وسائل الإثبات الحديثة في التشريع الموريتاني التنظيم والتحديات
يحي ولد ديد ولد ممود
أستاذ متعاون بكلية العلوم القانونية والسياسية جامعة نواكشوط
Modern means of proof in
Mauritanian legislation regulation and challenges
Yahya OULD DID
OULD MEMMOUD
المقدمة
يُعَدّ
الإثباتُ ركيزةً أساسيةً في المنظومة القضائية، إذ به تُبنى الحقوق وتُدرأ الشبهات
وتتحقق العدالة. فلا قضاءَ دون بينة، ولا بينةَ دون إطار قانوني يُنظّم وسائلها
ويرسم حدودها. وإذا كان الفقهاء قد أجمعوا على أن “البينة على من ادعى واليمين على
من أنكر”، فإن تطور النظم القانونية جعل من الإثبات علمًا قائمًا بذاته، له أصوله
وقواعده ومناهجه التي تراعي خصوصية كل زمان ومكان.
عرفت
موريتانيا، بحكم موقعها الجغرافي وانتمائها الحضاري، مسارًا متميزًا في تنظيم
الإثبات. فقد كان الفقه المالكي لقرون طويلة المرجع الأول للقضاء، بما فيه من
قواعد رصينة حول الشهادة والإقرار واليمين والكتابة، وبما رسّخه من ضوابط للاجتهاد
القضائي في إثبات الحقوق والجرائم. وقد شكّل اعتماد القضاء الشرعي على أقوال
المالكية أساسًا للتوازن بين حماية الحقوق واستقرار المعاملات، خاصة في مجالات
البيوع، الزواج، الميراث، والعقوبات.
ومع
دخول الاستعمار الفرنسي، فرضت الثقافة القانونية الفرنسية حضورها على البنية
التشريعية الموريتانية، حيث أُدخلت نصوص مقتبسة من القانون المدني الفرنسي، وخاصة
في مجال العقود والالتزامات ووسائل الإثبات الكتابية. وهكذا انتقل القضاء تدريجيًا
من الاقتصار على المرجعية الفقهية الإسلامية إلى ازدواجية تجمع بين القواعد
المستمدة من الفقه المالكي والنصوص القانونية المقتبسة من التشريع الفرنسي.
وقد
تُوّج هذا المسار بتقنين قانون الالتزامات والعقود، الذي جمع بين أصول الفقه
المالكي من جهة وأحكام القانون المدني الفرنسي من جهة أخرى، ليشكل المرجع الأساسي
في الإثبات المدني والتجاري. كما أدخل المشرع نصوصًا إجرائية في قانون الإجراءات
المدنية والتجارية والإدارية، وضبط قواعد الإثبات الجنائي في قانون الإجراءات
الجنائية، في محاولة لإرساء انسجام بين المصادر المختلفة.
ومع الثورة التكنولوجية الحديثة، برزت الحاجة إلى تطوير منظومة الإثبات
لمواجهة المستجدات. فالمحررات الإلكترونية، والرسائل الرقمية، والتوقيع
الإلكتروني، أصبحت وسائل متداولة في المعاملات اليومية. والبصمة الوراثية
والتسجيلات السمعية والبصرية غدت أدوات حاسمة في الإثبات الجنائي. غير أن هذه
الوسائل طرحت إشكالات جديدة على المشرّع الموريتاني، تتعلق بحجيتها، وضوابط
استعمالها، ومدى انسجامها مع المبادئ العامة للقانون.
وقد استجاب المشرع لهذه التحديات عبر جملة من التعديلات التشريعية الحديثة،
من أبرزها:
- الاعتراف بالمحررات
الإلكترونية في نطاق الإثبات المدني والتجاري.
- سنّ قانون الجريمة
السيبرانية لضبط حجية الأدلة الرقمية ومكافحة الجرائم المعلوماتية.
- إقرار قانون حماية البيانات
ذات الطابع الشخصي لحماية الحياة الخاصة وضمان سلامة المعطيات المستعملة
كأدلة.
- إصدار نصوص خاصة بمكافحة
غسل الأموال وتمويل الإرهاب والفساد، نصّت على آليات لإثبات العمليات المالية
غير المشروعة.
ورغم
هذه الجهود، تبقى منظومة الإثبات في موريتانيا في حاجة إلى مزيد من التطوير، إذ لا
تزال تعاني من ثغرات تشريعية في مجال البصمة الوراثية والأدلة البيومترية، ومن
تحديات تقنية وبنيوية تعيق فعالية تطبيق النصوص القائمة.
وعليه،
تطرح هذه الدراسة الإشكالية الآتية:
إلى
أي مدى نجح المشرّع الموريتاني في تنظيم وسائل الإثبات الحديثة، وما أبرز التحديات
التي تحول دون تفعيلها بفعالية أمام القضاء؟
وتتفرع
عن هذه الإشكالية تساؤلات فرعية:
- ما هو الإطار القانوني الذي
اعتمده المشرع لتنظيم وسائل الإثبات الإلكترونية والرقمية والعلمية؟
- هل تكفي النصوص الحالية
لمواكبة التطورات التقنية المتسارعة؟
- وما هي أبرز الصعوبات
التشريعية والتقنية والإجرائية التي تواجه القضاة والمتقاضين عند التعامل مع
هذه الوسائل؟
وانطلاقًا
من الأهمية البالغة لموضوع وسائل الإثبات الحديثة، وتعدّد أبعادها التشريعية
والتقنية، كان من الضروري تنظيم معالجة هذا البحث ضمن إطار ثنائي يجمع بين جانبين
متكاملين، يركّز الأول على التنظيم القانوني لهذه الوسائل، عبر استقراء النصوص
الموريتانية العامة والخاصة التي تناولت الأدلة الإلكترونية والرقمية، والأدلة
العلمية المستحدثة، مع بيان موقعها ضمن المنظومة الوطنية للإثبات. بينما
يتناول الثاني التحديات العملية والتشريعية التي تعترض توظيف هذه الوسائل، سواء من
حيث القصور التشريعي أو من حيث الإكراهات التقنية والإجرائية التي تواجه القضاء في
التطبيق العملي.
المبحث الأول: التنظيم القانوني لوسائل الإثبات الحديثة
إنّ
الحديث عن وسائل الإثبات الحديثة في التشريع الموريتاني يقتضي الوقوف ابتداءً على
الإطار القانوني الذي أرساه المشرّع لتنظيمها. فالتقنين لا يُعدّ مجرد عمل شكلي،
بل هو المدخل الأساسي لإرساء حجية هذه الوسائل وضمان قبولها أمام القضاء. وقد برز
هذا التوجّه في نصوص متعددة؛ إذ توسع قانون الالتزامات والعقود وقانون الإجراءات
المدنية والتجارية والإدارية في الاعتراف بالمحررات الإلكترونية والمراسلات
الرقمية، فيما خصّص قانون الإجراءات الجنائية وقوانين خاصة أخرى – مثل قانون
مكافحة الجريمة السيبرانية وقانون حماية البيانات ذات الطابع الشخصي – أحكامًا
تنظم التعامل مع الأدلة المستخرجة من الفضاء الرقمي[1].
وإذا
كانت هذه النصوص قد أرست الأساس القانوني للأدلة الإلكترونية والرقمية، فإن التطور
العلمي بدوره قد أفرز وسائل إثبات ذات طبيعة خاصة، مثل البصمة الوراثية والتسجيلات
الصوتية والمرئية والتقنيات المرتبطة بالمراقبة الحديثة، وهي وسائل أصبح لها دور
محوري في المجال الجنائي خاصة، لكنها ما تزال تطرح أسئلة حول مدى انسجامها مع
الضمانات الإجرائية والحقوق الأساسية.
وعليه،
فإن تناول التنظيم القانوني لوسائل الإثبات الحديثة يقتضي تقسيم المبحث إلى فقرتين
متكاملتين، تتناول أولاهما الأدلة الإلكترونية والرقمية، لما لها من ارتباط مباشر
بالمعاملات المدنية والتجارية وكذا الجرائم المعلوماتية، بينما تتناول الثانية الأدلة
العلمية الحديثة، باعتبارها تمثل الوجه الآخر للتطور التكنولوجي في المجال الجنائي
والعائلي.
الفقرة الأولى: الأدلة
الإلكترونية والرقمية
أدت
الثورة الرقمية إلى إحداث نقلة نوعية في طرق التعامل والإثبات، إذ لم تعد الوسائل
التقليدية قادرة وحدها على استيعاب المعاملات المعاصرة. فقد أصبحت العقود
والمحررات الإلكترونية والمراسلات عبر البريد الإلكتروني ووسائل الدفع الرقمي من
أبرز أدوات التبادل اليومي، إلى جانب الكمّ الهائل من البيانات التي تولّدها
الأجهزة الذكية ونظم المعلومات. وإزاء هذا الواقع، تدخل المشرّع الموريتاني عبر
قانون الالتزامات والعقود وقانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية للاعتراف
بحجية هذه الوسائل، كما أقرّ قانون الإجراءات الجنائية قواعد خاصة بالمحجوزات
الإلكترونية، وأكمل الإطار بنصوص حديثة مثل قانون الجريمة السيبرانية وقانون حماية
البيانات الشخصية. وانطلاقًا من ذلك، يتطلب البحث
التمييز بين محورين: أولهما المحررات الإلكترونية والتوقيع الرقمي، وثانيهما
الأدلة الرقمية ذات الطبيعة الخاصة.
أوّلًا: المحررات الإلكترونية
والتوقيع الرقمي
إنّ
المحررات الإلكترونية والتوقيع الرقمي يمثّلان المدخل الرئيس للاعتراف القانوني
بالأدلة الرقمية في المعاملات المدنية والتجارية. فقد أدرك المشرع الموريتاني
مبكرًا الحاجة إلى تقنين هذه الوسائل ضمانًا للموثوقية والأمن القانوني، فنصّ على
أحكام تؤسس لحجيتها في قانون الالتزامات والعقود وقانون الإجراءات المدنية
والتجارية والإدارية، وأكّدتها بعض النصوص الخاصة. غير أنّ المحرر الإلكتروني لا
يكتسب قوته الكاملة إلا باقترانه بالتوقيع الرقمي الذي يمنحه الشرعية والاعتماد.
ومن ثمّ، فإن دراسة هذا المحور تقتضي التوقف عند:
1)
النصوص القانونية المؤسسة
لا
يمكن الحديث عن حجية المحررات الإلكترونية في النظام القضائي الموريتاني دون
الوقوف على النصوص القانونية التي أرست الاعتراف بها، وجعلتها في مرتبة مساوية
للمحررات الورقية التقليدية. فقد تضمن قانون الالتزامات والعقود أحكامًا تتيح
اعتماد الكتابة الإلكترونية كوسيلة للإثبات، كما عزز قانون الإجراءات المدنية
والتجارية والإدارية هذا التوجه من خلال تنظيم حجيتها أمام القضاء. وبذلك يكون
المشرع قد وضع الأساس التشريعي للإثبات الرقمي في بعديه المدني والتجاري.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن تمييز محورين رئيسيين:
أ)
قانون الالتزامات والعقود
أرست
مواد قانون الالتزامات والعقود أساس الاعتراف بالمحررات الإلكترونية ضمن وسائل
الإثبات. فقد نصّت المادة (399) على عدم اشتراط شكل خاص إلا إذا فرضه القانون، مما
يسمح مبدئيًا بالكتابة الرقمية كوسيلة مقبولة، بينما أقرّت المادة (400) سلطة
الأطراف في اشتراط شكل محدد للعقد، بما في ذلك الشكل الإلكتروني. كما فسّرت المواد
(430 وما بعدها) مفهوم الكتابة توسعةً لتشمل المراسلات والسجلات، وهو ما يمهّد
للاعتراف بالأدلة الإلكترونية باعتبارها استمرارًا طبيعيًا لمبدأ الكتابة
التقليدية[2].
ب)
قانون الإجراءات المدنية
والتجارية والإدارية
عزّز
قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية الاعتراف بالمحررات الإلكترونية من
زاوية تنظيمية، إذ نصّت مواده على إلزامية تمكين الخصوم من الاطلاع على جميع
الوثائق أيا كان شكلها (مادة 5)، وأجازت النصوص المتعلقة بالإخطارات والبلاغات
استعمال الوسائل التي يحددها القانون بما يفتح المجال للتقنيات الرقمية (مادة 6).
كما وضع الكتاب الثاني الخاص بإجراءات التحقيق إطارًا للفحص الفني والتحقق من
سلامة المحررات (المواد الخاصة بالخبرة والتحقيق في الكتابة)، وهو ما يُسري على
المحررات الإلكترونية كما يسري على الورقية. وبهذا، يكتمل الأساس التشريعي لحجية
المحررات الإلكترونية، بجانب ما ورد في قانون الالتزامات والعقود.
2)
التوقيع الإلكتروني
أضفى
المشرّع الموريتاني على التوقيع الإلكتروني حجية قانونية مساوية للتوقيع التقليدي،
متى استوفى شروط الموثوقية التقنية. فقد نصّت مدونة التجارة (المواد 77 وما بعدها)
على أن التوقيع الإلكتروني المؤهَّل يضمن هوية الموقّع وسلامة المحرر، وافترضت
صحته إلى حين إثبات العكس. ويشترط في هذا التوقيع أن يكون خاضعًا لسيطرة صاحبه
حصريًا، وأن يُنشأ بوسائل تكشف أي تعديل لاحق. كما لا يُعتد به إلا إذا كان
مدعومًا بشهادة إلكترونية صادرة عن مقدم خدمات معتمد للتصديق، تشتمل على بيانات
التعريف الأساسية. وبذلك يتضح أن المشرّع لم يكتفِ بالاعتراف بالتوقيع الرقمي،
وإنما وضع إطارًا تقنيًا وقانونيًا يضمن موثوقيته، على نحو ينسجم مع المعايير
الدولية الحديثة[3].
أ)
شروط التوقيع الإلكتروني
اشترط
المشرّع الموريتاني جملة من الضوابط التقنية والقانونية لضمان حجية التوقيع
الإلكتروني، حتى يكون مساويًا في القوة القانونية للتوقيع اليدوي. فقد نصّت المواد
77 وما بعدها من مدونة التجارة على ضرورة أن يُنشأ التوقيع الإلكتروني بوسائل آمنة
وخاضعة لسيطرة الموقّع وحده، بحيث يستحيل على الغير استخدامه دون إذنه، ويكشف عن
أي تغيير يطرأ على المحرر بعد التوقيع. كما أوجب أن يكون التوقيع مرتبطًا ارتباطًا
وثيقًا بالمحرر الذي يُلحق به، وأن يُؤسس على شهادة إلكترونية صادرة عن مقدم خدمات
معتمد تتضمن بيانات التعريف الأساسية. وبذلك يتضح أن حجية التوقيع الرقمي ليست
مطلقة، وإنما مرهونة باستيفاء هذه الشروط التي تكفل سلامته التقنية ومصداقيته
القانونية.
ب)
الآثار القانونية للتوقيع
الإلكتروني
يترتب
على استيفاء التوقيع الإلكتروني للشروط المقررة أثر قانوني بالغ الأهمية، يتمثل في
مساواته بالتوقيع التقليدي من حيث القوة الثبوتية. فقد اعتبر المشرّع أن التوقيع
الإلكتروني المؤهَّل يُثبت هوية الموقّع، ويُظهر رضاه بالالتزامات الناشئة عن
العقد، كما يُنشئ قرينة قانونية على صحة المحرر وسلامته إلى أن يُثبت العكس. وهذا
يعني أن القاضي ملزم بقبول المحررات الموقعة إلكترونيًا إذا استوفت شروطها، تمامًا
كما يقبل المحررات الورقية. بل إن حجيتها تمتد إلى المجال الجنائي، إذ يمكن
الاعتماد عليها كدليل في القضايا المرتبطة بالمعاملات التجارية أو الجرائم
المعلوماتية. وبهذا يكون المشرّع الموريتاني قد خطا خطوة نوعية نحو إدماج الوسائل
التقنية الحديثة في المنظومة الإثباتية، مما يعزز الأمن القانوني ويواكب المعايير
الدولية[4].
ثانيًا: الأدلة
الرقمية ذات الطبيعة الخاصة
لا
يقتصر الاعتراف القانوني بالأدلة الرقمية على مجرد المحررات الإلكترونية، بل يمتد
إلى الأدلة ذات الطبيعة التقنية الحساسة، مثل البيانات المستخرجة من النظم
المعلوماتية أو قواعد البيانات والمعاملات المالية. وقد عالج المشرّع الموريتاني
هذه الفئة من الأدلة عبر قوانين نوعية، أبرزها قانون الجريمة السيبرانية الذي حدد
نطاق الإثبات في الجرائم المعلوماتية وجرّم المساس بسرية وسلامة البيانات، وقانون
حماية البيانات ذات الطابع الشخصي الذي وضع قواعد لحماية الحياة الخاصة وضمان
سلامة المعالجة الرقمية. ومن ثمّ، فإن دراسة هذه الأدلة تقتضي التوقف عند محورين
رئيسيين:
1)
الجريمة السيبرانية وحماية
البيانات
أولى
المشرّع الموريتاني عناية خاصة بالأدلة الرقمية ذات الطبيعة الحساسة، فأصدر نصوصًا
نوعية تحدد إطارها القانوني. فقد جاء قانون الجريمة السيبرانية رقم 2016-007 ليضع
القواعد العامة التي تنظّم التعامل مع الجرائم المرتكبة بواسطة نظم المعلومات، حيث
نصّ على أن أحكامه تشمل كل جريمة جزائية يتطلب إثباتها الاستناد إلى دليل
إلكتروني. كما جرم أفعالًا تمسّ سرية البيانات وسلامتها وتوافرها مثل الدخول غير
المشروع، اعتراض الاتصالات، أو محو وإتلاف المعطيات، وأقرّ حجية المحجوزات
الإلكترونية إذا تم الحصول عليها وفق الضوابط القانونية
وبالموازاة،
أصدر المشرّع قانون حماية البيانات ذات الطابع الشخصي رقم 2017-017، الذي أرسى
مبادئ أساسية تتعلق بمعالجة البيانات، أهمها: احترام السرية، الالتزام بالأمن
والحفظ، وضمان الحقوق الفردية كحق الاطلاع والتصحيح والحذف. كما أنشأ سلطة مختصة
بمراقبة الامتثال، وأقرّ جزاءات إدارية وجنائية في حالة الإخلال بهذه الالتزامات والقانونية،
تجمع بين تجريم الأفعال الماسة بالبيانات من جهة، وحماية حقوق الأفراد في مواجهة
أي معالجة غير مشروعة من جهة أخرى.
2)
المعاملات المالية
تشكل
الأدلة الرقمية في المعاملات المالية أحد الأعمدة الأساسية لمكافحة الجرائم
الاقتصادية. فقد أرسى قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب قواعد دقيقة للتحقق
من هوية العملاء، ومراقبة العمليات البنكية، والاحتفاظ بالبيانات لفترات كافية بما
يسمح بتتبع الأموال المشبوهة. كما أوجب المرسوم التطبيقي تبادل المعلومات بين
المؤسسات والسلطات المختصة بصورة آنية، مما يعزز حجية السجلات الإلكترونية كأداة
إثبات. وإلى جانب ذلك، وسّع قانون مكافحة الفساد دائرة الأدلة المقبولة لتشمل
الوثائق الرقمية، باعتبارها وسيلة فعّالة لكشف مسالك الأموال غير المشروعة. وهكذا
يتضح أن المشرّع الموريتاني أولى للأدلة المالية ذات الطبيعة الرقمية عناية خاصة،
إدراكًا لخطورة الجرائم الاقتصادية وتداخلها مع الجريمة السيبرانية[5].
يتضح
من خلال ما سبق أن المشرّع الموريتاني قد خطا خطوات معتبرة نحو الاعتراف بالأدلة
الإلكترونية والرقمية، سواء عبر تقنين المحررات والتوقيع الإلكتروني أو من خلال
تنظيم الأدلة ذات الطبيعة الخاصة في قوانين الجريمة السيبرانية وحماية البيانات
والمعاملات المالية. غير أنّ هذه الجهود، على أهميتها، تمثل وجهًا واحدًا من
منظومة الإثبات الحديثة، إذ يوازيها تطور آخر لا يقلّ أهمية يتمثل في الأدلة
العلمية التي أفرزتها الثورة البيولوجية والتقنية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التوقف
عند الأدلة العلمية الحديثة، بوصفها أدوات حاسمة في كشف الحقيقة وتعزيز الثقة في
العمل القضائي.
الفقرة الثانية: الأدلة العلمية
الحديثة
إلى
جانب الأدلة الإلكترونية والرقمية، شهدت الساحة القانونية بروز وسائل إثبات ذات
طابع علمي وتقني، فرضتها التطورات المتسارعة في مجالات الطب الشرعي وعلوم الاتصال.
فقد أصبحت البصمة الوراثية (DNA) وسيلة حاسمة في كشف الجرائم وإثبات النسب، كما غدت التسجيلات
الصوتية والمرئية والتقنيات المرتبطة بالمراقبة الإلكترونية من أبرز الأدلة
المعتمدة في التحقيقات الجنائية وتسوية النزاعات. غير أن هذه الوسائل، على الرغم
من أهميتها، تثير نقاشًا قانونيًا حول شروط قبولها ومدى انسجامها مع الضمانات
الإجرائية وحقوق الدفاع. ومن ثمّ، فإن دراسة الأدلة العلمية الحديثة تقتضي التوقف
عند محورين رئيسيين:
أولًا: البصمة الوراثية
تُعدّ
البصمة الوراثية من أبرز الوسائل العلمية الحديثة التي أحدثت ثورة في مجال
الإثبات، نظرًا لدقتها العالية وقدرتها على التمييز بين الأفراد بدرجة تقارب
اليقين. وقد أصبح استخدامها متزايدًا في التحقيقات الجنائية لإثبات أو نفي التهمة،
كما اعتمدت في النزاعات المدنية والأسَرية خاصة في قضايا النسب. ورغم أن التشريع
الموريتاني لم يصدر نصًا خاصًا ينظمها بشكل تفصيلي، إلا أن العمل القضائي والفقه
القانوني اتجها إلى استحضارها كوسيلة إثبات حديثة لا يمكن تجاهلها. ومن هنا يقتضي
تناول هذا الموضوع التمييز بين مجالين أساسيين:
أ)
المجال الجنائي
أصبحت
البصمة الوراثية أداة أساسية في الإثبات الجنائي نظرًا لقدرتها الفائقة على تحديد
هوية الجناة بدقة علمية. فهي تُستخدم في قضايا القتل والاغتصاب والاعتداءات
الجنسية لإثبات وجود المتهم في مسرح الجريمة أو استبعاد صلته بها. كما يعتمد عليها
في التعرف على الجثث المجهولة أو المختفية. ورغم غياب نص تشريعي موريتاني خاص ينظم
استخدامها، إلا أن القواعد العامة في قانون الإجراءات الجنائية تتيح للقاضي
الاستعانة بالخبرة العلمية متى رأى فيها وسيلة مفيدة لكشف الحقيقة[6].
وبهذا أصبحت البصمة الوراثية تدخل تدريجيًا في دائرة الأدلة المقبولة، وإن كان
القبول القضائي لها ما يزال مشروطًا بمدى سلامة الإجراءات وضمان حقوق الدفاع.
ب)
المجال المدني
في
المجال المدني، برز دور البصمة الوراثية أساسًا في قضايا الأسرة، ولا سيما في
إثبات أو نفي النسب. فقد مكّنت هذه التقنية من تجاوز كثير من الإشكالات المرتبطة
بالشهادة أو الإقرار أو القرائن التقليدية، لكونها وسيلة دقيقة تقارب اليقين
العلمي. ورغم أن التشريع الموريتاني لم ينص صراحة على اعتمادها، إلا أن النقاش
الفقهي والقضائي يذهب في اتجاه اعتبارها قرينة قوية يمكن أن يستأنس بها القاضي عند
الفصل في المنازعات الأسرية. غير أنّ استعمالها يظلّ محاطًا بتحفظات شرعية
وقانونية تتعلق بمبدأ حماية النسب ودرء المفاسد، مما يجعل اعتمادها خاضعًا لاجتهاد
القضاء وحدود ما يتيحه القانون من سلطة تقديرية.
ثانيًا: التسجيلات التقنية
والمرئية.
أصبحت
التسجيلات التقنية، سواء كانت صوتية أو مرئية، جزءًا لا يتجزأ من وسائل الإثبات
المعاصرة، لما توفره من قدرة على توثيق الوقائع وإعادة تصوير الأحداث بموضوعية
يصعب دحضها. وقد لجأت المحاكم في قضايا مدنية وجنائية متعددة إلى اعتماد هذه
الوسائل، خاصة مع انتشار الكاميرات وأنظمة المراقبة وتسجيل المكالمات. ومع ذلك،
فإن اعتمادها يثير إشكالات قانونية ترتبط بمدى مشروعيتها في الحصول عليها، وضمان
سلامتها من التلاعب، وانسجامها مع الحقوق الدستورية في الخصوصية والدفاع. ومن هنا
تقتضي المعالجة التمييز بين محورين رئيسيين:
أ)
التسجيلات كوسيلة إثبات
تُعتبر
التسجيلات الصوتية والمرئية من أبرز الأدلة المستحدثة التي لجأت إليها المحاكم في
العصر الحديث، لما تحمله من قدرة على إعادة تمثيل الوقائع وتوضيح الملابسات. ففي
المجال المدني، يمكن أن تستخدم لتوثيق الالتزامات أو إثبات المخالفات العقدية،
بينما تُستثمر في المجال الجنائي لإظهار ارتكاب الجريمة أو كشف هوية الفاعل. وقد
نصّ قانون الإجراءات الجنائية الموريتاني على صلاحية القاضي في الاستعانة بجميع
وسائل التحقيق التي يراها مناسبة، بما في ذلك التسجيلات، ما دامت لم تُتحصل بطريقة
غير مشروعة أو تمسّ بالحقوق الأساسية[7].
وانطلاقًا من ذلك، يمكن التمييز بين محورين:
1)
التسجيلات في الإثبات الجنائي
أصبحت
التسجيلات الصوتية والمرئية من الوسائل الفعالة التي يعتمدها القاضي الجنائي في
الكشف عن الحقيقة، إذ قد توثق لحظة ارتكاب الجريمة أو تثبت وجود المتهم في مسرح
الأحداث. وقد أقرّ قانون الإجراءات الجنائية الموريتاني صلاحية القاضي في
الاستعانة بجميع وسائل التحقيق التي تساعد على إثبات الوقائع، ما دام الحصول على
هذه التسجيلات لم يتم خلسة أو خرقًا للحقوق الدستورية، كحرمة المراسلات والحياة
الخاصة. وتبرز قيمتها بوجه خاص في قضايا الإرهاب والرشوة والاعتداءات، حيث قد
تُشكل دليلاً حاسمًا في الإدانة أو البراءة. ومع ذلك، يبقى اعتمادها مشروطًا
بسلامة مصدرها وصدقيتها، وبخضوعها لرقابة القضاء على مشروعيتها.
2)
التسجيلات في الإثبات المدني
والتجاري
تُستعمل
التسجيلات الصوتية والمرئية في المجال المدني والتجاري كوسيلة لإثبات الالتزامات
أو التحقق من تنفيذها، مثل تسجيل المحادثات الهاتفية أو الاجتماعات التجارية التي
قد تنطوي على تعهدات أو مخالفات عقدية. وقد أتاح قانون الإجراءات المدنية
والتجارية والإدارية للقاضي سلطة تقديرية في قبول مثل هذه الوسائل، ما دامت لم
تُحصل بطريقة غير مشروعة ولم تمسّ النظام العام أو الحقوق الأساسية للخصوم. وتزداد
أهمية هذه التسجيلات في منازعات العمل، والعقود التجارية، والخدمات المالية، حيث
تشكّل قرينة قوية على صحة الادعاءات. غير أنّ قيمتها الثبوتية تبقى خاضعة لتقدير
القضاء، الذي قد يرفضها إذا شابها غش أو مساس بالسرية المهنية أو الخصوصية الفردية[8].
ب)
المراقبة الإلكترونية والأجهزة
الذكية
أدت
الثورة التكنولوجية إلى إدخال وسائل جديدة للإثبات تعتمد على أجهزة المراقبة
الإلكترونية والهواتف الذكية ونظم تحديد المواقع (GPS) والكاميرات
المثبتة في الأماكن العامة والخاصة. وقد أصبحت هذه الوسائل أداة فعّالة في توثيق
الوقائع ومساعدة القضاء على كشف الحقائق، خصوصًا في القضايا الجنائية والمرورية.
غير أن استخدامها يثير إشكالات تتعلق بمشروعية الحصول على الدليل وحدود تدخل
السلطات في الحياة الخاصة للأفراد، فضلًا عن ضرورة التحقق من سلامة الأجهزة
وخلوّها من التلاعب. ومن هنا، فإن دراسة هذا الموضوع تستوجب التمييز بين محورين
أساسيين:
1)
المراقبة الإلكترونية في المجال
الجنائي
اعتمدت
المحاكم الجنائية بشكل متزايد على المراقبة الإلكترونية كوسيلة لإثبات الجرائم أو
تتبع مرتكبيها، سواء من خلال كاميرات المراقبة المثبتة في الأماكن العامة أو
التسجيلات الصادرة عن الأجهزة الأمنية. وقد أجاز قانون الإجراءات الجنائية
الموريتاني للقاضي أن يأمر بمختلف وسائل التحقيق التي تساعد على إظهار الحقيقة،
بما في ذلك اللجوء إلى المراقبة التقنية متى تم ذلك في إطار قانوني يراعي الضمانات
الأساسية[9].
وتكتسي هذه الوسيلة أهمية خاصة في مكافحة الجرائم الإرهابية والسرقات المنظمة
والجرائم العابرة للحدود. ومع ذلك، فإن حجيتها تظل رهينة باحترام مبدأ المشروعية،
وتقييدها بضوابط تمنع المساس غير المبرر بالحريات الفردية وحرمة الحياة الخاصة.
2)
الأجهزة الذكية والوسائط
الحديثة كوسائل إثبات
أصبحت
الأجهزة الذكية مصدرًا رئيسيًا للأدلة، نظرًا لما تخزنه من بيانات دقيقة تشمل
الرسائل النصية، المكالمات، الصور، مواقع التنقل عبر GPS،
وسجلات التصفح. وقد لجأت المحاكم في قضايا متعددة إلى الاستعانة بهذه المعطيات
لإثبات الوقائع أو دحض الادعاءات. ويستند القبول القضائي لها إلى القواعد العامة
في الإثبات، التي تمنح القاضي سلطة واسعة في تقدير الأدلة، بشرط أن تكون قد
استُخرجت بطرق مشروعة تحفظ حقوق الدفاع والخصوصية. وتبرز قيمتها بوجه خاص في
الجرائم المعلوماتية، والمعاملات التجارية الإلكترونية، والنزاعات الأسرية، حيث
توفر مؤشرات ملموسة يصعب إنكارها. ومع ذلك، فإن حجيتها تظل نسبية، وتحتاج إلى
تدعيم بخبرة فنية تضمن سلامة المصدر وخلوّ الدليل من التلاعب.
يتضح
مما سبق أنّ المشرّع الموريتاني قد بذل جهدًا معتبرًا في تقنين وسائل الإثبات
الحديثة، من خلال الاعتراف بالمحررات والتوقيع الإلكتروني، وتنظيم الأدلة الرقمية
ذات الطبيعة الخاصة، فضلًا عن الانفتاح على الأدلة العلمية كالبصمة الوراثية
والتسجيلات التقنية. غير أنّ هذا التنظيم، على الرغم من أهميته، لم يخلُ من ثغرات،
سواء على مستوى شمولية النصوص أو على صعيد القدرة العملية على التطبيق. فإدماج هذه
الوسائل في المنظومة القضائية لا يقتصر على وضع القواعد القانونية، بل يقتضي أيضًا
مواجهة جملة من التحديات التشريعية والتقنية والإجرائية. ومن هنا تبرز ضرورة
الانتقال إلى المبحث الثاني، المخصّص لتحليل هذه التحديات والوقوف على أبعادها
المختلفة.
المبحث الثاني: تحديات في وجه
وسائل الإثبات الحديثة
على
الرغم من أن المشرّع الموريتاني خطا خطوات مهمة نحو إدماج وسائل الإثبات الحديثة
في المنظومة القانونية، إلا أن التطبيق العملي كشف عن جملة من التحديات التي ما
تزال تحدّ من فعاليتها. فهناك إشكالات تشريعية تتعلق بغياب نصوص خاصة ببعض
الوسائل، وتعارض أحيانًا بين القوانين الوطنية والالتزامات الدولية، فضلًا عن
الحاجة إلى تأصيل فقهي يواكب هذا التطور. كما أن الواقع العملي يطرح صعوبات تقنية
وإجرائية ترتبط بضعف البنية التحتية ونقص الكفاءات البشرية، إلى جانب مخاطر
التلاعب بالأدلة الرقمية وتعقيدات التعاون الدولي. ومن ثمّ، فإن دراسة هذه العوائق
تقتضي التفريق بين صنفين رئيسين:
الفقرة الأولى: التحديات التشريعية
يُظهر
تحليل النصوص المنظمة لوسائل الإثبات الحديثة في التشريع الموريتاني أن الجهد
التشريعي، على أهميته، لا يزال يعاني من ثغرات تؤثر في فعالية المنظومة. فمن جهة،
هناك قصور في الإطار القانوني يتمثل في غياب قوانين خاصة ببعض الوسائل المستحدثة،
وتضارب أحيانًا بين النصوص العامة والنصوص الخاصة أو بين القوانين الوطنية
والالتزامات الدولية[10].
ومن جهة أخرى، تبرز الحاجة إلى تأصيل فقهي ومقارن يوفّق بين مستجدات التقنية
ومقتضيات الفقه المالكي من ناحية، ويستفيد من التجارب التشريعية المقارنة من ناحية
أخرى. وبناءً عليه، فإن معالجة هذه التحديات تقتضي الوقوف عند محورين رئيسيين:
أولًا: قصور الإطار القانوني
على
الرغم من إدماج بعض الوسائل الحديثة في نصوص متفرقة، إلا أنّ التشريع الموريتاني
لا يزال يفتقر إلى منظومة متكاملة تعالج جميع صور الإثبات العلمي والرقمي. فالبصمة
الوراثية مثلًا لم يُسنّ لها إطار خاص يحدد شروط استخدامها وضوابطها، كما أن
الأدلة المستخرجة من الأجهزة الذكية لا تزال محكومة بالقواعد العامة دون تفصيل.
وإلى جانب هذا الغياب، يبرز إشكال آخر يتمثل في تعارض بعض النصوص بين القوانين
العامة والخاصة، أو بين القوانين الوطنية والمعايير الدولية، وهو ما يخلق صعوبة
أمام القضاة في التطبيق العملي. ومن ثمّ، يمكن تمييز محورين أساسيين:
أ)
غياب قوانين خاصة
يلاحظ
أن التشريع الموريتاني لم يواكب بعدُ جميع المستجدات المتعلقة بوسائل الإثبات
الحديثة، إذ لا يوجد نص خاص ينظم حجية البصمة الوراثية أو يحدد شروط اعتمادها في
المجالين المدني والجنائي. كما أن التسجيلات الإلكترونية والأدلة المستخرجة من
الأجهزة الذكية تخضع فقط للقواعد العامة في الإثبات، دون وضع معايير فنية دقيقة
تضمن سلامتها ومصداقيتها[11].
وهذا النقص يخلق فراغًا تشريعيًا يترك هامشًا واسعًا لاجتهاد القاضي، وقد يؤدي إلى
تفاوت الأحكام واختلاف التطبيقات. كما أن غياب قوانين متخصصة يضعف الثقة في
المنظومة القضائية ويحدّ من قدرة القضاء على مواكبة التطور التقني المتسارع.
ب)
تعارض النصوص
من أبرز التحديات التشريعية التي تواجه وسائل الإثبات الحديثة في موريتانيا
مسألة تعارض النصوص وتداخلها. ففي بعض الحالات، تُقرّ قوانين خاصة كـ قانون
الجريمة السيبرانية أو قانون حماية البيانات قواعد متقدمة لحجية الأدلة الرقمية،
بينما تظل القوانين العامة كـ قانون الالتزامات والعقود وقانون الإجراءات متشبثة
بمفهوم تقليدي للكتابة والإثبات. ويؤدي هذا التباين إلى ارتباك في التطبيق
القضائي، حيث يجد القاضي نفسه بين نصوص تسمح بالاعتماد على وسائل حديثة وأخرى لا
تُلمّ بها أو تضيّق نطاقها. كما يظهر التعارض أحيانًا بين الالتزامات الدولية
لموريتانيا والمعايير الوطنية، مما يثير إشكالية الانسجام التشريعي ويُضعف فعالية
المنظومة القانونية.
ثانيًا: الحاجة للتأصيل الفقهي
والمقارن
تُظهر
دراسة وسائل الإثبات الحديثة أن التشريع الموريتاني، رغم محاولاته التنظيمية، لا
يزال بحاجة إلى سند فقهي ومقارن يثري منظومته ويمنحها شرعية أوسع. فمن جهة، يفرض
الفقه الإسلامي – وخاصة الفقه المالكي – نفسه
مرجعية أساسية تقتضي استحضار قواعده في التكييف والقبول، بما يضمن الانسجام مع
الخصوصية الدينية والقانونية للمجتمع. ومن جهة أخرى، فإن الاطلاع على التجارب
التشريعية المقارنة يمكّن من الاستفادة من الحلول المبتكرة التي اعتمدتها أنظمة
عربية وغربية في تنظيم الأدلة الرقمية والعلمية. ومن ثمّ، فإن معالجة هذه المسألة
تقتضي التوقف عند محورين:
أ)
الفقه الإسلامي
يمثل
الفقه الإسلامي، وخاصة المذهب المالكي الذي يشكل المرجعية الأساسية في موريتانيا،
إطارًا غنيًا يمكن أن يُستند إليه في تأصيل وسائل الإثبات الحديثة. فقد أقر
المالكية حجية البينات بمختلف صورها متى تحققت العدالة والاطمئنان، ولم يحصروا
الإثبات في الكتابة أو الشهادة وحدهما، بل توسعوا في قبول القرائن القوية. وهذا
المنهج المرن يسمح باستيعاب الأدلة العلمية والرقمية المعاصرة باعتبارها قرائن
معتبرة تحقق المقصود الشرعي من إثبات الحقوق ودفع المظالم. غير أن الفقهاء يشددون
على ضرورة مراعاة الضوابط الشرعية في استخدام هذه الوسائل، بما يضمن صيانة الكرامة
الإنسانية وحماية الحقوق الأساسية، وهو ما يستلزم تكييفًا فقهيًا دقيقًا يتناسب مع
طبيعة كل وسيلة من الوسائل الحديثة.
ب)
القانون المقارن
يُظهر
الاطلاع على التشريعات المقارنة أن عدداً من الأنظمة القانونية العربية والغربية
قد خطت أشواطاً متقدمة في تنظيم وسائل الإثبات الحديثة. فقد خصصت بعض التشريعات
الأوروبية نصوصًا دقيقة لحجية التوقيع الإلكتروني والمحررات الرقمية، مع وضع
معايير تقنية معتمدة دولياً. كما تبنّت دول مغاربية، مثل المغرب وتونس، قوانين
خاصة بالمعاملات الإلكترونية، اعترفت بشكل صريح بالأدلة الرقمية والبصمة الوراثية[12].
وتبرز أهمية المقارنة هنا في أنها تمنح المشرّع الموريتاني نماذج عملية يمكن
الاستفادة منها لسدّ النواقص التشريعية القائمة، مع مراعاة خصوصيات البيئة
القانونية الوطنية. ومن ثمّ، فإن إدماج البعد المقارن يشكّل رافعة أساسية لتطوير
المنظومة الوطنية بما يواكب التطورات التقنية العالمية.
يتضح
من خلال تحليل التحديات التشريعية أن المنظومة القانونية الوطنية، رغم ما حققته من
تقدم، ما زالت تعاني من فراغات وتعارضات تحدّ من فعاليتها في استيعاب وسائل
الإثبات الحديثة. غير أن العقبات لا تقف عند حدود النصوص، بل تمتد إلى الواقع
العملي حيث تفرض التكنولوجيا نفسها على القضاء والإجراءات. فضعف البنية التحتية،
ومحدودية الكفاءات الفنية، ومخاطر التلاعب بالأدلة الرقمية، كلها عوامل تعيق
التفعيل الأمثل للنصوص القائمة. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال إلى الفقرة الثانية
التي تتناول التحديات العملية والتقنية، باعتبارها الوجه الآخر المكمل لإشكالية
إثبات الحقائق في العصر الرقمي.
الفقرة الثانية: التحديات العملية والتقنية
إلى
جانب ما يطرحه الإطار التشريعي من نواقص، يواجه الواقع العملي جملة من العقبات
التي تعرقل الاندماج الفعلي لوسائل الإثبات الحديثة في المنظومة القضائية. فغياب
التجهيزات المناسبة وضعف البنية التحتية التقنية يحدّان من قدرة المحاكم على
التعامل مع الأدلة الرقمية، كما أن محدودية الخبرات البشرية المتخصصة تزيد من
صعوبة توظيفها بفعالية. وإلى جانب ذلك، تثير سلامة الأدلة الرقمية ومصداقيتها
تحديات إجرائية معقدة، لاسيما عند الطعن فيها أو عند الحاجة إلى التعاون الدولي
لضمان صحتها. وبذلك، فإن تحليل هذه التحديات يقتضي التوقف عند محورين رئيسيين:
أولًا: التحديات التقنية
يُعد
الجانب التقني من أبرز العقبات التي تحول دون الاستفادة الكاملة من وسائل الإثبات
الحديثة، إذ يواجه النظام القضائي في موريتانيا ضعفًا ملحوظًا في التجهيزات
والوسائل التكنولوجية اللازمة للتعامل مع الأدلة الرقمية والعلمية. فالمحاكم لا
تتوفر غالبًا على مختبرات جنائية متطورة أو برامج متخصصة لتحليل المعطيات
الإلكترونية، كما أن الاعتماد على وسائل تقليدية في الحفظ والمعالجة يقلّل من
مصداقية الدليل الرقمي. وإلى جانب ذلك، يشكّل نقص الكفاءات البشرية المتخصصة في
المجالين المعلوماتي والجنائي عائقًا إضافيًا أمام توظيف هذه الوسائل بفعالية. ومن
ثمّ، فإن دراسة التحديات التقنية تقتضي التوقف عند محورين:
أ)
البنية التحتية
تُعدّ
البنية التحتية التقنية أساسًا لنجاح أي منظومة قضائية في التعامل مع وسائل
الإثبات الحديثة، غير أنّ الواقع الموريتاني يكشف عن محدودية واضحة في هذا الجانب[13].
فالمحاكم تفتقر إلى مختبرات رقمية متخصصة، وإلى أنظمة معلوماتية متطورة قادرة على
تخزين الأدلة الإلكترونية وتحليلها بشكل آمن. كما أن ضعف تجهيز قاعات المحاكم
بوسائل العرض التقنية، وعدم اعتماد برمجيات متقدمة للتحقق من سلامة المحررات
الإلكترونية أو التسجيلات، يحدّ من فعالية الإثبات الرقمي. وإلى جانب ذلك، فإن
الاعتماد المتزايد على وسائل تقليدية في الأرشفة والحفظ يعرض الأدلة الرقمية للتلف
أو الضياع. وهذا القصور يجعل من تطوير البنية التحتية أولوية لا غنى عنها لتأمين
حجية الوسائل المستحدثة.
ب)
الخبرات البشرية
لا
تقلّ أهمية الخبرات البشرية عن البنية التحتية في مجال تفعيل وسائل الإثبات
الحديثة، إذ يظل القاضي والمحامي والخبير الفني هم الفاعلين الرئيسيين في توظيف
هذه الوسائل أمام القضاء. غير أنّ الواقع العملي في موريتانيا يكشف عن محدودية
الكفاءات المؤهلة في مجالات التحليل الرقمي والطب الشرعي والتقنيات الحديثة، وهو
ما يضعف القدرة على استغلال الإمكانات التي تتيحها الأدلة الرقمية والعلمية. كما
أن ندرة التكوين المستمر وضعف التنسيق بين الجهاز القضائي والهيئات الفنية
المتخصصة يزيد من تفاقم هذا العجز. ويؤدي ذلك في كثير من الأحيان إلى تردد المحاكم
في اعتماد الأدلة المستحدثة أو إلى إفراغها من قيمتها الثبوتية لغياب الخبرة
اللازمة لتقديرها[14].
ثانيًا: التحديات الإجرائية
إلى
جانب العقبات التقنية، تبرز إشكالات إجرائية تعيق تفعيل وسائل الإثبات الحديثة
داخل النظام القضائي. فسلامة الأدلة الرقمية وصحة إجراءات جمعها وحفظها تشكل شرطًا
جوهريًا لقبولها أمام القضاء، ومع ذلك يظل الإطار العملي في هذا المجال محدودًا
ويعرض الأدلة أحيانًا للطعن بعدم المشروعية أو التلاعب. كما أن الطبيعة العابرة
للحدود للجرائم المعلوماتية تفرض على القضاء الموريتاني الانخراط في آليات التعاون
الدولي لتبادل المعلومات والخبرات، وهو مجال لا يزال يعاني من تعقيدات قانونية
ومؤسسية. ومن ثمّ، فإن معالجة هذه الإشكالات تقتضي الوقوف عند محورين رئيسيين:
أ)
سلامة الأدلة الرقمية
تُعدّ
مسألة سلامة الأدلة الرقمية من أبرز التحديات الإجرائية التي تواجه القضاء
الموريتاني، إذ يتوقف قبولها على مدى ضمان جمعها وحفظها وفق إجراءات دقيقة تحول
دون التلاعب بها أو تغيير مضمونها. فالأدلة المستخرجة من الأجهزة الإلكترونية أو
شبكات الاتصال عرضة للتعديل أو الإخفاء بسهولة، مما يثير إشكالية مصداقيتها أمام
المحاكم. ويشترط لذلك توثيق مسارها منذ لحظة ضبطها وحتى عرضها أمام القاضي، مع
اعتماد خبرة فنية محايدة للتأكد من سلامة مصدرها. غير أنّ غياب بروتوكولات واضحة
ومعايير فنية موحدة يجعل هذه الأدلة محل نزاع متكرر، وقد يؤدي في حالات كثيرة إلى
استبعادها رغم أهميتها في كشف الحقيقة.
ب)
التعاون الدولي
تفرض
الطبيعة العابرة للحدود للأدلة الرقمية تحديًا إجرائيًا يتجاوز الإمكانات الوطنية،
إذ غالبًا ما تكون البيانات محل الإثبات مخزّنة على خوادم خارج موريتانيا أو تمر
عبر شركات متعددة الجنسيات. ويجعل ذلك من التعاون الدولي ضرورة ملحّة لضمان الحصول
على هذه الأدلة وحفظها بطرق مشروعة. وقد انخرطت موريتانيا في عدد من الاتفاقيات
الدولية والإقليمية المتعلقة بمكافحة الجريمة السيبرانية وغسل الأموال وتمويل
الإرهاب، غير أن تفعيل هذه الالتزامات ما يزال يواجه صعوبات عملية مرتبطة بتأخر
الاستجابة أو تعقيد المساطر[15].
كما أن غياب قنوات اتصال تقنية متخصصة يضعف فعالية هذا التعاون، مما يفرض الحاجة
إلى آليات أكثر مرونة لتبادل المعلومات والأدلة عبر الحدود.
يتبين
من خلال استعراض التحديات التشريعية والعملية أن الاعتراف بوسائل الإثبات الحديثة
في التشريع الموريتاني لا يكفي وحده لضمان فعاليتها، ما لم يُستكمل بتطوير
المنظومة القانونية والمؤسسية والتقنية. فقصور النصوص وتعارضها من جهة، وضعف
البنية التحتية وقلة الخبرات من جهة أخرى، كلها عوامل تحدّ من توظيف هذه الوسائل
بالصورة المرجوة. ومع ذلك، فإن إدراك هذه العراقيل يشكّل خطوة أساسية نحو
معالجتها، ويفتح المجال أمام إصلاحات مستقبلية قادرة على تعزيز الثقة في النظام
القضائي. ومن هنا تأتي الخاتمة لتلخّص أهم النتائج المستخلصة وتعرض أبرز التوصيات
الكفيلة بتطوير منظومة الإثبات بما يواكب التحولات الرقمية والعلمية.
الخاتمة
يُظهر
تحليل التنظيم القانوني لوسائل الإثبات الحديثة في التشريع الموريتاني، وما يرتبط
به من تحديات تشريعية وعملية، أنّ هذه المنظومة تمرّ بمرحلة انتقالية دقيقة،
تتأرجح بين منطق تقليدي متجذر في القواعد العامة للإثبات التي كرّسها قانون
الالتزامات والعقود وقانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية على أساس
الكتابة والشهادة والقرائن البسيطة، وبين منطق حديث يسعى إلى استيعاب التطورات
الرقمية والعلمية التي فرضتها الثورة التكنولوجية والبيولوجية. هذه المرحلة
الانتقالية لا تعكس مجرد تحوّل في الوسائل التقنية، بل تعبّر عن صراع بين رؤيتين:
إحداهما ترى في الأدلة المستحدثة امتدادًا طبيعيًا لمبادئ الإثبات التقليدية،
وأخرى تدعو إلى إعادة صياغة شاملة للمنظومة القانونية حتى تتلاءم مع مقتضيات العصر
الرقمي. وفي ظل هذا السياق المزدوج، أتاح البحث الوقوف على جملة من النتائج الجوهرية
التي تتعلق بمدى نضج التشريع الموريتاني في التعامل مع هذه الوسائل، وحدود قدرته
على مواجهة التحديات المرتبطة بها، وهو ما يمكن تلخيصه فيما يلي:
أولًا: أهم النتائج
لقد
مكّن هذا البحث، عبر استقراء النصوص القانونية وتحليل التطبيقات القضائية ومقارنة
التجارب الوطنية بنظيراتها الإقليمية والدولية، من استخلاص مجموعة من النتائج
الجوهرية التي تعكس بدقة طبيعة المرحلة التي يمرّ بها التشريع الموريتاني في ميدان
تنظيم وسائل الإثبات الحديثة. فالمشرّع يبدو في موقع وسط بين محافظة على المرجعية
التقليدية المستندة إلى الكتابة والشهادة والقرائن البسيطة، وبين انفتاح متدرّج
على الأدلة المستحدثة التي أفرزتها الثورة الرقمية والعلوم الحديثة. وهذه المرحلة
تكشف من جهة عن إرادة واضحة لمواكبة التحولات التكنولوجية وما تطرحه من تحديات
عملية، ومن جهة أخرى عن بطء وتردد في إصدار تشريعات متكاملة، الأمر الذي يجعل
المنظومة الإثباتية في حالة انتقالية تبحث عن التوازن بين الأصالة والمعاصرة.
لقد
أتاح هذا البحث الوقوف على مجموعة من النتائج البارزة التي تُبرز طبيعة المرحلة
التي يمرّ بها التشريع الموريتاني في مجال تنظيم وسائل الإثبات الحديثة.
- الاعتراف التدريجي بحجية الأدلة الإلكترونية:
لقد
مثّل إدماج المحررات الإلكترونية والتوقيع الرقمي في المنظومة القانونية خطوة
متقدمة على طريق تحديث وسائل الإثبات. فقد أقرّ قانون الالتزامات والعقود بأن
الكتابة لا تنحصر في المحررات الورقية، بل يمكن أن تتخذ شكلًا إلكترونيًا إذا
توافرت فيها شروط الموثوقية. كما رسّخ قانون الإجراءات المدنية والتجارية
والإدارية هذا الاتجاه بمنحه القاضي سلطة قبول الوثائق الإلكترونية متى كانت صادرة
وفق الأشكال القانونية. وتكامل هذا الاعتراف مع ما نصّت عليه مدونة التجارة بخصوص
التوقيع الإلكتروني المؤهَّل، حيث وضعت معايير تقنية دقيقة تضمن نسبته إلى صاحبه
وسلامة محتواه. وبهذا يكون المشرّع الموريتاني قد خطا خطوة جريئة، لكنه لا يزال
بحاجة إلى استكمالها بإطار شامل يضبط مختلف صور الإثبات الرقمي.
- صدور نصوص خاصة بالأدلة الرقمية ذات الطبيعة
الحساسة:
تجلّى
وعي المشرّع بخطورة الجرائم المعلوماتية وأهمية الأدلة الرقمية في مواجهتها من
خلال قانون الجريمة السيبرانية، الذي لم يكتف بتجريم الأفعال الماسة بالبيانات، بل
أقرّ حجية المحجوزات الإلكترونية كأدلة مقبولة أمام القضاء. كما جاء قانون حماية
البيانات ذات الطابع الشخصي ليعزز الضمانات المرتبطة بالخصوصية ويحدد بدقة شروط
معالجة المعطيات الرقمية، الأمر الذي يوازن بين متطلبات الإثبات وحقوق الأفراد.
وفي المجال المالي، فرضت قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحة الفساد
التزامات دقيقة على المؤسسات البنكية بخصوص جمع البيانات والاحتفاظ بها، وهو ما
وفّر قاعدة تشريعية للاعتماد على الأدلة الرقمية في تتبع الأموال المشبوهة والكشف
عن مسالكها.
- إدماج الأدلة العلمية ضمن المنظومة القضائية:
شهد
القضاء الموريتاني توسعًا ملحوظًا في الاستعانة بالأدلة ذات الطابع العلمي، مثل
البصمة الوراثية التي أصبحت وسيلة حاسمة في قضايا القتل والاعتداءات الجنسية
وإثبات النسب، وإن لم يصدر بعد نص خاص ينظمها. كما اعتمدت التسجيلات الصوتية
والمرئية في عدد من القضايا، خصوصًا تلك المتعلقة بالرشوة والاعتداءات، باعتبارها
وسيلة مباشرة لتوثيق الوقائع. ورغم ذلك، فإن هذا الاعتماد يظل مقيدًا بشروط
المشروعية وضمانات حقوق الدفاع، الأمر الذي يطرح الحاجة إلى تأطير تشريعي أكثر
وضوحًا.
- كشف مواطن القصور التشريعي:
أبرز
البحث أن النصوص الحالية، رغم أهميتها، ما تزال تعاني من قصور واضح، إذ لا يوجد
إطار قانوني شامل ينظم الأدلة العلمية والرقمية بكافة صورها. كما أن بعض النصوص
تتعارض أو تتداخل، مثل التناقض بين القواعد العامة للإثبات التي لا تزال حبيسة
التصور التقليدي، وبين القوانين الخاصة التي اعترفت صراحة بوسائل رقمية حديثة.
ويزداد الأمر تعقيدًا حين يتعلق بتطبيق الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، حيث يجد
القضاة أنفسهم أمام معايير متباينة قد تضعف استقرار الأحكام القضائية وتفتح الباب
لتأويلات متناقضة.
- رصد التحديات العملية والتقنية:
كشف
البحث عن مجموعة من العقبات العملية التي تعيق التفعيل الأمثل لوسائل الإثبات
الحديثة، من أبرزها ضعف البنية التحتية التقنية للمحاكم، وغياب مختبرات رقمية
متخصصة لتحليل الأدلة، وعدم توافر برامج آمنة لتخزينها ومعالجتها. كما أن محدودية
الكفاءات البشرية المؤهلة في مجالات التحليل الجنائي الرقمي والطب الشرعي يضاعف من
صعوبة استغلال هذه الأدلة. وإلى جانب ذلك، يظل غياب بروتوكولات إجرائية واضحة لحفظ
الأدلة الرقمية عقبة أساسية تجعلها عرضة للطعن، بينما يشكّل التعاون الدولي في
القضايا العابرة للحدود تحديًا إضافيًا نتيجة بطء المساطر وضعف قنوات الاتصال
المتخصصة.
ثانيًا: أبرز التوصيات
إن
النتائج التي توصّل إليها هذا البحث لا تقف عند حدود التشخيص، بل تفتح المجال أمام
جملة من التوصيات التي يمكن أن تسهم في تطوير منظومة الإثبات الموريتانية وتجاوز
ما يعتريها من نواقص. فالإصلاح المطلوب ليس مجرد تعديلات جزئية، بل هو مسار متكامل
يجمع بين التشريع والفقه والممارسة العملية. ويقتضي ذلك العمل على سدّ الثغرات
القانونية، وتعزيز الانسجام بين النصوص الوطنية والالتزامات الدولية، فضلًا عن
الاستثمار في البنية التحتية التقنية وتكوين الكفاءات البشرية، مع الاستفادة من
التجارب المقارنة واستلهام المرجعية الفقهية. ومن هنا تأتي التوصيات التالية
باعتبارها خارطة طريق نحو منظومة إثبات أكثر فعالية وملاءمة للتحولات الرقمية
والعلمية.
ومن
أبرز هذه التوصيات:
1.
استكمال الإطار التشريعي
من
الضروري أن يبادر المشرّع الموريتاني إلى إصدار قوانين خاصة تُنظّم بعض وسائل
الإثبات المستحدثة التي لا تزال خارج دائرة التقنين، مثل البصمة الوراثية والأدلة
المستخرجة من الأجهزة الذكية. فالتقنين التفصيلي لهذه الوسائل سيضع حدًا
للاجتهادات المتباينة، ويُعزز الأمن القانوني. كما ينبغي أن تتضمن النصوص معايير
تقنية واضحة تضمن سلامة هذه الأدلة ومصداقيتها.
2.
تعزيز الانسجام التشريعي
يقتضي
الأمر مراجعة النصوص العامة والخاصة المتعلقة بالإثبات قصد توحيدها وإزالة التعارض
بينها، وذلك لضمان تطبيق منسجم أمام القضاء. كما يجب الحرص على مواءمة التشريع
الوطني مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالجريمة المعلوماتية وحماية البيانات،
حتى لا يقع القاضي في مأزق التضارب بين الالتزامات الدولية والقوانين المحلية.
3. تفعيل المرجعية الفقهية
ينبغي
أن يستند المشرّع والقضاء إلى الفقه المالكي الذي يتميّز بالمرونة في قبول القرائن
المعتبرة، وهو ما يتيح استيعاب وسائل الإثبات الحديثة باعتبارها وسائل تقارب
اليقين وتحقق المقاصد الشرعية. كما أن دمج الفقه في هذا المجال سيمنح هذه الوسائل
مشروعية اجتماعية وقانونية أكبر، ويضمن تقبّلها من طرف المجتمع.
4. الاستفادة من التجارب المقارنة
من
المهم الاطلاع على التجارب العربية والغربية التي سبقت في تنظيم وسائل الإثبات
الحديثة، خصوصًا تجارب المغرب وتونس وفرنسا. فهذه النماذج توفر حلولًا عملية في ما
يتعلق بوسائل الإثبات الرقمية والعلمية، ويمكن تكييفها بما يتلاءم مع الخصوصيات
الموريتانية.
5.
تطوير البنية التحتية للمحاكم
لا
يمكن توظيف الأدلة الرقمية والعلمية بفعالية من دون تجهيزات تقنية متطورة. لذا
يُوصى بإنشاء مختبرات رقمية جنائية، وتزويد المحاكم ببرمجيات متقدمة لحفظ الأدلة
الرقمية وتحليلها، وتحديث قاعات المحاكم لتكون قادرة على عرض هذه الأدلة بطريقة
موثوقة.
6. الاستثمار في التكوين المستمر
ينبغي
وضع برامج تدريبية متخصصة للقضاة، ووكلاء النيابة، والمحامين، والخبراء، في مجالات
التحليل الجنائي الرقمي والطب الشرعي. فبناء القدرات البشرية يوازي في أهميته
تطوير البنية التحتية، إذ لا قيمة للتجهيزات التقنية من دون خبرات بشرية قادرة على
توظيفها.
7.
إرساء بروتوكولات إجرائية واضحة
تُعتبر
البروتوكولات عنصرًا محوريًا لضمان حجية الأدلة الرقمية، لذا ينبغي اعتماد معايير
دقيقة تحدد كيفية جمع هذه الأدلة وحفظها ونقلها وعرضها أمام القضاء، بما يمنع
الطعن فيها بدعوى التلاعب أو المساس بالمشروعية.
8. تعزيز التعاون الدولي
نظرًا
للطبيعة العابرة للحدود للجرائم المعلوماتية، يجب أن تنخرط موريتانيا بفعالية أكبر
في آليات التعاون الدولي، سواء عبر تفعيل الاتفاقيات متعددة الأطراف أو إبرام
اتفاقيات ثنائية متخصصة. كما ينبغي إنشاء قنوات اتصال تقنية مباشرة بين السلطات
القضائية الموريتانية ونظيراتها الأجنبية لتسريع تبادل المعلومات والأدلة.
إن تطوير منظومة الإثــــــبات الحديثة في موريتانيا لم يعد خيارًا ثانويًا، بل أصبح ضـــــــرورة ملحة لتمكين القضاء من مواكبة التغيرات المتسارعة وضمان تحقيق العدالة الفعالة. وإذا كان المشرّع قد خطا خطــــوات أولية في هذا الاتجاه، فإن التحديات الراهنة تفرض مضاعفة الجهود التشريعية والمؤسسية والفنية، بما يجعل من وسائل الإثبات الحديثة أداة موثوقة، تُعزّز الثقة في القضاء وتضمن حماية الحقوق في مواجهة تعقيدات العصر الرقمي
[1] قانون الالتزامات والعقود الموريتاني، المواد 399، 400.
[2] قانون الالتزامات والعقود الموريتاني، المدة 430 وما بعدها.
[3] مدونة التجارة الموريتانية، المادة 77 وما بعدها.
[4] قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية، المادة 5 المتعلقة
بحجية الوثائق.
[5] قانون الجريمة السيبرانية، المواد 21–24 الخاصة بالمعطيات المالية
الإلكترونية.
[6] قانون الإجراءات الجنائية الموريتاني، المادة 60 المتعلقة باللجوء
إلى الخبرة الفنية
[7] قانون الإجراءات الجنائية الموريتاني، المادة 55 المتعلقة بوسائل
التحقيق
[8] قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية الموريتاني، المادة
6 المتعلقة بوسائل الإثبات.
[9] قانون الإجراءات الجنائية الموريتاني، المادة 57 المتعلقة بوسائل
التحقيق وأوامر القاضي.
[10] القانون رقم 2017-017 المتعلق بحماية البيانات ذات الطابع الشخصي،
المواد 2–4.
[11] قانون الإجراءات الجنائية الموريتاني، المواد 55–60 المتعلقة
بوسائل التحقيق والخبرة، باعتبارها الإطار العام الذي يُرجع إليه في غياب قوانين
خاصة.
[12] القانون المغربي رقم 05-53 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات
القانونية، الصادر بتاريخ 30 نوفمبر 2007.
[13] قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية الموريتاني، المادة
7 المتعلقة بوسائل الإثبات.
[14] قانون الإجراءات الجنائية الموريتاني، المادة 154 المتعلقة
بالاستعانة بالخبراء.
[15] القانون رقم 2005-048 المتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل
الإرهاب، المادة 47 بشأن التعاون الدولي.
من أجل تحميل هذا المقال كاملا - إضغط هنا أو أسفله
