الصلح القضائي في المادة الإجتماعية بين الالزامية والاختيارية - عادل عشيبة




الصلح القضائي في المادة الإجتماعية بين الالزامية والاختيارية

عادل عشيبة

باحث بسلك الدكتوراه كلية الحقوق المحمدية

 

Judicial reconciliation in social matters between compulsory and optional

Adil HCHIBA

لقد عملت جل التشريعات الوضعية المعاصرة على تنظيم مؤسسة الصلح، كالتشريع المغربي بحيث تم تنظيم الصلح في قانون الالتزامات والعقود الصادر سنة 1913، ونظمه المشرع المصري في القانون المدني الصادر سنة 1948[1]، كما نظمه المشرع الفرنسي في المادة 2044[2] من القانون المدني الفرنسي، وعموما فقد اهتمت جل التشريعات بآلية الصلح لتسوية مختلف المنازعات[3].

وللإشارة فإن دستور 2011 لم يشر إلى أي مقتضى صريح لمؤسسة "الصلح" كألية لتدبير المنازعات مع العلم بوجود إشارات إلى مبدأ التسوية والتفاوض لحل النزاعات.

وبالرجوع إلى ق.ل.ع وخاصة في إطار الفصول من 1098 إلى 1116 نجده يعرف الصلح بموجب الفصل 1098 بإعتباره «عقد بمقتضاه يحسم الطرفان نزاعا قائما أو يتوقيان قيامه، وذلك بتنازل كل منهما للآخر عن جزء مما يدعيه لنفسه، أو بإعطائه مالا معينا أو حقا."

وفي إطار تكريس الاستقلالية على القانون المدني جاءت مدونــــــــة الشغل في سنة 2004[4] لتكريس مفهوم الصلح في نزاعات الشغل من خلال تطرقه لمسطرة الصلح التمهيدي[5] بناء علـــــى مقتضيات الفقرة الثالثة من المادة 41 والتي تنص على ما يلي:

 " يمكن للأجير الذي فصل عن الشغل لسبب يعتبره تعســــــتفيا اللجوء إلى مسطرة الصلح التمهيدي المنصوص عليه في الفقرة 4 مـــــــن المادة 532 أدناه من أجل الرجوع إلى شغله أو الحصول على تعويض..." كما تطرقت المادة 532 في فقرتها الرابعة إلى مهمة الصلح التي يقوم بها مفتش الشغل[6].

وهذا لا يمكننا إلا أن نؤكد على أن مقتضيات قانون التنظيم القضائي[7] هي الأخرى جاءت تكـــــرس مبدأ الصلح في المادة 13 إذ تنص أنه: " يمكن للمحكمة المعروض عليها النزاع، ما لم تكــــن محاولة الصلح إجبارية بنص قانوني دعوة الأطراف لحل النزاع عن طريق الصلح أو الوساطة الاتفاقية، في الحالات التي لا يمنع فيها القانون ذلك."

وعلى مستوى القانون الاجرائي نجد الصلح القضائي منصوص عليه بكيفية صريحة ضمن الفصل 277 من قانون المسطرة المدنية[8] بقوله:

 «يحاول القاضي في بداية الجلسة التصالح بين الأطراف." وتم اليوم مراجعة أحكامه من خلال المادة 8 من مشروع قانون رقم 02.23 المتعلق بالمسطرة المدنية كما وافق عليه مجلس النواب في القراءة الثانية، والتي جاءت بالصيغة التالي: «يمكن للمحكمة، تلقائيا أو بناء على طلب أحد الأطراف، أن تعرض الصلح عليهم، ولها في هذه الحالة أن تأمر بحضورهم شخصيا أو من يمثلهم بوكالة خاصة أو انتداب حسب الحالة.

كما يمكن للمحكمة أن تسند إجراء الصلح إلى دفاع الأطراف أو المساعدين الاجتماعيين أو الأشخاص الذين تقدر المحكمة أنهم مؤهلون لهذه الغاية. تسجل المحكمة الصلح الذي تم بين الأطراف بمقتضى حكم غير قابل لأي طعن."

وعلاوة على ما سبق نجد نصوص أخرى تضمنت الصلح كألية لتسوية المنازعات كالمادة 82[9] من قانون الضمان الاجتماعي[10] والفصل 214[11] من ظهير حوادث الشغل والأمراض المهنية لسنة 1963[12] والمواد من 132 إلى 138 من قانون 18.12 المتعلق بحوادث الشغل والامراض المهنية[13] بالإضافة إلى الفصل 205 مكرر[14] من ظهير 31 مارس 1919 المنظم للملاحة التجارية.

بالإضافة إلى الصلح في نزاعات الشغل الفردية تبنى المشرع المغربي الصلح كآلية لتدبير نزاعات الشغل الجماعية[15] ضمن مدونة الشغل من خلال المواد من 551 إلى 556 مبرزا بذلك الدور الإيجابي للصلح في تسوية المنازعات ذات الطبيعة الجماعية. وقد جاء في المادة 550 على أنه "تسوى نزاعات الشغل الجماعية وفق مسطرة التصالح والتحكيم المنصوص عليها في هذا الشأن."

من خلال كل ما تقــــــــدم يمكن القـــــول بأن الصلح القضائي هو الــــذي يبادر بإجرائه القاضي المختص فـــــي نزعات الشغل بمعرفـــــة منه وتحت إشرافه، شريطة قبوله من قبل الأطراف أو بمبادرة من الأطراف تحت إشرافه.

وعليه سوف نتطرق لإلزامية الصلح القضائي في المرحلة القضائية في نزاعات الشغل دون المرحلة الإدارية المتمثلة في جهاز تفتيش، وذلك من خلال المطلبين التاليين:

المطلب الأول:  الإعتراف التشريعي والقضائي بإلزامية محاولة الصلح

المطلب الثاني: مظاهر الاختيارية في سلوك مسطرة الصلح القضائي

 

المطلب الأول:  الإعتراف التشريعي والقضائي بإلزامية محاولة الصلح

خص المشرع المغربي المسطرة القضائية بنظام إجرائي متميز عن مختلف المساطر القانونية الأخرى، إذ أقر إلزامية الصلح القضائي قبل الحكم والفصل في النزاع، ويظهر ذلك من خلال المقتضيات التي جاء بها قانون المسطرة المدنية (الفقرة الأولى)، وكذا من خلال مواقف محكمة  النقض (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى:  الاعتراف التشريعي على مستوى قانون المسطرة المدنية

معلوم أن إلزامية الصلح القضائي في القضايا الإجتماعية قبل مباشرة إجراءات البت في الدعوى أثارت جدلا فقهيا وقضائيا واسعا مرتبطا أساسا بغياب نصوص تشريعية صريحة تبين مدى هذه الإلزامية'([16]).

فقد نص الفصل 277 من ق.م.م. على أنه تحاول المحكمة في بداية الجلسة الصلح بين الأطراف". من هنا يتبين أن المشرع المغربي لم ينص صراحة على إلزامية محاولة الصلح، وذلك بإستعماله عبارة عامة غير محددة لمدى إلزامية المسطرة أواختياريتها، عكس ما كان يقضى به الفصل 36 من ظهير 27 يوليوز 1972 المحدث للمحاكم الاجتماعية '([17]).

     إذن فحذف عبارة "وجوبا" من الفصل 277 من ق.م.م. خلفت جدالا فقهيا وقضائيا، وفسحت المــــــجال أمام تفسيرات متناقضة منهم مـــــــــن يعتبر محاولة الصلح مجرد إجراء إختيــــــاري للقاضي أن يقوم به أو أن يغفلــــــــه ومنهم من اعتبرها قاعدة إلزامية يتعين على القاضي سلوكها تحت طائلة بطلان الحكم الصادر عنه والمتجاوز لها وهو ما يدفعنا إلى التساؤل حول مدى إلزامية إجراء محاولة الصلح القضائي، وبمعنى آخر هل تعتبر مرحلة الصلح القضائي الزامية يترتب عن مخالفة القاضي لها بطلان الحكم أم أنها اختيارية لا يترتب عن مخالفتها أي جزاء؟

     وفي هذا الإطار يتجه غالبية الفقه المغربي إلى القول بإلزامية مسطرة الصلح القضائي'([18]) بحيث يتعين على القاضي القيام بها قبل مناقشة الموضوع، باعتباره إجراءا جوهريا، رتب على إهماله البطلان سواء تعلق الأمر بقضايا نزاعات الشغل أو قضايا حوادث الشغل والأمراض المهنية، وقضايا الضمان الإجتماعي'([19]).

كما تجدر الإشارة على أن مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 02.23 قد تضمن عدة مقتضيات من شأنها تكريس مؤسسة الصلح وتجويدها ومن بينها ما جاء في إطار المبادئ العامة. إذ نصت المادة 8 على إمكانية المحكمة تلقائيا أو بناء على طلب أحد الأطراف أن تعرض الصلح عليهم، ولها في هذه الحالة أن تأمر بحضورهم شخصيا أو من يمثلهم بوكالة خاصة أو انتداب حسب الحالة.

كما يمكن للمحكمة أن تسند إجراء الصلح إلى دفاع الأطراف والمساعدين الاجتماعيين أوالأشخاص الذين تقدر المحكمة أنهم مؤهلون لهذه الغاية. كما تسجل المحكمة الصلح الذي تم بين الأطراف بمقتضى حكم غير قابل لأي طعن.

الفقرة الثانية:  الاعتراف القضائي بإلزامية سلوك مسطرة الصلح

     إن المحكمة تكون ملزمة بالقيام بالصلح والتنصيص عليه، حتى في حالة عدم حضور المدعى عليه على أن السكوت عنه يعرض الحكم للبطلان. وما يؤيد هذا الإتجاه هو ما ذهبت إليه محكمة النقض "المجلس الأعلى سابقا" في العديد من القرارات والتي جاء في إحداها ما يلي:

     "... حيث يعيب العارض على الحكم المطـــــــــــعون فيـــه في الفـــــــــــرع الثالث من الوسيلـــة الأولى بخرق قاعدة مسطرية أضرت به، ذلك أن المحكمة وهي ثبت في قضية شغل، لم تطبــق مقتضـــــيات الفصل 277 من قانون المسطرة المدنية، حيث نص الفصـــل المذكور على أن القاضـــــي يحاول في بداية جلسة الصلح بين الأطراف.

وحيث أنه يوجد في الحكم المطعون فيه ولا من بين وثائق الملف ما يفيد أن القاضي قام بالإجراء المذكور، الشيء الذي يتعرض معه الحكم المذكور إلى البطلان" ومن هنا تجدر الإشارة إلى أن التشريع المغربي، قد ساير أغلبية التشريعات المقارنة، سواء الأوروبية منها أو العربية، فيما يخص إجبارية محاولة الصلح لتسوية نزاعات الشغل إلا أن مبدأ الإلزام هذا، يختلف بحسب الجهة الموكول لها مهمة التسوية الودية للنزاع، فإذا كانت أنظمة القضاء الإجتماعي الأوروبي، تأخذ بإجبارية الصلح في ظل تبنيها لجهاز قضائي إجتماعي متخصص يزاوج بين قضاء الصلح وقضاء الحكم، فإن أغلبية التشريعات العربية تأخذ بإجبارية محاولة الصلح قبل انتقال النزاع إلى مرحلة البث في النزاع بواسطة القضاء'([20]).

     وخلافا لذلك ذهب جانب آخر من الفقه ([21]) والباحثين ([22])إلى القول على ضرورة ترك  مسطرة الصلح القضائي اختيارية بالنظر إلى عدم فعاليتها، بل أبعد من ذلك ذهب البعض إلى ضرورة إلغائها والتخلي عنها لكونها لا تحقق أي نتائج تذكر وتساهم في تعطيل المسطرة فقط، مما أن البنية التشريعية لقضائنا المغربي نراها لا تزال غير قادرة على مواكبة متطلبات العصر والسمو بالعدالة القضائية.

     والرأي فيما أعتقد الذهاب في الإتجاه الثاني بالتخلي عن إجبارية إجراء محاولة الصلح والتقليل من مكانتها وذلك بجعلها إجراء خاضعا لتقدير المحكمة من جهة ورغبة الأطراف من جهة ثانية. وذلك راجع إلى أن المحاكم لا تتوصل إلى الصلح إلا في حالات نادرة، باعتبار أن القضية كما هو متداول لا ترفع إلى القضاء عادة، إلا بعد أن يصبح النزاع في مرحلة لا يمكن تسويته إلا بإصدار حكم حاسم بشأنه، لتصبح مسطرة الصلح مجرد عبئ يضاف إلى أعباء القاضي، كما تؤدي في أحيان كثيرة إلى تعقيد المسطرة خاصة في حالة إغفال القاضي إجراء الصلح'([23]).

      وحقيقة الأمر، يعد الصلح أمرا إجباريا بناء على ما للقضايا الإجتماعية من خصوصيات لها علاقة مباشرة بالسلم الاجتماعي وبالأسرة والمجتمع الذين يعد الأجير إحدى القوى التي ينبيان عليها، وجاء في قرار محكمة النقض "المجلس الأعلى سابقا": "حيث يتعين على محكمة الإستئناف المعروض عليها حكم إبتدائي صادر في المادة الإجتماعية، ولم ينص على إجراء محاولة الصلح خرقا لمقتضيات الفصلين 277 و 283 من قانون المسطرة المدنية أن تلغيه وليس من حقها أن تأول عدم التنصيص على إجراء محاولة الصلح بعد حضور الشركة المدعى عليها".

     ومن هذا المنطلق يتبين أن القضاء بمختلف درجاته استقر على مبدأ إلزامية الصلح القضائي في نزاعات الشغل، باعتباره مبدأ من صميم النظام العام لا يجوز تجاوزه ولا إغفاله وكل حكم صادر متجاوز لإجراءاته يكون مصيره البطلان ([24]).

وفي الاجتهاد القضائي المقارن قد أكدت محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 14 يونيو 2022، موقفها من خلال اعتبار أن وجود شرط في عقد الشغل ينص على إجراء وساطة مسبقة في حالة نشوء نزاع فيما يتعلق بهذا العقد لا يمنع الأجير والمشغل من إحالة نزاعهما مباشرة إلى المحكمة المختصة، نظرا لوجود مسطرة الصلح الإلزامي الأولي أمام القاضي'([25]).

     وعليه فسلوك مسطرة الصلح القضائي وفقا لما استقر عليه الإجتهاد القضائي، يستلزم من المحكمة المختصة مجموعة من الإجراءات المسطرية تهدف بالأساس إلى التوفيق والإصلاح بين الأطراف المتنازعة سعيا وراء محاولة صلح ناجحة.

المطلب الثاني: مظاهر الاختيارية في سلوك مسطرة الصلح القضائي

قد تظهر بعض الاختيارية في سلوك مسطرة الصلح القضائي وخاصة في حالة الصلح الذي يبرمه الأجير مع المشغل (الفقرة الأولى)  إلا أن لذلك مبررات اللجوء إليه (وهو ما سنتطرق له في الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى: الصلح بين الأجير والمشغل

     من الأمور التي تثير اهتمام العديد من الباحثين عند دراستهم لهذا الموضوع، إحدى الممارسات التي يعرفها تطبيق القانون الاجتماعي على مستوى الغرفة الإجتماعية، وتتمثل في لجوء الأجير والمشغل بعد إبرامهما لعقد الصلح إنهاء لعقد الشغل بينهما إلى القضاء قصد استصدار حكم بالإشهاد عليه، إذ يتقدم الأجير بمقال أمام المحكمة يدعي فيه أنه فصل تعسفيا ويطالب بالتعويضات المستحقة وهي نفسها المضمنة بعقد الصلح، كما أن المشغل بدعوى عدم إطالة أمد النزاع يرفع مذكرة جوابية مرفقة بعقد الصلح المبرم بينه وبين الأجير، يوافق من خلالها على المبالغ التي منحها الأجير في إطار عقد الصلح والتي طالب بها هذا الأجير في مقاله الافتتاحي.

     وفي هذا الإطار أمام هذا الوضع تبين أن الغرفة الإجتماعية بالمحكمة الإبتدائية بالدار البيضاء، تعمل على إصدار أحكام الإشهاد على عقود الصلح للمبرمة بين المشغلين والأجراء، بحجة أن الأمر يتعلق بتصالح بين الأجير والمشغل يتعين إقراره'([26]) .

 وهذا ما جاء في حيثيات هذا الحكم ... وحيث أن المدعي عليه التمس الإشهاد على موافقته على مطالب المدعي والإستجابة لها.  وبناء على الفصل الثالث من قانون المسطرة المدنية، حيث إن هذا الفصل ينص على أن المحكمة ملزمة بتطبيق القانون الواجب التطبيق ولو طلب الأطراف تطبيق غيره أو لم يطلبوه.

     وحيث أن المحكمة بما لها من سلطة في تكييف الدعوى التكييف القانوني الصحيح، وتطبيق القاعدة القانونية الواجبة التطبيق، فإن جواب المدعى عليه بالحكم للمدعي وفق مطالبه يعتبر بمثابة تصالح بين الطرفين لإنهاء النزاع بينهما مما يتعين معه إقرار هذا الصلح..."'([27])

كما جاء في أحد الأحكام الصادرة بتاريخ ( 11 ماي 2010 ) ما يلي: "حيث إن طلب المدعي يرمي إلى الحكم له بالتعويضات المستحقة له من جراء تعرضه للطرد التعسفي.

     ذلك أنه بجلسة البحث المنعقدة بتاريخ 13-14-2010. عرضت المحكمة محاولة الصلح على المدعي والممثلة القانونية للمدعي عليها فقبله كلاهما، فأشهدت المحكمة على وقوع الصلح بين الطرفين.

     حيث أن لطرفي الدعوى الحق في أن يبرما صلحا فيما بينهما أثناء سريان الدعوى، وقد أدلى نائب المدعي بمذكرة بجلسة 2010/4/17 التمس من خلالها عدم اعتبار تنازل المدعي عن دعواه والحكم وفق ما جاء في مقاله الإفتتاحي، ونظرا لأن المحكمة سبق لها أن شهدت على وقوع صلح بين الطرفين، فيتعين رد ملتمس نائب المدعي، والقول إنه لم تبقى فائدة في البث في النازلة نظرا للصلح الحاصل..."

الفقرة الثانية: مبررات اللجوء إلى القضاء لاستصدار حكم بالإشهاد على عقد الصلح

     من خلال المقتضيات والقرارات المشار إليها في الفقرة السابقة يمكن أن نطرح التساؤلات التالية:

  • ما هى مبررات لجوء الأجير والمشغل إلى القضاء لاستصدار حكم بالإشهاد على عقد الصلح المبرم بينهما ؟
  • وما طبيعة الحكم الصادر عن القضاء الإشهاد على عقد الصلح المبرم بين الأجير والمشغل ؟
  • وما مدى مطابقة هذه الممارسة القضائية لقواعد القانون الاجتماعي؟

للإجابة على كل هذه التساؤلات، بالنسبة للسؤال الأول والمتعلق بمبررات لجوء الأجير والمشغل إلى القضاء لاستصدار حكم بالإشهاد على عقد الصلح المبرم بينهما، نشير إلى أنه راجع إلى الأسباب التالية:

  • 1- الإعفاء من أداء واجبات التسجيل المستحقة عن عقود الصلح وذلك يجعل هذه العقود تتخذ شكل أحكام، على اعتبار أن الأحكام الصادرة في المادة الإجتماعية وخصوصا تلك المرتبطة بإنهاء عقد الشغل معفاة من ذلك.
  • 2- منح عقود الصلح هاته الصيغة الرسمية حتى تصبح سندا قابلا للتنفيذ، لأن إشهاد ومصادقة القضاء يضفي عليها الطابع الرسمي.
  • 3- الحيلولة دون أداء الاقتطاعات الضريبية المستحقة عن التعويضات الجزافية المضمنة بعقد الصلح بشأن الضريبة العامة عن الدخل'([28]).

     فاستصدار الحكم في إطار دعوى الفصل التعسفي يعفى من أداء هذه الاقتطاعات الضريبية، عملا بمقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 76 من مدونة الشغل والتي جاء فيها ما يلي: " تعفى التعويضات التي يتقاضاها الأجير عن الفصل بموجب صلح أو حكم قضائي، من الضريبة عن الدخل وواجبات الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي ورسوم التسجيل"

     وجدير بالذكر أن هذه الفقرة أضيفت من قبل المشرع قصد تفادي اللجوء إلى هذه الممارسة القضائية إذا أعفت التعويضات عن الفصل الممنوحة بموجب عقود صلح من الضريبة العامة عن الدخل دون حاجة إلى استصدار حكم بالإشهاد عليها تحقيقا لذلك'([29]).

     وفي هذا التفسير ذهبت محكمة النقض "المجلس الأعلى سابقا"  إلى أن الإعفاء من الضريبة العامة على الدخل يقتصر فقط على التعويضات عن الفصل الممنوحة بموجب صلح، لا على المغادرة الطوعية التي تشكل فصلا وبالتالي تكون غير معفاة من هذه الضريبة إذ جاء في أحد قراراتها ما يلي:

     "... حيث تبين صحة ما عابته الطاعنة على القرار المطعون فيه، ذلك أن الرسالة الدورية الصادرة عن الطالبة وإن كانت قد نصت على الاستفادة من التعويض عن المغادرة الطوعية من الإعفاءات الضريبية، فإنها تحيل على التشريعات الضريبية الجاري بها العمل، وفضلا عن ذلك فإنه بالرجوع إلى المادة 76 من م.ش.م. والتي تنص في فقرتها الثالثة على أنه: " تعفى التعويضات التي يتقاضاها الأجير عن الفصل بموجب صلح أو حكم قضائي، من الضريبة على الدخل..." فإن المغادرة الطوعية لا تشكل فصلا عن العمل، وأن المحكمة باعتبارها لهذا التعويض معفيا من الضريبة تكون خرقت مقتضيات الفصل 76 وعرضت قرارها للنقض...".

     أما بخصوص التساؤل الثاني هو الخاص بطبيعة الحكم الصادر عن القضاء بالإشهاد على عقد الصلح المبرم بين الأجير والمشغل، فلا يعدو أن يكون سوى عقد وثقه القاضي في حدود سلطته الولائية وليس بمقتضى سلطته القضائية فالمحكمة عندما تقوم بذلك إنما تقوم بوظيفة الموثق الذي يثبت حصول هذا الصلح أمامه بصفة رسمية، وبالتالي فهذا التصديق على الصلح ليس سوى عقد ولا يحوله إلى حكم حيث يعطيه فقط الصفة الرسمية فيصير رسميا بعد أن كان عرفيا، ولا يطعن فيه إلا بالطرق المقررة للطعن في العقود الرسمية على وجه العموم، أي بالطرق المقررة للطعن في الأحكام'([30]).

     وأخيرا فيما يخص مدى مطابقة هذه الممارسة القضائية لمقتضيات م.ش.م.، فقد ذهب أحد الباحثين'([31]) إلى القول بأنها جاءت مخالفة لمقتضيات صريحة واردة في مدونة الشغل، ويتعلق الأمر بالمادة 73 الفقرة الثانية التي تنص على أنه يعتبر باطلا كل إبرام أو صلح طبقا للفصل 1098 من قانون الإلتزامات والعقود، يتنازل فيه الأجير عن أي أداء وجب لفائدته بفعل تنفيذ العقد أو بفعل إنهائه.

     وبالتالي فإن تكريس المشرع المغربي للحكم الوارد في هذه المادة كان بهدف إحداث قطيعة مع إعمال قواعد الصلح المدني كما هو مضمن في قانون الإلتزامات والعقود في مجال إنهاء عقود الشغل، سواء كان عقد الصلح يكتسي الصبغة العرفية أو الرسمية كما في حالة الإشهاد عليه من قبل القضاء.

وفي الختام يمكن التأكيد على أن المشرع المغربي ورغبة منه في عدم إطالة أمد النزاع أمام القضاء، فقد ألزم القاضي الاجتماعي بضرورة إجراء محاولة الصلح بين الأطراف المتنازعة وجعله إجراء جوهريا ومواليا لمرحلة البحث القضائي في المسطرة. وتشكل محاولة إصلاح الذات البين بين الطرفين المتنازعين والتي يجريها قاضي الموضوع في بداية الجلسة الأولي هي ملازمة لجميع القضايا الاجتماعية كيفما كانت طبيعتها ، بحيث تشكل إجراءا جوهريا لا يمكن تصور إنهاء نزاع الشغل بدون المرور به، وهذا هو المتعارف عليه تشريعيا وقضائيا كقاعدة أساسية مع بعض الاستثناءات لمظاهر الاختيارية في سلوك مسطرة الصلح القضائي




[1] - تنص المادة 549 من قانون المدني المصري على ما يلي: «الصلح عقد يحسم به الطرفان نزاعا قائما أو يتوقيان به نزاعا محتملا، وذلك
بأن ينزل كل منهما على وجه التقابل عن جزء من ادعائه.

[2]L'article 2044 du Code civil français dispose que:

La transaction est un contrat par lequel les parties, par des concessions réciproques, terminent une contestation née, ou préviennent une contestation à naître.

Ce contrat doit être rédigé par écrit.

[3] - كمال الودغيري: مسطرة التقاضي في المادة الاجتماعية في القانون المغربي- أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص- جامعة محمد الخامس – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، الرباط – السنة الجامعية 2005-2006.ص46.

[4] - ظهير شريف رقم 1.03.194 صادر في 14 من رجب 1424 (11) سبتمبر (2003) بتنفيذ القانون رقم 65.99 المتعلق بمدون الشغل الجريدة الرسمية عدد 5167 بتاريخ 13 شوال 1424 (8) ديسمبر (2003)، ص 3969 كما تم تعديله:

- القانون رقم 02.21 الرامي إلى تغيير وتتميم المادتين 32 و256 من القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.03.194 بتاريخ 14 من رجب 1424 (11) سبتمبر 2003) كما تم تغييره الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.21.01 بتاريخ 22 من جمادى الآخرة 1442 (5) فبراير (2021) الجريدة الرسمية عدد 6959 مكرر بتاريخ 26 1139 جمادى الآخرة 1442 (9) فبراير 2021)، ص 1139.

[5] - ينبغي الإشارة إلى أن أحكام الصلح التمهيدي نهائية وغير قابلة لأي طعن.

[6] - تنص المادة 532 من مدونة الشغل على أنه: تناط بالأعوان المكلفين بتفتيش الشغل المهام التالية:...إجراء محاولات التصالح في مجال نزاعات الشغل الفردية.

يحرر في شأن هذه المحاولات محضر يمضيه طرفا النزاع، ويوقعه بالعطف العون المكلف بتفتيش الشغل وتكون لهذا المحضر قوة الإبراء في حدود المبالغ المبينة فيه..."

[7] - ظهير شریف رقم 1.22.38 صادر في 30 من ذي القعدة 1443) (30 يونيو2022) بتنفيذ القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي الجريدة الرسمية عدد 7108 بتاريخ 14 يوليو 2022 ص 4568.

[8] - ظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.74.447 بتاريخ 11 رمضان 1394 (28) شتنبر (1974) بالمصادقة على نص قانون المسطرة المدنية الجريدة الرسمية عدد 3230 مكرر، بتاريخ 13 رمضان 1394 (30) شتنبر (1974)، ص 2741.

[9]  - تنص المادة 82 من قانون الضمان الاجتماعي على أنه: "إن تسوية القضية بالمراضاة بين الشخص المسؤول والمؤمن له أو ذوي حقوقه لا يمكن التعرض بها على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ما لم يكن هذا الصندوق قد استدعي للمشاركة في ذلك بواسطة رسالة مضمونة ولا يمكن أن تصبح نهائية إلا بعد مرور ثلاثين يوما على توجيه الرسالة المذكورة."

[10] - ظهير شريف بمثابة قانون رقم 184-72-1 بتاريخ 15 جمادى الثانية 1392 (27) يوليوز 1972) يتعلق بنظام الضمان الاجتماعي الجريدة الرسمية عدد 3121 بتاريخ 13 رجب 1392(23 غشت (1972. 

[11] - ينص الفصل 214 من ظهير حوادث الشغل لسنة 1963 على أنه: " يستدعي قاضي الصلح الأشخاص الآتي ذكرهم لمحاولة التوفيق بينهم فيما يرجع للتعويضات الأخرى المنصوص عليها في ظهيرنا الشريف هذا:

- المصاب أو ذوو حقوقه الذين يمكنهم أن يستعينوا بمحام؛

 المؤاجر الذي يمكن أن ينيب عنه غيره؛

- المؤمن إذا اقتضى الحال.      

[12] - ظهير شريف رقم 1.60.223 صادر في 12 رمضان 1382 موافق 6 فبراير 1963 يغير بمقتضاه من حيث الشكل الظهير الشريف الصادر في 25 ذي الحجة 1345 موافق 25 يونيو 1927 بالتعويض عن حوادث الشغل الجريدة الرسمية عدد 2629 بتاريخ 15 مارس 1963، والإستدراك في الجريدة الرسمية عدد 2636 بتاريخ 3 ماي 1963.

[13] - ظهير شريف رقم 1.14.190 صادر في 6 ربيع الأول 1436 (29ديسمبر2014) بتنفيذ القانون رقم 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل الجريدة الرسمية عدد 6328 بتاريخ فاتح ربيع الآخر 1436 (22) يناير 2015، ص 489.

[14] - ينص الفصل مكرر205 من مدونة للملاحة التجارية على أنهّ:" تُعرض المنازعات الناشئة عن عقود العمل الخاضعة لهذا الظهير، بين مالكي السفن وممثليهم والبحارة، باستثناء الربابنة، على السلطة البحرية المختصة للتوفيق. ويحل هذا التوفيق محل ما كان ينبغي إجراؤه أمام قاضي الصلح وفقًا للقانون العام."

[15] - عرفت مدونة الشغل نزاعات الشغل الجماعية في المادة 549 بكونها " هي كل الخلافات الناشئة بسبب الشغل، والتي يكون أحد أطرافها منظمة نقابية للأجراء أو جماعة من الأجراء، ويكون هدفها الدفاع عن مصالح جماعية مهنية، لهؤلاء الأجراء.
كما تعد نزاعات الشغل الجماعية كل الخلافات الناشئة بسبب الشغل والتي يكون أحد أطرافها مشغل واحد، أو عدة مشغلين، أو منظمة مهنية للمشغلين، ويكون هدفها الدفاع عن مصالح المشغل أو المشغلين أو المنظمة المهنية للمشغلين المعنيين."

([16]) نادية المصمودي، الصلح والتصالح في نزاعات الشغل في ظل مستجدات مدونة الشغل المغربية - دراسة مقارنة ، م س، ص 124.

([17]) ينص الفصل 36 من هذا الظهير على ما يلي:

"يقوم رئيس المحكمة الإجتماعية وجوبا بمحاولة إجراء صلح بين الطرفين".

([18])   من الفقهاء الذين يقرون بإلزامية الصلح القضائي نجد عبد الكريم الطالب، الشرح العلمي لقانون المسطرة المدنية، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، الطبعة كتوبر 2012، ص 377.

عبد العزيز حضري، القانون القضائي الخاص، دار النشر الجسور، وجدة، 2009، ص .258

([19])   دنيا مباركة، قضايا مدونة الشغل -بين التشريع والقضاء - منشورات مجلة الحقوق، ص 30.

([20])  كمال الودغيري، مسطرة التقاضي في المادة الإجتماعية في القانون المغربي، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق شعبة القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية، جامعة محمد الخامس أكدال - الرباط، السنة الجامعية، 2005 - 2006، ص 130.

([21])  كمال الودغيري، م س ، ص 275.

([22]) أحمد بنحمو علي، الصلح في نزاعات الشغل الفردية - بين مفتشية الشغل والقضاء-، م س، ص 60.

([23])  يونس البوكيلي، الصلح في نزاعات الشغل الفردية - بين مدونة الشغل والفقه والقضاء -، م س ص 64.

([24])  محمد أو عيسى، تقليص مدة الشغل العادية - الضمانات والآثار، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، وحدة التكوين و البحت في العقود والعقار، كلية العلوم القانونية والإقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول وجدة 2013 - 2014. ص264.

([25])  - Dans son avis rendu le 14 juin 2022, la cour de Cassation maintient sa position en considérant qu’une clause du contrat de travail qui institue une procédure de médiation préalable en cas de litige survenant à l’occasion de ce contrat n’empêche pas l’employeur et le salarié de saisir directement le juge prud’homal de leur différend, étant donnée  l’existence de la procédure obligatoire et préliminaire de conciliation devant le bureau de conciliation. (Cour de cassation. 14 juin 2002, Pourvoi n° 22-70.004)

([26])   بدر الصيلي، الخصوصيات المسطرية في نزاعات الشغل الفردية، م س، ص 247.

([27])  حكم إبتدائية الدار البيضاء عدد 44 بتاريخ 13 يناير 2005 في الملف رقم 04/11203، أورده رشيد رفقي، الصلح والتصالح في المادة الإجتماعية، م س ، ص 175.

([28])   تنص المادة الأولى من قانون رقم 17.89 المحدثة بموجبه ضريبة عامة على الدخل كما وقع تغييره وتتميمه بظهير شريف رقم 233.89.1 صادر في فاتح جمادى الآخرة 1410(30) ديسمبر (1989) بتنفيذ القانون رقم 22.89 ، على ما يلي:

تفرض على مجموع دخل الأشخاص الطبيعيين ضريبة تسمى الضريبة العامة على الدخل، وتخضع لهذه الضريبة أصناف الدخول الأرباح التالية:

1.....

2...3- الأجور والدخول التي في حكمها.

كما نصت المدة 65 من نفس القانون على أنه:

تعد من قبيل الأجور لتطبيق الضريبة العامة على الدخل:

-1 ...."

2- التعويضات والمكافئات .....

([29]) رشيد رفقي، الصلح والتصالح في المادة الإجتماعية، م س، ص 177.

([30])  بدر الصيلي، الخصوصيات المسطرية في نزاعات الشغل الفردية، م س ، ص 252.

([31]) رشيد رفقي: الصلح والتصالح في المادة الإجتماعية، دراسة تشريعية وفقهية وقضائية في ضوء مستجدات مدونة الشغل، ص 182.


من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله

قانونك


 من أجل تحميل العدد 25  - إضغط هنا أو أسفله


مجلة قانونك - العدد الثالث