقلالية القضاء
لضمان تحقيق العدالة ومنع التعسف وحماية حقوق الأفراد والمجتمع. وبهذه الصفة، يمثل
القضاء الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة، إذ لا يمكن تصور وجود
عدالة فعالة من دون سلطة قضائية مستقلة وحيادية [1]
على الرغم من أهمية القضاء الرسمي، ظهرت الحاجة إلى وسائل بديلة لحل
النزاعات تهدف هذه الوسائل إلى توفير الوقت وخفض التكاليف وحماية سرية المعلومات
والنزاعات التجارية، وهي تكمل عمل القضاء الرسمي ولا تلغي ضرورته بهدف سرعة الفصل
وتقليل الضغط على المحاكم، وهذه الوسائل هي التحكيم والوساطة وعقد الصلح ،
وسنتناول في هذا الموضوع عقد التحكيم وقد عرفه المشرع الموريتاني في المادة الأولى من مدونة التحكيم بأنه " طريقة بديلة لحل النزاعات من قبل محكم
أو أكثر يقوم بواسطته أشخاص طبيعية أو معنوية بإسناد مهمة البت في نزاعهم بموجب
اتفاق تحكيم، وتنتهي مسطرة التحكيم بالنطق بقرار نهائي يسمى قرار التحكيم"[2]
و
يعد التحكيم نوعاً خاصاً من القضاء يقوم على اتفاق مسبق بين الأطراف على إحالة
النزاع إلى هيئة تحكيمية مستقلة للفصل فيه وفق القانون أو الاتفاق بين الأطراف،
فالتحكيم السرعة والكفاءة في الفصل مقارنة بالمحاكم التقليدية، وكذالك المرونة في
تحديد الإجراءات وعدد المحكمين وطبيعة الفصل، كما يتيح حماية سرية المعلومات
التجارية والمالية. وهو قابل للتنفيذ محليًا بموجب القانون ودوليًا بموجب اتفاقيات مثل اتفاقية
نيويورك 1958.
اهمية الموضوع :
تكتسي
دراسة عقد التحكيم أهمية بالغة باعتباره
الإطار القانوني الذي يقوم عليه نظام التحكيم برمّته، والأساس الذي تُبنى عليه
ولاية هيئة التحكيم وحدود اختصاصها. فالبحث في عقد التحكيم يُسهم في تعميق الفهم
النظري لمبدأ سلطان الإرادة ومدى تجلياته في المجال الإجرائية وهو ما يجعل من
تناوله علميًا ضرورة لفهم التطور المعاصر لوسائل فضّ المنازعات البديلة ودورها في
تحقيق العدالة القانونية.
الإطار التاريخي :
كان المشرّع الفرنسي من أوائل المشرّعين
الأوروبيين الذين نظموا التحكيم تقنينًا، و سرعان ما تأثرت به باقي الدول ولم ينظم
التشريع الموريتاني قانون التحكيم إلا في
سنة 2000. غير أن تطور المعاملات والمعايير الدولية أدى إلى إلغاء هذا القانون
بموجب القانون رقم 019 لسنة 2019، في إطار تحديث المنظومة التحكيمية وتعزيز
فعاليتها وملاءمتها لمتطلبات الاستثمار الحديثة.
تُطرح
إشكالية هذا البحث في السؤال الآتي:
ماهي
الأركان الأساسية لعقد التحكيم، وماهي الآثار القانونية المترتبة على ذلك ؟
وللإجابة
على هذه الإشكالية كان من الضروري تقسيم هذا المقال من خلال الخطة التالية : المبحث الأول الأركان العامه لعقد التحكيم
التجاري على أن نخصص المبحث الثاني للآثار
المترتبة على ذلك
المبحث الاول: الأركان الأساسية
لعقد التحكيم
سنتناول
في هذا المبحث الأركان الأساسية التي يقوم عليها عقد التحكيم والتي تنقسم إلى
نوعين، نتطرق في المطلب الأول منها إلى الأركان العامة المشتركة مع باقي العقود،
ثم نُفرد المطلب الثاني لبيان الأركان الخاصة التي يتميز بها عقد التحكيم عن غيره
من العقود.
المطلب الأول : الأركان العامة
لعقد التحكيم.
اتفاق التحكيم يقوم على اركان
ثلاثة الرضا والأهلية والسبب
ويترتب
على تخلف اي من هذه الأركان انعدام اتفاق التحكيم
او عدم وجوده وهو ما يعد سببا للطعن في الحكم بدعوى البطلان وهذا ما
سنتناوله على النحو الآتي:
أولا : الرضا
يتحقق
الرضا باتفاق التحكيم بتلاقي إرادات الأطراف على إبرام اتفاق التحكيم، سواء في صور
شرط أو مشارطة ويعتبر جمهور الفقه الرضا
من الشروط الموضوعية اللازمة لانعقاد اتفاق التحكيم [3]
ويتحقق الرضا بتلاقي الإيجاب والقبول في اتفاق التحكيم في أي شكل أو صورة وبتدخل
الشخص في خصومة التحكيم وموافقة باقي الأطراف على ذلك، كما يتحقق الرضا بالموافقة
اللاحقة على حوالة الحق؛ إذ يعتبر المحال إليه طرفا في اتفاق التحكيم بمجرد قبوله
لحوالة الحق أو الدين، كما يعتبر من قبيل الرضا باتفاق التحكيم تدخل الشخص في
خصومة التحكيم وموافقة أطراف الخصومة على تدخل الشخص في الخصومة.
ويترتب
على عدم توافر الرضا في اتفاق التحكيم بطلان اتفاق التحكيم وهو ما يعد سببا لرفع
دعوى بطلان حكم التحكيم .[4]
ولا
يعتبر الخضوع لنظام قانوني معين وقبول التعامل في هذا النظام من قبيل الرضا
بالتحكيم، وهو ما كان ينص عليه القرار رقم 1 لسنة ٢٠٠١ الخاص سوق الأوراق المالية
لدولة الإمارات العربية المتحدة، من خضوع جميع المتعاملين لنظام التحكيم في سوق
الأوراق المالية والسلع المنصوص عليه في القرار المشار إليه دون استلزام وجود
اتفاق تحكيم بين الأطراف، وقد كان هذا النظام مثار العديد من الانتقاد حول شرعية
هذا النظام ودستوريته [5]
وقد
قضت المحكمة الدستورية في ١٧ ديسمبر ۱۹۹۹ بعدم دستورية المادة ١٨ من القانون رقم ٤٨ لسنة ۱۹۷۷ بإنشاء بنك فيصل وبسقوط فقراتها الثالثة والرابعة والخامسة
والسادسة والسابعة المتعلقين بعمل هيئة التحكيم المنصوص عليها في الفقرة الثانية، تأسيسا
على أن الأصل في التحكيم هو عرض نزاع معين بين طرفين على محكم من الأغيار يعين
باختيارهما أو بتفويض منهما أو على ضوء شروط يحدداها ليفصل هذا المحكم في ذلك
النزاع بقرار يكون نائيا عن شبهة الممالأة مجردا من التحامل و قاطعا لدابر الخصومة
في جوانبها التي أحالها الطرفان إليه بعد أن يدلي كل منهما بوجهة نظره تفصيلا من
خلال ضمانات التقاضي الرئيسية، ولا يجوز بحال أن يكون التحكيم إجباريا يذعن إليه
أحد الطرفين إنفاذا لقاعدة قانونية آمرة لا يجوز الاتفاق على خلافها، وذلك، سواء
كان موضوع التحكيم نزاعا قائما أو محتملا، ذلك أن التحكيم مصدره الاتفاق؛ إذ يحدد
طرفاه – وفقا لأحكامه – نطاق الحقوق المتنازع عليها بينهما أو المسائل الخلافية
التي يمكن أن تعرض لهما، وإليه ترتد السلطة الكاملة التي يباشرها المحكمون عند
البت فيها، وهما يستمدان من اتفاقهما على التحكيم التزامهما على القرار الصادر فيه
وتنفيذه تنفيذاً كاملاً وفقا لفحواه، فإذا لم يكن القرار الصادر في نزاع معين بين
طرفين منهيا للخصومة بينهما، أو كان عاريا من القوة الإلزامية أو كان نفاذه رهن وسائل غير قضائية، فإن هذا القرار لا يكون
عملا تحكيميا، وحيث أن التحكيم بذلك يختلف عن أعمال الخبرة، ذلك أن قوامها ليس
قرارا ملزما بل مناطها آراء يجوز إطراحها أو تجزئتها والتعديل فيه .[6]
ونص
المشرع على أن التحكيم يقوم أساسًا على
اتفاق الطرفين، فإذا توصلا إلى تسوية أثناء الإجراءات، يجوز لهيئة التحكيم إصدار
قرار يُثبت هذا الاتفاق، ويكون له قوة قرار التحكيم النهائي، بشرط احترام الضمانات
الأساسية.[7]
ثانيا: أهلية أطراف اتفاق
التحكيم
تعد الأهلية شرطاً لازماً لصحة العقد، حيث لا يكون الرضا صحيحاً إلا إذا
كانت الإرادات المكونة له صادرة من ذوي أهلية. وقد اشترط المشرع الموريتاني توفر
أهلية التصرف لدى الشخص ليكون بإمكانه إبرام
اتفاق تحكيم"، علما بأن أهلية التصرف في الحق تكون لمن له أهلية أداء
كاملة، وتكون أهلية الأداء كاملة عندما يكون الشخص مؤهلاً للقيام بجميع التصرفات
القانونية، في حين أنها تكون ناقصة عندما يكون الشخص مؤهلاً للقيام ببعض التصرفات
القانونية دون بعضها الآخر، بينما تكون منعدمة عندما لا يكون للشخص حق إبرام أي
تصرف قانوني.
ويُعد
الشخص متمتعاً بأهلية الأداء وفقاً للقانون الموريتاني ببلوغه سن الرشد، التي
حددها المشرع بإتمام ثماني عشرة سنة ميلادية من العمر، وبشرط أن يكون متمتعاً
بقواه العقلية غير محجور عليه لجنون أو عته أو سفه أو غفلة.[8] ولعل الحكمة من استلزام توفر أهلية التصرف لدى
أطراف اتفاق التحكيم تكمن في النقاط التالية :
النقطة الأولى: إن اتفاق التحكيم تنازل عن بعض الحقوق الإجرائية، كالتنازل عن حق رفع الدعوى
أمام القضاء، كما أنه يؤدي إلى منع القضاء من نظر المنازعة التي اتفق على التحكيم
بشأنها، وهو ما يعني التخلي عن
الضمانات
التي تكفلها طرق التقاضي العادية.
النقطة الثانية: إن التحكيم طريق استثنائي لفض الخصومات وفيه من المخاطر ما يستدعي الخشية
على حقوق المتقاضين من الهدر والضياع من
ناحية، وتعقيد المنازعات القائمة بينهم من ناحية أخرى".[9]
النقطة الثالثة: يترتب على عدم توفر أهلية التصرف لدى أحد أطراف اتفاق التحكيم، إمكانية رفع
دعوى بطلان حكم التحكيم " ، وهو ما يعني إعادة الأمر إلى قضاء الدولة،
وبالتالي ضياع الوقت والجهد والمال.
ويشترط
المشرع الموريتاني أن يكون الطرف في اتفاق التحكيم شخصًا طبيعيًا أو معنويًا يتمتع
بالأهلية القانونية للتصرف في حقوقه، مما يعني أنه لا يجوز إبرام اتفاق التحكيم من
قبل من لا يملك صلاحية التصرف قانونًا، كالقصر أو المحجور عليهم. وتهدف المادة
لضمان صحة الاتفاق وشرعيته، وفقًا لقواعد الأهلية العامة في القانون.[10]
ثالثا: المحل
لأي التزام محل يجب أن ينصب عليه ويقصد بمحل
الالتزام الشيء الذي يلتزم المدين القيام به [11]
فالمحل هو ما كان التعاقد بخصوصه وواقعاً عليه، والمحل بهذا المفهوم في عقد
التحكيم هو فض النزاع بين المتخاصمين من قبل شخص أو أشخاص. معينين، يختارون من قبل
المتعاقدين، دون اللجوء إلى القضاء المختص أصلاً بالفصل في هذا النزاع، ويستوجب
ذلك تنازل أطراف الخصومة المؤقت في حقهم في اللجوء إلى القضاء العادي لحل النزاع
الحاصل بينهم، وعرض هذا النزاع على شخص أو أشخاص معينين مترتب على عقد التحكيم
المبرم بين أطراف الخصومة[12].
ومن شروط صحة التحكيم: أن يكون لاتفاق التحكيم محل مشروع، ويجب أن يكون المحل قابلاً للتعاقد
شرعاً، إلا أن المشروعية مقيدة بموضوع النزاع الدائر بين الأطراف، فإذا كان موضوع
النزاع من المسائل التي لا يجوز التحكيم فيها، فلا يمكن إجبار الأطراف على تنفيذ
التحكيم . فمشروعية محل التحكيم مرتبطة بطبيعة النزاع، وبغض النظر عن صورة محل
الالتزام فإنه يجب أن يكون المحل موجوداً أو ممكناً ويجب أن يكون معيناً أو قابلاً
للتعيين، كما يجب أن يكون قابلاً للتعامل فيه، وبصفة عامة يجب أن يكون محل التحكيم
مشروعاً أي غير مخالف للنظام أو الآداب العامة، وبالتالي يجب أن يكون المحل من
المسائل القابلة للتحكيم وإلا كان الاتفاق باطلاً [13].
ويجب
أن يكون محل التحكيم حقاً مالياً سواء كان هذا الحق له طابع مدني أو تجاري أو
إداري، فالمهم أن يكون النزاع حول علاقة قانونية ذات طابع اقتصادي، كما يستوي أن يكون
النزاع متعلقاً بحق شخصي أو بحق عيني، وأياً كان محل الحق العيني عقاراً أو
منقولاً، ولا يهم مصدر الحق سواء عقداً أو عملاً غير مشروع أو غير ذلك من مصادر
الالتزام .[14]
وقد
نص المشرع الموريتاني على أنه ( لايجوز
الاتفاق على عقد التحكيم في نزاع معين موجود كما يجوز اشتراط شرط تحكيم فيما قد
ينشأ من النزاعات المتعلقة بالالتزامات والمبادلات المدنية والتجارية والنزاعات
بين الشركاء في عقد الشركة ).[15]
رابعا : السبب
لكي
تكتمل شروط اتفاق التحكيم يجب - فضلاً عن توافر رضا الطرفين الصحيح وصلاحية المحل
للتحكيم - أن يكون السبب الذي يدفع الأطراف إليه سبباً حقيقياً ومشروعاً وتطبق في
هذا الشأن القواعد العامة فإذا كان السبب وهمياً فلا يقوم اتفاق التحكيم، ويكون
السبب كذلك إذا استند إلى عقد صوري فإذا ثبتت صورية عقد تضمن اتفاق تحكيم، فإن
التحكيم يكون صورياً، ومن ثم يكون لأي من الطرفين اللجوء إلى القضاء لإثبات تلك
الصورية، كذلك يجب أن يكون السبب مشروعاً، فإذا كان غير مشروع فلا وجود لاتفاق
التحكيم، ويكون السبب غير مشروع إذا انطوى على إحدى حالات الغش، كما لو كان اللجوء
إلى التحكيم بقصد التهرب من تطبيق أحكام القانون الآمرة فيما لو طرح النزاع أمام
القضاء.
ويفترض
حسب القواعد العامة توافر السبب المشروع ما لم يقم الدليل على غير ذلك، فكل التزام
لم يذكر له سبب في العقد يفترض أن له سبباً مشروعاً ما لم يقم الدليل على غيره . [16]
المطلب الثاني : الأركان الخاصة
لعقد التحكيم.
اولا : تشكيل هيئة التحكيم
نص
المشرع الموريتاني في المادة 6 من مدونة التحكيم
على أنه " يجب أن يكون المحكم شخصا طبيعيا راشد كفؤا ومتمتعا بكامل
حقوقه المدنية وبالاستقلالية وبالحياد إزاء الأطراف ....... "[17]
وانطلاقا
مما ذكره المشرع الموريتاني وجدنا أن
المشرع المصري في قانون التحكيم المصري رقم ۲۷ لسنة نص ١٩٩٤
نص على تشكيل هيئة التحكيم وكيفية اختيارها، فجعل تشكيلها رهنا بإرادة الخصوم، فالمحكم
هو شخص يتمتع بثقة أطراف النزاع، خولوه مهمة الفصل في منازعة قائمة بينهم، كما قد يتم
تعيينه بواسطة المحكمة .[18]
وإذا
كان من المستقر عليه طبقاً للقواعد العامة أنه يجوز تعيين أي شخص محكم ، وأن اتفاق التحكيم يتيح للخصوم حرية اختيار
المحكمين بيد أن هذه الحرية ليست طليقة من كل قيد، إذ أن المحكم يكتسب صفة القاضي
ولذا اشترطت أغلب النظم القانونية المختلفة توافر شروطاً يجب أن يتسم بها المحكم
حال توليه مهمة الفصل في النزاع ولعل أبرز هذه الشروط:
1 ألا يكون الشخص ممنوعاً من التحكيم
استقر
الفقه والقضاء في كافة النظم القانونية على عدم جواز تولي أحد الخصوم مهمة الفصل
في الخصومة التحكيمية بالرغم من تمتعه بالأهلية القانونية المدنية الكاملة إذ أنه
من غير المتصور أن يكون ذات الشخص هو الخصم والحكم في ذات الوقت.
هذا
وقد أرجع جانب من الفقه [19]
منع القضاة من تولي مهمة الفصل في المنازعات التحكيمية إلى أن قيامهم بهذه المهمة
يؤثر سلباً على عملهم في المحاكم الوطنية في الوقت الذي تتكدس فيه الدعاوى
القضائية ويتأخر الفصل فيها نظراً لعدم تناسب عدد القضاة مع الزيادة المطردة
للقضايا، ومن ناحية أخرى فإن إصدار القاضي لحكم تحكيمي حال توليه مهمة التحكيم لا
يؤدي إلى تمتعه بالقوة التنفيذية إذ يستوجب صدور أمر بذلك من القاضي المختص والذي
قد يكون في الكثير من الأحيان في درجة أقل من درجة القاضي المصدر الحكم التحكيم.
2– أهلية المحكم :
نص
المشرع الموريتاني في المادة 3 من مدونة التحكيم على انه " لايمكن أن يبرم
اتفاق تحكيم إلا شخص طبيعي أو معنوي يتمتع بأهلية التصرف في حقوقه " [20]
يلزم
أن يتوافر لدى المحكم حال توليه مهمة الفصل في النزاع الأهلية المدنية الكاملة،
فنص المشرع على عدم جواز تولي شخص قاصر أو
محجوز عليه أو مجرد من حقوقه المدنية - بصدور حكم جنائي ضده أو في جنحة مخلة
بالشرف والأمانة مهمة الفصل في النزاعات التحكيمية.
يجب
أن نضع في اعتبارنا أن الأهلية التي يلزم توافرها في المحكم هي أهلية الأداء ولذا
فإن القاصر المأذون له بالإدارة لا يحق له تولي مهمة التحكيم.
ثانيا: يكون المحكم شخصاً طبيعيا
نصت
المادة 9 من مدونة التحكيم على أنه "
.....في حالة التحكيم الخاص تتولى هيئة تنظيمه بتحديد الإجراءات الواجب
اتباعها مالم يتفق أطراف النزاع على خلاف ذلك أو يختارو نظام تحكيم معين . وف حالة التحكيم لدى مؤسسة تحكيم فإن هذه
المؤسسة تتولى تنظيمه طبقا لنظامه )[21]
يشترط
أن يكون المحكم الذي يتولى مهمة الفصل في النزاع شخصاً طبيعياً يتمتع بسمات نفسية
وعقلية يعبر بها عن إرادته، فكما لا يتصور كون القاضي في المحاكم الوطنية شخصاً
معنوياً لا يتصور كذلك في المحكم إذ أنهما يقومان بذات المهمة وهي الفصل في
المنازعات المعروضة عليهم بحكم يتمتع بحجية الأمر المقضي به.
هذا
وقد يتفق أطراف النزاع في بعض الحالات على تعيين شخصاً معنوياً كمحكماً فيما بينهم
إلا أنه في هذه الحالة يقتصر دور الشخص المعنوي كالهيئات ومراكز التحكيم على
التنظيم الإداري فقط لعملية التحكيم التي يتولاها شخص أو أشخاص طبيعيون سواء تم
اختيارهم بواسطة الخصوم أو من قبل المؤسسة التحكيمية ذاتها.
قاعدة وترية عدد المحكمين
انطلاقا
من هذه القاعدة فقد نص المشرع في المادة 14 من مدونة التحكيم في "حالة تعدد
المحكمين وجب ان يكون عددهم وترا وإذا كان عدد المحكمين المعينين من قبل أطراف
النزاع شفعا فإن هيئة التحكيم تكمل بمحكم تبعا لتقدير الأطراف .... " [22]
لم
تلزم الأنظمة القانونية المختلفة أطراف النزاع باختيار عدد محدد من المحكمين فلهم
مطلق الحرية في اختيار العدد الذي يرونه مناسباً لحسم النزاع الثائر بينهم، ومع
ذلك يشترط أن يكون عدد المحكمين وترأ وإلا كان التحكيم باطلا ، وهذا البطلان متعلق
بالنظام العام لا يجوز الاتفاق على خلافها، ولذا فيحق للخصوم التمسك بذلك البطلان
ولا يجوز تصحيحه بالإجازة [23].
يذهب
البعض إلى أن تشكيل هيئة التحكيم مكون من محكم واحد يؤدي إلى سرعة الفصل في النزاع
فضلاً عن توفير الوقت والنفقات إلا أن المساوئ الناجمة عن هذا التشكيل قد تفوق في
بعض الأحيان مزاياه، ومرجع ذلك أن تشكيل هيئة التحكيم من محكم واحد ستسفر على
انفراد المحكم بالسلطة والذي قد يسئ استخدامها كما أنه قد يميل إلى أحد الخصوم على
حساب الآخر وذلك عكس التشكيل الجماعي الذي يعد ضماناً لتحقيق العدالة بين الخصوم
عن طريق تبادل الآراء بين المحكمين وتفادي الوقوع في الخطأ أو السهو .
ثالثا: القانون الواجب التطبيق
على النزاع
هذا
وقد نص المشرع الموريتاني في المادة 26 على أن " قرار هيئة التحكيم يصدر داخل
التراب الموريتاني ويكون لهذا القرار بمجرد صدوره قوة الشيء المقضي به بالنسبة
لموضوع النزاع الذي بُت فيه"[24]
تعد
مسألة تعيين القانون الواجب التطبيق على النزاع من أهم المسائل المتعلقة بنظام
التحكيم، فإذا كانت هذه المسألة لا تثير ثمة صعوبات للقضاة بمحاكم الدولة إذ أنهم
يطبقون قانون دولتهم والتي يستمدون سلطتهم منها أو قواعد القانون الدولي الخاصة
بتنازع القوانين في دولتهم، وخلافاً على الوضع السابق لا يملك المحكم أي قانون
اختصاص يستند إليه في تحديد القانون الواجب التطبيق على النزاع، ولذا فقد استقر
الفقه والقضاء وفقاً للاتفاقيات الدولية وأنظمة التحكيم التجاري الدوري على وقوع
عبء تعيين القانون الواجب التطبيق على النزاع على إرادة الخصوم تطبيقاً لمبدأ
سلطان الإرادة [25]،
ما لم تنطوي هذه الإرادة على نية الخصوم الإفلات من قواعد النظام العام في الدولة
التي سيطبق بها حكم التحكيم .
هذا
وقد ثار الخلاف حول وجوب كون إرادة الخصوم صريحة حال الاتفاق على القانون الواجب
التطبيق على النزاع أم يمكن الاعتداد بالإرادة الضمنية لهم؟
وللإجابة
على هذا التساؤل فقد انقسم الفقه إلى فريقين، فذهب الفريق الأول إلى وجوب كون
إرادة الأطراف صريحة واضحة حال الاتفاق على القانون الواجب التطبيق على النزاع
وذهب هذا الجانب في تبرير اتجاهه إلى تجنب المنازعات التي قد تثور بين الخصوم في
هذا الشأن لعدم القدرة على تحديد القانون الذي انصرفت إليه الإرادة الضمنية لأطراف
النزاع بينما ذهب الجانب الثاني من الفقه إلى جواز الأخذ
بالإرادة الضمنية للخصوم في اختيار القانون الواجب التطبيق على النزاع، إذ أنه في
هذه الحالة يبرز دور المحكم في الكشف عن القانون الذي اتفقت عليه الإرادة الضمنية
.
رابعا : شكلية الكتابة
يرتكز
الشكل في أي اتفاق تحكيم على أن يكون هذا الاتفاق مكتوبا، إذ أنه من الالتزامات
الشائعة في أغلب التشريعات الوطنية والمعاهدات الدولية، فيندر ألا يشترط أحد
التشريعات كتابة اتفاق التحكيم، فنصت المادة 2 على أنه "لا يثبت اتفاق التحكيم إلا بمكتوب، سواء
كان رسميا أو عرفيا أو محضر جلسة أو محضرا محررا لدى هيئة التحكيم التي وقع
اختيارها.
يعتبر
الاتفاق ثابتا بمكتوب إذا ورد في وثيقة موقعة من الأطراف أو تبادل رسائل أو تلكسات
أو برقيات أو غيرها من وسائل الاتصال التي تثبت وجود الاتفاق أو في تبادل طلبات أو
مذكرات الدفاع التي يدعي فيها أحد الأطراف وجود اتفاق ولا يذكره الطرف الآخر.
وتعتبر الإشارة في عقد من العقود إلى وثيقة تشتمل على شرط تحكيم بمثابة اتفاق
تحكيم بشرط أن يكون العقد ثابتا بمكتوب وأن تكون الإشارة قد وردت بحيث تجعل ذلك
الشرط جزءا من العقد." [26]
حسب مضمون
المادة فإنها تشترط أن يكون اتفاق التحكيم مثبتًا كتابة، سواء بشكل مباشر أو ضمني
عبر تبادل مستندات أو الإشارة إلى شرط تحكيم وارد في وثيقة أخرى، لضمان وضوح
الإرادة وتفادي النزاعات حول وجود الاتفاق.
وبناء على ما تقدم فقد ذهب جانب من الفقه في
تفسير هذه المادة إلى أن الكتابة مطلوبة لإثبات اتفاق للخصوم، خاصة في الأحوال
التي يغفل الطرفان عن تحديد القانون الواجب التطبيق صراحة أو عبروا عنه بعبارات
مبهمة غير واضحة في بيان المقصود منه [27].
المبحث الثاني: الآثار المترتبة
على عقد التحكيم
في
إطار تناول الآثار المترتبة على عقد التحكيم يقتضي منا ذالك ان نتناول في المطلب
الأول : الآثار الناشئة عن الأركان العامة والخاصة لعقد التحكيم المطلب الثاني : الآثار القانونية المترتبة
على شرط التحكيم في العقود.
المطلب الأول : الآثار الناشئة
عن الأركان العامة والخاصة لعقد التحكيم
يُعد
عقد التحكيم من العقود الخاصة التي تتطلب توافر أركان محددة حتى ينتج آثاره
القانونية، ويُعتد به أمام القضاء وهيئات التحكيم. والإخلال بأي ركن من أركانه
يؤدي إلى بطلان العقد أو عدم قابليته للتنفيذ. وتكمن أهمية المطلب في إبراز العلاقة بين صحة هذه الأركان والآثار
القانونية المترتبة عليها.
أولًا: ركن التراضي (اتفاق
الأطراف)
مضمونه: التراضي هو الركن الجوهري لعقد التحكيم، ويُشترط أن يكون صريحًا وواضحًا،
صادرًا عن أشخاص يتمتعون بالأهلية القانونية، وخاليًا من عيوب الإرادة.
الآثار المترتبة عند الوفاء به:
- ينعقد التحكيم صحيحًا وملزمًا للطرفين.
- يُمنع اللجوء إلى القضاء العادي بشأن النزاع.
-
يسري الشرط التحكيمي على كل من ورد اسمه في العقد أو التحق به لاحقًا ضمنًا.
الآثار
عند الإخلال:
- إذا ثبت وجود إكراه، أو تدليس، أو صدور الاتفاق عن غير ذي أهلية، يُبطل
الاتفاق.
-
انعدام التراضي يعني انعدام عقد التحكيم ذاته، وبالتالي عدم اختصاص الهيئة
التحكيمية.[28]
المادة
59 تنص على أن الرضا المشوب بالغلط أو التدليس أو الإكراه يكون قابلاً للإبطال.
وينطبق هذا على عقد التحكيم ، لأنه عقد رضائي، فإذا اختل الرضا لأي سبب من هذه
العيوب، يصبح الاتفاق التحكيمي غير ملزم
للطرف المتضرر، ويجوز له الطعن فيه. [29]
فسلامة
الرضا شرط جوهري لصحة عقد التحكيم، واختلاله يُضعف مشروعية التحكيم ويهدد نفاذه.
ثانيًا: ركن المحل (موضوع
النزاع
مضمونه: يجب أن يكون النزاع موضوع التحكيم مما يجوز التحكيم فيه قانونًا،
كالمنازعات المالية والتجارية والمدنية، شريطة ألا يكون متعلقًا بالنظام العام.[30]
الآثار عند الوفاء
به:
- يترتب على صحة المحل اختصاص هيئة التحكيم.
-
إمكانية تنفيذ الحكم التحكيمي لاحقًا أمام القضاء المختص.
الآثار عند الإخلال:
-
إذا كان محل التحكيم مخالفًا للنظام العام (كالأحوال الشخصية أو العقوبات)، عُدّ
الاتفاق باطلًا.
-
يؤدي إلى عدم اختصاص الهيئة التحكيمية، وقد يترتب عليه بطلان حكم التحكيم.[31]
ونصت
المادة 79 من قانون الإلتزامات والعقود الموريتاني على بطلان الالتزام إذا كان محله مستحيلاً،
سواء بحسب طبيعته أو بحكم القانون. وينطبق ذلك على عقد التحكيم، إذ يجب أن يكون
محل التحكيم ـ أي النزاع ـ ممكنًا وقابلاً للتحكيم قانونًا. فإذا تعلّق النزاع
بمسألة مستحيلة بطبيعتها أو ممنوعة قانونًا من الخضوع للتحكيم، كالأحوال الشخصية
أو بعض المنازعات الجنائية، فإن عقد التحكيم يكون باطلاً لافتقاده ركناً جوهريًا.[32]
ثالثا: ركن الشكل (الكتابة)
مضمونه: يشترط في عقد التحكيم أن يكون مكتوبًا، سواء كان ذلك في صورة شرط ضمن عقد
أو اتفاق مستقل.
الآثار عند الوفاء
به:
- الكتابة تُعد وسيلة إثبات رئيسية لقيام التحكيم.
-
تُسهّل تنفيذ الحكم التحكيمي وتسجيله أمام الجهات المختصة.
واشترط
المشرع الموريتاني في المادة2 صراحة أن
يُثبت اتفاق التحكيم بالكتابة، وهو ما يُعد من الشروط الشكلية الجوهرية لصحة
العقد. ويُقصد بالكتابة كل وسيلة مكتوبة تُظهر إرادة الطرفين، سواء كانت رسمية أو
عرفية أو تبادلاً للوثائق والمراسلات.
الآثار
المترتبة على عدم توفر الكتابة :
في
حال عدم توفر هذا الشكل، فإن اتفاق التحكيم يكون باطلاً ولا يُعتد به قانونًا، مما
يمنع الأطراف من التمسك به أمام القضاء أو الجهات المختصة، ويجعل النزاع خاضعًا
للاختصاص القضائي العادي بدلًا من التحكيم.[33]
وقد
تبين لنا من خلال ما سبق أن أركان عقد
التحكيم تمثل الأساس الذي يُبنى عليه هذا الاتفاق القانوني. وإن صحة هذه الأركان
ترتبط ارتباطًا عضويًا بصحة الإجراءات التحكيمية وفعالية نتائجها. فالإخلال بأي من
أركان التراضي، أو المحل، أو الشكل، لا يُفضي فقط إلى بطلان عقد التحكيم، بل
يُقوّض مشروعية العملية التحكيمية برمتها.
كما
يبدو أن المحاكم وهيئات التحكيم الدولية
كثيرًا ما تبني قراراتها على التحقق الدقيق من توفر هذه الأركان قبل المضي في
النزاع، مما يُبرز أهمية إحكام صياغة عقود التحكيم وضمان سلامتها من العيوب
الشكلية أو الموضوعية.
المطلب الثاني : الآثار القانونية المترتبة على
شرط التحكيم في العقود.
عند
التطرق إلى آثار عقد التحكيم، وخاصة تلك الناتجة عن شرط التحكيم، لا بد من الإشارة
إلى أن هذه الآثار لا تقتصر على نشوء العلاقة التحكيمية، بل تمتد لتشمل أيضاً
مرحلة انقضاء التحكيم، باعتبارها نتيجة طبيعية لسير الإجراءات وانتهاء النزاع، وهو
ما يُعد من الآثار المهمة المرتبطة بشرط التحكيم.
فانقضاء
اتفاق التحكيم يقع بالبطلان أو الفسخ أو الإقالة:
البطلان يعرف البطلان على أنه الجزاء القانوني على عدم استجماع العقد لأركانه كاملة
مستوفية لشروطها [34]،
وقد نصت المادة (١٦٨) من القانون المدني الأردني على العقد الباطل بقولها : ١-
العقد الباطل ما ليس مشروعًا بأصله ووصفه بأن اختل ركنه أو محله أو الغرض منه أو
الشكل الذي فرضه القانون لانعقاده، ولا يترتب عليه أي أثر ولا ترد عليه الإجازة –
ولكل ذي مصلحة أن يتمسك بالبطلان وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها ، - ولا تسمع
دعوى البطلان بعد مضي خمس عشرة سنة من وقت العقد.
ونجد
أن هذه المادة تفترض وجود اتفاق بين الطرفين على التحكيم، إلا أن هذا الاتفاق باطل
بسبب أو أكثر من أسباب البطلان، مثل انعدام أحد أركان الاتفاق كانعدام الرضا أو
المحل أو السبب أو انعدام شروط صحة الاتفاق كأن تكون أهلية أطراف اتفاق التحكيم
ناقصة أو منعدمة. وإذا ثبت بطلان اتفاق التحكيم، فإن ذلك يعني انعدام هذا الاتفاق
انعداما قانونيا، ويكون لكل ذي مصلحة التمسك بهذا البطلان سواء كانوا أطرافا في
اتفاق التحكيم أو من الغير كالخلف العام أو الخلف الخاص الذي يتأثرون بهذا الاتفاق
فيما لو تم صحيحة.
الفسخ وهو زوال العقد نتيجة عدم
تنفيذ المدين لالتزامه، وقد نصت المادة (٢٤٦) من
القانون المدني الأردني على ذلك بقولها :
1- في العقود الملزمة للجانبين إذا لم يوف أحد
المتعاقدين بما وجب عليه بالعقد جاز للعاقد الآخر بعد إعذاره المدين أن يطالب
بتنفيذ العقد أو بفسخه ۲- ويجوز
للمحكمة أن تلزم المدين بالتنفيذ للحال أو تنظره إلى أجل مسمى ولها أن تقضي بالفسخ
وبالتعويض في كل حال إن كان له مقتضى. وبالتالي فإنه يشترط لوقوع الفسخ توافر
الشروط التالية:
أن
يكون العقد من العقود الملزمة للجانبين.
أن
يكون طالب الفسخ غير مقصر في تنفيذ التزامه.
عدم
تنفيذ الطرف الآخر في العقد لالتزامه.
الإقالة أو التقايل: هي عبارة عن انحلال العقد باتفاق الطرفين، ويكون ذلك بإيجاب وقبول، صريحين
أو ضمنيين، ويجب أن تكون إرادة كل من الطرفين صادرة عن ذي أهلية وخالية من العيوب[35]
آثار انقضاء اتفاق التحكيم
تختلف آثار انقضاء التحكيم باختلاف السبب الذي أدى إلى انقضاء اتفاق التحكيم، وذلك
على النحو التالي:
أ-إذا كان انقضاء اتفاق التحكيم
ناتجا عن بطلان هذا الاتفاق نتيجة انعدام ركن من
أركان هذا الاتفاق، أو أي سبب آخر أدى إلى بطلان اتفاق التحكيم، فإنه في هذه
الحالة لا نكون أمام عمل قانوني و إنما أمام عمل مادي وبالتالي فإن الأصل في اتفاق
التحكيم الباطل عدم ترتب أي أثر عليه سواء بالنسبة لأطراف الاتفاق أم بالنسبة
للغير، ولا ترد عليه الإجازة [36].
ب- أثر انقضاء اتفاق التحكيم
بسبب الفسخ أو الإقالة: يترتب على ذلك إعادة المتعاقدين
إلى الحالة التي كان عليها قبل التعاقد، وإذا استحال ذلك يحكم بالتعويض، أما
بالنسبة للغير فإن الفسخ يرتد بأثر رجعي، أما الإقالة فإنها عقد جديد بالنسبة له،
وبالتالي فإنها لا تضر بحقوقها [37]
ج- أثر انقضاء اتفاق التحكيم
بسبب صدور حكم في موضوع النزاع يترتب عليه التزام
أطراف اتفاق التحكيم بتنفيذ هذا الحكم وفق ما يقرره القانون من أحكام، وذلك
بالصورة التي ينفذ فيها أي حكم أو قرار قضائي آخر. فإذا كان حكم التحكيم وطنيا
فيقدم طلب التنفيذ إلى محكمة الاستئناف المختصة، أما إذا كان التحكيم أجنبية فإن
حكم التحكيم ينفذ بالطريقة التي تقررها اتفاقية نيويورك لتنفيذ أحكام التحكيم
الأجنبية، وقانون تنفيذ الأحكام الأجنبية الأردني رقم (٨) لسنة ١٩٥٢ [38]
إن
أي حكم يصدر من جانب المحكم بعد زوال التحكيم يعتبر باطلاً بطلانا لا يتعلق
بالنظام العام أي أنه يجوز للأطراف أن يتمسكوا بالبطلان، ولهم في ذات الوقت الحق
في قبول الحكم وتنفيذه برضاهم، وانقضاء اتفاق التحكيم لأي سبب كان لا يمنع بأي حال
أطراف النزاع من أن يرجعوا عن اتفاقهم باتفاق لاحق، ولهم عندئذ مطلق الحرية في أن
يحددوا مدى وحدود هذا الرجوع، وهو ما يتفق مع المبدأ العام في حرية الإرادة في
التعاقد [39]
الخاتمة
في
ختام هذا المقال ، يتضح أن أركان التحكيم تشكل الأساس الذي يقوم عليه هذا النظام
البديل لتسوية المنازعات التجارية، فهي الضمانة التي تكفل صحة انعقاد التحكيم وسريان
أثره القانوني. ويترتب على إخلال هذه الأركان آثار قانونية متفاوتة، فهناك ما يؤدي
إلى الإبطال، مثل المخالفات الجزئية في تشكيل هيئة التحكيم أو الإجراءات، حيث يمكن
للقضاء تصحيحها دون المساس بجوهر التحكيم، وهناك ما يؤدي إلى البطلان، مثل غياب
رضا الأطراف أو عدم توافر الأهلية أو غموض محل النزاع، حيث يُعتبر التحكيم لاغيًا
من الأصل ويعود النزاع إلى القضاء العادي. ومن ثم، فإن دراسة هذه الأركان وآثارها
سواء من حيث الإبطال أو البطلان تُعدّ ضرورية لضمان فعالية التحكيم التجاري وحماية
حقوق الأطراف وتعزيز الثقة في النظام القانوني.
[1] الدستور الموريتاني الصادر بموجب الأمر القانوني 19-200بتاريخ
02يوليو 1199؛شهد عدت تعديلات كان آخرها
2017، المادة 89 جديدة.
[2] القانون رقم 019-2019 المتضمن مدونة التحكيم الموريتانية، المادة
الأولى .
[3] محسن شفيق التحكيم
التجاري الدولي، دراسة مقارنة في التجارة الدولية ص ١٧٤ وما بعدها
[4] بليغ حمدي محمود الدعوى ببطلان أحكام التحكيم الدولية، دراسة
مقارنة 2007 دار الجامعة الجديدة، الصفحة 338 وما بعدها ..
[5] ساهل عبد الرحمن الدويكات دراسة حول طبيعة التحكيم في سوق الأوراق
المالية والسلع بدولة الإمارات العربية المتحدة، ص ۳۸
[6] حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 13 بتاريخ 1991 ،
مجموعة الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية ، الجزء السادس ، الصفحة 414 .
[7] المادة 11 من مدونة التحكيم.
[8] الأمر القانوني رقم 89-126، الصادر بتاريخ 14سبتمبر 1989 ، المعدل
بالقانون رقم 31-2001 . الصادر بتاريخ 7 فبراير 2001 ، المادة 15 . من قانون
الإلتزامات والعقود الموريتاني.
[9] محمد امين فضلون ، التحكيم، مؤسسة النوري للطباعة والنشر
والتوزيع، دمشق 1994، الصفحة 59 .
[10] المادة 3 من مدونة التحكيم
[11] عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، مرجع سابق
بند 213، الصفحة 375 .
[12] فيصل الفاضل الوسيط في التحكيم السعودي ، ص (٥٦).
[13] حسين الحسين، التحكيم التجاري في
المملكة العربية السعودية، ص (۱۱۳).
[14] فتحي والي، قانون التحكيم
في النظرية والتطبيق، ، ص (۱۲۱)
[15] المادة 12 ، مدونة التحكيم الموريتانية.
[16] الشرقاوي مبادئ التحكيم
الشهابي ، ص (٩٤)
[17] المادة 6 من مدونة التحكيم.
[18] راجع في هذا المعنى فراح مناني التحكيم طريق بديل لحل النزاعات
بحسب آخر تعديل القانون الإجراءات المدنية والتجارية، دار الهدى الجزائر، ۲۰۱۰
[19] أحمد أبو الوفاء التحكيم
في القوانين العربية، منشأة المعارف، الإسكندرية ۲۰۰۰، ص ۲۵ .
[20] المادة 3 من مدونة التحكيم.
[21] المادة 9 من مدونة التحكيم الموريتانية.
[22] المادة 14 من مدونة التحكيم الموريتانية.
[23] مصطفى الجمال وعكاشة عبد العال التحكيم في العلاقات الدولية
الخاصة منشأة المعارف، الإسكندرية، ۱۹۹۸م، ص ٥٧٦ وما بعدها.
[24] المادة 26 من مدونة التحكيم الموريتانية.
[25] فتحي والي، المرجع السابق، ص ٤١٨ .
أبو زيد رضوان
المرجع السابق، ص ١٣٠
[26] المادة 2 من مدونة التحكيم الموريتانية.
[27] جمال محمود الكريدي، القانون الواجب التطبيق في دعوى التحكيم، دار
النهضة العربية، ٢٠٠٣، ص ۷۸
[28] عادل عبد العال،
التحكيم التجاري الدولي، دار النهضة العربية، القاهرة، 2009، ص 52-55.
[29] المادة 59 من قانون الإلتزامات والعقود الموريتاني.
[30] المادة 4 من مدونة التحكيم الموريتانية.
[31] مأمون الكزبري، نظرية الالتزام في القانون المدني المغربي
والمقارن، الجزء الأول، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2001، ص 113.
[32] المادة 79 من قانون الإلتزامات والعقود الموريتاني.
[33] المادة 2 من مدونة التحكيم الموريتانية.
[34] السنهوري، عبد الرزاق الوسيط في شرح القانون المدني، ج ۱، مصادر الالتزام، دار النهضة
العربية، القاهرة 2001، ص ٤٨٦.
[35] السنهوري عبد الرزاق
الوسيط في التحكيم ، مرجع سابق، ص 694.
[36] ابو الوفاء أحمد، التحكيم
الاختياري والإجباري ، الطبعة الخامسة ،منشأة المعارف الاسكندرية، السنه 2004 ص.
[38] مهند عزمي ابو مغلي ، ،
رقابة القضاء على حكم التحكيم في القانون الأردني ، مجلة الشريعة والقانون،جامعة
الإمارات العربية المتحدة-كلية القانون، ص307 .
[39] أبو الوفاء التحكيم، مرجع سابق، الصفحة 142 .
من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله
