فعالية
النظام القانوني الرياضي في مواجهة جريمة غسيل الأموال
فؤاد عامر علي البكوش
طالب باحث بسلك الدكتوراه كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية
بجامعة محمد الأول وجدة
The effectiveness of the sports
legal system in countering the crime of money laundering
Fouad Amer Ali EL BKOUCHE
مقدمة :
تعرف
الرياضة على أنها أحد الأنشطة الإنسانية المهمة التي لا يخلو أي مجتمع بشري منها،
أي كانت درجة تقدمه التي عرفها عبر كل العصور وفي جميع البلدان، وإن تفاوتت توجهات
كل حضارة بشأنها، فبعض الحضارات اهتمت بالرياضة لاعتبارات عسكرية، سواء كانت
دفاعية أو توسعية والبعض الآخر مارسها باعتبارها وسيلة لشغل أوقات الفراغ وأحد
أشكال الترويح عن النفس، بينما تم توظيفها في حضارات أخرى باعتبارها طريقة تربوية،
وهو ما يفسر لنا الدور الذي تلعبه الرياضة في تعزيز الثقة بالنفس، وتكوين علاقات
اجتماعية مع الآخرين، وإشغال أوقات فراغ الشباب فيما يفيدهم، وإبعادهم عن
الانحرافات السلوكية وعن جماعات السوء، الأمر الذي يعود على أوطانهم ومجتمعهم
بالنفع والفائدة، فالرياضة أخلاق وتهذيب للأرواح وارتقاء بالسلوكيات[1].
كما
أنها لم تعد تنحصر في مفهومها التقليدي، الذي يقتصر على النشطات البسيطة
والمحدودة، بل تطورت وأصبحت مواكبة لمختلف الأحداث الحاصلة للمجتمع، في كافة
جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتصبح جزءا من منظومة متكاملة. يمكن
للإنسان الاستغناء عنها، يمارسها الفرد بإشكالها المتعددة والمتنوعة فمنها الفردية
كالسباحة، المصارعة، والتنس.... ومنها الجماعية ككرة القدم والسلة والطائرة وغيرها.
وقد
بات الاهتمام بالرياضة محليا ودوليا امرأ واجبا، في ضوء انتشار وابتكار أنواع
جديدة ومختلفة من الرياضات، أدت إلى خلق جو من المنافسات التي تتعدى الإطار المحلي
إلى الدولي والى توسيع في العلاقات الرياضية بين الدول، تجلت مظاهرها في تنظيم
الألعاب الأولمبية والبطولات الرياضية الدولية والإقليمية، والترويج للقيم
الأخلاقية والمنافسة الشريفة بين الشعوب.
وفي
مقابل هذه الطفرة على صعيد التنظيم والابتكار في هذا المجال وازدياد تظاهراته خاصة
التنافسية منها، فإنه قد رافقه من جهة أخرى ظهور وانتشار بعض الإفرازات السيئة
الخارجة عن إطار الآداب والأعراف بين الناس وقواعد اللعبة بصفة عامة لتعكر صفوها،
من بينها جريمة غسيل الأموال، والتي تعتبر آفة خارجة عن قواعد اللعبة، وتسيء إلى
الرياضة وغاياتها وفوائدها.
باعتبار
هذه الأخيرة نوعا جديدا من أنواع الجريمة المنظمة، فالحديث عنها لم يحسم بعد الجدل
من قبل الفقهاء أو المشرعين حول إعطاء مدلول موحد لها فالبعض يطلق عليها اسم
الجريمة البيضاء، والبعض الآخر يسميها جريمة غسيل الأموال، والبعض الآخر يطلق
عليها تبييض الأموال، ورغم هذه التسميات إلا أن هدفها واحد، هو إضفاء الصفة
الشرعية على أموال ناتجة عن أفعال جرمية مختلفة، [2]ونحن بدورنا نفضل مصطلح غسل الأموال باعتبار أن الأموال تغسل بعد ما تكون
قذرة ووسخة نتيجة لمصدرها غير المشروع.
هكذا
إذن لم يعد المجال الرياضي بمنأى عن مختلف الممارسات غير الشريفة، حيث أصبح فعلا
مجالا للإثراء والكسب غير المشروع عن طريق الأموال المشبوهة والمتحصلة عن جرائم
غسل الأموال.
ومن
هنا تظهر أهمية الموضوع، لكون الرياضة أصبحت الحدث البارز في السنوات الأخير ولها
دور في الاقتصاد الوطني، وبالتالي فدخول هذا النوع من الجرائم في المجال الرياضي
قد يؤثر على الهدف الأصلي للرياضة، بل أكثر من ذلك قد يؤثر على الاقتصادات الوطنية
للدول نظرا الأموال الطائلة التي تأتي من جريمة غسيل الأموال.
وعليه
يشكل هذا الموضوع، محل بحث مهم لدى الباحثين للإجابة عن الاشكالات التي يثيرها، من
هنا يمكن طرح الإشكالية التالية:
ما مدى فعالية النظام القانوني
الرياضي في مواجهة جريمة غسيل الأموال؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية المركزية تساؤلات فرعية نذكرها على النحو الآتي:
§
ما
مفهوم وأساليب غسيل الأموال؟
§
كيف
يمكن ربط جريمة غسيل الأموال بالمجال الرياضي؟
§
مظاهر
جريمة غسيل الأموال في المجال الرياضي؟
§
ما
سبل مكافحة جريمة غسيل الأموال في المجال الرياضي؟
للإجابة
عن التساؤلات الفرعية والإشكالية المحورية أعلاه يقتضي منا تقسيم الموضوع على
الشكل التالي:
المبحث الأول:
الأحكام العامة لغسيل الأموال في المجال الرياضي
المبحث الثاني: مظاهر جريمة
غسيل الأموال في المجال الرياضي ومكافحتها
المبحث الأول:
الأحكام العامة لغسل الأموال في المجال الرياضي
يتعين
لبحث ظاهرة غسيل الأموال ان نتعرض في بادئ الأمر لماهية غسيل الأموال من حيث
مفهومها المعرفة حقيقتها، ثم نبين المراحل التي تمر بها هذه الظاهرة لإخفاء مصدرها
غير المشروع والعمل على إظهارها في صورة أموال نظيفة وكأنها متأتية من أنشطة
مشروعة، ومعرفة الأساليب التقنية والعملية التي تستخدمها المنظمات الإجرامية في
تمرير هذه الأموال إلى القنوات المصرفية، لكون أن أغلبية هذه الأموال يتم غسيلها
لدى المصارف بعيدا عن أعين الرقابة المطلب الأول، وبعد ذلك يمكن أن نبين العلاقة
التي تربط جريمة غسيل الأموال بالمجال الرياضي الذي هو محل الدراسة في هذا البحث
إضافة لحدود هذه العلاقة (المطلب الثاني).
المطلب الأول: مفهوم وأساليب
غسيل الأموال
يتضح
من خلال توطئة المبحث أن هذا المطلب سننطلق فيه من جريمة غسيل الأموال بصفة عامة
من أجل تحديد مفهومها الواسع (الفقرة الأولى)، وكذلك تحديد أهم الأساليب والتي من
بينها الرياضة (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: مفهوم غسيل
الأموال
لا
يوجد اتفاق عام بين الدول حول مفهوم غسيل الاموال، الأمر الذي يزيد من صعوبة
محاولات مكافحة هذه الجرائم خاصة على المستوى الدولي. فبعض الدول تأخذ بالمفهوم الواسع
لغسيل الأموال، من حيث اعتبار العائدات المالية لكافة الأعمال الإجرامية طرقا
لغسيل الأموال (مثل تجارة الرقيق، الإرهاب، الرشوة، الفساد السياسي، البغاء، تجارة
العملة، الاختلاس، تجارة السلاح، تزييف النقود، التهرب الضريبي، السرقة وغير ذلك
من الجرائم والأعمال غير المشروعة)، في حين تأخذ بعض الدول الأخرى بالمفهوم الضيق،
حيث تقتصر هذه العمليات على محاولات إخفاء العوائد المالية لتهريب المخدرات فقط
دون بقية الجرائم[3].
وما
يميز جريمة غسيل الأموال هو توفرها - بالإضافة إلى الأركان المكونة للجريمة بصفة
عامة من ركن قانوني، مادي و معنوي - على العنصر المفترض والذي يقصد به ارتكاب
جريمة أصلية تكون هي محل جريمة غسل الأموال. و كما سبق القول لقد اختلفت
التشريعات في تحديد الجرائم التي تكون متحصلاتها محل لجريمة غسل الأموال.
فهناك اتجاه اعتبر بأن الأموال المتحصلة من أي جريمة كيف ما كان نوعها يمكن
أن تكون محل لجريمة غسل الأموال، في حين هناك بعض التشريعات نصت على لائحة من
الجرائم على سبيل الحصر ومن بينها التشريع المغربي الذي حدد نطاق الجريمة الأولية
في إطار قانون غسل الأموال [4] في
عدد من الأفعال غير المشروعة والمحددة على سبيل الحصر في المادة 2-574، حيث عمل
على توسيع نطاق الجرائم الأصلية التي تشكل مصدر قيام جريمة غسل الأموال ليصل عددها
إلى 24 جريمة بعدما كانت محددة في 7 جرائم، كما وسع المشرع المغربي نطاق ارتكاب
هذه الجرائم بحيث عاقب عليها ولو ارتكبت خارج التراب المغربي و هي التي تكون
الأموال المتحصلة منها محل لجريمة غسل الأموال. ومن هذا المنطلق فإن النهج الذي
نهجه التشريع المغربي في تجريمه لجريمة غسل الأموال تقتضي ارتكاب جريمة أصلية
منصوص عليها على سبيل الحصر. [5]
وتجدر
الإشارة إلى أن جريمة غسل الأموال هي جريمة مستقلة، تكون متوفرة سواء تم تحريك
الدولة العمومية أو لم يتم تحريكها، ما دامت توفرت عناصرها القانونية ولا تلازم
بين إدانة مرتكب الجريمة الأصلية وتحقق المسؤولية الجنائية لمرتكب جريمة غسل
الأموال. وقد استقرت الدراسات
القانونية على أن غسيل الأموال يتم على ثلاثة مستويات رئيسية أو مراحل ثلاثة، وهي:
§
مرحلة
الإيداع أو الإحلال.
§
مرحلة
التمويه أو التعتيم أو التغطية.
§
مرحلة
الدمج أو التغطية.
1- مرحلة الإيداع: في هذه المرحلة تكون المنظمات الإجرامية قد تحصلت على كميات كبيرة من
الأموال ناتجة عن أفعال جرمية، وتبحث عن كل السبل لإيداع أو إحلال هذه الأموال أو
العائدات، لتصبح أموالا نظيفة. ويمكن تعريف هذه المرحلة بأنه دخول العائدات النقدية في نظام مالي يقوم على
الأعمال، ففي حالة الاتجار غير المشروع بالمخدرات غالبا ما تتم عملية البيع في
الشوارع في شكل كميات ضخمة من النقود الصغيرة، وهذه المرحلة تمثل مشكلة بالنسبة
للعصابات الإجرامية القائمة بهذا النشاط ومن ثم يكون من المتعين عليها الإسراع في
التصرف في هذه العائدات وبكثير من الحيطة والحذر حتى لا تكون هذه الأموال معرضة
للضبط أو التلف أو السرقة، وتظهر أهمية هذه المرحلة في:
§
تخلص
تجار المخدرات من شحنات النقد الضخمة.
§
وضع
النقود في إحدى اليات النظام المالي أو في إحدى المصارف أو في إحدى المؤسسات
المالية غير المصرفية. [6]
2- مرحلة التمويه: و يطلق عليها أيضا مرحلة التعتيم أو التغطية أو الفصل، و تتم هذه المرحلة من
خلال سلسلة العمليات تقوم بها المنظمات الإجرامية لإخفاء المصدر غير المشروع
للأموال. فإذا
نجح التاجر في أن يضع أمواله في إطار النظام المالي الدائر ينتقل بعد ذلك إلى
الخطوة الثانية وهي المعروفة بالتمويه وهي مرحلة يتم فيها فصل الدخل عن أصله بخلق
طبقات معقدة من صفقات مالية تهدف إلى إخفاء معالم مصدر المال وإبعاده قدر الإمكان
عن المراقبة. و في الواقع إذا نجح المال في تخطي المرحلة الأولى فإن الكشف عنه في هذه
المرحلة الثانية يكون أكثر صعوبة كالصفقات العديدة التي تضاف كل واحدة إلى الأخرى،
فتجعل تتبع منبع الدخل غير المشروع أكثر صعوبة.[7]
وتمثل
هذه المرحلة أهمية كبيرة لغاسلي الأموال الذين يعملون في إنشاء طبقات مركبة
ومضاعفة من الصفقات التجارية والتحويلات المالية التي تكفل إخفاء العائدات غير
المشروعة، وتمويه طبيعتها، وقطع صلتها تماما بمصدرها الجرمي، لتجنب اقتفاء أثرها
من جانب أجهزة تنفيذ القانون وإتاحة الفرصة كاملة لاستخدامها بحرية في الأغراض
المختلفة، كما تعد هذه المرحلة أكثر المراحل الثلاثة تعقيدا وأكثرها اتصافا
بالطبيعة الدولية، فغالبا ما تجرى وقائعها في بلدان متعددة. [8]
3- مرحلة الدمج: تأتي هذه المرحلة بعد مرحلتين سابقتين وهما مرحلة الإيداع والتمويه، لتبدأ
مرحلة الدمج حيث يعاد ضخ الأموال التي تم غسلها في الاقتصاد مرة أخرى كأموال عادية
سليمة، تكتسب مظهرا قانونيا، وذلك بأن تشترك الأموال الناشئة عن الفعل غير المشروع
في مشروع تجاري آخر يعرف بمشروعيته ومشروعية رأس ماله بحيث يصعب الفصل بين المال
المتحصل من مصدر غير مشروع والمال المتحصل من مصدر شرعي، وبالتالي يعاد ظهور
الأموال غير المشروعة التي تم غسلها مختلطة ومندمجة في النظام الشرعي، وتبدو
وكأنها ناتجة عن أعمال مشروعة ونظيفة[9].
الفقرة الثانية: أساليب غسيل
الأموال - الرياضة نموذجا
هناك عدة قنوات يستخدمها غاسلوا الأموال غير تلك المصرفية من بينها:
- سوق العقارات: وذلك إما من خلال الاستثمار العقاري المباشر كشراء الأراضي أو القيام
بالاستثمار في التجمعات العقارية السياحية والإيحاء بضخامة عوائدها للتوسع
فيها.
- تجارة أو سوق الذهب: يعد الذهب سلعة مقبولة عالميا كوسيط لتبادل ويتم غسل الأموال إما
بتحويل العملات إلى الذهب ثم تهريبه للخارج مقابل عملات أجنبية قوية أو
استخدام محلات تجارة الذهب كواجهات مزيفة يتم داخلها غسل أموال أخرى غير
مشروعة[10].
- شراء السلع النفيسة نقدا: تتم العملية بشراء العديد من العقارات والمجوهرات الثمينة والتحف
واللوحات النادرة والسيارات الفاخرة كخطوة أولى نقدا ثم يقومون بيعها بعدة
أساليب منها:
§
يقومون
ببيعها مقابل الحصول على شيكات مصرفية بقيمة الأشياء المباعة وتستخدم هذه الشيكات
في شكل حسابات مصرفية مفتوحة في بنوك مختلفة.
§
هناك
من يشتري هذه الأصول بسعر أقل من قيمتها عبر دفع المبلغ المكمل بطريقة غير معلنة
"من يد إلى يد" ثم إعادة بيع ما اشتراه بقيمته الحقيقية مما يسمح بتبرير
المبالغ بسجلات شرعية تماما وذلك بفضل فائض القيمة المحقق.
§
هناك
من يشتري هذه الأصول بهدف بيعها في الخارج مقابل عملات قوية ثم إيداعها في بنوك
البلد الأجنبي. [11]
- التهريب النقدي: كان التهريب أبرز الأساليب التي يتم بها تبييض الأموال إذ يقوم
المبيضون بتهريب المحصلات النقدية إما بأنفسهم أو عن طريق آخرين خارج البلاد،
وكان ذلك يتم بأساليب بسيطة مثل إخفاء النقود الورقية في الحقائب بسرية أو
بوضعها في أماكن سرية، سواء عبر وسائل النقل البرية أو الجوية. وقد
تتم عملية تهريب العوائد غير المشروعة إما عن طريق النقل المادي للنقد أو
الأدوات القابلة للتداول لحاملها، وقد يستدل على هذه الظاهرة بتواجد سيولة
كبيرة على الحدود والموانئ[12].
- إنشاء محلات تجارية كبيرة ومكاتب سياحية: وذلك بفتح معارض السيارات والسوبر ماركت والمطاعم الفاخرة والمنتجعات
السياحية ويعملون على إدارتها بطريقة تظهر أن الأموال المبيضة بمثابة أرباح
محققة من تلك المنشآت، ومن خلال هذه الأنشطة يقوم المبيضون بالإنفاق عليها من
الأموال القذرة حتى وإن لم تدر الأرباح المتوقعة.
- استخدام طبيعة الشركات المفلسة: وهي إحدى الوسائل الحديثة في ظل برامج الخصخصة تم استغلالها من طرف
محترفي التبييض، ويتم تمويلها من مداخيلهم دون الاكتراث لأي جدوى اقتصادية،
فتدخل عمليات تبييض الأموال عبر المجالات الاقتصادية في صميمها في عدة مجالات
مما يصعب اكتشافها، خاصة بإخفاء الأموال القذرة وتعمد إلى إدخالها إلى أحد
الدول على أنها منقولة من دول أخرى بصفة تجارية مشروعة[13].
- مكاسب ألعاب القمار والملاهي: تعتبر مصدر جيد للتدفقات النقدية المتنوعة وعادة ما تكون النقدية من
فئة صغيرة ولكنها كبيرة الحجم والقيمة ويتم دمجها بالأموال التي يرغب في
تبييضها وإيداعها بشكل يومي في فروع البنوك المختلفة، والمكاسب الوهمية يتم
غسيلها بأن يكون تواطؤ بين المشاركين في الرهانات حيث يعتمد كافة اللاعبين
للخسارة حتى يربح أحدهم وتكون النقود التي يراهن بها من الأموال المراد غسلها. إذ
يلجأ منظفو الأموال إلى صالات وكازينوهات القمار، لإضفاء الشرعية على أموالهم
القذرة. ويتم ذلك عن طريق مبادلة
النقود القذرة بفيشات الكازينو، وإجراء بعض عمليات المقامرة البسيطة، أو عدم
إجراء عمليات مقامرة على الإطلاق. ثم يرد منظف الأموال هذه
الفيشات، ويحصل في المقابل على كمبيالات، أو شيكات بنكية، مسحوبة على حساب
الكازينو.
[14]
وبالتالي يعتبر المجال الرياضي مجالا خصبا لغسيل الأموال يظهر ذلك من خلال
المطلب الثاني.
المطلب الثاني: ربط المجال
الرياضي بجريمة غسيل الأموال
سنتطرق
في هذا المطلب عن العلاقة التي تربط المجال الرياضي بجريمة غسيل الأموال (الفقرة
الأولى)، وكذلك سنبرز حدود هذه العلاقة في (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: علاقة جريمة
غسيل الأموال بالمجال الرياضي
إن
البحث في مدى توفر العلاقة بين المجال الرياضي و جريمة غسيل الأموال يقتضي الرجوع
لمقتضيات القانون 43.05 المنظم لجريمة غسل الأموال و ملاحظة مدى إمكانية إسقاط
مقتضياته على المجال الرياضي المتصف بعدة خصوصيات.
وبالعودة
لهذا القانون يتضح أن هاته الجريمة ترتكز أساسا بالحصول على الأموال من مصدر غير
مشروع و العمل بعدها على إخفاء صفة عدم المشروعية، ولما كان هذا المجال الرياضي
يحظى باهتمام اقتصادي بالغ سواء من حيث رصد ميزانية خاصة له وذلك من قبيل الأموال
المخصصة للبنيات التحتية و أيضا الأموال المخصصة للمنتخبات الوطنية والأندية
الوطنية... أو من حيث الرغبة في تحصيل موارد مالية منه من خلال تنظيم التظاهرات
الرياضية وما يستتبعها من موارد سياحية و استقطاب للمستثمرين و حصول على منح خاصة،
فإن وقوع هذه الجريمة أي غسل الأموال يبقى واردا في المجال الرياضي. [15]
وعليه،
فالمجال الرياضي أضحى هو الآخر من المجالات التي أثبتت الواقع العملي اتجاهه في
جملة من الحالات إلى اعتماد أوجه متعددة لغسل الأموال، مما يدفع للقول بأن الرياضة
أصبحت مصدرا للتمويل غير المشروع لجملة من العمليات التي تقع وسط الميدان الرياضي
وحتى خارجه.
الفقرة الثانية: حدود علاقة
غسيل الأموال بالمجال الرياضي
من
خلال قراءة القانون المنظم لجريمة غسل الأموال نجده قد تطرق لها بصفة عامة، بمعنى
انه لم يخصص أية مقتضيات لهذه الجريمة في المجال الرياضي، وبالتالي فهو شامل
لمختلف المجالات بما فيها المجال الرياضي.
كما
أنه بالرجوع للقانون رقم 30.09 [16]
2010 المنظم للرياضة المغربية نجده يقضي بالإصلاح وتكاتف المجهودات بين قطاعات
مختلفة تجمع ما بين القطاع الرياضي والتعليمي والطبي والاقتصادي والمدني إلى جانب
المجتمع المدني، لإضفاء شرعية أفضل لهذا القانون.
يعتبر
إذن هذا القانون، قفزة نوعية للرياضة المغربية من الناحية القانونية والتربوية،
ذلك انه سيعود بالنفع على الأجيال القادمة من الرياضيين وسيحثهم على العمل الدؤوب
بكل نزاهة واستقامة من اجل رفع راية المملكة عالية في المحافل الرياضية الدولية
إذا كان خروج هذا القانون في حد ذاته إلى حيز الوجود يعتبر انتصارا للرياضة
المغربية وخطوة مهمة لرياضتنا نحو مستقبل زاهر، فإن نجاحه في الواقع اليومي يبقى
رهينا بتأهيل المسير الرياضي المغربي الذي يبقى هو الحلقة الأقوى في نجاح التغيير
والتطور إلى الأفضل.[17]
وبالتالي
يمكن القول انه رغم تضمين هذا القانون لمختلف المقتضيات، إلا انه لم ينظم جريمة
غسيل الأموال في المجال الرياضي أو على الأقل الإحالة على القانون 43.05، لكون هذه
الجريمة أصبحت تعرف انتشارا واسعا في العالم هدفها إضفاء المشروعية على الأموال
المتحصلة من مصادر غير مشروعة.
المبحث الثاني: جريمة غسيل
الأموال في المجال الرياضي وسبل مواجهة هذه الظاهرة
لا
شك أن الممارسة الرياضية أنشئت منذ القدم للتنافس الشريف بين شعوب العالم والسعي
للقضاء على مظاهر العدوانية والعنصرية في العلاقات الرياضية بين الشعوب لكن ما
أصبحت تعرفه الساحة الرياضية الوطنية أو الدولية من اختلالات دفع بالقول أن
الرياضة لم تعد مطلبا لتحقيق هذه الغايات بل وسيلة وتجاوزات عديدة لقضاء أغراض
ومصالح سياسية ومالية خاصة من خلال ممارسات غير مشروعة، والتي تساهم فعلا في تكريس
مظاهر الفساد الرياضي الممارسات أفعال الاختلاس والنصب والتزوير وغسيل الأموال،
هذه الجريمة التي تنصب عليها دراستنا لها مجموعة من المظاهر والتجليات على مستوى
المجال الرياضي، والتي سنتطرق لها في مطلب أول، على أن نتطرق في المطلب الثاني
للجهود المبذولة لمكافحة هذه الجرائم.
المطلب الأول: مظاهر جريمة غسيل
الأموال في المجال الرياضي
جريمة
غسل الأموال هي جريمة مركبة من مرحلتين، المرحلة الأولى وكما أشرنا لها سلفا هي
مرحلة الشرط المفترض، ثم المرحلة الثانية وهي غسل الأموال المتحصل عليه من المرحلة
الأولى، لكن الإشكال الذي يطرح نفسه في هذا المنوال هو مدى إمكانية اعتبار المجال
الرياضي كمجال يتم من خلاله شرعنة المال المتحصل عليه بطريقة غير مشروعة من أحد
الأفعال التي نص عليها المشرع المغربي؟.
استبدال أو تحويل أو نقل ممتلكات أو عائداتها بهدف
إخفاء أو تمويه طبيعتها الحقيقية أو مصدرها غير المشروع لفائدة الفاعل أو لفائدة
الغير، عندما تكون متحصلة من إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل 2-574 بعده ؛
كإجابة
عن الإشكال المطروح انه وما دامت الرياضة مجال يتطلب لتحقيق الغاية منها أموال
طائلة للاستثمار فيها، وما دام المشرع لم يحدد مجال معين بحد ذاته في المادة
1-574،[18]
يمكن
القول أن المجال الرياضي يعد من بين المجالات الخصبة لشرعنة الأموال غير المشروعة،
لكن نتساءل عن الطريقة والكيفية التي يتم من خلالها استعمال هذه الأموال المتحصل
عنها بطرق غير شرعية؟
ولتوضيح
التساؤل المطروح يمكن لنا أن نسوق بعض الأمثلة التي توضح أن المجال الرياضي هو
مجال حيوي يحتاج لتمويلات ضخمة، ويمكن أن يعتبر أرضية لغسل الأموال غير المشروعة،
ومن هذه الأمثلة نجد شراء اللاعبين والأندية الرياضية (الفقرة الأولى)، ثم نجد
المراهنة على المقابلات (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: شراء اللاعبين
والأندية الرياضية
كرة
القدم هي اليوم الرياضة الأكثر إقبالا في العالم، حيث يمارسها قرابة 250 مليون شخص
في كافة البلدان، وتحولت كرة القدم إلى جزء من السوق العالمية، فيما تحولت النوادي
ولاعبوها إلى مشاريع استثمارية. ويجرب الكثيرون من خبراء كرة القدم عن تلقيهم
للنقد من أن التمادي في الصفة التجارية لهذه الرياضة يجرد كرة القدم من مضمونها
الأساسي، كمهارة أو بطولة رياضية. إلا أن خبراء الهيئة الدولية لمكافحة غسيل
الأموال (فاتف) وجدوا، لان أنشطة رجال الأعمال المرتبطة بكرة القدم تستخدم أحيانا
لأغراض إجرامية، لاسيما وأن غسيل الأموال غير الشرعي يجري في العالم سنويا غسل
أكثر من خمسمائة مليار دولار. وفي كرة القدم غالبا ما يجري غسيل الأموال تحت ستار
شراء النوادي وتقديم المنح للاعبين والرهانات ويؤكد تقرير هيئة (فاتف) لمكافحة
غسيل الأموال أن معظم نوادي كرة القدم حاسرة ماليا، لكن لعبة الكرة عمرها مزدهرة،
مما يوحي بأن تمويلها يجري من عائدات غير شرعية.[19]
بالنسبة
لغسيل الأموال عن طريق شراء اللاعبين، فلاعب كرة القدم مثلا لم يعد ينظر إلى
الرياضة أنها مجرد وسيلة للتسلية والتنمية البدنية، بقدر ما أنه أصبح ينظر إليها
بمفهوم اقتصادي يتمثل في حصوله على مقابل للجهد الذي يبذله،[20]
لذلك
فالنادي الرياضي يهدف من وراء التعاقد مع اللاعبين تحقيق الربح، وبهذا فقد يلجأ
رئيس النادي إلى غسل الأموال، التي تحصل عليها بطريقة غير مشروعة مثلا في الاتجار
غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية... لإضفاء الشرعية على تلك الأموال عبر
إبرام عقود رياضية، إذ تعود الأموال غير المشروعة إلى أموال مشروعة عبر مجال
التعاقد في المجال الرياضي[21].
أو
كالشخص الذي يتعاقد مع نادي رياضي معين بهدف أن يقوم ذلك الشخص ببناء ملعب لنادي
مقابل حصوله عن جزء من العائدات التي يدرها الملعب على الفريق من خلال استخلاص
أثمنة التذاكر لمشاهدة المباريات، فمن خلال هذا المثال قد يكون الشخص المستثمر
المتعاقد مع النادي لبناء الملعب والحالة هاته قد تحصل على الأموال التي سيمول بها
مشروع البناء بطريقة غير مشروعة فيسعى إلى إضفاء الشرعية عليها ببناء ملعب وحصوله
على قسط من الأرباح وعائدات الملعب، أو كالحالة التي يقدم فيها شخص على شراء نادي
رياضي بأموال غير مشروعة تحصل عنها من خلال الأفعال المجرمة التي تعد المرحلة
الأولى لتكوين جريمة غسل الأموال، بهدف الاستثمار فيه والحصول على الأرباح كمرحلة
ثانية تتجلى في إضفاء المشروعية على الأموال المتحصل عنها خلال المرحلة الأولى من
الجريمة، وذلك عبر شراء نادي رياضي معين.
الفقرة الثانية: المقامرة على
المباريات والتلاعب بها
أصبحت
المراهنات المالية على الرياضة بصفة عامة وكرة القدم بصفة خاصة جزءا لا يمكن فصله
عن صناعة الرياضة العالمية. وأضحت المراهنات أحد الأفرع المتحكمة في السوق المالية
للأندية وداعمة لأغلبها بالأموال. لذا أصبحنا نرى إعلانات شركات المراهنات على
قمصان الأندية الكبرى بعد أن كان هذا ممنوعا منذ زمن. المراهنات تيار جارف وعاتي
شهد دخوله لكرة القدم العديد من الفضائح لمن باعوا أنفسهم بغرض كسب المال الوفير
حتى وإن كان هذا على حساب مراهنين صغار، كيانات وأندية ولاعبين تورطوا بشكل مباشر
في فضائح كبرى مست سمعتهم ودمرت مستقبل بعضهم الكروي.
لا
يوجد تاريخ محدد لبداية دخول المراهنات الرياضية في عالم الرياضة وكرة القدم
تحديدا. فمع ميلاد التنافس الرياضي، بدأت المراهنات، دائما هناك لاعب أو فريق مفضل
للفوز وآخر للخسارة، ويقف من ورائهم إما أناس يؤمنون بحظوظهم في الفوز أو على يقين
من خسارتهم.
في
بدايات تحول الرياضة إلى صناعة بشكلها الحديث، كانت المراهنات غير قانونية، وتتم
برعاية أعتى المجرمين في كل منطقة سواء كان هذا في أوروبا أو أمريكا اللاتينية،
حتى قررت الحكومة البريطانية دخول المراهنات عالم كرة القدم بصفة رسمية في العام
1920 ووضعت قانونا ينظم العمل بها ويفصل بين المراهنين وشركات المراهنات.
بعد
شرعنة الرهانات أصبح الأمر متاحا للجميع بصفة رسمية لكن ذلك لم يمنع المتحكمين في
نتائج المباريات من التلاعب، سواء كان هذا التلاعب لصالحهم أو لصالح من يحملون
لحسابهم أو لحساب أحد أقاربهم، وقد شهد عام 2009 ذروة الفساد على مستوى أوروبا، تم
ضبط مائتي مباراة في كرة القدم تم التلاعب في نتائجها لصالح المراهنين الكبار نتج
عن ذلك دخول البعض منهم للسجن.[22]
كما
أن العديد من مشاهير كرة القدم وقعوا في خطيئة المراهنات سواء عن طريق القصد أو
بسبب الجهل باللوائح والقوانين، آخرهم كان النجم السويدي زلاتان إبراهيموفيتش الذي
يملك أسهما في شركة للمراهنات وطبقا للقانون فمن الممنوع امتلاك لاعب كرة القدم
المحترف أسهما في شركات المراهنات على المباريات، أو أحد أقاربه من الدرجة الأولى،
كذلك بول سكولز لاعب مانشستر يونايتد السابق وأحد ملاك نادي سالفورد سيتي
الإنجليزي، خرق الحظر المفروض عن ملاك الأندية ووضع عدة رهانات بلغت مئة وأربعين
رهان في أربع سنوات متتالية بما يخالف ميثاق العاملين في مجال كرة القدم. كذلك تم
اتهام دانيال ستوريدج لاعب ليفربول السابق بمساعدة أحد أقربائه؛ لأنه راهن بمبلغ
عشرة آلاف جنيه إسترليني على انتقال ستوريدج لنادي آخر، لكن اللاعب نفى معرفته
بالأمر وتعاون بشكل كبير مع المحققين.
وتبقى
عقوبة اللاعب جوي بارتون لاعب مانشستر سيتي السابق هي الأكبر في تاريخ المراهنات
بعد ما وصل إلى علم لجان الانضباط بالاتحاد الإنجليزي أن اللاعب قام بـ 1200 عملية
رهان وهو ما يعد خرقا واضحا وصريحا للوائح كان نتيجتها إيقافه عن اللعب لمدة 18
شهرا وبالتالي اعتزاله كرة القدم في سن مبكرة للغاية.[23]
المطلب الثاني: مكافحة جريمة
غسيل الأموال في المجال الرياضي
بعدما
تم تفصيل الحديث في مطلب أول حول مظاهر غسيل الأموال في المجال الرياضي، و رصد
تجلياته المتمثلة في تبييض الأموال عن طريق شراء الأندية واللاعبين والأندية
الرياضية، و كذلك عن طريق المراهنة على المباريات والتلاعب بها، ورصد خطورة هذه
التجليات وانعكاساتها على المجال الرياضي، ننتقل الآن للحديث حول سبل مكافحة هذه
الظاهرة وذلك ببيان الجهود الدولية المبذولة من طرف العديد من الهيئات الدولية على
أسسها منظمة الأمم المتحدة بإصدارها للعديد من الاتفاقيات التي تصب كلها في مجال
مكافحة ظاهرة غسيل الأموال خاصة في المجال الرياضي (الفقرة الأولى)، كذلك سيتم
التطرق لتقرير هيئة الرقابة على المعاملات المالية (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: الجهود الدولية
لمكافحة جرائم غسيل الأموال
قامت
الهيئات الدولية بالعديد من الجهود التي تهدف إلى مجابهة ظاهرة غسل الأموال من
خلال إبرام العديد من الاتفاقيات والوثائق وبرامج العمل والندوات والمؤتمرات،
وتنوعت هذه الجهود إلى جهود عالمية تنظم كافة الهيئات الدولية بمختلف أقطارها
وأقاليمها والمحددة تحت قبة هيئة الأمم المتحدة، وجهود إقليمية تشمل الكيانات
المنتمية إلى هذا الإقليم أو ذاك، وسنعرض في طيات هذه الفقرة لأبرز الجهود
المبذولة في هذا الصدد، وذلك من خلال التعرض للعديد من الاتفاقيات الدولية للتصدي
لظاهرة غسل الأموال [24]
ومن أمثلة ذلك:
1- الاتفاقيات الصادرة
عن الأمم المتحدة كثفت الأمم المتحدة جهودها على
صعيد محاربة غسل الأموال بمجموعة من الاتفاقيات، بدأت في المرحلة الأولى بمكافحة
أنشطة المواد المخدرة، ثم في مرحلة أخرى بمكافحة المخدرات عبر عمليات غسل الأموال
المتحصلة عن هذه الجرائم، ومن هذه الاتفاقيات:
. أ) اتفاقية فيينا: وهي اتفاقية الأمم
المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية الموافق عليها
بتاريخ 20 ديسمبر سنة 1988، وكان مقر انعقادها في فيينا بالنمسا، وتعتبر هذه
الاتفاقية أبرز الوثائق الدولية التي جسدت قناعة المجتمع الدولي بضرورة مكافحة غسل
الأموال، وقد بلغ عدد الدول الأطراف التي انضمت إلى الاتفاقية رسميا وإلى غاية عام
2000، بلغ مائة وسبعة وخمسين (157) دولة بنسبة 83% من مجموع دول العالم. وتتكون
هذه الاتفاقية من ديباجة وأربع وثلاثين مادة، ومن العيوب التي تتلبس بهذه
الاتفاقية أنها لم تستخدم مصطلح غسل الأموال صراحة في أي من موادها وإنما اكتفت
ببيان السلوكات المادية المشكلة لهذه الجريمة كتحويل الأموال أو نقلها مع العلم
بأنها عائدات إجرامية والاشتراك والمساعدة والتحريض والإخفاء والتمويه. ويؤاخذ
عليها أيضا أنها أخذت بالتعريف الضيق لجريمة غسل الأموال، وهذا قصور منها لأنها
حصرت عائدات الجريمة في جريمة المخدرات فقط. [25]
- ب) اتفاقية باليرمو: وترجع هذه التسمية إلى مكان انعقاد هذه الاتفاقية وهي مدينة
"باليرمو" الإيطالية، وهذه الاتفاقية هي اتفاقية الأمم المتحدة
لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية المعتمدة من طرف الجمعية العامة لمنظمة
الأمم المتحدة يوم 15 نوفمبر سنة 2000. وتتكون هذه الاتفاقية من إحدى وأربعين
مادة وقد بينت الغرض منها وهو المتمثل في تعزيز التعاون لمنع الجريمة المنظمة
عبر الوطنية ومكافحتها كما تنص المادة 10 منها وقد أشارت هذه الاتفاقية صراحة
إلى عمليات غسل الأموال كما في المادة 6 والمادة 7 منها.
- ج) اتفاقية قمع الإرهاب: وهي الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب المعتمدة من طرف الجمعية
العامة للأمم المتحدة يوم 9 ديسمبر سنة 1999، وتقع هذه الاتفاقية في ديباجة
وثمان وعشرين مادة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاتفاقية نصت على التدابير
المتخذة لمكافحة تمويل الإرهاب وهي شبيهة بتلك المتخذة لمكافحة غسل الأموال.
- د) اتفاقية مكافحة الفساد: وهي اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد المعتمدة من قبل الجمعية
العامة للأمم المتحدة بنيويورك يوم 31 أكتوبر 2003. وتقع هذه الاتفاقية في
ديباجة وإحدى وسبعين مادة، وتهدف هذه الاتفاقية إلى تعزيز التدابير والوسائل
الدولية الرامية إلى مكافحة جرائم الفساد والتي من بينها جريمة غسل الأموال.
2- الاتفاقيات ذات
الطابع الدولي صدر في هذا الشأن مجموعة من الاتفاقيات تحمل طابعا
دوليا لدخول مجموعة من الدول المختلفة الأقاليم تحت لوائها، ولأنها تخاطب أيضا
المجتمع الدولي في عمومه، غير أنها تسمى ذات طابع دولي لأنها غير صادرة عن هيئة
الأمم المتحدة، وأبرز الاتفاقيات المعروفة في هذا الصدد هي:
- أ) بيان بازل: ويسمى بيان "بازل" نسبة إلى المدينة السويسرية المعروفة
"بازل" حيث اجتمعت لجنة بازل عام 1988 وأصدرت تصريحا يحتوي على عدد
من المبادئ التي ينبغي أن تتجاوب معها البنوك والمصارف الدولية لقمع عمليات
غسل الأموال كالتأكد من شخصية الزبائن وتجنب التحويلات المشبوهة، والتعاون مع
الجهات التنفيذية ونحوها وتجدر الإشارة إلى أن مبادئ هذا البيان لا تحمل أي
سلطة رسمية للإشراف الدولي ولا تتمتع بأي إلزام، بل هي مجرد توجيهات وإرشادات.
.
ب) التوصيات الأربعون: تعتبر هذه التوصيات من أشهر المبادئ في مكافحة عمل
الأموال حتى أنها يمكن أن تكون ميثاقا يحكم أساليب مكافحة غسل الأموال في مختلف
دول العالم. وقد صدرت هذه التوصيات عن مجموعة العمل المالي التي أنشأتها الدول
الصناعية السبع الأكثر تقدما وهي الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واليابان
وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا إثر القمة التي عقدوها في باريس سنة 1989 ثم
انضمت إليها روسيا فصارت تعرف بمجموعة الدول الثمانية، وترسخت هذه المجموعة لتشمل
إحدى وثلاثين دولة ومنظمتين إقليميتين هما: الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون
الخليجي وقد أصدرت هذه المجموعة سنة 1990 أربعين توصية تكمل اتفاقية فيينا، وتتسم
هذه التوصيات بالمرونة حيث يترك لكل دولة الحرية في طريقة التنفيذ وفقا لسيادتها
ونظمها ودساتيرها، ثم تمت مراجعة هذه التوصيات سنة 1996، وأصدرت قرار لجنة المخدرات
والذي أوضح المعايير التي تقاس على أساسها التدابير والدول المتعاونة وغير
المتعاونة[26].
الفقرة الثانية: تقرير هيئة
الرقابة على المعاملات المالية
أكدت
هيئة الرقابة على المعاملات المالية في تقرير أن لعبة كرة القدم تواجه تحديا يتعلق
بقيام "المجرمين" بغسيل الأموال عبر صفقات شراء الأندية الرياضية، وعقود
انتقال اللاعبين، والمراهنة على نتائج المباريات .وأعطى التقرير وصفا تفصيليا نادرا لخبايا المعاملات المالية في هذه اللعبة
حيث أشار إلى أساليب التهرب من دفع الضرائب في كرة القدم البريطانية.
وأشار
التقرير الى حادثتي تهرب لاعبي كرة قدم من دفع الضرائب في ساحة كرة القدم
البريطانية، حيث ألمح الى احتمال تواطؤ الأندية الرياضية في محاولة التهرب من دفع
الضرائب. وفي
إحدى الحالات التي أوردها التقرير، فإن بيان الدخل الذي قدمه أحد لاعبي كرة القدم
وصفا لجزء من رسوم العقد الذي أبرمه باعتبارها رسوما لوكيل أجنبي.
وذكر
التقرير أن اللاعب "أكد لاحقا أن الوكيل دفع له بعد ذلك 300 ألف جنيه
استرليني خارج بريطانيا وأنه لم يقم بالإفصاح عن هذا الدخل لسلطات الضرائب
البريطانية ".ويؤكد التقرير أن النادي المعني
بالأمر كان على اطلاع على أن الدفعات المالية المتوجة للوكيل تضمنت أموالا مخصصة
للاعب وأن النادي استفاد جزئيا من هذا الترتيب الذي جنب النادي دفع 38 ألف جنيه
استرليني كانت ستدفع كمخصص للضمان الاجتماعي.
وقد قام أحد لاعبي كرة القدم
بتحويل عقد لحقوق الاستغلال الإعلاني مع شركة مسجلة في إحدى الوجهات المعروفة
للتهرب من الضرائب مقابل حصوله على أسهم في تلك الشركة .ورصد تقرير الهيئة أكثر من 20 حالة غسيل أموال مرتبطة بكرة القدم وذلك
اعتمادا على دراسة مسحية شملت 25 دولة.
وقدمت
الهيئة الدولية مقترحات لكيف يمكن للأندية تلافي الوقوع في غسيل الأموال، كما قدمت
المخاطر التي تجلبها هذه عمليات المراهنة التي تتم على شبكة الانترنت والتي أشارت
الى احتمال معالجة هذا الملف في تقرير مستقل[27]
خاتمة :
إن
مهمة الدول في التصدي لجريمة غسيل الأموال في المجال الرياضي مهمة شاقة وشائكة،
نظرا للطبيعة القانونية لهذه الجريمة، كونها جريمة اقتصادية من ناحية، ومن جهة
أخرى فهي جريمة تبعية لأنها تفترض وقوع جريمة أولية سابقة عليها تشكل المصدر غير
المشروع للأموال المراد غسلها، بالإضافة إلى كونها جريمة منظمة عابرة للحدود
الوطنية والجغرافية للدول، ومن ثم يصعب الحد منها لما تتطلبه من تكاتف الجهود
والتنسيق والتجانس في شتى المجالات خاصة منها المجال التشريعي للدول.
ونظرا
لكون أن غسل الأموال هو المخرج والسبيل الأمثل الذي يعتمده المجرمون لإضفاء الصبغة
القانونية على أموالهم المتأتية من مصدر غير مشروع، سواء كانت من تجارة المخدرات،
العمليات الإرهابية، تجارة الأسلحة...إلخ، وبالتالي الوصول إلى نتائج مدمرة
اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً.
وبالتالي لابد من تخصيص مقتضيات قانونية سواء في القوانين المنظمة للمجال الرياضي، أو تلك المنظمة لجريمة غسيل الأموال من أجل زجر كل من سولت له نفسه إدخال أموال غير مشروعة في الميدان الرياضي لما لهذا الأخير من تأثير المجتمع المغربي اقتصاديا واجتماعيا
[1] حمدي
حسن أبو العينين، أدب التليفزيون وأخلاق الرياضة، جريدة الأهرام، قضايا وأراء،
الأحداث، 28 نونبر 2010، ص. 135.
[2] هدى
حامد قشقوش الجريمة المنظمة القواعد الموضوعية والإجرائية والتعاون الدولي، دار
النهضة العربية القاهرة، طبعة 2000 ص. 5.
[3] عبد
الله عزت بركات، ظاهرة غسيل الأموال وآثارها الاقتصادية والاجتماعية على المستوى
العالمي، مجلة اقتصاديات شمال افريقيا، العدد الرابع، السنة 2017، ص 217
[4]
ظهير شريف رقم 1.21.56 صادر في 27 من شوال 1442 (8) يونيو
(2021) بتنفيذ القانون رقم 12.18 بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي والقانون
رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال، الجريدة الرسمية عدد 6995، بتاريخ 3 ذو
القعدة 1442 (14) يونيو (2021)ص 4167
[5] خبالي
حسن، جريمة غسيل الأموال، مقال منشور في مجلة مغرب القانون، تاريخ الاطلاع
10-10-2022 على الساعة 11:32
[6] مصطفى
الطاهر، المواجهة الجنائية لظاهرة غسيل الأموال المتحصلة عن جرائم المخدرات، دار
النهضة العربية، السنة 2002، ص.08
[8]
السبب في اللجوء إلى بلدان أخرى هو تمتع هذه الدول بمزايا
خاصة أهمها:
- اتساع نطاق السرية المصرفية والمالية
- ضعف إشراف ورقابة المصارف المركزية
- عدم عرقلة الصرف الأجنبي.
[9] محمد
عبد اللطيف فرج عمليات غسيل الأموال، مجلة بحوث الشرطة، العدد الثالث السنة 1998،
ص.246.
[10] عزيزة الشريف، مرجع سابق، ص.304.
[11] مصطفى
الطاهر ، مرجع سابق، ص. 11
[12] عزيزة
الشريف، مرجع سابق، ص.305.
[13] محمد
عبد اللطيف فرج، مرجع سابق، ص. 248
[15]
إن إسقاط جريمة غسل الأموال في المجال الرياضي تبقى واردة
متى ما كانت تلك الجرائم الواردة في الفصل 574-2 تتماشى مع طبيعة المجال الرياضي،
و بعد ارتكابها يتم القيام بأحد الأفعال الواردة في الفصل 574-1
[16] ظهير شريف رقم
1.10.150، الصادر بتاريخ 13 من رمضان 1431 (24) عشت (2010) ، بتنفيذ القانون رقم
30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضية، الجريدة الرسمية عدد 5885 بتاريخ 16 ذو
القعدة 1431 (25) أكتوبر
[18]تنص المادة
1-574 من القانون 43.05 على أنه " تكون الأفعال التالية جريمة غسل الأموال
عندما ترتكب عمدا وعن علم وعن علم
اكتساب أو حيازة أو استعمال ممتلكات أو عائداتها لفائدة
الفاعل أو لفائدة الغير، مع العلم أنها متحصلة من إحدى الجرائم المنصوص عليها في
الفصل 2-574 بعده ؛
استبدال أو تحويل أو نقل ممتلكات أو عائداتها بهدف إخفاء أو
تمويه طبيعتها الحقيقية أو مصدرها غير المشروع لفائدة الفاعل أو لفائدة الغير،
عندما تكون متحصلة من إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل 2-574 بعده ؛
إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للممتلكات أو مصدرها أو
مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو ملكيتها أو الحقوق المتعلقة بها لفائدة
الفاعل أو لفائدة الغير، مع العلم بأنها عائدات متحصلة من إحدى الجرائم المنصوص
عليها في الفصل 2-574 بعده
- مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب إحدى
الجرائم المنصوص عليها في الفصل 2-574 بعده على الإفلات من الآثار التي يرتبها
القانون على أفعاله؛
- تسهيل التبرير الكاذب، بأية وسيلة من
الوسائل، لمصدر ممتلكات أو عائدات مرتكب إحدى الجرائم المشار إليها في الفصل 2-574
بعده، التي حصل بواسطتها على ربح مباشر أو غير مباشر؛
- تقديم المساعدة أو المشورة في عملية
حراسة أو توظيف أو إخفاء أو استبدال أو تحويل أو نقل العائدات المتحصل عليها
بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من ارتكاب إحدى الجرائم المذكورة في الفصل 574.2 بعده.
- محاولة ارتكاب الأفعال المنصوص عليها في هذا الفصل.
[19] الرياضة
... غسالة للأموال، مقال منشور على الموقع الالكتروني التالي:
الرياضة.. غسالة للأموال ؟ -34138 / بانوراما
[20]
دداي أطويف النظام القانوني لعقد احتراف لاعب كرة القدم،
رسلة لنيل شهادة الماستر ، جامعة محمد الأول، كلية
16 12، ص: 2017/2018 العلوم القانونية والاقتصادية
والاجتماعية
[21] يعرف
العقد الرياضي على أنه توافق إرادتين على إحداث أثار قانوني معين يتمثل في التفرغ
التام لنشاط رياضي وامتهانه مقابل مبلغ من المال بالإضافة إلى منح مكافات.
[22]غسيل أموال
وتمويل جماعات إرهابية ومشاهير سقطو في فخه... عن عالم المراهنات السري، مقال
منشور الموقع الالكتروني التالي -غسيل - أموال وتمويل-جماعات الإرهابية
/https://arabicpost.net/opinions/2021/06/01
[23] غسيل
أموال وتمويل جماعات إرهابية ومشاهير سقطوا في فخه.. عن عالم المراهنات السري،
مقال منشور على الموقع الإلكتروني التالي:
https://arabicpost.net/opinionsالاطلاع بتاريخ 2022-10-16 على الساعة 17:00
[24]
دانة نبيل شحده النتشة الوسائل الدولية في مكافحة جريمة غسل
الأموال، رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون العام، كلية الحقوق جامعة الشرق
الأوسط، كانون الثاني 2008م ، ص 58.
[26] محمود
جب فتح الله الجهود الدولية لمكافحة غسيل الأموال، مقال منشور على الموقع
الإلكتروني التالي :
من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله
