التحديات الدستورية الناجمة عن الدينامية الرقمية - صليحة بوعكاكة - مجدي العرفي





التحديات الدستورية الناجمة عن الدينامية الرقمية

صليحة بوعكاكة

أستاذ القانون العام بجامعة سيدي محمد بن عبد الله-فاس

مجدي العرفي

باحث بسلك الدكتوراه بجامعة سيدي محمد بن عبد الله-فاس

 

Constitutional challenges arising from digital dynamism

Saliha BOUAKAKA

Majdi ALARIFI

 

الملخص:

   تنهض هذه الدراسة على معالجة الناجم عن الدينامية الرقمية من تحديات دستورية تتمحور على حرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية في البيئة الرقمية؛ إن ما يشهده العالم الرقمي اليوم من نمو كبير ومتسارع، دون أن يضع اعتبار لأي حدود أو قيود، شكل بدوره تحدياً دستورياً يهدد بشكل مباشر حرية التعبير في هذا الفضاء متنوع الأديان والثقافات والمذاهب والآراء، ما يعزز بدوره من مكنة التقويض منها متى تقاطعت هذه الحرية مع مصالح أخرى، وفتح في الوقت نفسه النافذة على إمكانية تعريض حق الخصوصية وما يتصل به من ضرورة حماية البيانات الشخصية المتدفقة في سياق السيولة الرقمية للخطر نفسه، وذلك عندما يتم ضخ هذه البيانات صوب المؤسسات والشركات الرقمية بغية الاستفادة من الخدمات النوعية المتاحة سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.

   ولما كانت الموازنة بين كفالة هذه الحقوق للمستخدم الرقمي من زاوية، وتوخي المصلحة الوطنية أو الإنسانية من زاوية أخرى، يخلق تحدياً دستورياً من نوعه، من شأنه أن يضع المؤسسات المعنية (تشريعية-تنفيذية-قضائية) أمام مسؤولياتها. جاءت هذه الدراسة لتكشف الغطاء عن هذه التحديات، وكيف دأبت المؤسسات ذات العلاقة على التصدي لها؟ ومن جهة أخرى: هي تتصور تجويد وأجرأت عمل هذه المؤسسات لأجل كفالتها الحقوق المطروحة على نحو أنجع، دون إفراط بها، أو تفريط فيها. 

   الكلمات المفتاحية: حرية التعبير-حق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية-التحديات الدستورية-الدينامية الرقمية.

 

Summary 

    This study is based on addressing the challenges arising from digital dynamics, focusing on freedom of expression, privacy rights, and data protection in the digital environment; the swift and important growth observed in the digital world today is characterized by decentralization without recognition of any restrictions or boundaries. This has, in turn, formed a constitutional challenge that directly threatens freedom of expression in this space, which is diverse in religions, cultures, sects, and opinions, while simultaneously opening a window to the possibility of exposing privacy rights and the associated necessity of protecting personal data flowing within digital liquidity towards institutions and digital companies to benefit from the available qualitative services, whether domestically or externally, for exploitation.                                                                 

     Since balancing the guarantee of these rights for the digital user from one perspective, and considering the national or humanitarian interest from another, creates a unique constitutional challenge, placing the concerned institutions (legislative, executive, judicial) in front of their responsibilities, this study aims to simplify these challenges, and how the relevant institutions have worked to confront them. On the other hand, it envisions improving and operationalizing the work of these institutions to better guarantee the rights at stake, without excessive enforcement or neglect.                                                                                                                    

   keywords: Freedom of expression - Right to privacy and protection of personal data - Constitutional challenges - Digital dynamism.

 

مقدمة:

   لا غرو في أن ما يشهده المجتمع الرقمي من تحول جذري متواتر وغير مسبوق، يكشف عن دينامية رقمية متسارعة وذات انتشار واسع؛ منصات تواصل اجتماعي، خوارزميات ذكية وأنظمة ذكاء اصطناعي؛ محطات ننفذ عبرها دون حدود أو قيود، ولا يبدو لوهلة أن تبلغ نهاياتها مدام العقل البشري قادر على الإبداع والإنتاج.

   ولا مندوحة في أن يتولد عن هذه الديناميات تحديات دستورية تطرح إشكال ملح، يتجسد في مدى الموازنة بين جني ثمار الولوج إلى هذا العالم الرقمي، وبين صيانة الحقوق والحريات الأساسية، تلك التي كرست لها المواثيق الدولية والإقليمية وما انبثق عنها من تشريعات وطنية.  وهو إشكال من شأنه طرح هذه الموازنة على بساط البحث والتحليل.

   حري بالذكران ما يكتنف الفضاء الرقمي من طبيعة لا تعترف بأي حدود جغرافية، ألقى بظلاله على حرية التعبير الممارسة في سياق هذا الحقل المكتظ بأديان وأعراق وثقافات مختلفة، فخلق تحديات أمام استعمال هذه الحرية، في مجتمع لا يمكن أن يخلو من الاستقطاب والتأثير مراراً، مما يثير مخاوف التقويض أو الحد منها.

   وفي كفة موازية يحدق الخطر نفسه بحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية، حتى يضع هذا الحق بين مطرقة لزوم صون الخصوصية في هذه البيئة الرقمية التي تتدفق عبرها بيانات المستخدمين في صورتها الهائلة وحجمها الكبير، وسندان عرضتها للتجسس والاستغلال في غير مواطنها، وبالشكل الذي يتقاطع مع المصالح الأخرى، لا سيما الوطنية منها، وفقاً لمقتضيات الأمن السيبراني.

   إن بلوغ الغاية المرجوة من الدراسة الراهنة، تضعنا على عتبات استخدام المنهج التحليلي النقدي، حتى نخوض في تفكيك ما تعتمد عليه من مفاهيم دستورية ذات صلة بحرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الرقمية في سياقات دولية وإقليمية ووطنية؛ ناهيك عن تحليل انعكاس التكنلوجيا على هذا النوع من الحقوق، ومدى تأثير هذا الانعكاس على التشريعات وعمل المؤسسات ذات العلاقة (تنفيذية وقضائية) ونقدها من حيث مدى كفاءتها ومواكبتها للدينامية الرقمية، تمهيداً لإبداء التوصيات والمعالجات المقترحة. 

   وعلى الجانب الآخر، سيكون في الاستعانة بالمنهج المقارن سبيلاً في فهم هذه التحديات الناتجة عن استعمال هذه الحقوق ضمن الفضاء الرقمي العابر للحدود؛ وكيف تم التأطير لها في دساتير الدول وتشريعاتها؟ وما انتهجته من مسالك تنفيذية وقضائية تباينت بحسب مصالح هذه الدول متنوعة الأديان والثقافات والمذاهب والأولويات. 

   وعليه ستنصب هذه الدراسة على بحث وتحليل الآنف من الإشكال في سياق حرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية في هذا الميدان، من خلال مبحثيها الوارد في أولهما: الإبانة للتحديات الدستورية التي تكشف عنها حرية التعبير في البيئة الرقمية، وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية، أما الثاني: فسيتمحور على معالجة الإطار التشريعي سيان على مستوى المواثيق الدولية والإقليمية، أو التشريعات الوطنية، ثم يبحث دور القضاء باعتباره ضابطاً لهذه الحقوق ورافداً لها في الوقت نفسه، وذلك وفقاً للترتيب الاتي:

   المبحث الأول: التحديات الدستورية المتصلة بحرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية في البيئة الرقمية.

   المبحث الثاني: التحديات المؤسسية، ودور القضاء في ضبط حرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية الرقمية.

 

  المبحث الأول: التحديات الدستورية المتصلة بحرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية في البيئة الرقمية.

   لا نزاع في ألا تخلو باكورة العمل الدستوري من أي تحديات، سيما وهي تضطلع بالتكريس لحقوق وحريات طالما كانت عرضه للانتهاك والتعدي؛ فالحقوق والحريات الأساسية تنهض على الدستور الناظم لها وللمؤسسات التي تحول دون الافتئات عليها والاقتيات منها؛ حؤولاً من شأنه أن يوطد لما رسخ له الدستور من حقوق وحريات.

   ولما كانت هذه التحديات تدور وجوداً وعدماً مع تفاعل المجتمعات وتطورها، فلا مناص من أن تواكب الدساتير هذا التحول الذي تتأثر به المنظومة الحقوقية وما تنطوي عليه من حقوق حريات أساسية، فيتسع مجالها من ناحية، ويكبر خطر التقويض منها من ناحية أخرى.

   ولا ريب في ان التحول الرقمي الكبير والمتسارع الذي نشهده، يرفع بدوره من حجم هذه التحديات؛ فلا مندوحة من كفالة الحقوق والحريات في المجتمع الرقمي، وأن يتم تعاطيها في كنف بيئة رقمية تحظى بالقدر اللازم من الرعاية الدستورية والمؤسسية؛ ولأن حرية التعبير والحق في الخصوصية وحماية البيانات الشخصية تميزت عن أسرة الحقوق والحريات الأساسية بأنها الأكثر استعمالاً بالفضاء الرقمي، فقد سلطنا عليها الضوء بالبحث والدراسة من خلال ما ينضوي تحت هذا المبحث من مطالب.

   المطلب الأول: حرية التعبير الرقمية.

   يكتسي حق التعبير أهمية كبرى بين الحقوق الرقمية؛[1] فحرية التعبير الرقمية تعني: حق الفرد في الاتصال بالغير والتواصل معهم وتبادل المعلومات عبر الفضاء الالكتروني، من غير أن تحول أي حدود جغرافية دون ذلك.[2] فهي تمارس في عالم رقمي مختلف الأديان والثقافات والاعراق، لا يعترف باي حدود ولا قيود.

   إن الانترنت الذي انتشر منذ ثلاث عقود مضت، قد فتح الباب على مصرعيه، أمام أي شخص لأن ينشر رايه دون تكلفه، وعلى غرار وظائف الإعلام التقليدي (بائع الصحف-الأقمار الصناعية-خدمات الكابل وغيرها) يحتاج تواصل الأشخاص وتعبيرهم عن آراءهم في الفضاء الرقمي أمام هذه الوفرة في المحتوى، إلى متابعة كتلك التي كان يمارسها أصحاب الوظائف المشار إليها، فيتحدد على أساسها المحتوى المستخدم، والآخر الذي يجب عرضه على المستخدمين، وقد أمسى تصفية المحتوى وحذفه وحظره وتعليقه وتصنيفه مساساً بحرية التعبير ويحد من حق الأفراد في الحصوص على المعلومة.[3] 

   لا شك في أن هذا النوع من الحقوق الرقمية بات أكثر انتشاراً وتوسعاً في ضوء المستجدات التقنية والدينامية الرقمية، فيمكن وبنقرة زر أن يصل أي منا إلى جمهور واسع، ويتبادل المعلومات والأفكار بسرعة غير مسبوقة؛[4] ولا ريب ان هذا الحق يثير تحدياً دستورياً يكمن في الموازنة بين عدم المصادرة على حرية التعبير هذه من ناحية، وعدم مساسها بالنظام العام من ناحية أخرى.

   ومن جهة ما أفضى إليه الفضاء الرقمي عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي (AI) مثلاً، فإن حرية التعبير في هذا المضمار، تنطوي على اتاحة الفرصة للأفراد في فهم الكيفية التي يتخذ على أساسها الذكاء الاصطناعي في مختلف المنصات القرارات ذات العلاقة بما ينشرونه، على اعتبار أنه يعد مظهراً من مظاهر ممارسة حرية التعبير التي لا يجب أن يُمس بها إلا حال تقاطعها مع مصالح أخرى أولى بالرعاية،[5] وهو مما عبر عنه الفقه بالحق في تفسير في تفسير تقنيات الذكاء الاصطناعي.[6]  

   إن حرية التعبير الرقمية اليوم تمارس عبر آلاف الأشخاص ممن يعبرون عن آراءهم وأفكارهم ومحتوياتهم ومقاطع الفيديو الخاصة بهم من كل مناحي العالم، فمسالة التعبير عن الذات في المجال الرقمي باعتباره مساحة راحة متوفرة أكثر منها في أي وسيلة أخرى؛ الشخص الخجول أو السيء مثلاً، كلاهما ينفذان عبر التطبيقات الرقمية ليمارسا تبادل الأفكار والترويج لها والحصول على المعلومات أكثر مما قد يتحقق لهما في وسيلة أخرى، ولنقل قناة تلفزيونية مثلاً.[7]

   ولا مراء في أن الولوج عبر الخوارزميات هي الأخرى بهدف نشر الراي والمعلومات وتعاطيها على مستوى واسع ولا مركزي، لا يمكن له أن يأتي خلواً من إثارة جملة من المخاطر؛ تأثير الفكرة أو المعلومة المتداولة في مستخدم هذا الفضاء أو تجاوزها للتأثير في الثوابت الدينية والوطنية يخلق تحد يفرض نفسه على المستوى الدستوري الذي يسعى حثيثاً إلى كفالة هذه الحقوق والحريات ومنها حرية التعبير.

   ولا مناص من تحديد إطار دستوري يدعم هذه الحرية دون تأثير أو تأثر، وبعيداً عن الإفراط والتفريط؛ فهدا التسارع التكنلوجي يفتح النافذة على ضرورة مواكبته دستورياً، وهو دون شك مقام ضنك ومعترك صعب.

   المطلب الثاني: حق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية.

   ما نعنيه بالخصوصية في هذا السياق هي: الخصوصية المعلوماتية الكامنة في حق الافراد والمؤسسات تحديد إلى أي حد ومتى يمكن لبياناتهم ومعلوماتهم الشخصية والخاصة أن تصل للآخرين.[8] ولما تخلل الفضاء الرقمي في القرن الحادي والعشرون جل إن لم يكن كل مناحي الحياة (الاقتصادي-الاجتماعي-الصحي-التعليمي-السياسي...إلخ) تقدم مستخدميه ببياناتهم الشخصية بغية الاستفادة مما يقدمانه القطاعين: العام والخاص، من خدمات يقصدها هؤلاء المستخدمين.

   فالحق في الخصوصية هو حق أساسي من حقوق الإنسان[9] يحظى بأهمية على المستوى الدولي، وهو ماثل في مكنة شخص أو مجموعة من الافراد من حماية حياتهم وبيئتهم الخاصة، ومنها معلوماتهم الشخصية وبياناتهم التي يجب أن تكون مصانة باعتبارها حقاً أساسياً واجب الحماية[10] والنأي بها عن الانتهاك الذي من صوره اختراق الحسابات الشخصية للأفراد أو نشر بياناتهم ومعلوماتهم الشخصية الحساسة.[11]  

   وكثيراً ما يسعى الأشخاص إلى تحميل بياناتهم الشخصية عبر التطبيقات الرقمية من مختلف ما يستعملونه من أجهزة إلكترونية، وبطبيعة الحال فإن كل ما نقوم بتعبئته من خانات ونقوم بتقديمه من معلومات وبيانات نظير تلقي الخدمات المنتظرة، يمكن أن يلج إليها أي مستغل بسهولة،[12] ويمكن أن يساء استعمالها، في صورة تعكس تحدياً دستورياً لحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية.

    إن ضخ الافراد لبياناتهم الشخصية مقابل الحصول أو الاستفادة من خدمة معينة، وجب قبل أن يخضع للحماية القانونية، تحلي بالمبادئ الأخلاقية من قبل الشركات المستقبلة للبيانات، حتى إبان مراقبة هذه البيانات، يستلزم أن تكون مراقبة لا يتسبب عنها تسريب للمعلومات الشخصية، وألا فستنتهك بذلك الخصوصية، ولا تراقب هذه البيانات أو تجمع إلا ضمن الأطر القانونية، ومنها فرض قيود واضحة وصارمة على نوع ما يمكن الاحتفاظ به من معلومات؛ في مقابل ذلك يكون للمستخدمين حق التعرف على طريقة استخدام بياناتهم ومنحهم حق التحفظ على أي استعمال لها على نحو غير مبرر.[13]  

   ولا مواربة في أن انتاج الدينامية الرقمية للذكاء الاصطناعي (AI) الذي فرض نفسه بما يلعبه من دور في عمليات صنع القرار على كافة المستويات ومختلف الأصعدة، أثار مخاوف كبيرة تتصل بشكل مباشر بحق الخصوصية وحماية البيانات، على اعتبار أن-الذكاء الاصطناعي-ينهض على تحسين أداء كم هائل من البيانات وتجويدها، مما يشكل تحد يأتي في سياق الموازنة بين الاستفادة من قوة الذكاء الاصطناعي لتحقيق المنفعة على مختلف مشاربها من جهة، وحماية الحق الأساسي في الخصوصية ومنها صون البيانات الشخصية ضد أي استغلال أو تعد من جهة أخرى.[14] 

   إن تسييل البيانات الشخصية صوب الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الأخرى عبر الخوارزميات المختلفة في مقابل تحصيل هذه المنفعة (تعليمية-اقتصادية-مالية) وأي كان نوعها، يقتضي بالضرورة ضمان تحصين هذه البيانات ضد أي افتئات، وهذا التحدي يطرق أبواب المشرع الدستوري باعتباره تحدياً دستورياً صرف، ينطوي على كفالة حق إنساني أساسي، وهو تحد لا يقف عند حد الشركات العابرة للحدود والمستقبلة لهذه البيانات في نطاق البيئة الرقمية فحسب، إنما هو تحد يتصل حتى بما تسلكه الدولة الوطنية من نهج وهي بصدد مراقبتها بيانات الافراد، بهدف أما لتأمينها أو لتأمين نفسها حتى. 

   لا مناص من أن التطور والقوة في ميدان المعالجة الرقمية للبيانات الشخصية من خلال تحميلها وتنظيمها، تعني أن مراقبة الانترنت قادرة دون ريب على فهرست هذه البيانات وربطها بإشارات مرجعية وإنشاء ملفات تعريفية لها من قبل الحكومات وكبرى الشركات، الامر الذي يفتح النافذة على سوق تتنافس فيه الشركات على أكبر وأكثر التقنيات اختراقاً للخصوصية، من ثم فالتعدي على البيانات الشخصية، عندها تطفو مصلحة الكشف عن خصوصية المستخدم، حتى تغلب على مصلحة حماية خصوصيته وبياناته.[15] 

   وفي ظل ما يعلن عنه حق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية من تحد دستوري بالموازاة لهذا التطور التقني التكنلوجي الكبير، فإن أسرة الحقوق السياسية ضمن هذه البيئة الرقمية تحتضر في مواجهة هذه الديناميات، اللهم إلا لو تم أجرأت جملة من التدابير على مستويات مؤسسية رسمية وغير رسمية، هذه التدابير التي من الواجب أن تنكب المؤسسات المعنية على تنظيمها والتأطير لها في سياق مرادف لهذه التحديات، وهو مما سيتم العرض له خلال المبحث الثاني من هذه الدراسة.

   المبحث الثاني: التحديات المؤسسية، ودور القضاء في ضبط حرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية الرقمية. 

   لما كان المبحث الأول يهتم ببيان حرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية في البيئة الرقمية، تجلى بالتوازي مع استعمال هذه الحرية وهذا الحق جملة من التحديات الدستورية؛ تحديات اثارت بطبيعة الحال ثلة من التساؤلات:

1-        كيف تم تنظيم كل من حرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية على المستويين الدولي والوطني؟

2-       وماذا على مستوى الممارسات التنفيذية؛ هل ثمة من كفالة لهما؟ في سياق الموازنة بين حفظ المصلحة الفردية من زاوية، والعامة أو الوطنية من زاوية أخرى؟

3-       كيف جاءت اجتهادات القضاء الدستوري والدولي في هذا الصدد؟ باعتبار أن القضاء هو الضامن لهمها والضابط في الوقت نفسه؟

   يكشف هذا المبحث الغطاء عن التشريعات المنظمة لحرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية على المستويين الدولي والمحلي، ثم يتجه إلى تحليل نشاط المؤسسات التنفيذية التي تواجه تحدي المواءمة بين صيانة هذه الحقوق والحريات من ناحية، وعدم الإفراط في استعمالها بالقدر الذي قد يهدد باقي المصالح من ناحية أخرى، كالأمن القومي وحريات الأخرين وتعريض السلامة العامة للخطر؛ ثم ينسحب نحو بيان ما انكب القضاء عليه من اجتهادات بهدف تعزيز هذه الحقوق والحريات الرقمية على النحو السالف بيانه.

   وذلك من خلال مطلبي هذا المبحث، الذي يتناول أولهما التحديات التي تواجه المؤسستين التشريعية والتنفيذية، أما الثاني فسيعنى بالعرض لنماذج عن الاجتهادات القضائية في هذا الصدد.

   المطلب الأول: التحديات المؤسسية: (التشريعية والتنفيذية). 

   وفيه سنخوض في تنظيم كل من حرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية الرقمية على المستوى التشريعي، ثم نتبعه بالإبانة لأليات التنفيذ ومدى التكريس لهذه التشريعات على مستوى الممارسة التنفيذية.

   الفرع الأول: التنظيم التشريعي لحرية التعبير الرقمية.  

   وفيه سنتطرق إلى ما نظمته المواثيق الدولية والإقليمية بشأن حرية التعبير الرقمية، ثم نذهب باتجاه التنظيم نفسه على مستوى التشريعات الوطنية.

   أولاً: على مستوى المواثيق الدولية والإقليمية.

   استهلت باكورة العمل الدولي في تأطير حرية التعبير بالنص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقد جاء النص عليها في ديباجة المادة 19 منه على النحو الآتي: ((لكل شخص حق التمتع بحرية الراي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها باي وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية)).[16]

   حري بالبيان في هذا المقام، أن ما ورد بمتن المادة 19 آنفة الذكر يكفل حرية التعبير باي وسيلة كانت، مما يأتي متاهيا مع ممارستها ضمن الفضاء الرقمي، باعتباره أحد الوسائل بل وأكثرها امتهاناً لهذا النوع من الحرية.[17]

   لا شك أن المواثيق الدولية قد عززت من حرية التعبير، وعكفت في جل إن لم يكن كل ما ابرم من معاهدات واتفاقيات على مستوى حقوق الإنسان على التكريس لها والتوطيد منها، تارة بنصها على حرية الفرد في الفكر والراي،[18] وحرية تكوين الجمعيات،[19] والمشاركة في إدارة شؤون البلاد وانتخاب الحكومة،[20] وتارة أخرى حريته في الحصول على المعلومة وتداولها دونما إخضاعها لقيد أو حدود؛[21] اللهم إلا بموجب التزام قانوني أو مساس بحقوق الآخرين أو الأمن القومي والنظام العام، أو في الدعاية لحرب والتشجيع على الكراهية.[22]  

   استطردت المواثيق الدولية والإقليمية دورها في تعزيز حرية التعبير، فكرست لحق الفرد في المعرفة ونشر الآراء ضمن حدود القانون،[23] وحرية الاجتماع السلمي وإنشاء النقابات المهنية، إلا فيما يتقاطع ونصوص القانون.[24] 

   تجدر الإشارة إلى أنه حتى المواثيق الدولية والإقليمية التي صدرت مؤخراً جاءت لتعزيز هذه الترسانة الدولية والإقليمية في سياق تدعيم حرية التعبير الرقمية، وذلك وفقاً للاتي:

1-        على مستوى المواثيق الدولية:

   صدر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في عام 2021 قراره رقم 16/47 حتى يؤكد على أن الحقوق والحريات ذاتها التي يتمتع بها الفرد في النطاق المادي العادي، هي نفسها التي تكفل له ضمن النطاق الرقمي الإلكتروني،[25] وذلك معناه أن ما تم التكريس له من حرية للفرد في التعبير بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بذات مضمون النصوص وغاياتها يعد مصان حتى عبر الفضاء الإلكتروني دونما قيد أو وسيلة بعينها، وهو مما تأكد مراراً عن مجلس حقوق الإنسان لا سيما في قراره الآخر رقم 23/47 الصادر في العام نفسه.[26]

   كما لا يفوتنا في هذا المقام أن نشير إلى التقرير الخاص بالمقرر المعني بحرية التعبير في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والذي افاد فيه أن التنمية المستدامة والتوسيع من قاعدة المشاركة والتعزيز من الشفافية والمحاسبة والحكم الرشيد، تدور وجودا وعدماً مع كفالة حرية التعبير.[27]

2-       على مستوى المواثيق الإقليمية:

   نصت المادة 19 من الإعلان العربي لحقوق الإنسان الصادر في 22 مايو 1997 على أنه: ((لكل شخص الحق في حرية الراي والتعبير، وله الحق في نشر آرائه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير)).[28]  فعلى المستوى الإقليمي تترسخ حرية التعبير الرقمية بموجب هذا النص الذي يكفلها وإن مورست بأي وسيلة من وسائل التعبير، ولا يمكن اعتبار الفضاء الرقمي وخوارزمياته إلا وسيلة ينتشر عبرها استعمال هذه الحرية والتعبير عنها.

   وقد جاء الإطار البيئي للدول الأمريكية بشأن الحقوق الرقمية الصادر في 2024 ليؤكد على أن حرية التعبير في المجال الرقمي تحظى بالحماية ذاتها المقررة في العالم المادي،[29] وحظر على الدول حجب الخدمة الرقمية أو الحد من وصول المعلومات لأصحابها إلا بعذر قانوني،[30] ثم ألزم الشركات ذات العلاقة بضرورة التعاون مع الحكومات المعنية للتصدي لخطاب الكراهية وضمان عدم المساس بالحقوق الأساسية للأفراد.[31] 

   وفي ذات السياق تتجلى حرية التعبير الرقمية في نصوص لائحة الخدمات الرقمية الصادرة عن الاتحاد الأوروبي في 2024، والتي جاءت لتهذيب عمل المنصات الرقمية (فيسبوك وتيك توك) بما يتفق ومبدأ الشفافية وعدم التعسف في حذف المحتوى على نحو فيه تمييز أو تجاوز لحقوق الأفراد الأساسية.[32] وحال أن تحقق ذلك فإن هذه المنصات ملزمة بوضع آلية تقدم عبرها شكاوى المستخدمين محل الحذف لمحتواهم أو تقييده،[33] ثم ذهبت نصوص اللائحة المشار إليها لأن تخطر استعمال الخوارزميات التي هدفها التظليل ونشر المحتوى الضار.[34]  

   وفي تحليل لما انتهت إليه اللائحة المشار إليها بحظرها للخوارزميات ذات الصلة بالمحتوى الضار، يطرح سؤال: ما هو المعيار الذي على أساسه يتم تحديد ما إذا كان المحتوى ضار أو من عدمه؟

   إن مقام تحديد معيار واضح لما هو ضار أو مضلل في عالم رقمي لا يعترف بالحدود ويلج إليه أصحاب ثقافات وأعراق وأديان مختلفة، لهو مقام ضنك ومعترك صعب، تظل فيه الأفهام، وتزل فيه الأقدام، ويشكل تحدياً حقيقياً للمنظومة التشريعية التي من الواجب عليها توخي صون هذه الحرية الدستورية بما لا تتأثر به الحقوق والحريات الأخرى.

3-       على مستوى التشريعات الوطنية:

   كانت البرتغال سباقة على مستوى دول أوروبا في إدخالها تعديلاً دستورياً في عام 2021 على المادة 35 من الدستور البرتغالي، بموجبه تضمن الدولة حرية التعبير عبر الانترنت وتحظر في آن معاً المراقبة الجماعية[35] غير المبررة، اللهم إلا عن طريق القضاء ولمقتضيات المحافظة على الأمن العام؛[36] فمثلما كانت حرية التعبير الرقمية مكفولة بنص الدستور البرتغالي، إلا أنها تتقيد بأمر القضاء متى كان في استخدامها مساساً بالأمن العام؛ في بادرة تعكس الموازنة بين التمتع بهذه الحرية وبين مقتضيات الأمن العام، ثم إيلاء شأن التقييد من إطلاقها للقضاء الذي أوكل له الدستور مهام تقدير حدود استعمالها.

   ومن الحري الإشارة إلى القوانين الصادرة في الإمارات العربية المتحدة، والتي تناولت حرية التعبير الرقمية ومنها ما ورد في قانون مكافحة التمييز والكراهية رقم 2 لسنة 2015 الذي حظر نشر أي محتوى رقمي من شانه أن يعزز من الكراهية أو التمييز المبني على أساس ديني أو عرقي.[37] فضلاً عما نظمه القانون رقم 34 لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية الذي جرم الإساءة للآخرين أو لسمعة البلد عبر الفضاء الإلكتروني، أو نشر ما من شأنه أن يمس بالوحدة الوطنية أو الثوابت والقيم الاجتماعية.[38]

   يظهر جلياً مدى ما يرسمانه القانونيين المشار إليهما من حدود أمام حرية التعبير الرقمية، والتي يقف حق التمتع بها عند حد الإساءة للآخرين أو بسمعة الدولة ووحدتها، أو شكل استعمالها تأثيراً على القيم الاجتماعية السائدة بالبلد، وفي كل الأحوال يجب الا ينطوي ممارسة هذه الحرية على نشر الكراهية أو التمييز القائم على أساس ديني أو عرقي.

   وباستقراء هذه النصوص يتبين أن حرية التعبير الرقمية مصانة على مستويات ثلاث، الأول: على مستوى الفرد الممارس لها. والثاني: على مستوى الآخرين ممن يكفل لهم القانون حق عدم الإساءة لهم. أما الثالث: فعلى مستوى حماية الدولة ووحدتها وما هو سائد فيها من ثوابت وقيم اجتماعية؛ وهي توليفة مقبولة إذا ما كان هناك حرص في تجسيدها على مستويات تنفيذية وكفالتها على المستوى القضائي.

   ثانياً: التنظيم التشريعي للحق في الخصوصية وحماية البيانات الشخصية الرقمية:

   وقبل الولوج في العرض لاي تشريعات ناظمة لهذا الحقن فقد جاء القرآن الكريم ليبدي عناية وحرص على حياة الناس الخاصة، وينأى بها حتى لا تكون عرضة للانتهاك أو التجسس، مجسداً ذات القيم التي اجتهدت الأمم في حفظها تباعاً، حيث يقول تعالى في كتابه العزيز ((وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا یَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَیُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن یَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِیهِ مَیۡتا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ))[39] أما على مستوى المواثيق الدولية والإقليمية وكذا التشريعات الوطنية، فقد جاء تنظيم هذا الحق على النحو الآتي.

1-        على مستوى المواثيق الدولية:

   حظي حق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية باهتمام على مستوى المواثيق الدولية المنظمة للحقوق والحريات الأساسية، ومنها:

أ‌.        الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966:

   إن حق الخصوصية وما ينجم عنه من ضرورة لحماية البيانات الشخصية، قد تم النص عليه في كل من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 بالمادة 12 منه، والذي نصت على: ((لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة، أو في شؤون اسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تمس شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو المساس)).[40] وكذا العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بالمادة 17 منه التي نصت على: ((لا يخضع أي فرد لتدخل تعسفي أو غير قانوني في خصوصيته أو شؤون أسرته أو بيئته أو مراسلاته، ولا لمساس غير قانوني بشرفه أو سمعته، ولكل فرد الحق في حماية القانون من مثل هذا الحق على المستوى الدولي)).[41]

   وفي هذا السياق فإن ما تنطوي عليه الضرورة من حماية قانونية للمراسلات وفقاً لنصي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ينسحب حتى على ما هو كائن بالبيئة الرقمية، باعتباره حقاً مكرس له على مستوى دولي بحسب الآنف بيانه.

   تأسيسا على ذلك فإن اتصال الفرد وتفاعله الرقمي يعد محمي دولياً من أي تجسس أو تصنت تعسفي، باعتباره حقاً إنسانياً أساسياً وطدت له جملة من معاهدات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية؛ ونسجت خيوطه خلال العقدين الماضيين عبر حزمة من هذه المعاهدات وما نجم عنها من اجتهادات، منها تقرير المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فضلاً عن الاعتماد مراراً لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بشأن حق الخصوصية في العالم الرقمي.[42] هذا ناهيك عما طورت فيه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECTHB) ومحكمة العدل الدولية التابعة للاتحاد الأوروبي (JEU) ولجنة البلدان الأمريكية ومحكمة حقوق الإنسان في مجال الفقه القانوني الخاص بالمراقبة والخصوصية.[43]

ب‌.    الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان 1969:

   على المستوى الإقليمي فإن الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان هي الأخرى دأبت على تكريس  حق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية، لتأتي المادة 11 منها منسجمة مع ما ترسخ بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، حيث نصت على : ((لكل إنساس الحق في أن يحترم شرفه وتصان كرامته، ولا يجوز أن يتعرض أحد لتدخل اعتباطي أو تعسفي في حياته الخاصة أو شؤون أسرته أو منزله أو مراسلاته، ولا أن يتعرض لاعتداءات غير مشروعة على شرفه أو سمعته، ولكل إنسان الحق في أن يحميه القانون من مثل ذلك التدخل أو تلك الاعتداءات)).[44] 

   وفي هذا المقام تناولت الاتفاقية المشار إليها حق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية بشكل يتسق مع ما هو وارد بالإعلان العالمي والعهد الدولي، فكشفت عن أوجه هذا الحق، وعن ضرورة حماية القانون له، في بادرة تنتقل به فضلاً عن كونه حق عالمي إلى إقليمي، وتضع الدول أمام مسؤولياتها في حتمية صونه والحفاظ عليه.

   ج. اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات (GDPR):

   صدرت هذه اللائحة عن البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي بتاريخ 27 أبريل 2016 ودخلت حيز النفاذ في مايو 2018، وهي التي جاءت في سياق حماية البيانات الذي نص عليه في 1995 وطبق في 1998 والصادر في السياق نفسه، حيث تنتهي هذه اللائحة إلى توحيد التشريع على مستوى أوروبي بغية تدعيم حماية البيانات وتعزيز الشفافية نحو تحقيق التوازن بين حقوق الأفراد والنمو الاقتصادي الرقمي، وذلك من خلال 99 مادة تحدد حقوق الأفراد وما يقع على عاتقهم من واجبات في نطاق الأعمال التجارية محل التنظيم، عطفاً على حماية البيانات الشخصية للمواطن الأوروبي.[45]

   بموجب هذه اللائحة أضحى لمواطني أوروبا مكنة التحكم والسيطرة على البيانات الشخصية، وحقهم في معرفة ما تحوزه الشركات المعنية من بيانات لهم؛ كما نظمت اللائحة في السياق ذاته الحق في النسيان (حذف السجل دون عودة) ورتبت على هذه الشركات غرامات مالية كبيرة حال عدم التزامها بما ورد فيه.[46] 

   د. الميثاق العربي لحقوق الإنسان:

   عزز الميثاق العربي لحقوق الإنسان من ترسانة المواثيق الدولية والإقليمية لحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية، بالمادة 21 منه التي نصت على: ((لا يجوز تعريض أي شخص على نحو تعسفي أو غير قانوني للتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيئته أو مراسلاته أو التشهير بمس شرفه أو سمعته، ومن حق كل شخص أن يحميه القانون من هذا التدخل أو المساس)).[47] 

   برغم من أن هذا الميثاق لم يتطرق لحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية في البيئة الرقمية، إلا أنه يأتي في سياق ما كرس له الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكذا العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، باعتباره يحمي المصلحة نفسها والتي قد تكون مهددة نتيجة ما ينجم عن الدينامية الرقمية ذات الانتشار الكبير والواسع.

2-       على المستوى الوطني: 

   يتولد عن التفاعل الرقمي في إطار الترسيخ لحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية تحد ملح على مستوى ما تنظمه التشريعات الوطنية من نصوص، لا سيما منها تلك المتعلقة بما يعكف الدستور على حفظه؛ وهو تحد كامن في مدى الموازنة بين التكريس لهذا الحق بالنص عليه من جهة، وضرورات الأمن القومي وحفظ المصلحة العامة وحقوق الآخرين من جهة أخرى.

   تأسيسا على ذلك جاءت التشريعات في بعض الدول لتؤكد على حق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية في سياق يتماهى مع ما نصت عليه المواثيق الدولية في هذا الصدد، ومن هذه التشريعات:

أ‌.         قانون حماية المعلومات الشخصية في الصين (PIPL):  

   دخل قانون حماية المعلومات الشخصية بالصين (PIPL) حيز النفاذ في 1 نوفمبر 2021 وهو الذي يسعى إلى توطين البيانات الشخصية متى كانت كبيرة وفي حاجة للمعالجة درءً لانتهاكها من قبل أي مراقبة أجنبية، وتحقيقاً لأمن بيانات المواطنين؛ في بادرة تعكس الوعي بمدى أهمية حق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية حتى على المستوى الخارجي لا الوطني فحسب، وتنم عن قدرة الحكومة في معالجة هذا الكم الهائل من البيانات والمعلومات،[48] ليكون بذلك قانون شامل يحمي البيانات الشخصية على المستوى الوطني والخارجي.[49] 

   يتجلى مما سلف بيانه في نص المادة 38 من القانون المشار إليه، التي اتجهت لحماية البيانات الشخصية تلك التي يتعاطها مواطنو الصين خارج حدود الجمهورية، بغية الاستفادة من أي خدمة ما، فقامت على أجرأت حزمة من التدابير التي جاء النص عليها على النحو الآتي: ((إذا احتاج معالج المعلومات الشخصية إلى تقديم معلومات شخصية خارج أراضي جمهورية الصين الشعبية لأسباب تجارية أو غيرها، فيجب عليه اجتياز التقديم الأمني الذي تنظمه إدارة الفضاء الإلكتروني الحكومية بحسب الوارد بالمادة 40[50] من القانون نفسه.[51] 

   من هذا المنطلق فإن التزويد بالبيانات الشخصية خارج حدود الجمهورية الصينية لأسباب قد تكون تجارية أو غيرها، فلا بد من أن يتم إخضاع هذه البيانات للتقييم الأمني بمعرفة إدارة الفضاء الإلكتروني الحكومية، متى بلغ حجم هذه البيانات حد معين تقدره هذه الإدارة. لا غرو أن هذا النص يكشف الغطاء عن تعزيز أمن البيانات والمعلومات الشخصية التي يتعاطها المواطنون الصينيون، فيكفلها هذا القانون على المستوى الخارجي فضلاً عن الداخلي الوطني.

   أما على مستوى حق الخصوصية الرقمية، فقد جاء نص المادة 40 من القانون لتوطيد هذا الحق وتدعيمه، حيث نصت المادة المشار إليها على: ((للفرد الحق في معرفة معلوماته الشخصية واتخاذ قرارات بشأن معالجتها، والحق في تقييد أو رفض معالجة الآخرين لمعلوماته الشخصية، ما لم ينص قانون أو لوائح إدارية على خلاف ذلك)).[52]  

   بالتوازي مع ما كرست له المادة 38 من القانون بتأمينــــــــــــها بيانات المواطنين الشخصية عبــــــــر إدارة الفضاء الإلكتروني الحكومية، جاءت المادة 40 من القانــــــــــون نفسه لتعطي للفـــــــرد الحق كاملاً في تبين مصير معلوماته الشخصية وفوق ذلك له مطلــــــــــــــق الحرية في اتخاذ ما يراه مناسب بشأن معالجتها، ويذهب إلى أبعد من ذلك في حق الفرد لأن يقيد هذه المعالجة، بل وحتـــــــــــــى رفضه أن تخضع معلوماته الشخصية لمعالجة الآخرين لها؛ ولا مواربة في أننا بصدد قانون يعزز بشكل تام لحق الخصوصية الرقميـــــــة، ويكفل حماية البيانات الشخصية، التي تسهر عليها إدارة الفضاء الإلكتروني الحكومية وفقاً للمعاير والشروط التي أفصح عنها القانون المشار إليه.

   إن هذا التفشي الكبير والواسع للخدمات في نوعها الرقمي، لا يمكن له إلا أن يشكل تحد كبير أمام السلطة التشريعية حتى تواكب ديناميات هذا التحول بموجب تشريعات نوعية تكفل حفظ وحماية الحقوق والحريات الأساسية بالبيئة الرقمية، على نحو موازي لسرعة وحجم هذا الانتشار؛ فبرغم ما تجسده كلتا مادتي القانون المذكورتين (38-40) إلا أن الأمر لم يأتي خلواً من مواجهة تحديات تنطوي على قيام شبهة الانتهاك لحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية خلال استخدام هذا الكم الهائل من البيانات.  

   ولا ريب أن ما انتهت إليه المادة 40 من القانون بقولها (ما لم ينص قانون أو لوائح إدارية على خلاف ذلك) يفتح النافذة على أن المشرع يضع في اعتباره مالات قد تأتي على نحو يتقاطع مع ما كرس له النص من حق في الخصوصية الرقمية، وإن هذه الخصوصية نظير تسيير الخدمات الرقمية وسرعتها قد تتلاشى في ظل ما تمارسه الشركات المعنية من جذب لقاصديها بالقدر الذي يضع الأفراد موضع تقديمهم للبيانات والمعلومات الشخصية دون مراعاة لما قد ينجم عن هذا التزويد من مخاطر حال اختراق هذه المعلومات أو استغلالها.

   وهو مما تحقق فعلاً؛ حيث يثور في الوقت الراهن لغط كبير في أواسط مواطني الصين حول ما هو ناجم عن تقنية التعرف على الوجه لتسيير الخدمات بمختلف أنواعها، مما أثار مخاوف عدد من الصينيين من احتمال استخدام هذه التقنية في غير الأوجه المطلوبة حال أن تعرضت هذه البيانات للاستغلال، الأمر الذي استدعى إدارة الفضاء الإلكتروني الصينية لإصدار لوائح تحظر على الشركات إجبار الافراد على تقديم (face id) هوية التعرف على الوجه كشرط لاستلام السلع والخدمات دون موافقة طوعية ومستنيرة.

   ولهذه الشركات وفقاً للوائح الصادرة أن تعمل على توفير وسائل تعريف أخرى بديلة ومعقولة، علماً بان هذه اللوائح ستدخل حيز النفاذ في 1 يونيو 2025؛[53] حيث يأتي إصدار هذه اللوائح في سياق ما نصت عليه المادة 40 من قانون حماية البيانات الشخصية.[54]

   ومن هذا المنطلق فإن ما سقنا له من مثال في آنف القول، يعزز من تولد تحديات دستورية ذات علاقة بالحقوق والحريات الأساسية مراراً عبر الفضاء الرقمي، ويقودنا إلى أن الصراع بين كفالة هذه الحقوق الرقمية على المستوى التشريعي، وإمكانية انتهاكها قائم، ويدفع بدوره باتجاه المساس بالمفاهيم الدستورية التقليدية وربما إعادة تشكيلها حتى.

   بعد أن فرغنا من تناول القالب التشريعي لكل من حرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية في البيئة الرقمية، يتعين علينا الإبانة لمدى كفالة كل منهما على مستوى العمل التنفيذي، لا سيما وأن التشريعات المشار إليها جاءت في إطار يربط ممارسة هذه الحرية وهذا الحق بضرورات الأمن العام والمصلحة الوطنية، فضلاً عن عدم التعدي على حقوق وحريات الآخرين، وهو مما سيتم تناوله بالفرع الثاني لهذا المطلب. 

   الفرع الثاني: دور المؤسسات التنفيذية في تنظيم حرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية الرقمية.

   من الضرورة بما كان الإشارة إلى بعض النماذج التنفيذية في هذا السياق، وإلى أي مدى نجحت في تحقيق هذه الموازنة؟ وعليه فسنعرض أولاً لحرية التعبير الرقمية، ثم نتبعها بحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية الرقمية.

   أولاً: دور المؤسسات التنفيذية في تنظيم حرية التعبير الرقمية: 

   إن حرية التعبير متى كانت مكفولة في الفضاء الإلكتروني بما تنطوي عليه من إبداء للآراء وتناقل في المعلومات والمعارف، فإن كفالتها هذه تضع الحكومات بين مطرقة الحماية لها دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو اللون، وسندان التصدي لها والتقويض منها حال مساسها بحريات الآخرين أو المصالح الوطنية.

   ولعل واقعة المدون الماليزي (ألفين تان) خير مثال يمكن أن يجسد هذا التحدي، والذي انتهى إلى تقييد حرية التعبير فيما قام به من إهانة للآذان عام 2015، الأمر الذي شكل إهانة للمسلمين، فلجأت لجنة الاتصالات والوسائط المتعددة الماليزية (MCMC) بطلب إلى فيسبوك ويوتيوب لإزالة المقطع موضوع الإهانة، مما ترتب عنه فرار (ألفين تان) إلى الولايات المتحدة الأمريكية وقيدت ضده دعوى قضائية بالمحكمة المختصة.[55] 

   يتجلى في ذلك أن حرية التعبير الرقمية توقفت عند حدود ما نجم عن استعمالها من إهانة وأذى أصاب تيار عريض من المسلمين، ما يضع السلطات أمام مسؤولية التقييد من إطلاقها على نحو قد يتسبب عنه تهديد لأي مصلحة محمية وذات أولوية.

   ولا مراء في أن هذا التقييد لحرية التعبير، لا يجب أن تبرره إلا المصلحة الوطنية أو حماية حقوق وحريات الآخرين، وأن يباشر في ضوء القانون وتحت رقابة القضاء، حتى لا يفتأت عليها فتنتهك دون وجه حق.

   إن الحكومات وهي تهم بحرية التعبير في السياق الرقمي كتحد دستوري ينهض على الموازنة بين كفالته من زاوية، وعدم الإفراط فيه من زاوية أخرى، فإن هذه الحكومات تتصل بحرية التعبير هذه على مستويات مختلفة ومنها: 

أ‌.         المستوى الثقافي: بما ينجم عن الدينامية الرقمية من تفاعل بين الثقافات التي أمست قريبة ومفتوحة على بعضها البعض، سيما بما تحمله في طياتها من تصورات أدبية، ومذاهب نقدية، وآراء إيدلوجية.

ب‌.    المستوى السياسي: بما يشهده التوجيه في الرأي السياسي إبان الانتخابات وما يصحبها من حملات وبرامج، قد تؤثر في حرية التعبير الرقمية على نحو سلبي، ولا أدل على ذلك مما حصل في الانتخابات الرئاسية للبرازيل 2018،[56] أو كما حصل في الانتخابات البريطانية 2019.[57] 

ج‌.      المستوى الصحي: كإثارة الهلع والخوف في نفوس الناس من تفشي وباء كورونا وقتها في منطقة أو مدينة أو دولة دون حصول ذلك، كما حصل في العراق قبل أن يتسرب إليها هذا الوباء، مما أدى إلى ارتفاع أسعار مستلزمات الوقاية من الوباء، وكان ذلك بالتوازي مع إجراءات وزارة الصحة المتخذة في مواجهة الجائحة.[58]  

   ذلك عطفاً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والديني وغيره.[59]

   ولا عجب في القول إن الدولة ومؤسساتها التنفيذية-وحدها-تقف عاجزة اليوم عن تنظيم حرية التعبير الرقمية في مجتمع المنصات وما يشهده من ديناميات وتفاعل، الأمر الذي لا مندوحة فيه من الاعتماد على الشركات الرقمية القائمة على إدارة هذه المنصات، بدافع ضبطها سلوك رواد هذا المجتمع ومستخدميه، وكأن المنصة اليوم تحل محل الوسيط بين السلطة العامة التقليدية والمواطن في البيئة الرقمية، حتى نكون بصدد سيادة رقمية لا واقعية، تساند فيها الشركات التكنولوجية الحكومات الوطنية.[60]  

   المطلب الثاني: دور القضاء في ضبط حرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية.

   إن القضاء باعتباره البوتقة التي يصب فيها ما ينجم عن استعمال حرية التعبير والحق في الخصوصية وحماية البيانات الشخصية عبر الفضاء الرقمي من تعديات أو تجاوز، كان بدوره الملاذ الذي يأوي إليه صاحب المظلمة، حتى أمسى ركيزة أساسية ومؤسسة من أكثر المؤسسات فاعلية في ضبط التوازن بين غايات هذه الحقوق من جهة، وتدابير التقويض منها وفق ما كرست له القوانين من جهة أخرى.

   وفيما سيتقدم نسعى لإبانة ما يلعبه القضاء باجتهاداته من دور في هذا السياق:

   أولاً: اجتهاد القضاء في ضبط حرية التعبير الرقمية:

   كشفت قضية موروثي ضد ميسوري بالولايات المتحدة الأمريكية بالعام المنصرم، عما لعبه القضاء من دور في الرقابة على ما تشرع فيه الحكومة من أعمال قد تأتي متسقة مع حرية التعبير، فيؤيدها أو تتقاطع معها فيبطلها؛ حيث دارت وقائع القضية المشار إليها حول أن المدعون بقصدهم اللجوء للمحكمة العليا بالولايات المتحدة الأمريكية بغية إصدار أمر قضائي بإحالة من الدائرة الخامسة ضد المؤسسات ذات العلاقة،[61] بزعمهم أن هذه المؤسسات قد مارست ضغطاً يهدف إلى حجب منشورات لهم عب المنصات الرقمية، مما يصادر على حرية التعبير بالفضاء الرقمي والتي هي مكفولة على مستويات تشريعية بالولايات المتحدة الأمريكية كما أسلفنا.

   ولما كانت هذه الإجراءات الحكومية قد بوشرت خلال جائحة كورونا-كوفيد19-وقد تزامنت مع انطلاق الانتخابات في عام 2020 سعياً لحذف أي منشور مضلل للإجراءات الصحية المتخذة بخصوص لقاحات كورونا أو الانتخابات الجارية، فقد انتهت المحكمة في حكمها بعدم أحقية المعنين في رفع دعواهم لانتفاء شرط المصلحة الناجم عن عدم اثباتهم الضرر الواقع عليهم من جهة، كما وجهت المحكمة في منطوق الحكم بأنه (ليس للحكومة   أن تصادر على حرية التعبير ضمن هذا الفضاء أو تحجبها وتقوض منها).[62]  

   بحسب الآنف يتجلى ما تعكف عليه المؤسسة القضائية في توخيها الموازنة بين مقتضيات حرية التعبير وما تتطلبه المصلحة الوطنية، فيتحرى القضاء مدى تقييد هذه الحرية في المجتمع الرقمي إذا ما تقاطعت مبررات هذا التقييد مع ضرر قد يلحق أصحابها أو بأي مصالح وطنية أخرى.

   ثانياً: اجتهاد القضاء في ضبط حق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية:

   إن ما قضت به المحكمة العليا للاتحاد الأوروبي في 6 أكتوبر 2025 قد عزز مما يلعبه القضاء من دور في تكريس حق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية، وذلك حيث قضت ببطلان اتفاق (الملاذ الآمن) الذي بموجبه صار لفيسبوك وشركات التكنولوجيا الأخرى ترحيل بيانات المستخدمين بحجم كبير وكميات ضخمة إلى أجهزتها بالولايات المتحدة؛ هذا الاتفاق الذي استغله ما يربو عن 4 آلاف شركة ومنها قوقل وأمازون.

   وهو حكم جاء لصالح طالب الحقوق النمساوي (ماكس شريمز) الذي تقدم بشكواه ضد النهج الذي تسلكه شركة فيسبوك، حيث تقوم بنقل البيانات الشخصية للمستخدمين إلى خوادمها بالولايات المتحدة الأمريكية، معززاً شكواه هذه بما تسرب عن موظف وكالة الأمن القومي الأمريكية (إدوارد سنون) من وثائق مبرهناً فيها عن تجسس شامل تمارسه أجهزة الاستخبارات الأمريكية، كاشفاً عن حجم المشكلة وحقيقتها.[63]  

   لا غرو في أن وقوف القضاء دون اختراق حق الخصوصية والذود عن أي انتهاك قد يطال البيانات الشخصية لأشخاص المجتمع الرقمي، من شأنه أن يوطد لهذا الحق ويخلق توازن بين المصالح المختلفة الناجمة عن الدينامية الرقمية وما تشهده تفاعلات.

   إن البيانات الرقمية التي تتدفق تباعاً، تشكل تحديات تنمو بين كل فينة وأخرى مع النمو الرهيب للسيولة الرقمية؛ هذا الواقع الذي يتجاوز دون ريب الأدوات التقليدية التي تتسلح بها مؤسسات السلطة في مواجهة الحقوق والحريات الأساسية، ليفرض تغييراً وربما إعادة تشكيل مفاهيم دستورية جديدة، تتسق مع هذا التطور السريع للعالم الرقمي.            

  الخاتمة: 

   قد أمسى أن ما تتسم به الدينامية الرقمية من تسارع يطرح تحديات ذات تأثير مباشر فيما هو راسخ على مستوى حرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية في المجتمع الرقمي؛ لقد أظهرت الدراسة أن البون يتسع والهوة تتعمق مراراً بين ما كرس له دستورياً، وبين ما يكتنف البيئة الرقمية من خصائص تنطوي على انتشار واسع ولا مركزي، يعبر الحدود ولا يعترف بأية قيود.

   ولا مراء في إنه انتشار يفتح النافذة على ممارسات واسعة لحرية التعبير وتعاطي البيانات الرقمية، في عالم تواق لزرع ضوابط دستورية وآليات تتصدى لأي خطاب مضلل أو مساس بالمصالح الوطنية وحريات الآخرين، وضمن بيئة تصان فيها الخصوصية، وتطوع فيها بيانات مستخدميها لخدمتهم مباشرة والنأي بها عن أي استغلال أو إخضاع لغير الغايات المرجوة من وراء تسييلها.

   انطلاقا من ذلك، أفضت الدراسة إلى ثلة من المقترحات والتوصيات، نلتمس فيها نوعاً من الرأب لهذا الصدع، وتجسير للبون بما يكفل التمتع بهذه الحقوق دون إفراط ولا تفريط، وهي:

1-        معالجة المفاهيم الرقمية ضمن الأطر الدستورية على مستويات وطنية، وبشكل يأتي متسقاً مع ما هو كائن على المستوى الدولي، ويسهم في خلق بيئة تشريعية رقمية تكفل حرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية في الفضاء الرقمي، وبما لا يتقاطع مع المصالح الوطنية والإنسانية.

2-       تعزيز سبل التعاون بين الحكومات الوطنية والشركات المسؤولة عن النشاط الرقمي والمجتمع المدني، لتعبيد الطريق نحو تعاط رقمي آمن، ومحقق لأغراضه، دون انحراف أو تحيز. 

3-       تنمية القدرات الحكومية، وتطوير الكوادر المعنية بإنفاذ التشريعات المتصلة بالبيئة الرقمية، وكذا تثقيف وتوعية الأفراد صوب استعمال التقنية الرقمية على نحو أكبر مسؤولية، وأكثر نجاعة وآمناً.

4-      تدعيم الضمانات الدستورية عبر ما يمارسه القضاء الدستوري من رقابة وضبط يصبان في اتجاه كفالة حرية التعبير وحق الخصوصية وحماية البيانات الشخصية الرقمية؛ باعتباره ضابط لها دون إخلال بها، أو انحراف فيها.

5-       تشجيع البحث العلمي في المجالات الرقمية وتبادل الخبرات، لمواجهة التحديات المستجدة عن الدينامية الرقمية والتفاعل ضمن المجتمع الرقمي. 



[1]- الحقوق الرقمية: وتعني حق الافراد في إمكانية إنشاء ونشر المحتوى الرقمي والوصول غليه باستخدام الوسائل الرقمية من حواسيب وأجهزة الكترونية وشبكات اتصال وبرمجيات، وتنهض على مبادئ أربع: الاتاحة، الحق في الخصوصية، حرية الاستخدام والابتكار، حرية التعبير. 

[2]- د. رابطي زهية، حرية التعبير في العصر الرقمي من منظور القانون الدولي بين التكريس والتقييد، مجلة أفاق للعلوم، المجلد 8، العدد 2، 2023، ص 496. 

[3]- Andras Kolte, the protection of freedom of expression from social media platforms, mercer law review, vol 73, number 2, 2022, page 523.                                                                                                              

[4]- الحمارنة حسن، سعيود عبد القادر، حرية الراي والتعبير في العصر الرقمي، مذكرة لنيل شهادة الماستر تخصص: دولة المؤسسات، إشراف د. يزي خالد، جامعة 209 أوث، العام الجامعي 2024.

[5]- من هذه المصالح ما نصت عليه اتفاقية حماية حقوق الإنسان في نطاق مجلس أوروبا بروما في عام 1950 بالمادة 10 الفقرة 2 وهي: ((الامن القومي، سلامة الأراضي، أمن الجماهير وحفظ النظام ومنع الجريمة، حماية الصحة والآداب، احترام حقوق الآخرين، إفشاء الاسرار، تدعيم السلطة وحياد القضاء)). 

[6]- محمد فايز محمد، الحوكمة الخوارزمية لحرية الراي والتعبير على الانترنت-تطوير منصات التواصل الاجتماعي لآليات الذكاء الاصطناعي لضبط السلوك البشري في المجال العام الرقمي، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، المجلد 66، العدد 3، 2024، ص 329.

[7]- M morsalin hider ashik, limiting freedom of expression in digital platforms: between state obligations and intermediary moderation in a multicultural con text, a thesis submitted to mcgill university inpartial fulfillment of the degree of ll. M, 2022, page 13.                                                              

[8]- فاطمة الزهراء كشرود، حنان بطورة، انتهاك الخصوصية بالفضاء الإلكتروني-الواقع والتحديات، مجلة تطوير العلوم الاجتماعية، المجلد 13، العدد 2، 2021، ص 62. 

[9]- حيث ورد النص عليه بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1948، واعتمد بموجب قرار الجمعية العامة رقم 16. 

[10]- Radi p. Romansky, irina s. noniska, challenges of the digital age for prvacy and personal dta protection, mathematical biosciences and engineering, volume 17, issues, 2022, page 5288.                    

[11]- منال البلقاسي، تأمين التهديدات السيبرانية تحت المجهر الرقمي، العبيكان للنشر، الطبعة الأولى، 2024، ص 66.  

[12]- Dr. Neelam rai, right to privacy and data protection in the digital age presser vation, control and implementation of laws in india, environment,technology and social change, vol 11, no 1, 2020 page 116.      

[13]- د. خالد السيد عبد الحق، د. دعاء محمود عبد العال، مراقبة الشبكات وتوثيقها، دار اليازوري للنشر، 2025، ص 225. 

[14]- Venkata rajesh krisha adapa, navigating the privaly paradox: balancing al advancement and data protection in digital age, international journal of scientific research in computer science, engineering and information t echnology, volume 10, issueb, 2024, page 100.                                                                     

[15]- توبي مندل وآخرين، دراسة استقصائية عالمية حول خصوصية الإنترنت وحرية التعبير، منشورات اليونيسكو، 2013، ص 47.

[16]- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها رقم 217 من عام 1948 المادة 19. 

[17]- مصطفى محمد أحمد، أساس حرية التعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي في المواثيق الدولية والإقليمية، مجلة حقوق دمياط للدراسات القانونية والاقتصادية، العدد 10، 2024، ص 642. 

[18]- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، المادة 18.

[19]- نفس المرجع، المادة 20.

[20]- نفس المرجع، المادة 21.

[21]- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966، المادة 19.

[22]- الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان، معاهدة سان خوسيه، 1969، المادة 13.

[23]- الميثاق الافريقي لحقوق الإنسان والشعوب، 1981، المادة 9.

[24]- الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، 1953، المادة 11.

[25]- قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة رقم 16/47، الصادر في 2021.

[26]- تضمن القرار رقم 23/47 الصادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في عام 2021 النص على حقوق الإنسان وحرياته العامة ضمن الأطر الرقمية، والاعتداد بها في سياق التقنية الحديثة والتكنولوجيا المستجدة؛ بحيث تكون حرية التعبير مراعاة فيما هو ناجم عن الدينامية الرقمية من تطور وتطوير، وألا يفرط في هذه الحرية وكذا حقوق الإنسان الأخرى، فشأن تدبير كفالتها من الواجب أن يسير في خط متوازي مع ما يخضع له العالم الرقمي من تحديث وتطوير.  

[27]- تقرير المقرر الخاص المعني بحماية حرية التعبير بمجل حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة رقم 25/53، الصادر في 2023. 

[28]- الإعلان العربي لحقوق الإنسان الصادر عن جامعة الدول العربية بموجب القرار رقم 5437 في 22 مايو 1997 بالقاهرة، المادة 19.

[29]- الإطار البيئي للحقوق الرقمية الصادر عن الجمعية العامة لمنظمة الدول الأمريكية في مارس 2024، المادة 4.

[30]- نفس المرجع، المادة 5.

[31]- نفس المرجع، المادة 8.

[32]- لائحة الخدمات الرقمية الصادرة عن الاتحاد الأوروبي في 17 فبراير 2024، المادة 14.

[33]- نفس المرجع، المادة 17.

[34]- نفس المرجع، المادة 34. 

[35]- المراقبة الجماعية: وتعني إخضاع بيانات ومعلومات الأشخاص الرقمية في معظم تتم في معظم الأحوال دون علم الأشخاص وموافقتهم عليها.

[36]- دستور البرتغال الصادر في 1976، المادة 35.

[37]- قانون مكافحة التمييز بالإمارات العربية المتحدة رقم 2 لسنة 2015، المادة 6.

[38]- قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية بالإمارات العربية المتحدة رقم 34 لسنة 2021، المادتين 6-12. 

[39]- سورة النور، الآية 27.

[40]- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، المادة 12.

[41]- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966، المادة 17.

[42]- أنظر في ذلك: التعليق رقم 16 للجنة حقوق الإنسان الصادر في 1988، الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية عام 1953، المادة 8، الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان 1978، المادة 11، المبادئ التوجيهية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن حماية الخصوصية وتدفقات البيانات الشخصية عبر الحدود 1980، الميثاق العربي لحقوق الإنسان 2008، المادتان 16-21.  

[43]- Asaf lubin, the rights to privacy and data protection under international humanitarian law and human rights law, research handbook on homan rights and humanitarian law, 2022, page 467-468.   

[44]- الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان 1969، المادة 11.

[45]- د. شافعي أمال، د. شافعي أم السعد، التأسيس للحق في حماية البيانات الشخصية كحق مستقل عن الحق في الخصوصية في تشريع الاتحاد الأوروبي، مجلة الباحث القانوني، المجلد 1، العدد 2، 2022، ص 113. 

[46]- تقرير صادر عن الشؤون القانونية بمنظمة الإيسيكو بالرباط-المملكة المغربية بعنوان: تطورات الذكاء الاصطناعي ومقتضيات حماية الحقوق والحريات الأساسية، 2019، ص 28، iceoco.org

[47]- الميثاق العربي لحقوق الإنسان الصادر في 2004، المادة 21.

[48]- igor calzada, citizens data privacy in china: the state of the art of the personal information protection law (pipl) smart cites cities, 2022, page 1140.

[49]- الجدير بالذكر أن قانون حماية البيانات الشخصية في الصين (pipl) لم يأتي حتى يحل محل ما هو ساري من قوانين ولوائح حماية البيانات (قانون الأمن السيبراني csl، قانون أمن البيانات dsl) وإنما جاء لتدعيمها والتعزيز منها وتوضيحها، إلا أن قانون حماية البيانات الشخصية يمتد بنصوصه فيحمي البيانات الشخصية حتى خارج جمهورية الصين ومن ذلك اختصاصه بالآتي:

1- أنشطة معالجة البيانات. 2- معالجة بيانات السكان حتى خارج جمهورية الصين. 3- تقديم المنتجات أو الخدمات خارج الصين.  

[50]- حيث نصت المادة 40 من هذا القانون على: ((يجب على مشغل البنية التحتية للمعلومات الحيوية ومعالجي المعلومات الشخصية الذين تصل معلوماتهم الشخصية إلى العدد الذي تحدده إدارة الفضاء الإلكتروني الحكومية تخزين المعلومات الشخصية التي تم جمعها وتوليدها داخل أراضي جمهورية الصين الشعبية إذا كان من الضروري بالفعل تقديم هذه البيانات إلى أطراف خارجية، فيجب أن تخضع إلى تقييم أمني تنظمه إدارة الفضاء الإلكتروني الحكومية)). 

[51]- قانون حماية البيانات الشخصية بالصين الصادر في 2021، المادة 38.

[52]- قانون حماية البيانات الشخصية بالصين (pipl) الصادر في 2021، المادة 40.

[53] haim Ravia, dotanhammer, china limits commercial facial recognition application, 2025.-

[54]- إن ما انتهت إليه المادة 40 فتح المجال أمام الحكومة في إصدار مثل هذه اللوائح كما أسلفنا؛ فالمشرع بموجب نص المادة المشار إليه قد فوض الحكومة تفويضاً محدداً ومنحها مكنة إصدار اللوائح التي تعزز من حفظ وصيانة المعلومات الشخصية، فجاءت هذه اللائحة استجابة إلى ما يطرحه استخدام تقنية التعرف على الوجه من مخاوف تمس البيانات والمعلومات الشخصية بشكل مباشر.     

[55]- nabeel mahdi althabhawi, personal media restrictions on freedom of speech: social contract theory behind it, geopolitics quarterly, vo 19, special issue, 2023, page 126.                                                               

[56]- حيث استخدم المرشح للانتخابات الرئاسية في البرازيل (جايير بولسونارو) تطبيق (WATSAP) لتداول معلومات في جلها مضلل، وتتعلق بالفساد والأمن العام، مما أثر في قناعات عديد الناخبين.    

[57]- استخدم حينها الحزب المحافظ بالمملكة البريطانية في الانتخابات العامة 2019 المنصات الرقمية لنشر محتوى يتصل بشؤون وطنية معينة عززت من مكانة المرشحين عن الحزب لدى الناخبين وـأثرت إرادتهم السياسية بذلك.

[58]- د. سجاد سعيد حبيب، حدود حرية الرأي والتعبير في ظل التطور التكنولوجي المعاصر، المجلة العصرية للدراسات والأبحاث القانونية، المجلد 1، العدد 1، 2023، ص 177-178.

[59]- د. خالد محمد غازي، سلطة الظل-النفوذ الرقمي والرأي العام، وكالة الصحافة العربية، 2025، ص 306 وما بعدها.

[60]- محمد فايز محمد، الحوكمة الخوارزمية لحرية الرأي والتعبير على الانترنت-تطوير منصات التواصل الاجتماعي لآليات الذكاء الاصطناعي لضبط السلوك البشري في المجال العام الرقمي، مرجع سابق، ص 310-311. 

[61]- مسؤولين عن البيت الأبيض، مراكز الأمراض والوقاية (DC)، مكتب الجراح العام، مكتب التحقيقات الفيدرالية (FBI)، وكالة الأمن السيبراني، أمن البنية التحتية (CISA).   

[62]- حكم المحكمة العليا، الولايات المتحدة الأمريكية، رقم: 23-411، الصادر في 26 يونيو 2024. 

[63]- د. طارق جمعة السيد راشد، الحماية القانونية لخصوصية البيانات الشخصية في العصر الرقمي-دراسة مقارنة، مجلة القانون والاقتصاد، ملحق خاص، العدد 92، 2019، 202.  



من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله

قانونك


 من أجل تحميل العدد 25  - إضغط هنا أو أسفله


مجلة قانونك - العدد الثالث